الفصل الثالث: في تخذيل المنافقين للصف الإسلامي
موقف المنافقين وخذلانهم للمسلمين في الأوقات الحرجة أوقات الضيق والمواقف الصعبة بينها الله ﷾ أولًا بأول ونحن عندما نستعرض القرآن الكريم نجد وفي أول سورة منه وهي البقرة١ بين لنا الله ﷾ مبدأهم وأنهم إنما يخادعون الله بأعمالهم وما شعروا أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم بين الله سبحانه هذا الموقف بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، وبين ﷾ أن في قلوبهم مرضًا وزادهم الله مرضًا فتأصل فيهم المرض وذلك بعد أن وضح لهم الطريق على لسان محمد ﷺ قال ابن كثير٣: "وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، بين الناس من كان يظهر الكفر وهو في الباطن مؤمن فلما هاجر رسول الله
_________________
(١) ١ قيل إنها أول سورة نزلت بالمدينة ما عدا ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فقد كانت آخر ما نزل كما قيل. انظر: تفسير القرآن العظيم ١/٣٥. ٢ سورة البقرة الآتين ٧، ٨. ٣ تفسير القرآن العظيم ١/٤٧.
[ ٢٥٩ ]
ﷺ إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، قال فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنه لم يكن للمسلمين شوكة تخاف، أقول: إن الحسد كان من مقومات نفاقهم - فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعز دينه قال عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأسًا في المدينة وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه فبقي في نفسه من الإسلام وأهله فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه فأظهر الدخول في الإسلام ودخل معه طوائف ممن هم على طريقته ونحلته وآخرون من أهل الكتاب فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب" أ. هـ.
قال١: "وقد نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون فيقع بذلك فساد عريض ولذلك قال سبحانه لنبيه موضحًا له ما ينطوون عليه من الكذب. ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ أي ابن كثير. ٢ سورة المنافقين الآية١٦.
[ ٢٦٠ ]
وقال ابن القيم: "وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها، ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشر آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد ثم استطرد قائلًا فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه وكم من علم له قد طمسوه" الخ١.
واستمر هذا الوضع الخطير حتى جاءت غزوة أحد وخرج رسول الله ﷺ لملاقاة أعدائه حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله ابن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال أطاعهم وعصاني٢ ما ندري علام
_________________
(١) ١ صفات المنافقين ١٦. ٢ يشير إلى المشاورة التي دارت قبل الخروج إلى أحد وكان من رأي كبير المنافقين القعود في المدينة ووافق الرسول مع القائلين بالخروج فأخذ من هذا حجة وذريعة.
[ ٢٦١ ]
نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس فرجع بمن إتبعه من قومه من أهل النفاق، والريب هكذا قال ابن إسحاق١ واستمر وضعهم هذا حتى جاءت هذه الغزوة - غزوة الخندق- فأنزل الله ﷾ فيهم سورة الأحزاب كما قال شيخ المفسرين وابن كثير وصاحب٢ الفتوحات الإلهية٣ أنها نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله ﷺ أما الآيات من سورة الأحزاب فقد ذكر سبحانه المنافقين في تسع آيات منها حيث قال تعالى بعد أن ذكر وامتن على عباده المؤمنين بنعمته عليهم وصرف عدوهم، وبين مجئ الأحزاب والحالة الشديدة التي عاناها المسلمون والبلاء الذي امتحنهم الله به فثبت المؤمنون وانكشف أعداء الله المنافقون فقال تعالى:
١- ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ٢/٦٤. ٢ وهو سليمان بن عمر بن منصور العجيلي المصري المعروف بالجمل ت ١٢٠٤هـ. انظر: معجم المؤلفين ٤/٢٧١. ٣ انظر: تفسير الطبري ٢١/١٣٣، تفسير ابن كثير ٣/٤٧٠، والفتوحات الإلهية ٣/٤٢١. ٤ سورة الأحزاب الآية ١٢.
[ ٢٦٢ ]
٢- ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ ١.
٣- ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ .
٤- ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ .
٥- ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
٦- ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ .
٧- ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
٨- ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .
٩- ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ١٣. ٢ سورة الأحزاب الآيات من ١١- ٢٠.
[ ٢٦٣ ]
وسأورد ملخصًا بتفسير الآيات من تفسير ابن كثير حيث قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ . يقول تعالى مخبرًا عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق ورسول الله ﷺ بين أظهرهم أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالًا شديدًا فحينئذ ظهر النفاق وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم ثم قال بعد إيراد الآية الأولى - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ﴾: أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسكة لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال، وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة كما جاء في الصحيح١: "أريت في المنام دار هجرتكم أرض بين حرتين فذهب وهلى٢ أنها هجر فإذا هي يثرب".
قوله: ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ﴾ ٣. أي ها هنا يعنون عند النبي ﷺ في مقام المرابطة. أما ابن الجوزي٤ فقد قال: "إن المنافقين قالوا ذلك لكثرة العدو"
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٢٦. ٢ الوهل - وهل إلى الشيء بالفتح يهل بالكسر وهلا بالسكون إذا ذهب وهمه إليه النهاية ٥/٣٣٣. ٣ سورة الأحزاب الآية ١٣. ٤ زاد المسير ٦/٣٥٩.
[ ٢٦٤ ]
قال: وهذا قول الجمهور قال: "وحكى الماوردي قولين آخرين أحدهما: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب قاله الحسن١، والثاني لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى طلب الأمان قاله الكلبي". أ. هـ٢.
وقوله ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال العوفي عن ابن عباس -﵄-: "هم بنو حارثة قالوا بيوتنا نخاف عليها السراق" قال ابن كثير: "وكذا قال غير واحد، قال وذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة أي ليس دونها ما يحجبها من العدو فهم يخشون عليها منهم ثم كذبهم الله فقال ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أي ليست كما يزعمون ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ أي هربًا من الزحف"٣.
_________________
(١) ١ هو الحسن البصري. ٢ هو: محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي (أبو النضر) مفسر أخباري نسابة راوية ولد بالكوفة وشهد دير الجماجم مع ابن الأشعث. وتوفي في الكوفة سنة ١٤٦. من آثاره تفسير القرآن وهو متهم بالكذب عند المحدثين روى له (ت فق) . انظر في ذلك: التقريب ٢٩٨، وانظر ترجمته في معجم المؤلفين ١٥/١٥. ٣ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٣.
[ ٢٦٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ﴾ الآيات.
قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ الآية﴾ أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة وقطر من أقطارها ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعًا. وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع وهذا ذم لهم في غاية الذم".
ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ أي وأن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد لابد من ذلك. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ الآيات١.
_________________
(١) ١ يشير إلى أن أناسًا غابوا عن بدر ورأو ما أعز الله به دينه وما أعطى عباده من الفضل والكرامة قالوا لئن أشهدنا الله قتالًا لنقاتلن فساق الله إليهم ذلك حتى كان في ناحية المدينة فصنعوا ما قص الله عليكم قاله قتادة. انظر: الدر المنثور ٥/١٨٨ قال ابن جرير وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم في الخندق بعد الذي كان منهم بأحد. جامع البيان ٢١/١٣٧.
[ ٢٦٦ ]
وقال: "يخبر تعالى عن احاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب والقائلين لإخوانهم أي أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار وهم مع ذلك ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ويستمر ﷾ يبين لنبيه صفات هؤلاء المنافقين وأنهم من جبنهم وخوفهم ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ وذلك لضعف يقينهم والله ﷾ العالم بهم"١.
الآثار الواردة في ذلك:
قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٢ قال: "قال ذلك أناس من المنافقين قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم وقد حصرنا ههنا ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته ما وعدنا ورسوله إلا غرورا٣. والأثر على ضوء هذا السند يعتبر حسنًا".
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٣. ٢ الأحزاب الآية ١١. ٣ جامع البيان ٢١/١٣١.
[ ٢٦٧ ]
وقال ﵀: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد١ قال: "قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي ﷺ يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله ﷺ: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" فأين هذا من هذا وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ فقال له كذبت لأخبرن رسول الله خبرك قال: فأتى رسول الله ﷺ فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ فقال: كذب عليّ يا رسول الله ما قلت شيئًا ما خرج هذا من فمي قط قال الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ قال فهذا قول الله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ " ٢. والأثر ضعيف لضعف ابن زيد لكنه يتقوى بانضمام غيره إليه.
وقال: حدثنا ابن بشار٣ قال ثنا محمد بن خالد بن عثمة قال ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال ثنى أبي عن أبيه قال: "خط رسول الله ﷺ الخندق وساق الحديث إلى أن قال:
_________________
(١) ١ هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم ضعيف من الثامنة مات سنة اثنتين وثمانين بعد المائة. روى له الترمذي وابن ماجه. التقريب ٢٠٢. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٣. ٣ هو محمد بن بشار وقد تقدم السند.
[ ٢٦٨ ]
"فحفرنا تحت دوبار حتى بلغنا الصرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل١ قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقى سلمان حتى أتى رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبة تركية٢ فقال يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من بطن الخندق مروة٣ فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجئ منها قليل ولا كثير فمرنا بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك".
فهبط رسول الله ﷺ مع سلمان في الخندق ورقينا نحن التسعة على شفة الخندق فأخذ رسول الله ﷺ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها٤ يعني لابتي المدينة حتى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون.
_________________
(١) ١ عدل عن الطريق جار ومال. انظر: مختار الصحاح ٤١٨. ٢ لعلها مصنوعة بها فتنسب إليها. ٣ المروة هي الحجارة البيض البراقة توري النار أو أصل الحجارة. القاموس المحيط ٤/٣٩٢. ٤ اللابة هي الحرة والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود. النهاية في غريب الحديث ٤/٢٧٤.
[ ٢٦٩ ]
وضربها رسول الله ﷺ الثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحًا في جوف مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة فكسرها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحًا في جوف مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح. ثم أخذ بيد سلمان فرقى. فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئًا ما رأيته قط فالتفت رسول الله ﷺ فقال: "هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا"١.
قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئًا غير ذلك قال: "صدقتم ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاء لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبرائيل ﵇ أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهر عليها.
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢١/١٣٤.
[ ٢٧٠ ]
ثم ضربت ضربتي الثالثة وبرق منها الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل ﵇ أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر " فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا الله النصر بعد الحصر. فطبقت الأحزاب فقال المسلمون: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ . الآية١.
وقال المنافقون: "ألا تعجبون يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق٢. ولا تستطيعون أن تبرزوا"٣.
وأنزل القرآن ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٤٥.وهكذا انتهى هذا الحديث الطويل مع أني اختصرت أوله؛ بل حذفته ومداره على كثير المزني وهو ضعيف كما تقدم إلا أن الحديث يتقوى بالشواهد والمتابعات.
_________________
(١) ١ سورة لأحزاب جزء من آية ١٢. ٢ الفرق: بفتح الفاء المعجمة الموحدة والراء المهملة. الخوف. مختار الصحاح ٥٠٠. ٣ جامع البيان ٢١/١٣٤. ٤ سورة الأحزاب الآية ١٢. ٥ جامع البيان ٢١/١٣٤.
[ ٢٧١ ]
وقد جاء بمعناه عند النسائي١ إلا إن عنده في الضربة الثالثة قال
"فرفعت لي مدائن الحبشة" وأخرجه أبو نعيم٢. كما أخرجه البيهقي٣ بلفظ مقارب له وقد ذكره ابن كثير٤ وقال في آخره: حديث غريب.
وقد ذكر ابن كثير عن الطبراني حديثًا يقوي الحديث السابق وهو مطابق له في المعنى مخالف له في اللفظ من طريق عبد الله بن يزيد٥ وفيه قال: "فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصارًا" الحديث٦.
_________________
(١) ١ سنن النسائي ٦/٤٣- ٤٤. ٢ في الدلائل ٣/٤٣٢. ٣ في دلائل النبوة ٣/٣٩٩. وفيه ذكر فتح الشام وفارس واليمن. ٤ البداية والنهاية ٤/١٠١. ٥ هو عبد الله المعافري أبو عبد الرحمن الحبلي بضم المهملة والموحدة - ثقة - من الثالثة مات سنة مائة بأفريقية روى له (بخ م ٤) أي البخاري في الأدب المفرد ومسلم والأربعة. ٦ البداية والنهاية ٤/١٠٠.
[ ٢٧٢ ]
قال ابن كثير: "حديث غريب من هذا الوجه وقال: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي - أحد رجال السند- فيه ضعف- إلا أنه لم يرد فيه ذكر للمنافقين. ثم أورد حديثًا آخر عند الطبراني وهو عن عكرمة عن ابن عباس وفيه قال: "اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها فقال رسول الله ﷺ: "دعوني فأكون أول من ضربها وقال بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم" ١.
وقد سكت ابن كثير عن هذا الحديث أما الهيثمي٢ فقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري وهما ثقتان".
وهذه الأحاديث متقاربة المعنى ويشد بعضها بعضا.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٠١. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٣٢ وقد تقدم الحديث بكامله في مبحث: دور المنافقين في هذه الغزوة.
[ ٢٧٣ ]
قال الطبري: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثنى يزيد بن رومان في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ ١ الآية إلى قوله تعالى فرارا﴾ .
يقول أوس بن قيظي: "ومن كان على ذلك من رأيه من قومه٢. والسند إلى يزيد بن رومان فيه ضعف لضعف ابن حميد".
قال ابن إسحاق: "وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث يا رسول الله: إن بيوتنا عورة من العدو وذلك في ملأ من قومه"أ: هـ٣.
وقال السيوطي: "وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا قال متعب بن قشير كان محمدًا يرى أن يأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية رقم ١٣: ويثرب اسم للمدينة قديم فغيرها النبي ﷺ وسماها طيبة وطابة كراهية التثريب وهو اللوم والتغيير، وقيل هو اسم أرضها، وقيل سميت باسم رجل من العماليق. النهاية في غريب الحديث ٥/٢٩٢. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٥. ٣ السيرة النبوية ٣/٢٢٢، تفسير ابن كثير ٣/٤٧٣، البداية والنهاية ٤/١٠٤.
[ ٢٧٤ ]
وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه بني حارثة: "إن بيوتنا عورة وهي خارجة من المدينة آئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا" فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم ومقالة من قال من أهل النفاق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الخ الآية١. ثم قال الطبري معقبًا على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيّ﴾ الآية قال: "يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله ﷺ في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله ﷺ"٢.
قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي لو دخل عليهم من نواحي المدينة ثم سئلوا الفتنة أي الشرك ﴿لَآتَوْهَا﴾ ٣ يقول: لأعطوها ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾
_________________
(١) ١ الدر المنثور ٥/١٨٦. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٥. ٣ قوله تعالى لآتوها: فيها قراءتان بالمد أعطوها وبالقصر جاءوها. انظر: جامع البيان ٢١/١٣٦- ١٣٧.
[ ٢٧٥ ]
يقول: "إلا أعطوها طيبة بها أنفسهم"١
وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ الآية٢.
وقال ﵀: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثني يزيد بن رومان في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ الآية وهم بنو حارثة وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين هما بالفشل يوم أحد ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم٣. مشيرًا بذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وقال السيوطي أيضا: "أخرج ابن أبي حاتم عن السدي٥ ﵁ في قوله:
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢١/١٣٦- ١٣٧. ٢ سورة الأحزاب الآية ١٥. ٣ جامع البيان ٢١/١٣٧. ٤ سورة آل عمران الآية ١٢٢. ٥ هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير القرشي (أبو محمد) مفسر سكن الكوفة توفي سنة ١٢٧هـ. من آثاره التفسير. معجم المؤلفين ١/٢٧٦. وهو عند المحدثين صدوق يهم روى له (م والأربعة) وانظر في ذلك التقريب ٣٤.
[ ٢٧٦ ]
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ قال: "إلى المدينة عن قتال أبي سفيان ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال: "جاءه رجلان من الأنصار من بني حارثة أحدهما يدعى أبا عرابة بن أوس والآخر يدعى أوس بن قيظي فقالا يارسول الله: "أن بيوتتنا عورة يعنون أنها ذليلة الحيطان وهي في أقصي المدينة ونحن نخاف السرق فائذن لنا فقال الله ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ " الآية١.
وقال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ الآية. قال: "كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضيلة" فقالوا: "لئن أشهدنا الله قتالًا لنقاتلن فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة"٢.
هذا الأثر سنده حسن إلى قتادة حيث إن بشر العقدي صدوق ويزيد وسعيد ثقتان. وهكذا بين الله ﷾ لنبيه بأن هؤلاء الذين
_________________
(١) ١ الدر المنثور ٥/١٨٨. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٧.
[ ٢٧٧ ]
يستأذنون بأنه لن ينفعهم الفرار وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ .الآيات١.
وقال بالنسبة للمعوقين: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢.
أما الآثار فقد قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾: "قال هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحمًا لا لتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي لا يشهدون القتال يغيبون عنه" الخ٣. وسند هذا الأثر مثل سابقه.
وقال ﵀: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ١٥، ١٦. ٢ سورة الأحزاب الآية ١٧. ٣ جامع البيان ٢١/١٣٩.
[ ٢٧٨ ]
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الخ الآية قال: "هذا يوم الأحزاب انصرف رجل من عند رسول الله ﷺ فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ فقال له أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله ﷺ بين الرماح والسيوف؟ فقال: "هلم إلى هذا فقد بلغ بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها١ محمد أبدًا فقال كذبت والذي يحلف به" قال: "وكان أخاه من أبيه وأمه أما والله لأخبرن النبي ﷺ أمرك".
قال وذهب إلى رسول الله ﷺ ليخبره قال فوجده قد نزل جبرائيل ﵇ يخبره ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ ". الخ٢.
سند هذا الأثر ضعيف لضعف ابن زيد وكون يونس - صدوق يخطئ أما ابن وهب فهو ثقة وقد ذكره السيوطي عن أبن أبي حاتم ينفس اللفظ٣.
_________________
(١) ١ قال في جامع البيان ٢١ (هامش ١٣٩ قال كذا في الأصل وفي الدر المنثور للسيوطي - لا يستقي لها- وما ذكره السيوطي ليس بواضح والذي ذكره الطبري أوضح نوعًا ما ومعناه والله أعلم: أن محمدًا وأصحابه مهزومون لا محالة ولا يمكن أن يستقبل هذه الجموع مرة أخرى. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٩. ٣ الدر المنثور ٥/١٨٨.
[ ٢٧٩ ]