كان سعد بن معاذ -﵁- من السابقين الأولين لاعتناق هذا الدين الحنيف بل أنه بإسلامه أسلم قومه بني عبد الأشهل وقد أسلم -﵁- على يد أول سفير أرسله رسول الله ﷺ إلى المدينة كان ذلك على يد مصعب بن عمير -﵁ وأرضاه-.
وقد شهد سعد رضي الله تعالى عنه بدرًا وكان له الموقف المشجع والشهير والذي حمده عليه رسول الله ﷺ. حيث قال للرسول ﷺ بعد كلام جميل فامض يارسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقي بنا عدونا غدًا أنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله. قال فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه١.
وقال ابن الأثير: "ومقاماته في الإسلام مشهورة وكبيرة ولو لم يكن له إلا يوم بدر لكفى"٢. أما دوره في هذه الغزوة فهو عظيم حيث أنه ﵁
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٣/٢٦٢. ٢ أسد الغابة ٢/٢٩٨- ٢٩٩.
[ ٣٤٩ ]
جاهد في الله حق جهاده حتى ضحى في النهاية بنفسه في سبيل الله وفي سبيل إعلاء دينه حيث مات شهيدًا من آثار رمية رماه بها أحد المشركين أيام غزوة الأحزاب، وسلم نفسه ﵁ لله راضيًا مرضيًا.
بعد أن حكم في بني قريظة حيث كانت مشاعر التغيظ في أفئدة المسلمين نحوهم قد بلغت ذروتها. وعن مشاركته في الخندق يقول ابن إسحاق:
وحدثني أبو ليلي عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري أخو بني حارثة١ أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة قال وكانت أم سعد بن معاذ في الحصن قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة٢ قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرقد٣ بها ويقول:
_________________
(١) ١ أبو ليلى عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري المدني ويقال اسمه عبد الله - ثقة - من الرابعة. قال البخاري عبد الله بن سهل سمع من عائشة. التقريب ٤٢٤، تهذيب التهذيب ١٢/٢١٥. ٢ مقلصة: "قصيرة قد ارتفعت يقال تقلص الشيء إذا ارتفع وانقبض. مختار الصحاح ٥٤٨، النهاية في غريب الحديث ٤/١٠٠ حيث قال ومنه حديث عائشة أنها رأت على سعد درعًا مقلصة. أي مجتمعة منضمة. ٣ هكذا في سيرة ابن هشام ٢/٢٢٦ ثم قال الشراح في الهامش: "يرقد يسرع وفي سائر الأصول: "يرقل: "والظاهر أنها كما في الأصل: "يرقد - قال في القاموس المحيط أثناء شرحه لكلمة (الرقد) والأرقداد الأسراع. وهو مصدر. انظر القاموس ١/٢٩٥. وكما قال السهيلي أن يرقد بمعنى يسرع - الروض الأنف ٣/٢٨٠ ويمكن أن تكون (يرقل) إلا أنها بعيدة بناء على ما ذكره صاحب القاموس حيث قال في ٣/٣٨٦ في كلمة الرقلة وأرقل أسرع: "على وزن أفعل. ويمكن أن تكون (يرفل) بالفاء المعجمة الموحدة بناء على ما ذكره صاحب القاموس حيث قال في ٣/٣٨٦ في كلمة - رفل - وأرفل جر ذيله وتبختر أو خطر بيده. وقد جاء في غزوة أحد أن أباد جانة كما قال ابن إسحاق كان رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب وأنه خرج عصابة حمراء فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين فلما رآه ﷺ قال أنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن. انظر البداية والنهاية ٤/١٥ والله أعلم.
[ ٣٥٠ ]
"لبث قليلًا يشهد الهيجاء حمل١ لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت أمه٢ إلحق بني فقد والله أخرت قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ٣ مما هي عليه قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل٤
_________________
(١) ١ ورد في بعض الأصول (جمل) بالجيم المعجمة ويبدو أنه تصحيف والحق أنه حمل بن سعد بن حارثة بن معقل بن عليم بن جناب الكلبي. انظر: "الروض الأنف للسهيلي ٣/٢٨٠، فقه السيرة للغزالي هامش صفحة ٣٢٧. ٢ اسمها كبشة بنت رافع وهذا يدل على تضحيتها وفدائها حيث تحث ابنها على الإسراع إلى الجهاد في سبيل الله. وانظر ترجمتها في الاستيعاب ٤/٤٦٠. ٣ أسبغ: "أكمل وأطول. ٤ الأكحل عرق في الذراع ويسمى عرق الحياة وهو في وسط الذراع ويقال أن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النساء إذا قطع لم يرقأ الدم. انظر النهاية في غريب الحديث ٤/١٥٤، فتح الباري ٧/٤١٣.
[ ٣٥١ ]
رماه كما حدثني عاصم بن قتادة١ حبان٢ بن قيس بن العرقة٣ أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة فقال له سعد: "عرق الله وجهك في النار٤ اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله٥ لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة"٦. والحديث حسن على ضوء هذا السند.
وقد أورده الهيثمي بسياق أطول مما هنا وفيه تفسير لبعض الغريب وهذا نصه: "وعن عائشة قالت خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس فسمعت وئيد الأرض من ورائي يعني حس الأرض قالت فإذا أنا بسعد
_________________
(١) ١ قد تقدمت ترجمته. ٢ قال السهيلي في الروض ٣/٢٨٠ والذي رمى سعدًا هو حبان بن قيس وقد قيل في الذي رماه غير ذلك وسيأتي. ٣ العرقة اسمها قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم سميت العرقة لطيب ريحها وهي جدة خديجة أم أمها هالة وتكنى أم فاطمة. الروض الأنف ٣/٢٨٠. ٤ وفي مكان آخر أن قائل هذا الدعاء هو النبي ﷺ. ٥ الضمير يرجع إلى الجرح الذي حصل له من الرمية التي رمي بها ﵁. ٦ السيرة النبوية ٢/٢٢٧.
[ ٣٥٢ ]
بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه١ قالت فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد قالت وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم قالت فمر وهو يرتجز٢.
قالت: "فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين وإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له تعني المغفر فقال عمر ما جاء بك لعمري إنك لجريئة وما يؤمنك ألا يكون تحوز٣ قالت فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها، قال٤ فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله فقال ويحك يا عمر إنك قد أكثرت منذ اليوم وأين التحوز والفرار إلا إلى الله تعالى قالت ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له
_________________
(١) ١ المجن: "هو الترس لأنه يواري حامله أي يستره والميم زائدة. النهاية في غريب الحديث ١/٣٠٨. ٢ قولها يرتجز إشارة إلى البيت الذي قاله وثبت عند ابن إسحاق وهو: "لبث قليلًا يشهد الهيجا حمل. ٣ ذكر ابن الأثير في مادة (حوز) ومعناه التنحي إلى مكان آمن كما في قوله تعالى: " ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ النهاية لابن الأثير بتصرف ١/٤٥٩. ٤ احسب أن بدل قال قلت حتى تعود لعائشة كسابقه.
[ ٣٥٣ ]
خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله سعد فقال اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فيخرجوا من صياصيهم١. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمر بقبة من أدم٢ فضربت على سعد في المسجد"٣. أ. هـ. من حديث طويل ذكر فيه بني قريظة أيضًا.
وقد خرج حديث عائشة هذا الطبري٤ كما ذكره ابن كثير٥ وغيره من المؤرخين. قال الهيثمي قلت: "في الصحيح بعضه٦ ثم قال: "رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات".
وهو من زوائد عبد الله بن أحمد وهذا نصه:
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا ابن نمير ثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن
_________________
(١) ١ صياصيهم: "حصونهم. ٢ من أدم أي من جلد وقد جاء أنها خيمة رفيدة الأسلمية لأنها كانت تداوى فيها الجرحى. انظر: "البداية والنهاية ٤/١٢١. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٣٧. ٤ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٩- ٥٠. ٥ البداية والنهاية ٤/١٠٨. ٦ مجمع الزوائد ٦/١٣٨.
[ ٣٥٤ ]
العرقة في الأكحل فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب" ١. والحديث بهذا السند يعتبر صحيحًا والله أعلم.
قلت: "وذكره الألباني في الصحيحة٢ وعزاه إلى من تقدم ذكرهم".
وقال الحاكم: "سعد يكنى أبا عمرو وكان لواء الأوس معه يوم الخندق فرمي في أكحله بسهم فقطعه ونزف وذلك في سنة خمس من الهجرة" أ. هـ. ٣
وقال ابن الأثير: "ورمي سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله رماه حبان بن قيس بن العرقة وساق الكلام بمثل ما جاء في حديث عائشة المتقدم٤. كما ذكر ذلك البيهقي عن ابن إسحاق٥.
قال المقريزي في سياقه لحديث الخندق: "قال محمد بن مسلمة وغيره كان ليلنا بالخندق نهارًا وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه.. إلى أن قال:
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ٦/٥٦، ١٤١ وهو في الأخيرة أتم. ٢ ١/١٠٣. ٣ المستدرك ٣/٢٠٥. ٤ الكامل ٢/١٢٤- ١٢٥. ٥ الدلائل ٣/٤٤١.
[ ٣٥٥ ]
"حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفًا شديدًا وكان معهم رماة يقدمونهم إذا غدوا متفرقين أو مجتمعين بين أيديهم وهم حبان بن العرقة وأبو أسامة الجشمي في آخرين١ فتناوشوا يومًا بالنبل ساعة وهم جميعًا في وجه واحد وجاه قبة رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ قائم بسلاحه على فرسه فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله وقال خذها وأنا ابن العرقة فقال ﷺ عرق الله وجهه في النار ويقال بل رماه أبو أسامة الجشمي" أ. هـ. ٢
قال ابن الأثير: "وقيل إن الذي رمى سعدًا هو أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم"٣. قال ابن إسحاق: "وحدثني من لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول: "ما أصاب سعدًا يومئذ بالسهم إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم وقال في ذلك شعرًا ذكره ابن إسحاق حيث" قال: "وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرًا لعكرمة بن أبي جهل:
_________________
(١) ١ وقيل كان ثالثهم وحشي قاتل حمزة ﵁ في غزوة أحد. ٢ إمتاع الأسماع ١/٢٣٢. ٣ الكامل ٢/١٢٥.
[ ٣٥٦ ]
أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذي ألزمت سعدًا مرشة لها بين أثناء المرافق عاند١
قضى نحبه منها سعيد فاعولت عليه مع الشمط العذاري النواهد٢
وكان قد قال ابن إسحاق: "رماه كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة حبان بن قيس بن العرقةالخ"٣. وبهذا القول قال الطبري٤.
أما ابن هشام فقد قال: "ويقال إن الذي رمى سعدًا: "خفاجة بن عاصم بن حبان٥. وعلى كل حال فالله أعلم أي ذلك كان فبالنسبة للقولين الذين ذكرهما ابن إسحاق فهما منقطعان والذين روى عنهما ابن إسحاق كلاهما ثقة إلا أنهما متأخران. فأحدهما من الطبقة الثالثة وهو عبيد الله بن كعب والثاني من الطبقة الرابعة وهو عاصم بن عمر بن قتادة".
_________________
(١) ١ العاند: "العرق الذي لا ينقطع منه الدم. ٢ النحب: "الموت وأعولت بكت بصوت مرتفع والشمط جمع شمطاء وهي التي خالط شعرها الشيب والعذارى الأبكار والنواهد جمع ناهد وهي التي ظهر نهدها". السيرة النبوية ٢/٢٢٧. ٣ انظر: "السيرة النبوية ٢/٢٢٧. ٤ تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٩. ٥ السيرة النبوية ٢/٢٢٨.
[ ٣٥٧ ]
أما رأي ابن هشام فقد ورد بصيغة التمريض فهو متنف وبعيد. والراجح مع القائلين بأنه - حبان بن العرقة - لكثرتهم أما من قال أنه أبو أسامة الجشمي فلعله شارك إلا أنه ينتفي لتحديدهم الرمية في الأكحل.
قال ابن الأثير: "فلما قال سعد ما قال انقطع الدم وقد أعطاه الله ما طلب فاندمل جرحه واستمر يجاهد مع رسول الله ﷺ في تلك الغزوة"١.
قال ابن كثير: "وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك. فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذرايهم حتى أن الرسول ﷺ قال له لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة" ٢.
هذا جانب من جهاد سعد بن معاذ ﵁ وهو جانب مشرق حقًا يدل لذلك دعاءه عندما أصيب في أكحله وقد روى البخاري حديثًا اشتمل على بعض ما تقدم وفيه زيادة حسنة وهذا نصه: "قال البخاري ﵀:
_________________
(١) ١ الكامل ٢/١٢٥. ٢ البداية والنهاية ٤/١٠٨.
[ ٣٥٨ ]
"حدثنا زكريا بن يحي١ حدثنا عبد الله بن نمير٢ حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة رماه في الأكحل فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار" فقال: "قد وضعت السلاح والله ما وضعته أخرج إليهم قال النبي ﷺ فأين: "فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه فرد الحكم إلى سعد قال فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم". قال هشام: "فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: "اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب
_________________
(١) ١ زكريا بن يحي بن زكريا بن أبي زائدة الوادعي أبو زائدة الكوفي صدوق من الحادية عشرة روى له (خ) التقريب ١٠٨. ٢ عبد الله بن نمير بنون مصغرًا همداني أبو هشام الكوفي - ثقة صاحب حديث- من أهل السنة من كبار التاسعة مات سنة ١٩٩هـ. التقريب ١٩٢.
[ ٣٥٩ ]
فأفجرها واجعل موتى فيها. فانفجرت من لبته١ فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم". فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو٢ جرحه دمًا فمات منها ﵁". أ. هـ. ٣
ورواه أحمد بأخصر من هذا٤ عن ابن نمير وتقدم في أول هذا المبحث: "وقد ساق الترمذي حديثًا يبين معاناة سعد من ذلك الجرح ولما دعا الله استمسك حتى أقر الله عينه في بني قريظة ووفى له ما طلب مات ﵁.
قال أبو عيسى ﵀:
_________________
(١) ١ انفجرت من لبته: "اللبة بفتح اللام وتشديد الموحدة هي موضع القلادة من الصدر وهو مشكل حيث أنه الأكحل بعيد عن لبته إلا أن الحافظ بين ذلك حيث قال: "وكان موضع الجرح ورم حتى اتصل إلى صدره فأنفجر من ثم. انظر: "الفتح ٧/٤١٥ وعن سبب الانفجار قال الحافظ بين سبب ذلك في مرسل حميد بن هلال عند ابن سعد ولفظه: "أنه مرت به عنز وهو مضطجع فأصاب ظلفها الجرح فانفجر حتى مات". انظر: فتح الباري ٧/٤١٥. ٢ يغذو بغين وذال معجمتين أي يسيل. ٣ صحيح البخاري ٥/٥١، فتح الباري ٧/٤١١- ٤١٥. ٤ مسند الإمام أحمد ٦/٥٦.
[ ٣٦٠ ]
"حدثنا قتيبة حدثنا الليث١ عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: "رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله أو أبجله٢ فحسمه رسول الله ﷺ بالنار فانتفخت يده فتركه فنزفه٣ الدم فحسمه أخرى فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال: "اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ فأرسل إليه فحكم أن يقتل رجالهم وتستحي نساؤهم يستعين بهم المسلمون فقال رسول الله أصبت حكم الله فيهم، وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات"٤. ورواه مسلم٥ بأخصر من هذا وفيه فحسمه رسول الله ﷺ بمشقص٦ وفيه بدل انتفخت ورمت ورواه أحمد٧ والدارمي٨ وقد
_________________
(١) ١ هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري - ثقة ثبت - فقيه إمام مشهور من السابعة مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة. التقريب ١٨٧. ٢ شك من الراوي وكلاهما يصح فالأكحل تقدم بيانه والأبجل قال فيه صاحب القاموس هو عرق غليظ في الرجل وفي اليد بإزاء الأكحل. القاموس ٣/٣٣٢. ٣ النزف: "هو السيلان بكثرة. ٤ سنن الترمذي ٣/٧١، ٧٢ وقال هذا حديث حسن صحيح. ٥ صحيح مسلم ٤/١٧٣١ كتاب السلام. ٦ المشقص: "هو حديد طويل غير عريض كنصب السهم. انظر: "القاموس ٢/٣٠٦. ٧ مسند الإمام أحمد ٣/٣١٢، ٣٥٠، ٣٨٦. ٨ سنن الدارمي ٢/١٥٦.
[ ٣٦١ ]
أورده ابن كثير١ بهذا اللفظ وعزاه للإمام أحمد.
فضله ﵁:
كان ﵁ في أثناء حياته ملازمًا لرسول الله ﷺ لم يخرج إلى غزوة إلا خرج سعد معه فنجده في الغزوات المشهورة والعظيمة مثل بدر وما قام به من دور فيها مشهور وفي غزوة أحد كان له دوره المشرف وجاءت غزوة الخندق حيث أراد الله له الحسنى فضرب أروع الأمثلة.
وحتى بعد أن رمي في أكحله استمر مجاهدًا في سبيل الله حتى حقق الله ما طلب وشفى قلبه من اليهود الذين خذلوا دين الله وخذلوا رسوله في وقت عصيب ولكن الله ﷾ رد كيدهم في نحورهم، وحكم فيهم سعد ﵁ فأخذوا وقتلوا تقتيلًا على مرأى ومسمع من المسلمين وذلك انتقام من الله جزاء بعض ما فعلوه.
عقب ذلك كله مات ﵁ راضيًا مرضيًا. ويظهر فضله ويبرز للعيان بعد موته ونعمت النهاية التي جاهد في حياته لنيلها يتمثل ذلك في اهتزاز العرش لموته روى الإمام مسلم ﵀ حيث قال:
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٢٠، التفسير ٤/٤٧٨.
[ ٣٦٢ ]
حدثنا عبد بن حميد١ أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج٢ أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: "إهتز لها عرش الرحمن" الحديث٣.
كما رواه البخاري٤ والترمذي٥ والنسائي٦ ولفظه " تحرك له العرش" - ولم يذكر فيه سعد - وابن ماجه٧ وأحمد٨.
ما قاله العلماء حول تفسير هذا الحديث:
قال النووي: "وقد اختلف العلماء في تأويله. فقالت طائفة هو على ظاهره واهتزاز العرش تحركه فرحًا بقدوم سعد وجعل الله في العرش تمييزًا
_________________
(١) ١ عبد بغير إضافة ابن حميد بن نصر أبو محمد - ثقة حافظ ت ٢٤٩هـ. التقريب ٢١٩. ٢ هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي - ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل. التقريب ٢١٩. ٣ صحيح مسلم ٤/١٩١٥ كتاب فضائل الصحابة. ٤ صحيح البخاري مناقب الأنصار ١٢، الفتح ٧/١٢٢. ٥ سنن الترمذي ٥/٣٥٣ المناقب. ٦ سنن النسائي ٤/١٠١. ٧ سنن ابن ماجه المقدمة ١/٥٦. ٨ مسند أحمد ٣/٢٤، ٢٣٤، ٤/٤٥٢، ٦/٣٢٩، ٤٥٦.
[ ٣٦٣ ]
حصل به هذا ولا مانع منه كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١الآية. وهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار".
وقال آخرون المراد اهتزاز العرش وهم حملته وغيرهم من الملائكة فحذف المضاف والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول ومنه قول العرب فلان يهتز للمكارم لا يريدون اضطراب جسمه وحركته وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها٢.
وكانت هذه المنقبة العظيمة له عند موته.
كما أن منزلته ﵁ في الجنة عظيمة وذلك لما قدمه من تضحيات وفداء في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمته ونصر دينه فوفاه الله ما وعده لذلك قال البخاري ﵀: "حدثنا مسدد٣ حدثنا يحي بن سعيد٤ عن سفيان٥ قال حدثني أبو إسحاق٦ قال سمعت البراء بن
_________________
(١) ١ سورة البقرة جزء من الآية ٧٤. ٢ صحيح مسلم وشرحه للنووي ٤/١٩١٥. ٣ مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري أبو الحسن - ثقة - حافظ من العاشرة ت سنة ثمان وعشرين بعد المائتين ويقال اسمه عبد الملك بن عبد العزيز ومسدد لقبه. التقريب ٣٣٤. ٤ يحي بن سعيد هو القطان وهو ثقة وقد تقدم. ٥ سفيان هو الثوري وقد تقدم. ٦أبو إسحاق هو السبيعي ثقة وقد تقدم.
[ ٣٦٤ ]
عازب ﵄ قال أُتَي رسول الله ﷺ بثوب من حرير فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه فقال رسول الله ﷺ: "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا؟ " ١.
كما رواه مسلم٢ والترمذي٣ والنسائي٤ وابن ماجه٥ والإمام أحمد٦. هذا جانب من دوره ﵁ في سبيل نصر هذا الدين حتى إنه وفي آخر أيامه وبعد إصابته في أكحله صبر وصابر واحتسب وهانت نفسه في سبيل الله ودعا بدعائه المشهور وأبقاه الله حتى نفذ حكم الله في أعداء الله وأعداء رسوله وما مات حتى قرت عينه ورضي قلبه من أولئك اليهود الذين ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
أما حكمه ﵁ في بني قريظة فكان قويًا ومؤثرًا وقاطعًا لدابر أي محاولة أخرى من قبل اليهود حيث صدر الحكم ممن يرجون
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب ص ١٢، بدء الخلق ب ٨، والفتح ٦/٣١٩. ٢ صحيح مسلم ٤/١٩١٦ فضائل الصحابة. ٣ سنن الترمذي ٣/١٣٣، ٥/٣٥٢. ٤ سنن النسائي ٨/١٩٩. ٥ سنن ابن ماجه ١/٥٥- ٥٦. ٦ مسند الإمام أحمد ٣/١١١، ١٢٢، ٢٠٧.
[ ٣٦٥ ]
ويأملون منه المساعدة وهذه حكمة الله حيث أهلكهم بحكم سعد ﵁ وكانوا حلفاؤه ومواليه ولكنه ﵁ أطلق كلمته المشهورة "قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم"١.
قال ابن سعد: "وبعد أن حكم فيهم مرت عنز وهو مضطجع فأصابت الجرح بظلفها فما رقأ حتى مات"٢قال ابن إسحاق وقالت أمه حين احتمل سعد على نعشه تندبه:
ويل أم سعد سعدا صرامة وجدا
وسؤددًا ومجدا وفارسًا معدا
سدبه مسدا يقدها ما قدا٣
قال ابن كثير: "وكانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة ثم استطرد مبينًا حديث عائشة ﵂ حيث قالت: "ثم دعا سعد فقال: "اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قال فانفجر
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٢٤. ٢ الطبقات الكبرى ٢/٧٨، فتح الباري ٧/٤١٥. ٣ يقدها يقطعها. انظر: "السيرة النبوية ٢/٢٥٢.
[ ٣٦٦ ]
كلمه وكان قد برئ حتى لا يرى منه إلا مثل الخرص ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ" قالت عائشة: "فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر" قالت: "فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وانا في حجرتي وكانوا كما قال الله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١. قال علقمة فقلت يا أمه فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع قالت كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما آخذ بلحيته٢. قال ابن كثير وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة.
_________________
(١) ١ سورة الفتح الآية الأخيرة. ٢ البداية والنهاية ٤/١٢٤، الصحيحة للألباني ١/١٠٥.
[ ٣٦٧ ]