لقد اشتد البلاء على المسلمين في هذه الغزوة بالذات؛ لأن قريشًا جاءت بحلفائها كما جاءت غطفان بكل قوادها وحلفائها مستهدفين استئصال الإسلام والمسلمين وفي أثناء الاستعداد لهذه الجموع الزاحفة جاء عدو الله حيي بن أخطب وهو أحد الأعضاء الذين حزبوا الأحزاب جاء إلى كعب بن أسد رئيس القبيلة الباقية من اليهود وهي قبيلة بني قريظة وجادله على نقض العهد وفتله في الذروة والغارب حتى وافق على ذلك بشروط تقبلها عدو الله حيي بن أخطب.
وبنو قريظة كما هو معروف كانوا يسكنون في العوالي أي في الجنوب الشرقي من المدينة على وادي مهزور١ إذن فهم يعتبرون خلف المسلمين ويكونون أخطر على هذه الحال لأن الضربة من الوراء تؤثر أكثر حيث أن المسلمين يستعدون ومستحفزون لأعدائهم الذين أمامهم ولكن الله نصر المسلمين وخذل أعداءه وأعداءهم وقد وصف الله سبحانه
_________________
(١) ١ مهزور وقيل مهزوز واد بالمدينة كان يسمى وادي قريظة كان يسيل بماء المطر يهبط من مفرق حرة واقم ثم يسيل ويصب في وادي بطحان. معجم البلدان ٥/٢٣٤.
[ ٢٣٥ ]
وتعالى ذلك البلاء وتلك الشدة التي أتت على المسلمين لم يأت عليهم مثلها حيث قال سبحانه:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ١.
وقال تعالى مبينًا مظاهرة٢ وموافقة اليهود (بني قريظة) للأحزاب: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ٣ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ٤.
أما الجهد ومشقة العيش اللتان كان يعانيهما المسلمون وخاصة في هذه الغزوة فقد بينتها الأحاديث الصحيحة وغيرها.
وسأورد ما يبين ذلك باختصار فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٩ - ١٠. ٢ أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله ﷺ. تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٨. ٣ صياصيهم أي حصونهم والأصل في الصياصي هي قرون البقر ومنه قيل للحصون (الصياصي) . النهاية في غريب الحديث ٣/٦٧. ٤ سورة الأحزاب الآية ٢٥ - ٢٦.
[ ٢٣٦ ]
معمر المقعد عن عبد الوارث ١عن عبد العزيز٢ عن أنس ﵁ وفيه قال: يؤتون بملئ كفي من الشعير فيصنع لهم باهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن الخ٣.
كما روى أيضًا ﵀ حديثًا آخر قال: حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه٤ قال أتيت جابرًا ﵁ فقال: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة إلى أن قال: ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا" الحديث ٥.
وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر عن سعيد بن مينا قال سمعت جابرًا ﵁ قال: "لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا الخ" الحديث٦.
وكان ﷺ وأصحابه يعتمدون في أكلهم وشربهم على التمر والماء (الأسودين) يتضح ذلك باستعراض سنته ﷺ وسيرته في مأكله ومشربه.
_________________
(١) ١ عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوزي البصري ثقة ثبت وقد تقدم. ٢ عبد العزيز هو بن صهيب البناني البصري - ثقة وقد تقدم-. ٣ صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/٣٩٣. ٤ تقدم رجال السند في ص ٩٧. ٥ تقدم في ص ١٥٥. ٦ صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/٣٦٥- ٣٦٦.
[ ٢٣٧ ]
فقد روى ابن أبي شيبة عن عروة مرسلًا١ عن النبي ﷺ أنه صاف المشركين يوم الخندق وكان يومًا شديدًا لم يلق المسلمون مثله قط قال ورسوله الله ﷺ جالس وأبو بكر معه جالس وذلك زمان طلع النخل وكانوا يفرحون به فرحًا شديدًا لأن عيشهم فيه فرفع أبو بكر رأسه فبصر بطلعة وكانت أول طلعة رؤيت فقال هكذا بيده طلعة يارسول الله من الفرح فنظر رسول الله ﷺ وقال: "اللهم لا تنزع منا صالح ما أعطيتنا أو صالحًا أعطيتنا" ٢ والأثر ضعيف حيث رواه عروة مرسلًا.
أما الآثار الدالة على نقض بني قريظة العهد فهي كثيرة حسبي أن أورد بعضها مشيرًا إلى الباقي:
قال البخاري ﵀: حدثنا أحمد بن محمد٣ أنبأنا عبد الله٤ أخبرنا هشام بن عروة٥
_________________
(١) ١ المرسل: اتفق علماء الطوائف على أنه قول التابعي الكبير قال رسول الله ﷺ كذا أو فعله يسمى مرسلًا. تدريب الراوي ١/١٩٥. ٢ كنز العمال ١٠/٤٥٥. ٣ أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس السمسار المعروف بمردويه - ثقة حافظ- من العاشرة مات سنة خمس وثلاثين ومائتين. روى له (خ ت س) . التقريب ١٦. ٤ عبد الله المبارك المروزي - ثقة ثبت - من الثامنة مات سنة أحدى وثمانين ومائة روى له (ع) . التقريب ٨٧. ٥ هشام بن عروة بن الزبير - ثقة فقيه ربما دلس من الخامسة مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة. روى له (ع) . التقريب ٣٦٤.
[ ٢٣٨ ]
عن أبيه عن عبد الله بن الزبير١ قال: "كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر ابن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثًا فلما رجعت قلت: "يا أبت رأيتك تختلف" قال أو هل رأيتني يابني قلت نعم قال كان رسول الله ﷺ قال: "من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال فداك أبي وأمي٢.
وقال أيضًا: حدثنا أبو نعيم٣ حدثنا سفيان٤ عن محمد بن المنكدر٥ عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "من يأتيني بخبر القوم " قال الزبير: "أنا" فقال
_________________
(١) ١ هو أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين ولي الخلافة تسع سنين وقتل في سنة ثلاث وسبعين في ذي الحجة. روى له الجماعة. انظر: الاستيعاب ٣/٣٩، والتقريب ١٧٣. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٨٠ كتاب فضائل الصحابة. ٣ هو الفضل بن دكين الكوفي - ثقة ثبت - من التاسعة مات سنة ٢١٨- ٢١٩. وهو من كبار شيوخ البخاري. روى له (ع) . التقريب ٢٧٥. ٤ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي - ثقة حافظ - فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة. مات سنة ١٦١هـ. روى له الجماعة. التقريب ١٢٨. ٥ محمد بن المنكدر عبد الله بن الهدير بالتصغير المدني - ثقة فاضل - من الثالثة مات ١٣٠. روى له (ع) . التقريب ٣٢٠.
[ ٢٣٩ ]
النبي ﷺ: "إن لكل نبي حواريًا وحواراي الزبير" ١.
وقال ﵀: حدثنا صدقة٢ أخبرنا ابن عيينة٣ حدثنا بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵁- قال ندب٤ رسول الله ﷺ الناس قال: "صدقة أظنه يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندب الناس فانتدب الزبير فقال النبي ﷺ: "أن لكل نبي حواريًا وحواري الزبير بن العوام" ٥.
قال الحميدي وقال سفيان زاد هشام بن عروة وابن عمتي٦. كما أخرجه مسلم٧، وأحمد٨، والترمذي٩، وابن ماجه١٠
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/٥٢ كتاب الجهاد ومسند الحميدي ٢/٥١٦. ٢ صدقة بن الفضل أبو الفضل المروزي - ثقة - من العاشرة مات سنة ثلاث أو ست أو عشرين ومائتين روى له (خ) . التقريب ١٥٢. ٣ سفيان بن عينية أبو محمد الكوفي ثم المكي - ثقة حافظ - فقيه إمام حجة من رؤوس الطبقة الثامنة وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وله أحدى وتسعون سنة روى له (ع) . التقريب ١٢٨. ٤ ندبه إلى الأمر كنصره إذا دعاه وحثه ووجهه. القاموس ١/١٣١. ٥ صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/٥٣ كتاب الجهاد. ٦ مسند الحميدي ٢/٥١٦. ٧ صحيح مسلم ٤/١٨٧٩ كتاب فضائل الصحابة. ٨ مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٧. ٩ سنن الترمذي ٥/٣٠٩ كتاب المناقب. ١٠ سنن ابن ماجة ١/٤٥.
[ ٢٤٠ ]
وقد أورده البخاري كما سبق من عدة طرق منها طريق أبي العباس مردويه والفضل بن دكين وصدقة ومحمد بن كثير والحميدي وقد رواه الحميدي عن ابن عيينة بالجزم (يوم الخندق) ولم يشك كما ظن صدقة ومن طريق علي بن عبد الله١ قال قلت لسفيان: فإن الثوري يقول: "يوم بني قريظة" فقال كذا حفظته منه كما أنك جالس (يوم الخندق) قال "سفيان هو يوم واحد وتبسم سفيان"٢.
وقال البيهقي٣ ﵀: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم٤ الدرابردي بمرو قال حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي٥، حدثنا أبو
_________________
(١) ١ علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن بن المديني البصري - ثقة - إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله حتى قال البخاري ما استصغرت نفسي إلا عنده وقال فيه شيخه بن عينية كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلمه مني وقال النسائي كأن الله خلقه للحديث. من العاشرة مات سنة ٢٣٤. روى له (خ د ت س فق) . التقريب ٢٤٧ ٢ صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢٣٩. ٣ دلائل النبوة ٣/٤٥١. ٤ أبو بكر محمد بن أحمد لم أقف له على ترجمة. ٥ أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر أبو العباس البرتي القاضي ولي قضاء بغداد بعد وفاة أبي هاشم الرفاعي وكان ثقة ثبتًا حجة. تاريخ بغداد ٥/٦١.
[ ٢٤١ ]
حذيفة١ حدثنا عكرمة بن عمار٢ عن محمد بن عبيد٣ أبي قدامة الحنفي عن عبد العزيز٤ ابن أخي حذيفة قال ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه: "أما والله لو كنا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا" فقال حذيفة: "لا تمنوا ذلك فلقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودًا".
وأبو سفيان ومن معه فوقنا وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحًا في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا اصبعه الخ الحديث٥.
وقد أشار ابن كثير إلى هذه الرواية فقال:
_________________
(١) ١ أبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي البصري صدوق سيء الحفظ يصحف من صغار التاسعة مات سنة ٢٢٧ أو بعدها وقد جاوز التسعين وحديثه عند البخاري في المتابعات (خ د ت ق) . التقريب ٣٥٢. ٢ عكرمة بن عمار العجلي أبو عمار اليمامي أصله من البصرة صدوق يغلط وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ولم يكن له كتاب. من الخامسة مات قبل الستين ومائة (خت س ق) . التقريب ٢٤٢. ٣ كذا عند البيهقي وفي التقريب هو محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الحنفي ويقال أبو قدامة مقبول (د) . التقريب ٣٠٦. ٤ عبد العزيز أخو حذيفة ويقال ابن أخيه وثقه ابن حبان من الثانية وذكره بعضهم في الصحابة (د) . التقريب ٢١٦. ٥ دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٥١.
[ ٢٤٢ ]
"وقد أخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز بن أخي حذيفة به"١
وقال السيوطي: "أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة بنفس اللفظ"٢. كما أورده الطبري عن ابن حميد عن فتى من أهل الكوفة ولم يذكر فيه بني قريظة٣. ولكنه ﵀ أورد حديثًا آخر قال فيه: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة قال ثنى محمد ابن إسحاق عن يزيد بن رومان وعن الزهري وعن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظي وعن غيرهم من علمائنا٤ وفيه:
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧١، البداية والنهاية ٤/١١٤. ٢ الدر المنثور ٥/١٨٤، وانظر: دلائل النبوة لأبي نعيم ٤٣٣. ٣ جامع البيان ٢١/١٢٧. ٤ السند فيه ابن حميد وسلمة. الأول ضعيف والثاني صدوق كثير الخطأ أما ابن إسحاق فهو وإن كان صدوقًا يدلس إلا أنه إمام في المغازي. وقد تقدم السند في ص ٤٧ ما عدا ابن حميد وسلمة.
[ ٢٤٣ ]
"وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسعد القرظي صاحب عقد بني قريظة١، وعهدهم وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه عاقده على ذلك وعاهده فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيي ويحك٢ يا كعب افتح لي قال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤم وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاءً وصدقًا"، قال: "ويحك افتح أكلمك". قال: "ما أنا بفاعل قال والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك٣ أن آكل معك منها فاحفظ٤ الرجل ففتح له".
فقال: "ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر ببحر طام٥ جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد. قد عاهدوني
_________________
(١) ١ أي أنه كان رئيسهم وسيدهم. ٢ ويح: كلمة ترحّم وتوجّع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر. النهاية ٥/٢٣٥. ٣ الجشيشة: طعام يصنع من الجشيش وهو البر يطحن غليظًا ثم تجعل في القدور ويلقى عليها لحم أو تمر وتطبخ. النهاية في غريب الحديث ١/٢٧٣. ٤ احفظه: أغضبه. ٥ طام: مرتفع ويريد كثرة الرجال.
[ ٢٤٤ ]
وعاقدوني على أن لا يبرحوا١ حتى نستأصل محمدًا ومن معه قال فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام٢ قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءًا فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب٣ حتى سمع له على أن أعطاه عهدًا (من الله) وميثاقًا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ"٤.
وقد أرسل النبي ﷺ عيونه متحريًا عن نقض اليهود للعهد الذي أبرموه معه ﷺ قال ابن إسحاق:
فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ بن النعمان وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج وخوات بن جبير
_________________
(١) ١ على أن لا يتركوا أو يغادروا المكان. ٢ الجهام السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه. ٣ هذا مثل وأصله في البعير يستعصي عليك فتأخذ القراد من ذروته وغارب سنامه وتفتل هناك فيجد لذة فيأنس عند ذلك. ٤ جامع البيان ٢١/١٢٩- ١٣٠.
[ ٢٤٥ ]
أخو بني عمرو بن عوف فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًا فالحنوا لي لحنًا١ أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس. قال فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم (فيما) ٢ نالوا من رسول الله ﷺ وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد ابن معاذ٣ وشاتموه، وكان رجلًا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى٤ من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين" ٥.
_________________
(١) ١ الحنوا لي لحنا: أي قولوا لي قولًا أفهمه ويخفى على غيري. القاموس ٤/٣٦٦. ٢ قوله (فيما نالو) وعند الطبري ونالوا. ٣ فشاتمهم سعد بن معاذ (عند الطبري فشاتمهم سعد بن عبادة) وكذا عند ابن كثير في البداية ٤/١٠٤. ٤ أربى مأخوذ من الربا وهو لغة الزيادة. ٥ السيرة النبوية ٢/٢٢٠- ٢٢١- ٢٢٢ وقد ذكرت القصة في: أ- طبقات ابن سعد باقتضاب ٢/٦٧. ب- ابن كثير في البداية وفيها زيادة سأوردها فيما بعد. جـ- جامع البيان ٢١/١٢٩- ١٣١، وتاريخ الأمم الملوك ٣/٤٦، ٤٧. د- السهيلي في الروض الأنف ٣/٢٦٨. وعيون الأثر ٣/٥٩.
[ ٢٤٦ ]
وقد أورد ابن كثير هذه القصة وفيها زيادة حسنة فقال بعد أن ذكر محاورة حيي بن أخطب لكعب:
وقد تكلم عمرو بن سعد القرظي١ فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة.
ذكرهم ميثاق رسول الله ﷺ وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره وقال: "إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوّه" ثم قال٢: قال ابن إسحاق: "فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له - يعني في نقض عهد رسول الله ﷺ وفي محاربته مع الأحزاب ثم ساق الحديث إلى أن قال: قال موسى بن عقبة وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حييًا أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدًا. قالوا وتكون الرهائن تسعين رجلًا٣ من أشرافهم فنازلهم٤ حيي
_________________
(١) ١ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٠٣ وقال ابن الأثير في أسد الغابة ٤/١٠٧ عمرو بن سعد من بني قريظة نزل من حصن بني قريظة في الليلة التي صبيحتها فتح حصنهم فبات في مسجد رسول الله ﷺ حتى أصبح فلما أصبح لم يدر أين هو حتى الساعة. ٢ أي ابن كثير. ٣ هكذا عند البيهقي في الدلائل ٣/٤٤٦وعند ابن كثير في البداية ٤/١٠٣وعند المقريزي في الإمتاع ١/٢٣٧ أنهم طلبوا سبعين رجلًا منهم. ٤ أي التزم لهم بذلك.
[ ٢٤٧ ]
على ذلك فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني سعنة١ أسد وأسيد وثعلبة فإنهم خرجوا إلى رسول الله ﷺ".
قال ابن إسحاق: "فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير"٢. قال: "انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم فإن كان حقًا فالحنوا لى لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس" ٣. قال٤: "فخرجوا حتى أتوهم" قال موسى ابن عقبة: "فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم يريدون - بني نضير - ونالوا من رسول الله ﷺ فجعل سعد بن عبادة يشاتهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: "والله ما جئنا لهذا ولما بيننا أكبر من المشاتمة".
_________________
(١) ١ هكذا بالنون وعند البيهقي في الدلائل ٣/٤٠١ وعند المقريزي في الإمتاع ١/٢٤٤ بالمثناة التحتانية وهم من اليهود إلا أن ابن هشام قال إنهم ليسو من بني قريظة وإنما هم من بني هدل ونسبهم فوق ذلك وهم بنو عم القوم. السيرة النبوية ٢/٢٣٨. ٢ خوات ابن جبير الأنصاري الأوسي يكنى أبا عبد الله وقيل أبو صالح وكان أحد فرسان رسول الله ﷺ. انظر: أسد الغابة ٢/١٢٥. ٣ البداية والنهاية ٤/١٠٣- ١٠٤، والسيرة النبوية ٢/٢٢٢. ٤ أي ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٠٤.
[ ٢٤٨ ]
ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: "إنكم قد علمتم الذي يبننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرَّ منه فقالوا - لعنهم الله - أكلت ايرأبيك فقال غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن".
وقال ابن إسحاق١: "نالوا من رسول الله ﷺ وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكارجلًا فيه حدةٌ "٢ وقد تقدم كلام ابن إسحاق.
تنبيه:
ذكر ابن إسحاق٣ أن الذي كان فيه حدة من السعدين ﵄ هو سعد بن معاذ. أما الطبري٤ فقد بين في كتابه أنه ابن عبادة وتبعه البيهقي٥ ونقل ابن سيد الناس عن ابن عائذ أنه سعد بن عبادة٦.
_________________
(١) ١ أي ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٠٤، والسيرة النبوية ٢/٢٢٢. ٢ المصدر السابق ٤/١٠٣- ١٠٤، والحدة: كالنشاط والسرعة في الأمور والمضاء فيها. انظر: النهاية لابن الأثير ٣٥٢. ٣ السيرة النبوية ٢/٢٢٢. ٤ جامع البيان ٢١/١٣١، وتاريخ الأمم والملوك ٣/٤٧. ٥ دلائل النبوة ٣/٤٢٩. ٦ عيون الأثر ٢/٥٩.
[ ٢٤٩ ]
أما ابن كثير فقد اكتفى بالنقل عن ابن إسحاق وموسى بن عقبة ولم يرجح١.
أما صاحب السيرة الحلبية فقال: "فشتمهم سعد بن معاذ وهم - حلفاؤه - أي وقيل سعد بن عبادة أي وكان فيه حدة فشاتموه قال ولا مانع من وجود الأمرين" أ. هـ. ٢ وقد تابع في ذلك ابن خلدون بدليل أنهم أحلافه ومواليه٣.
أقول وهذا الذي ذكره صاحب السيرة الحلبية هو أوجه حيث أنه ذكر أنه شتمهم لأنهم حلفاؤه وإذا كانت هناك حدة فلم تذكر في ترجمتهما وإنما قد يكون المشهور بالحدة هو ابن عبادة ﵁؛ لأنه ذكر أنه كانت فيه غيرة شديدة - وهي مذكورة في كتب التاريخ والسنة- وقد يغضب ويغار عندما يسمع سب الرسول ﷺ فيشاتمهم ومن هنا قد تأتي الحدة المذكورة والأرجح أنه سعد بن معاذ ﵁ للتعليل الذي ذكره ابن خلدون وتبعه الحلبي.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٠٤. ٢ السيرة الحلبية ٢/٦٣٨. ٣ تاريخ ابن خلدون ٢/٧٧٣.
[ ٢٥٠ ]
وقال ابن كثير١: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ٢.
قال: "قد تقدم أن بني قريظة لما قدم جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة. نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد وكان ذلك بسفارة حيي بن أخطب النضري لعنه الله دخل حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد".
وعند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ . قال: "يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديمًا طمعًا في إتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عن هم في التوراة الإنجيل. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧- ٤٧٨. ٢ سورة الأحزاب الآيتين ٢٥ - ٢٦. ٣ سورة البقرة الآية ٨٩.
[ ٢٥١ ]
وعند قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قال: "هو الخوف لأنهم كانوا مالؤا المشركين على حرب رسول الله ﷺ وليس من يعلم كمن لا يعلم واخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليعزواهم - في الدنيا - ويسودوا فيها- فانعكس عليهم الحال وانقلب إليهم القتال وانشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون فكما راموا العز ذلوا وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا الخ".
ثم قال في ختام ذلك: "وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة. ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ الآية١. فالذين قتلوا هم المقاتلة والأسراء هم الأصاغر والنساء"٢. أ. هـ.
وأخيرًا أود أن أشير إلى أنه قد مر بنا في الأحاديث الصحيحة أن الذي ذهب لكشف خبر بني قريظة هو الزبير بن العوام.
كما أنه مر أن الذي قام بنفس المهمة السعدان وابن رواحة وخوات بن جبير ﵃ وإزاء هذا الأشكال قال الحافظ٣:
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٢٦. ٢ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧ - ٤٧٨. ٣ هو ابن حجر.
[ ٢٥٢ ]
"قد استشكل ذكر الزبير في هذه القصة فقال شيخنا ابن الملقن١ اعلم أنه وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب لكشف خبر بني قريظة والمشهور كما قاله شيخنا أبو الفتح اليعمري"٢. أن الذي توجه ليأتي بخبر القوم حذيفة كما روينا من طريق ابن إسحاق وغيره. قلت٣. وهذا الحصر مردود فإن القصة التي ذهب لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها.
فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشًا على محاربة المسلمين.
وقصة حذيفة كانت لما أشتد الحصار على المسلمين بالخندق وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف والقصة في ذلك مشهورة٤. وستأتي إن شاء الله.
_________________
(١) ١ ابن الملقن هو عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الواد ياشي الأندلسي التكروري الأصل المصري الشافعي (أبو حفص فقيه أصولي محدث حافظ مؤرخ مشارك في بعض العلوم ولد بالقاهرة ٧٢٣هـ. وتوفي بها عام ٨٠٤هـ. انظر: الضوء اللامع ٦/١٠٠، معجم المؤلفين ٧/٢٩٧. ٢ هو ابن سيد الناس وقد تقدم في ص ٥٠. ٣ أي الحافظ ابن حجر. ٤ فتح الباري ٧/٤٠٦- ٤٠٧.
[ ٢٥٣ ]
وهذا الخلاف الذي ساقه الحافظ قد أغفل ما ذكره أصحاب المغازي والسير وقد ذكروا أن الوفد الذي تم إرساله هو السعدان ومن معهما.
ويمكن الجمع بين هذه الأقوال:
بأن الزبير بن العوام ﵁ ذهب للاستكشاف العام والملاحظة، وهل عند بني قريظة استعداد ظاهر يدل على نقضهم العهد أو لا؟، وقد عاد يقول بأنهم يصلحون حصونهم ويدربون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم. أما السعدان ومن معهما فكان استكشافهم خاصًا حيث دار الحوار بينهم وبين اليهود وظهر للعيان نقضهم للعهد وخبثهم.
وقد ذكر المقريزي١: "أن الرسول ﷺ بعث خوات بن جبير لينظر غرة لنبي قريظة فكمن لهم فحمله رجل منهم وقد أخذه النوم فأمكنه الله من الرجل وقتله ولحق بالنبي ﷺ فأخبره.
وفيه غرابة. ووجه الغرابة - أن اليهود وبعد نقضهم العهد ووضوح خبثهم والوقت ليس هزل بل هو وقت خوف وشدة على الجانبين وكلاهما يتمنى أن يقتل من الجانب الآخر من ظفر به فكيف
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ١/٢٢٧- ٢٢٨.
[ ٢٥٤ ]
يتسنى فعل هذا وكيف يقدم على حمل عدوه ويأمنه وهو أعلى منه والله أعلم. أما قصة حذيفة فهي واضحة لورودها في الصحيح وهي أنها كانت في اللحظات الأخيرة من الشدة والبلاء.
وبعدها نصر الله دينه ورسوله وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده حيث عاد ﵁ يبشر الرسول ﷺ بانصراف الأحزاب وأنه رأي أبا سفيان قد ركب بعيره وهو معقول"١.
_________________
(١) ١ فقه السيرة ٣٣٣.
[ ٢٥٥ ]