الفصل الثاني بيان دور المنافقين في هذه الغزوة
هذا الفصل هو تفسير لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ١. والنفاق هو بالكسر فعل المنافق٢. وهو: إظهار الخير وإسرار الشر وهو أنواع:
(أ) اعتقادي: وهو الذي يخلّد صاحبه في النار.
(ب) عملي: وهو من أكبر الذنوب وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله وسره علانيته ومدخله مخرجه ومشهده مغيبه٣.
هذا هو المنافق وهذا دوره دائمًا وأبدًا.
ذلك لأن قلبه مريض ونفسه خبيثة ولأنه يدخل في الأمور على قاعدة غير صلبه ثم يتعجل الأمور فيخيب ظنه ويغضب ربه.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ١٢. ٢ مختار الصحاح ٦٧٤. ٣ تفسير ابن كثير ١/٤٧.
[ ١١٩ ]
وسرعان ما يتهاوى كيانه فيصبح يضمر الشر لكل ما هو خبر ويظهر خلافه حتى يأمن مكر الناس وهو لا يعلم أن الله ﷾ عالم به وبما يحيكه وما يضمره ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ١، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢.
هؤلاء هم المنافقون المتسترون بالإسلام.
إلا أن الله كشفهم في بعض غزوات الرسول ﷺ كما في أحد وبني المصطلق والخندق وغيرها. حيث كان ينزل القرآن أولًا بأول فيفضحهم.
وفي هذه الغزوة - الخندق - بالذات ظهر منهم النفاق حيث أظهر كثير منهم العداء مما زاد في تفاقم الأمر وخطورته.
حكى لنا القرآن ذلك الخطر وتلك الشدة فقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٣.
أما بالنسبة لما فعلوه هذه المرة فقد روى الطبراني حيث قال:
_________________
(١) ١ سورة العلق الآية ١٤. ٢ سورة الأنفال الآية ٣٠. ٣ سورة الأحزاب الآية ١٠.
[ ١٢٠ ]
حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل١ حدثني سعيد بن محمد الجرمي٢ حدثنا أبو تميلة٣ حدثنا نعيم بن سعيد العبدي٤ أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: "احتفر رسول الله ﷺ الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟ قال رجل: نعم. قال إمالا٥ فتقدم فدلنا عليه. فانطلقوا إلى رجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه فأرسلت
_________________
(١) ١ عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الرحمن. ولد الإمام ثقة من الثانية عشرة. مات سنة ٢٩٠هـ. وله بضع وسبعون. روى له النسائي. التقريب ١٦٧. ٢ سعيد بن محمد بن سعيد الجرمي - بفتح الجيم المعجمة وسكون الراء - الكوفي صدوق رمي بالتشيع. من كبار الحادية عشرة. روى له (خ م د ق) . التقريب ١٣٥، المغني في أسماء الرجال ١٨. ٣ هو يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم - أبو تميلة بمثناه فوقية مصغرًا المروذي مشهور بكنيته ثقة من كبار التاسعة. روى له الجماعة. التقريب ٣٨٠، تهذيب الكمال ٣٢/٢٢. ٤ نعيم لم أجد له ترجمة ولعل فيه تصحيف. ٥ قال في حاشية الصبان شارحًا لهذه الكلمة: "حذفت كان مع معموليها بعد أن في قولهم - أفعل هذا إمالا". أي إن كنت لا تفعل غيره فما عوض عن كان، ولا نافيه للخبر ومنه قوله: أمرعت الأرض لو أن مالا لو أن نوقا لك أو جمالا أو ثلة من غنم إمالا. التقدير: إن كنت لا تجد غيره. حاشية الصبان ١/٢٤٥.
[ ١٢١ ]
امرأته أن جيء فإن رسول الله ﷺ قد أتانا فجاء الرجل يسعى فقال بأبي وأمي وله معزة١. ومعها جديها فوثب إليها فقال النبي ﷺ: الجدي٢ من روائنا فذبح الجدي وعمدت امرأته إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت وأدركت٣ وثردت فقربتها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فوضع النبي ﷺ أصبعه فيها فقال "بسم الله اللهم بارك فيها إطعموا".
فأكلوا منها حتى صدروا٤ ولم يأكلوا إلا ثلثها وبقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم٥ وجاء أولئك العشرة٦ مكانهم فأكلوا منها حتى شبعوا ثم قام ودعا لربة البيت وسمت٧ عليها وعلى أهل بيتها ثم مشوا إلى الخندق.
_________________
(١) ١ المعزة: هي الأنثى الماعز. مختار الصحاح ٤٥٧. ٢ الجدي: هو ولد المعزة. ٣ أدركت: أي نضجت طحينتها. ٤ صدروا أي شبعوا. ٥ في مجمع الزوائد ٦/١٣١- نغديكم - من الغداء وهو تصحيف لا يتلاءم مع ما قبله. ٦ في مجمع الزوائد ٦/١٣١ بعد العشرة - مكانه -. ٧ قال ابن الأثير في النهاية ٢/٣٩٧: في حديث الأكل سمو الله ودنّوا وسمتوا أي إذا فرغتم فادعوا بالبركة لمن طعمتم عنده والتسميت الدعاء.
[ ١٢٢ ]
فقال: "اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها" فقال النبي ﷺ لأصحابه: "دعوني فأكون أول من ضربها فقال: بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة قال: الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن بخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم"١.
قال الهيثمي٢: "ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري٣ وهما ثقتان". إلا أن ابن جرير قد أورد أثرًا شاهدًا عن الحسن البصري لهذا الحديث قال فيه: "حدثنا بشر حدثنا هوذه٤ بن خليفة قال حدثنا عوف٥ عن
_________________
(١) ١ المعجم الكبير ١١/٣٧٦. ٢ معجم الزوائد ٦/١٣١. ٣ كذا في مجمع الزوائد وفي البداية والنهاية ٤/١٠٠، نعيم الغري بالغين المعجمة وفي معجم الكبير للطبراني كما تقدم آنفًا (العبدى) وكل هذه التراجم لم أقف عليها. ٤ هوذه بفتح الهاء وزيادة هاء في آخره: ابن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي البكراوي أبو الأشهب البصري الأصم نزيل بغداد صدوق من التاسعة. مات سنة ٢١٦. روى له ابن ماجه. التقريب ٣٦٥. ٥ عوف هو بن أبي جميلة الأعرابي العبدي البصري - ثقة - رمي بالقدر والتشيع من السادسة. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة ١٤٧هـ. وله ست وثمانون. روى له الجماعة. التقريب ٢٦٦.
[ ١٢٣ ]
الحسن١ في قوله تعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٢. قال ظنونا مختلفة ظن المنافقون أن محمدًا وأصحابه يستأصلون٣ وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون٤. وأورد ابن كثير٥ هذا الخبر عن الحسن باللفظ نفسه. وهذا الأثر ينتهي إلى الحسن البصري فهو مقطوع".
كذلك أورد ابن جرير أثرًا آخر بسند آخر قال فيه: "حدثني يونس٦ قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد٧ قال: قال
_________________
(١) ١ الحسن بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرًا ويدلس. قال البزار كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين خطبوا بالبصرة وهو رأس الطبقة الثالثة. مات سنة ١١٠هـ. وقد قارب التسعين. روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب ٦٩، تذكرة الحفاظ ١/٧١. ٢ سورة الأحزاب تكملة الآية ١٠. ٣ يُستأصلون: بضم التحتانية وسكون المهملة بالبناء للمجهول واستأصله قلعة من أصله. مختار الصحاح ١٨. ٤ جامع البيان ٢١/١٣٢. ٥ تفسير ابن كثير ٣/٤٧٢. ٦ يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي أبو موسى البصري - ثقة - من صغار العاشرة. مات سنة ٢٦٤. وله ست وتسعون سنة. روى له (م س ق) . التقريب ٣٩٠. ٧ ابن زيد هو أسامة وهما اثنان وكلاهما شيخ لابن وهب أحدهما عدوي قال الحافظ توفي في زمن أبي جعفر المنصور وهو ضعيف، أما الليثي فقد توفي سنة ١٥٣هـ وهو صدوق وكلاهما مدنيان. تهذيب التهذيب ١/٢٠٧- ٢١٠.
[ ١٢٤ ]
"رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي ﷺ يافلان أرأيت إذ يقول رسول الله ﷺ: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله فأين هذا من هذا؟ وأحدنا لا يستطيع أن يخرج ليبول من الخوف" ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ . فقال: كذبت لأخبرن رسول الله ﷺ خبرك" قال: "فأتى رسول الله ﷺ فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ " قال: "كذب علي يارسول الله ما قلت شيئًا ما خرج من فمي قط. قال الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١. قال: "فهذا قول الله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ "٢. والأثر فيه انقطاع في أعلى الإسناد.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن فليح٣ قال: "فلما أشتد البلاء على النبي ﷺ وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح. فلما رأى رسول الله ﷺ ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وأني لارجو أن
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية ٧٤. ٢ سورة التوبة الآية ٦٦. وذلك من تفسير الطبري ٢١/١٣٣. ٣ ابن فليح هو محمد بن فليح بن سلميان الأسلمي ابو عبد الله. روى عن موسى بن عقبة وعمرو مولى المطلب قال ابن معين: "ليس بثقة" وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه قال: "ما به ليس بذاك القوي". الجرح والتعديل ٨/٥٩.
[ ١٢٥ ]
أطوف البيت العتيق آمنا وان يدفع الله ﷿ إلي مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﷿". وقال رجل ممن معه لأصحابه: "ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن ها هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب للغائط والله ما يعدنا إلا غرورًا"١.
أما السيوطي فقد قال: "وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم٢ والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده وساق الحديث بطوله"٣. إلا أن مداره على كثير بن عبد الله وهو ضعيف.
وأخيرًا قال ابن إسحاق في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٤. ظن المؤمنون كل ظن ونجم
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٢. ٢ الحافظ الكبير كحدث العصر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني الشافعي محدث مؤرخ صوفي. توفي بأصبهان سنة ٤٣٠هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٣/١٠٩٢، السير ١٧/٤٥٣. ٣ الدر المنثور ٥/١٨٥. ٤ سورة الأحزاب الآية ٩.
[ ١٢٦ ]
النفاق حتى قال معتب بن قشير١ أخو بني عمرو بن عوف: "كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط"٢.
وهكذا نرى من خلال هذه الآثار أن للمنافقين دورًا خطيرًا في هذه الغزوة بالذات ذلك لأنهم لا يظهرون إلا في أوقات الأزمات. أما عندما ينتصر المسلمون فلا يسمع لهم صوت. والقرآن الكريم فضحهم في أكثر من موطن ولكنا أردنا إيراد الآثار التي تبين أمرهم خاصة في هذه الغزوة الفاصلة٣.
_________________
(١) ١ معتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة وليس له عقب شهد بدرًا وأحد كذلك قال ابن إسحاق. وقال ابن حجر: "ذكروه فيمن شهد العقبة وقيل أنه كان منافقًا وأنه الذي قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا وقيل أنه تاب. وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا وأثبت ابن عبد البر في الاستيعاب حاشية الإصابة انه شهد بدرًا وأحدًا والعقبة، وأنه قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، وهناك ذكر بأنه معتب بن بشير - بالباء المعجمة –". الطبقات الكبرى ٣/٤٦٣، الإصابة ٣/٤٤٣. أما السهيلي فقد عنون ببراءة معتب فقال: قال ابن هشام وأخبرني من أثق به من أهل العلم أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين واحتج بأنه كان من أهل بدر. الروض الأنف ٣/٢٦٢ ٢ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٤٧٢. ٣ لأن الرسول (قال: (لن يغزوكم بعد عامكم هذا) .
[ ١٢٧ ]