أما بالنسبة لتحديد زمن هذه الغزوة فقد اختلف العلماء في ذلك وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والخامسة للهجرة النبوية الشريفة، وقد شذ اليعقوبي١ فقال: إنها كانت في السنة السادسة بعد مقدم رسول الله ﷺ بخمسة وخمسين شهرًا٢.
وهذا التحديد يبدو أنه خطأ بدليل التفصيل بعده بالأشهر ولأن الخمسة والخمسين شهرًا تأتي أقل من خمس سنوات فلينظر.
وسأذكر فيما يلي رأي كل فريق مع أدلته وترجيح ما يظهر بالدليل بعد المناقشة والتحليل حسب الإمكان:
أ- القائلون بأنها كانت سنة أربع:
_________________
(١) ١ هو أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر ابن وهب بن واضح العباسي، ويعرف بابن واضح وباليعقوبي واليعقوبي - مؤرخ - من مؤلفاته التاريخ - توفي سنة ٢٨٤، معجم المؤلفين ١/١٦١. ٢ تاريخ اليعقوبي ٢/٥٠.
[ ٦١ ]
الزهري ثم تابعه موسى بن عقبة صاحب المغازي قال ابن كثير١: "وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى٢ بن داود عنه"٣.
وقد ذكر البخاري رأي موسى بن عقبة في صحيحه فقال: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" هكذا رواه تعليقًا وبه قال٤ أثبت ذلك الحافظ حيث قال: "ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة٥
_________________
(١) ١ هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصروي ثم الدمشقي المعروف بابن كثير - عماد الدين أبو الفداء - محدث مؤرخ مفسر فقيه ولد عام ٧٠٠ وتوفي ٧٧٤. انظر معجم المؤلفين ٢/٢٨٣. ٢ موسى بن داود هو الضبي، أبو عبد الله الطرسوسي نزيل بغداد، ولي قضاء طرسوس الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف - صدوق فقيه - له أوهام من صغار التاسعة مات سنة (٢١٧) روى له (م د س ق) التقريب ٣٥٠. ٣ البداية والنهاية ٤/٩٣. ٤ صحيح البخاري ٥/٤٤. ٥ فتح الباري ٥/٢٧٨ و٧/٣٩٣.
[ ٦٢ ]
وقد تابع هؤلاء في ذلك ابن قتيبة١ والفسوي٢ وابن حزم٣ والنووي٤ وابن خلدون"٥.
_________________
(١) ١ المعارف ٧٠، وابن قتيبة هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد عالم مشارك في أنواع العلوم كاللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه وغريب الحديث والشعر والفقه والأخبار وأيام الناس وغير ذلك. سكن بغداد وحدث بها ولي قضاء الدينورت ٢٧٦هـ. تاريخ بغداد ١٠/١٧٠، انظر السير ١٣/٢٩٦. ٢ المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨ تحقيق أكرم العمري والفسوي هو: يعقوب بن سفيان الفارسي أبو سفيان - ثقة حافظ - من الحادية عشرة مات سنة سبع ومائتين، روى له (س ق) التقريب ٣٨٦. ٣ جوامع السيرة ١٨٥ وابن حزم هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي الأندلسي القرطبي اليزيدي - أبو محمد - فقيه أديب أصولي محدث حافظ متكلم مشارك في التاريخ والأنساب واللغة والشعر ولد بقرطبه وتوفي عام (٤٥٦) تذكرة الحفاظ ٣/١١٤٦، السير ١٨/١٨٤. ٤ في تهذيب الأسماء واللغاب ١/٢٠، والروضة ١٠/٢٠٧، والنووي هو: محي الدين أبو زكريا يحى بن شرف بن مرى الحزامي الحوراني صاحب التصانيف النافعة ولد سنة (٦٣١) وتوفي (٦٧٦هـ) انظر في ذلك تذكرة الحفاظ ٤/١٤٧٠-١٤٧٤. ٥ تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩، وابن خلدون هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد الحضرمي الأشبيلي التونسي ثم القاهري المالكي المعروف بابن خلدون ولي الدين أبو زيد عالم أديب مؤرخ توفي (٨٠٨)، انظر الضوء اللامع للسخاوي ٤/١٤٥، ومعجم المؤلفين ٥/١٨٨.
[ ٦٣ ]
كما قال به النسفي١. أمّا خليفة٢ بن خياط فلم توجد الغزوة في تاريخه٣ ويبدو أنها سقطت منه٤.
وذكر ابن العربي٥ أن ابن وهب٦ وابن القاسم٧ قالا بذلك٨ ولذلك قال ابن حزم:
_________________
(١) ١ مدارك التنزيل وحقائق التأويل ٤/١٥٦ والنسفي هو: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي حافظ الدين أبو البركات فقيه أصولي مفسر متكلم توفي في ايزخ قرب أصبهان ت (٧١٠هـ) معجم المؤلفين ٦/٣٢. ٢ خليفة بن خياط بن خليفة العصفري التميمي البصري الملقب - شباب - بفتح المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة صدوق ربما أخطأ وكان اخباريًا علامة من العاشرة مات سنة أربعين ومائتين وقد روى له البخاري. انظر التقريب ٩٤. ٣ تاريخ خليفة بن خياط ص ٧٧. ٤ قاله محقق الكتاب الدكتور أكرم العمري. ٥ هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الأندلسي الأشبيلي المالكي المعروف بابن العربي أبو بكر عالم مشارك في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتاريخ وغير ذلك توفي (٥٤٣) . تذكرة الحفاظ ٤/١٢٩٤. ٦ عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد من التاسعة مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، روى له (ع) التقريب ١٩٣. ٧ عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف، أبو عبد الله البصري الفقيه صاحب مالك (ثقة) من كبار العاشرة مات سنة إحدى وتسعين ومائة روى له (خ مد س) التقريب ٢٠٨. ٨ أحكام القرآن ٣/١٥١.
[ ٦٤ ]
"والثابت أنها في الرابعة بلا شك مستدلًا بحديث ابن عمر الآتي. ثم عقب قائلًا فصح أنه لم يكن بينهما - أي بين أحد والخندق - إلا سنة واحدة فقط"١.
والقائلون بأنها كانت سنة أربع جميعهم يستدلون بحديث ابن عمر وهذا سياقه. قال البخاري ﵀: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم٢ حدثنا يحيى بن سعيد٣ عن عبيد الله٤ قال أخبرني نافع٥ عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ عرضه يوم
_________________
(١) ١ جوامع السيرة ١٨٥. ٢ هو الدروقي - حافظ فقيه - من العاشرة روى له (ع) ت (٢٥٢) التقريب ٣٨٦، وتهذيب التهذيب ١١/٣٨١. ٣ يحى بن سعيد القطان ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة روى له (ع) ت (١٩٨) التقريب ٣٧٥. ٤ هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني - أبو عثمان ثقة ثبت - وهو أحد الفقهاء السبعة من الخامسة روى له (ع) ت (١٤٧) تهذيب التهذيب ٧/٣٨. ٥ نافع هو أبو عبد الله الفقيه مولى عبد الله بن عمر أصابه ابن عمر في بعض مغازيه ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة روى له (ع) مات سنة (١١٧) أو بعد ذلك، تهذيب التهذيب ١٠/٤١٢.
[ ٦٥ ]
أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه"١.
الحديث رواه أيضا مسلم٢ وأبو داود٣ والترمذي٤ والنسائي٥ وابن ماجه٦ وأحمد٧ وأبو عوانه٨ والبيهقي٩.
هذا الحديث مخرج في الصحيحين كما هو مبين وفي غيرهما من كتب السنة وقد أورده القائلون بأن هذه الغزوة كانت سنة أربع دليلًا لهم.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٥/٨٩ كتاب المغازي باب غزوة الخندق. ٢ صحيح مسلم كتاب الإمارة باب سن البلوغ. حديث رقم (١٨٦٨) ٣ سنن أبي داود ٢/١٢٤ كتاب الخراج والفي باب متى يفرض للرجل في المقاتلة، ٢/٤٥٣كتاب الحدود باب في الغلام يصيب الحد. ٤ سنن الترمذي ٢/٤٠٧ باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، ٣/١٢٧ باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له. ٥ سنن النسائي ٦/١٢٧ كتاب الطلاق باب متى يقع طلاق الصبي. ٦ سنن ابن ماجه ٢/٨٥٠ كتاب الحدود باب من لا يجب عليه الحد. ٧ مسند أحمد ٣/١٧. ٨ مسند أبي عوانة ٤/٥٣-٥٤. ٩ دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
[ ٦٦ ]
والزهري من القائلين بهذا القول وقد مر أن موسى بن عقبة روى عنه أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع١.
ومع ذلك فقد صرح في موضع آخر بأن الخندق بعد أحد بسنتين٢ وأحد كانت في السنة الثالثة٣ وهو قول الجمهور.
ب - القائلون بأن هذه الغزوة كانت في شوال سنة خمس:
أما الذين قالوا بأنها كانت سنة خمس فهم كثيرون وهم الجمهور كما قال ابن كثير٤. ويتقدمهم أمام أهل المغازي ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة٥ والبيهقي٦ وغير واحد من العلماء سلفًا وخلفًا٧.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/٩٣، أحكام القرآن ٣/١٥١٠. ٢ البداية والنهاية ٤/٩٣، أحكام القرآن ٣/١٥١٠. ٣ وهو قول جل أهل المغازي والسير. ٤ البداية والنهاية ٤/٩٤. ٥ قتادة بن دعامة السدوسي (أبو الخطاب) البصري (ثقة) ثبت يقال ولد أكمه وهو رأس الطبقة الرابعة ت (١١٧) أو (١١٨) روى له (ع) . التقريب ٣٨١، وتهذيب التهذيب ٨/٣٥١. ٦ هو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي البيهقي الخراساني أبو بكر محدث فقيه ولد عام ٣٨٤هـ، وتوفي عام ٤٥٨، وعمل كتبًا كثيرة لم يسبق إلى تحريرها. تذكرة الحفاظ ٣/١٣٢. ٧ البداية والنهاية ٤/٩٣.
[ ٦٧ ]
وممن قال به أيضا الواقدي وكاتبه ابن سعد١ لكنهما قالا: "إنها كانت في ذي القعدة وتابعهما في ذلك المقريزي"٢. حيث قال: "وكان من خبرها أن رسول ﷺ عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة سنة خمس"٣.
أما ابن هشام٤ فقد قال: "بأنها كانت في شوال وفي سنة خمس متابعًا في ذلك ابن إسحاق"٥.
_________________
(١) ١ محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم البصري نزيل بغداد كاتب الواقدي صدوق فاضل من العاشرة توفي سنة (٣٠) وهو ابن اثنتين وستين، روى له أبو داود فقط. التقريب ٢٩٨، وانظر مغازي الواقدي ٢/٤٤٠، والطبقات الكبرى ٢/٦٥. ٢ أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد المحيوي الحسيني ت (٨٤٥) انظر الضوء اللامع ٢/٢١. ٣ الامتاع ١/٢١٦. ٤ عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري الذهلي السدوسي المعافري البصري (أبو محمد) أخباري نسابة أديب لغوي نحوي قدم مصر وحدث بها وتوفي فيها سنة (٢٦٣) . انظر سير أعلام النبلاء ١٠/٤٢٨. ٥ السيرة النبوية ٢/٢١٤.
[ ٦٨ ]
وقال به أيضًا البلاذري١ والطبري٢ والمسعودي٣ وابن عبد البر٤ والخطيب٥.
_________________
(١) ١ أحمد بن يحى بن جابر بن داود البغدادي البلاذري أديب شاعر مؤرخ من أهل بغداد سمع بدمشق وبإنطاكية وهو صاحب التصانيف وسمع من ابن سعد والدولابي قال ابن عساكر بلغني أنه كان أديبًا راوية وأنه مدح المأمون وجالس المتوكل وتوفي في أيام المعتمد وشوش في آخر أيامه وكانت وفاته (٢٧٩) لسان الميزان ١/٣٢٢، وتذكرة الحفاظ (٢٩٣) . ٢ محمد بن جرير الطبري أحد الأعلام وصاحب التصانيف من أهل آمل طبرستان، أكثر التطواف وسمع محمدًا بن عبد الملك بن أبي الشوارب وأبا همام السكوني وغيرهما ت ٣١٠هـ، انظر تذكرة الحفاظ ٢/٧١٠، وقال ذلك في كتابه تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٣. ٣ قاله في التنبيه والإشراف ص ٢١٦، والمسعودي هو: علي بن الحسين بن علي المسعودي أبو الحسن أخباري صاحب تصانيف ذكر بعضها ابن حجر في اللسان ٤/٢٢٤، وذكره ابن دحية في كتاب صفين فقال مجهول لا يعرف ونكره لا يتعرف كذل قال ولم يصب. قال الحافظ وكتبه طافحة بأنه كان شيعيًا معتزليًا توفي (٣٤٥) لسان الميزان ٤/٢٢٤-٢٢٥، ومعجم المؤلفين ٧/٨٠. ٤ ابن عبد البر قال الذهبي: "هو الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ولد سنة (٣٦٨) " قال أبو الوليد الباجي: "لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر في الحديث، وقال ابن حزم التمهيد لصاحبنا أبي عمر لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلًا فكيف أحسن منه ت (٤٦٣) ". تذكرة الحفاظ ٣/١١٢٨. ٥ قال الذهبي هو: "الحافظ الكبير الإمام محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدى البغدادي صاحب التصانيف ولد سنة (٣٩٢هـ) كان والده خطيب قرية درزيجان من سواد العراق. سمع وقرأ القرآن على الكتاني فحرص على ولده هذا وأسمعه في الصغر سنة ثلاث وأربع مائة ثم أُلهم طلب هذا الشأن ورحل فيه إلى الأقاليم وبرع وصنف وجمع وسارت بتصانيفه الركبان" قال ابن ماكولا: "كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظًا واتقانًا وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ" وقال ذلك في تاريخه ١/١٧٠. انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ٣/١١٣٥-١١٤٦.
[ ٦٩ ]
وممن قال بهذا القول أيضا السهيلي١ وابن الأثير٢ والنويري٣ حيث حكاه عن ابن إسحاق وممن قال به من المشاهير ابن كثير٤ والسمهودي٥.
_________________
(١) ١ انظر: الروض الأنف ٣/٢٥٨، والسهيلي هو: الحافظ العلامة البارع أبو القاسم أبو زيد أبو الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن أصبع بن حسين بن سعدون ولد الخطيب أبي محمد بن الأمام الخطيب أبي عمر الخثعمي الأندلسي المالقي الضرير صاحب التصانيف المؤنقة. ولد عام ٥٠٨هـ. وتوفي عام ٥٨١هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٣٤٨. ٢ قال ذلك في الكامل ٢/١٢٢، وابن الأثير هو: أبو الحسن علي ابن الأثير أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري المحدث اللغوي، صاحب التاريخ ومعرفة الصحابة والأنساب وغير ذلك. ولد عام ٥٥٥هـ، وتوفي ٦٣٠هـ. تذكرة الحفاظ ٤/١٣٩٩ قال ذلك في الكامل ٢/١٢٢. ٣ هو: أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكري النويري (شهاب الدين) أبو العباس. مؤرخ أديب مشارك في علوم كثيرة من تصانيفه نهاية الأدب. ولد عام ٦٧٧هـ، توفي عام ٧٣٣هـ. انظر قوله في كتابه نهاية الأرب ١٧/١٦٦. ٤ البداية والنهاية ٤/٩٤. ٥ هو علي بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عيسى بن محمد بن عيسى الحسني نور الدين أبو الحسن. مؤرخ فقيه. ولد بسمهود ونشأ بها وتوفي بالمدينة. من تصانيفه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى. ولد عام ٨٤٤هـ، توفي عام ٩١١هـ. انظر قوله في وفاء الوفاء ١٠/١١٢، وانظر ترجمته في الضوء اللامع ٥/٢٤٥.
[ ٧٠ ]
وممن قال به من المعاصرين محمد محمد أبو شهبه١، وعماد الدين خليل٢، ومصطفى السباعي٣.
وهكذا يتبين أن الكثرة الكاثرة هم القائلون بأنها كانت سنة خمس. قال الذهبي٤: "وهو المقطوع به"، وقال ابن القيم٥: "وهو الأصح"، وقال الحافظ٦: "وهو المعتمد حكى ذلك كله القسطلاني٧. وقد أجابوا عن
_________________
(١) ١ السيرة النبوية على ضوء الكتاب والسنة ٢/٢٢٨. ٢ دراسة في السيرة ٢١٦. ٣ السيرة النبوية دروس وعبر ٨٨. ٤ الذهبي هو: محمد بن أحمد بن عثمان قايماز. انظر: معجم المؤلفين ٨/٢٨٠. ٥ هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حرير الزرعي. نسبة إلى بلدة أزرع ثم الدمشقي. أبو عبد الله شمس الدين. كان ﵁ من أجلة العلماء، وكذلك كان أبوه فقد كان قيمًا على الجوزية (مدرسة في دمشق ولذلك عرف بابن القيم الجوزية) . ولد عام ٦٩هـ في شهر صفر، وتوفي عام ٧٥١هـ. وله مصنفات قيمة مثل زاد المعاد، وأعلام الموقعين، وغيرهما، شذرات الذهب ٦/١٦٨، والدبر الطالع ١/١٤٣. ٦ هو: أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الكناني العسقلاني المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة. ويعرف بابن حجر، شهاب الدين ابو الفضل، محدث مؤرخ أديب شاعر. ولد عام ٧٧٣هـ، وتوفي عام ٨٥٢هـ. زادت تصانيفه على مائة وخمسين مصنفًا منها: فتح الباري، الإصابة في تمييز الصحابة، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وغير ذلك. انظر: الضوء اللامع ٢/٣٦ ترجمة ١٠٤. ٧ المواهب اللدنية ٢/١٠٣، والقسطلاني هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن محمد بن حسين بن علي القسطلاني الأصل المصري. شهاب الدين. أبو العباس، محدث مؤرخ فقيه ومقرئ. ولد بمصر عام ٨٥١هـ. وتوفي عام ٩٢٣. من تصانيفه إرشاد الساري علي صحيح البخاري، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، فتح الداني في شرح الأماني، منهاج الابتهاج وغيرها.
[ ٧١ ]
حديث عرض ابن عمر المتقدم مؤلين له وقالوا: "يحتمل أنه عرض في أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة، وهذا هو جواب البيهقي"١.
وعقب ابن كثير٢ على قول ابن حزم المتقدم، والثابت أنها في الرابعة بلا شك بقوله: "هذا الحديث مخرج في الصحيحين، وليس يدل على ما ادعاه ابن حزم، لأن مناط إجازة الحرب كان عنده ﷺ خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها أجازه. فلما كان ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها لم يجزه. ولما كان قد بلغها يوم الخندق أجازه.
وليس ينفي هذا أن يكون قد زاد عليها بسنة أو سنتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك فكأنه قال: وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا بالغ أو من أبناء الحرب.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٣٩٥. ٢ الفصول في سيرة الرسول ص ٥٦، البداية والنهاية ٤/٩٤.
[ ٧٢ ]
وقال البيهقي: "ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس"١.
وقد أورد ابن حجر هذا الجواب عن البيهقي ومفاده:"بأن قول ابن عمر "عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة" أي دخلت فيها، وأن قوله عرضت يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، أي تجاوزتها فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية، وهو شائع مسموع في كلامهم. وبه يرتفع الإشكال المذكور، وهو أولى من الترجيح"٢.
وقد روى الطبراني٣ بسنده عن ابن إسحاق أثرًا يعتبر شاهدًا لأصحاب هذا الرأي حيث قال:
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٣٩٥. ٢ فتح الباري ٥/٢٧٨، التلخيص ٤/٨٩- ٩٠. ٣ المعجم الكبير ٦/١٦، والطبراني هو: كما قال الذهبي فيه. الحافظ الإمام العلامة الحجة (بقية الحفاظ) أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي بمفتوحة وسكون الخاء المعجمة نسبة إلى لخم وهو مالك بن عدي - المغني ٦٧. الشامي الطبراني مسند الدنيا. ولد سنة ٢٦٠هـ، وتوفي ٣٦٠هـ. وقال الحافظ: "لا ينكر له التفرد في سعة ما روى. لينه الحافظ أبو بكر بن مردويه لكونه غلط أو نسى فمن ذلك أنه وهم وحدث بالمغازي عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وإنما أراد عبد الرحيم أخاه فتوهم أن شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد واستمر على هذا يروي عنه ويسميه أحمد. وقد مات أحمد قبل دخول الطبراني مصر بعشر سنين أو أكثر وإلى الطبراني المنتهى في كثرة الحديث وعلوه. ومن تصانيفه المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، الدعاء في مجلد كبير، دلائل النبوة، كتاب الأوائل، وتفسير كبير". تذكرة الحفاظ ٣/٩١٢، لسان الميزان ٣/٧٣، معجم المؤلفين ٤/٢٥٣.
[ ٧٣ ]
حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي١ ثنا محمد بن محمد بن عبد الله ابن نمير٢ ثنا يونس بن بكير٣ عن محمد بن إسحاق قال: "لما كانت٤
١ محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ مطّين بفتح المثناة التحتية. قال صاحب المغني هو لقب أبي جعفر محمد بن عبد الله قال وبكسرها (المثناة) لقب عبد الله بن محمد. قال الحافظ: "هو محدث الكوفة، وقد وثقه الناس". قال الذهبي سئل عنه الدارقطني فقال: "ثقة جبل". قال: "وبكل حال فمطين ثقة مطلقًا. ولد ٢٠٢هـ، وتوفي عام ٢٩٧هـ". انظر: لسان الميزان ٥/٢٣٣- ٢٣٤، تذكرة الحفاظ ٢/٦٦٢، المغني في أسماء الرجال ٧٢.
٢ محمد بن عبد الله بن نمير الهمذاني بسكون الميم الكوفي أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ، فاضل من العاشرة. مات سنة أربع وثلاثين أي ٢٣٤هـ. وروى له (ع) . التقريب ٣٠٦.
٣ يونس بن بكير بن واصل الشيباني أبو بكر الحمال الكوفي، صدوق يخطئ من التاسعة. مات سنة ١٩٩. روى له (خت م ت ق) . قال الذهبي هو حسن الحديث. التقريب ٣٩٠، ميزان الاعتدال ٤/٤٧٨.
_________________
(١) ٤ كذا في المطبوعة ولما هنا زائدة.
[ ٧٤ ]
الخندق في شوال سنة خمس وفيها مات سعد بن معاذ -﵁-. وهذا الأثر يعتبر على ضوء هذا السند حسنًا إلى ابن إسحاق منقطعًا بعده والله أعلم.
وكذا أورد هذا الأثر البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ١ حدثنا أبو العباس٢ محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار٣ العطاردي حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق به ٤.
_________________
(١) ١ أبو عبد الله الحافظ الكبير إمام المحدثين محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع. صاحب التصانيف قال الحافظ: "إمام صدوق ولكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك فما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل ذلك، وإن علم فهو خيانة عظيمة ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. مات ٤٠٥هـ". لسان الميزان ٥/٢٣٢، تذكرة الحفاظ ٣/١٠٣٩، والمترجم له هو: الحاكم. ٢ هو الإمام المفيد الثقة محدث المشرق (أبو العباس) محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم المعقلي النيسابوري، وكان يكره أن يقال له الأصم. قال الحاكم: وإنما ظهر به الصمم بعد مجيئه من الرحلة ت ٢٨٤هـ. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠. ٣ أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زراره التميمي العطاردي أبو عمر الكوفي. قال مطين: "كان يكذب"، وقال أبو أحمد "الحاكم ليس بالقوى عندهم تركه ابن عقدة"، وقال الحافظ: "ضعيف وسماعه للسيرة صحيح من العاشرة ولم يثبت أن أبا داود أخرج له. مات سنة ٢٧٢هـ". تهذيب التهذيب ١/٥١ ٤ دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
[ ٧٥ ]
كما أورده الهيثمي١ عن ابن إسحاق، وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات.
وقال الحافظ: "ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر فخرج النبي ﷺ من السنة المقبلة إلى بدر فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه إنما يصلح الغزو في سنة الخصب فرجعوا بعد أن وصلوا عسفان أو دونها".
ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.
وعقب٢ على ذلك بقوله: "وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلقون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أحد كانت في السنة الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، ثم قال: ولكنه بناء واهٍ مخالف
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٦/١٤٢. قلت: "حكم الهيثمي على هذا السند جيد لأن يونس بن بكير أكثرهم على توثيقه ومن هؤلاء ابن معين خلافًا لما توصل إليه الحافظان الذهبي وابن حجر فيما تقدم". ٢ أي الحافظ ابن حجر.
[ ٧٦ ]
لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأحد في الثالثة، والخندق في الخامسة وهو المعتمد"١.
أما ابن العربي فقد قال: "إن الخندق بعد مضي أربع سنين وعشرة أشهر وخمسة أيام من الهجرة"٢، وهذا موافق لأصحاب الرأي القائل بأنها كانت في الخامسة، وموافق لابن سعد حيث قال بأنها كانت في الخامسة، وفي شهر ذي القعدة، وذلك بناءً على التاريخ من بداية المحرم. وأخيرًا نعرج على كلام البيهقي لنراه يقول: قلت: "لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن رسول الله ﷺ قاتل يوم بدر لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٠٣. ٢ عارضة الأحوذي ٧/١٧٣.
[ ٧٧ ]
فمن قال سنة أربع أراد أربع سنين، وقبل بلوغ الخمس، ومن قال سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة، وقبل انقضائها"١ والله أعلم.
هذا نص كلام البيهقي وهو توجيه حسن أخذ به كثير من العلماء لفك الإشكال، أما ابن سيد الناس٢ فقد نقل كلا القولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر٣.
الخلاصة:
استعرضنا أدلة الفريقين، وتبين من ذلك أن الحق مع القائلين بوقوع هذه الغزوة في سنة خمس لما يأتي:
١- احتمال حديث ابن عمر لتأويلهم.
٢- اطباق أهل المغازي والسير والمؤرخين والعلماء من بعدهم على هذا الرأي.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٣٩٥. ٢ هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى اليعمري الأندلسي الأشبيلي المصري المعروف بابن سيد الناس، فتح الدين أبو الفتح، محدث حافظ مؤرخ فقيه ناظم ناشد نحوي أديب، وهو من شيوخ الذهبي. ولد عام ٦٧١هـ، وتوفي عام ٧٣٤هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٥٠٣. ٣ عيون الأثر ٢/٥٥.
[ ٧٨ ]
٣- ما ذكر من مواعدة قريش لرسول الله ﷺ بعد أحد -بدر الموعد- يجعل ذلك واضحًا ومواعدة قريش لملاقاته ﷺ ساقها ابن حجر كاملة١، وقد بين -﵀- في المقدمة٢ أن ما يورده في كتابه منتزعًا من أمهات المسانيد، والجوامع والمستخرجات، والأجزاء، والفوائد بشرط الصحة أو الحسن.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٩٣. ٢ هدي الساري ٤.
[ ٧٩ ]