إن دور نعيم –﵁- في هذه الغزوة عظيم. خاصة إذا عرفنا أنه في أول أيام دخوله في الإسلام. وقد اشتهر هذا الدور عند المؤرخين.
بيد أني رغم ذلك لم أجد سندًا يؤكده ويؤيده، ولكنه مستفيض عند المؤرخين وقد كان دوره حاسمًا في القضية حيث شتت الله شملهم، وفرق جمعهم، وأرسل الله عليهم الريح، وجنودًا من عنده – وكان السبب في زعزعة الأحزاب هو نعيم بعد الله ﷿-.
قال ابن إسحاق عن هذا الدور: "ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن منقذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله: "إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري الجهاد ١٥٧، المناقب ٢٥، الإستبانة٦، وأخرجه مسلم في الجهاد ١٨، ١٩، الزكاة ١٥٣، وأبو داود في الجهاد ٩٢، والسنة ٢٨، كما أخرجه الترمذي في الجهاد ٥، وابن ماجه في الجهاد ٢٨، وأخرجه أحمد في مسنده ١/٨١، ٩٠، ١١٣، ١٢٦، ١٣١، ١٣٤، ٢/٣١٢، ٣١٤، ٣/٢٢٤، ٢٩٧، ٣٠٨، ٦/٣٨٢، ٤٥٩، انظر: فتح الباري ٦/١٥٧- ١٥٨ حيث قال الحافظ ذكر الواقدي أن أول ما قال النبي ﷺ الحرب خدعه في غزوة الخندق. وانظر: فتح الباري ٦/٦١٨ كتاب المناقب، ١٢/٢٨٣.
[ ٣٧١ ]
فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهلية؛ فقال يا بني قريظة قد عرفتم وُدِّي إياكم وخاصةَ ما بيني وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشًا وغطفانَ ليسوا كأنتم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره.
وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره. فليسوا كأنتم.
فإن رأوا نهزة١ أصابوها؛ وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تناجزوه. فقالوا له لقد أشرت بالرأي.
قال٢: "ثم خرج حتى أتى قريشًا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن
_________________
(١) ١ النهزة اختلاس الشيء بسرعة والأصل - فرصة. ٢ أي ابن إسحاق.
[ ٣٧٢ ]
معه من رجال قريش قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدًا، وأنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقًا أن أبلغكموه نصحًا لكم فاكتموا عني، فقالوا نفعل قال تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم أن نعم فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلًا واحدًا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني، فقالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال فاكتموا عني قالوا نفعل فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم"١.
هذا ما تناقله أهل السير عن نعيم، وبعضهم يذكر ما لا يذكره الآخر وبعضهم يزيد وبعضهم ينقص.
أما الواقدي فقد ذكر القصة باستفاضة وهذا كلامه:
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ٣/٢٢٩- ٢٣٠.
[ ٣٧٣ ]
قال: "حدثنا عبد الله بن عاصم الأشجعي عن أبيه١ قال: "قال نعيم بن مسعود: "كانت بنو قريظة أهل شرف وأموال، وكنا قومًا عربًا لا نخل لنا ولا كرم، وإنما نحن أهل شاة وبعير؛ فكنت أقدم على كعب بن أسد فأقيم عندهم الأيام أشرب من شرابهم وآكل من طعامهم ثم يحملونني تمرًا على ركابي ما كانت. فأرجع إلى أهلي، فلما سارت الأحزاب إلى رسول الله ﷺ سرت مع قومي وأنا على ديني".
وقد كان رسول الله ﷺ عارفًا فأقامت الأحزاب ما أقامت حتى أجدب الجناب وهلك الخف والكراع ٢وقذف الله ﷿ في قلبي الإسلام وكتمت قومي إسلامي، فأخرج حتى آتي رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء، وأجده يصلي فلما رآني جلس ثم قال ما جاء بك يا نعيم؟ قلت: "إني جئت أصدقك وأشهد أن ما جئت به حق فمرني بما شئت يا رسول الله فوالله لا تأمرني بأمر إلا مضيت له، قومي لا يعلمون إسلامي ولا غيرهم". قال: "ما استطعت أن تخذل الناس فخذل"؛ قال: "قلت أفعل ولكن يا رسول الله أقول؟ فاذن لي، قال: "قل ما بدا لك فأنت في
_________________
(١) ١ لم أجد لهما ترجمة. ٢ يريد بالخف الإبل وفي بعض النسخ الحافر وهو الخيل.
[ ٣٧٤ ]
حلّ"، قال فذهبت حتى جئت بني قريظة فلما رأوني رحبوا وأكرموني وحيوا وعرضوا علي الطعام والشراب، فقلت إني لم آت لشيء من هذا وإنما جئتكم نصبًا بأمركم وتخوفًا عليكم لأشير عليكم برأي، وقد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم فقالوا قد عرفنا ذلك وأنت عندنا على ما تحب من الصدق والبر، قال: "فاكتموا عني قالوا نفعل قال إن أمر هذا الرجل بلاء – يعني النبي ﷺ – صنع ما قد رأيتم ببني قيقناع وبني النضير وأجلاهم عن بلادهم بعد قبض الأموال".
وكان ابن أبي الحقيق قد سار فينا١ فاجتمعنا معه لنصركم وأرى الأمر قد تطاول كما ترون وأنكم والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة، أما قريش وغطفان فهم قوم جاءوا سيارة حتى نزلوا حيث رأيتم فإن وجدوا فرصة انتهزوها.
وإن كانت الحرب أو أصابهم ما يكرهون انشمروا إلى بلادهم وأنتم لا تقدرون على ذلك البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم وقد غلظ عليهم جانب محمد أجلبوا عليه أمس إلى الليل٢ فقتل رأسهم عمرو بن عبد وهربوا منه مجرحين وهم لا غناء بهم عنكم لما يعرفون
_________________
(١) ١ يريد الذي ذهب محرضًا ضمن الوفد اليهودي. ٢ اجلبوا: توعدوا بشر وأجلب على فرسه صاح. القاموس ١/٤٧.
[ ٣٧٥ ]
عندكم١، فلا تقاتلوا مع قريش وغطفان حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم، تستوثقون به منهم ألا يناجزوا محمدًا، قالوا أشرت بالرأي علينا والنصح، ودعوا له وتشكروا وقالوا نحن فاعلون، قال ولكن اكتموا عني قالوا نعم نفعل.
ثم خرج إلى أبي سفيان بن حرب في رجال من قريش فقال: "يا أبا سفيان قد جئتك بنصيحة فاكتم عني قال أفعل. قال تعلم أن قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمدٍ، وأرادوا إصلاحه. ومراجعته أرسلوا إليه وأنا عندهم أنّا سنأخذ من قريش وغطفان من أشرافهم سبعين رجلًا نسلمهم إليك تضرب أعناقهم وترد جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم يعنون بني النضير – ونكون معك على قريش حتى نردهم عنك، فإن بعثوا إليكم يسألونكم رهنًا فلا تدفعوا إليهم أحدًا، واحذروهم على أشرافكم، ولكن اكتموا عني ولا تذكروا من هذا حرفًا قالوا لا نذكره، ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان إني رجل منكم فاكتموا عني واعلموا أن قريظة بعثوا إلى محمد وقال لهم مثل ما قال لقريش فاحذروا أن تدفعوا إليهم أحدًا من رجالكم، وكان رجلًا منهم فصدقوه٢.
_________________
(١) ١ يشير إلى أنهم أهل حلقة وسلاح. ٢ مغازي الواقدي ٢/٤٨١- ٤٨٢.
[ ٣٧٦ ]
وأرسلت اليهود عزال بن سموأل إلى أبي سفيان بن حرب وأشراف قريش إن ثواءكم١ قد طال، ولم تصنعوا شيئًا، وليس الذي تصنعون برأي، إنكم لو وعدتمونا يومًا تزحفون فيه إلى محمد فتأتون من وجه وتأتي غطفان من وجه ونخرج نحن من وجه آخر لم يفلت من بعضنا.
ولكن لا نخرج معكم حتى ترسلوا إلينا بِرِهَانٍ٢ من أشرافكم يكونون عندنا فإنا نخاف إن مستكم الحرب٣ وأصابكم ما تكرهون شمرتم وتركتمونا في عقر دارنا وقد نابذنا٤ محمدًا بالعداوة، فانصرف الرسول إلى بني قريظة، ولم يرجعوا إليهم شيئًا، وقال أبو سفيان هذا ما قال نعيم، فخرج نعيم إلى بني قريظة فقال: "يا معشر بني قريظة أنا عند أبي سفيان حتى جاء رسولكم إليه يطلب منه الرهائن فلم يرد عليه شيئًا فلما ولى قال لو طلبوا مني عناقًا٥ ما رهنتها، أنا أرهنهم سراة أصحابي يدفعونهم إلى محمد يقتلهم، فارتأوا آراءكم حتى تأخذوا الرهن فإنكم إن لم تقاتلوا محمدًا" وانصرف أبو سفيان تكونوا على مواعدتكم الأولى. قالوا
_________________
(١) ١ طال ثواءنا: أي طال مقامنا. ٢ برهان: بكسر المعجمة فما بعدها من الرهن. ٣ في بعض المراجع ضرستكم الحرب. ٤ نابذنا: نبذ العهد إذا نقضه وألقاه إلى من كان بينه وبينه. النهاية ٥/٧. ٥ العتاق: الأنثى من أولاد المعز.
[ ٣٧٧ ]
نرجو ذلك يا نعيم؟ قال نعم قال كعب بن أسد فإنا لا نقاتله والله لقد كنت لهذا كارهًا، ولكن حيي رجل مشؤم".
قال الزبير بن باطا: "إنْ انكشفت قريش وغطفان عن محمد لم يقبل منا إلا السيف، قال نعيم لا تخش ذلك يا أبا عبد الرحمن. قال الزبير بلى والتوارة، ولو أصابت اليهود رأيها، ولحِمَ الأمر، لتخرجن إلى محمد ولا يطلبون من قريش رهنًا فإن قريشًا لا تعطينا رهنا أبدًا. وعلى أي وجه تعطينا قريش الرهن وعددهم أكثر من عددنا ومعهم كراع ولا كراع معنا وهم يقدرون على الهرب ونحن لا نقدر عليه؟ وهذه غطفان تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض تمر الأوس وتنصرف فأبى محمد إلا السيف فهم ينصرفون بغير شيء"١.
فلما كانت ليلة السبت كان مما صنع الله تعالى لنبيه أن قال أبو سفيان يا معشر قريش إن الجناب. قد أجدب، وهلك الكراع، والخف، وغدرت اليهود، وكذبت وليس هذا بحين مقام فانصرفوا، قالت قريش فاعلم علم اليهود، واستيقن خبرهم، فبعثوا عكرمة بن أبي جهل حتى جاء بني قريظة عند غروب الشمس مساء ليلة السبت فقال: "يا معشر اليهود
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/٤٨٢.
[ ٣٧٨ ]
إنه قد طال المكث وجهد الخف والكراع وأجدب الجناب وإنا لسنا بدار مقامه. اخرجوا إلى هذا الرجل حتى نناجزه بالغداة، قالوا غدًا السبت لا نقاتل ولا نعمل فيه عملًا، وإنا مع ذلك لا نقاتل معكم إذا انقضى سبتنا حتى تعطونا رهانًا من رجالكم يكونون معنا لئلا تبرحوا حتى نناجز محمدًا. فإنا نخشى إن أصابتكم الحرب أن تشمروا إلى بلادكم وتدعونا وإياه في بلادنا ولا طاقة لنا به، معنا الذراري والنساء والأموال فرجع عكرمة إلى أبي سفيان فقالوا ما وراءك؟ قال أحلف بالله أن الخبر الذي جاء به نعيم حق لقد غدر أعداء الله، وأرسلت غطفان إليهم مسعود بن رخيلة في رجال منهم بمثل رسالة أبي سفيان فأجابوهم بمثل جواب أبي سفيان".
وقالت اليهود حيث رأوا ما رأوا منهم نحلف بالله إن الخبر الذي قال نعيم لحق، وعرفوا أن قريشًا لا تقيم فسُقِطَ في أيديهم.
فكر أبو سفيان إليهم وقال: "إنا والله لا نفعل إن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا"، فقالت اليهود مثل قولهم الأول وجعلت اليهود تقول الخبر ما قال نعيم وجعلت قريش وغطفان تقول الخبر ما قال نعيم، ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء واختلف أمرهم، فكان نعيم يقول أنا خذلت بين
[ ٣٧٩ ]
الأحزاب حتى تفرقوا في كل وجه وأنا أمين رسول الله ﷺ على سره فكان صحيح الإسلام بعد١.
وهناك بعض الآثار نوردها كشواهد لهذه القصة وهي من منتخب كنز العمال.
وفي المنتخب قال: "عن إبراهيم بن صابر الأشجعي عن أبيه عن أمه٢ ابنة نعيم بن مسعود عن أبيها قال: "قال لي رسول الله ﷺ يوم الخندق "خذل عنا فإن الحرب خدعة"٣.
وفي موضع آخر قال: "عن عروة قال كان في أصحاب رسول الله ﷺ رجل يقال له مسعود وكان نمامًا، فلما كان يوم الخندق بعث أهل قريظة إلى أبي سفيان أن ابعث إلينا رجالًا يكونون في آطامنا حتى نقاتل محمدًا مما يلي المدينة وتقاتل أنت مما يلي الخندق، فشق ذلك على النبي ﷺ أن يقاتل من وجهتين فقال لمسعود يا مسعود إنا نحن بعثنا إلى بني قريظة أن يرسلوا إلى
_________________
(١) ١ مغازي الراقدي ٢/٤٨٢. ٢ لم أجد أحدًا منهم في كتب التراجم التي بين يدي. ٣ المنتخب من كنز العمال حاشية مسند أحمد ٢/٢٩٤.
[ ٣٨٠ ]
أبي سفيان فيرسل إليهم رجالًا فإذا أتوهم قتلوهم فما عدا أن سمع ذلك من رسول الله ﷺ فما تمالك حتى أتى أبا سفيان فأخبره فقال صدق والله محمد ما كذب قط فلم يبعث إليهم أحدًا١.
ثم قال وعن عائشة قالت إن نعيم بن مسعود قال يا نبي الله إني أسلمت ولم أعلم قومي بإسلامي فمرني بما شئت، فقال إنما أنت فينا كرجل واحد فخادع إن شئت فإن الحرب خدعة٢.
سبت اليهود كان من عوامل التفرق والهزيمة:
قال الواقدي: "فحدثني موسى٣ بن محمد بن إبراهيم٤ عن أبيه قال لما قالت قريظة لعكرمة بن أبي جهل٥ ما قالت قال أبو سفيان بن حرب لحيي بن أخطب أين ما وعدتنا من نصر قومك؟ قد خلونا وهم يريدون الغدر بنا.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٢/٢٩٥. قلت: هذه القصة غير ثابتة وسندها منقطع وقد ذكرها ابن قانع في معجم الصحابة ٣/١٤٨. ٢ المصدر السابق ٢/٢٩٥. ٣ موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أبو محمد المدني - منكر الحديث من السادسة مات سنة ١٥١هـ. روى له (ت ق) التقريب ٣٥٢. ٤ محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني - ثقة له أفراد من الرابعة مات سنة ١٢٠هـ على الصحيح (ع) . التقريب ٢٨٨. ٥ حيث أنه ذهب كسفير لقريش ليعرف خبر اليهود حول القتال.
[ ٣٨١ ]
قال حيي: "كلا والتوارة ولكن السبت قد حضر ونحن لا نكسر السبت فكيف ننصر على محمد وأصحابه إذا كسرنا السبت؟ فإذا كان يوم الأحد اغدوا على محمد وأصحابه بمثل حرق النار وخرج حيي بن أخطب حتى أتى بني قريظة فقال فداءكم أبي وأمي إن قريشًا قد اتهمتكم بالغدر واتهموني معكم وما السبت لو كسرتموه لما قد حضر من أمر عدوكم قال: "فغضب كعبد أسد ثم قال: "لو قتلهم محمد حتى لا يبقى منهم أحدًا ما كسرنا سبتنا، فرجع حيي إلى أبي سفيان بن حرب فقال١ ألم أخبرك يا يهودي إن قومك يريدون الغدر؟ قال حيي: "لا والله ما يريدون الغدر ولكنهم يريدون الخروج يوم الأحد فقال أبو سفيان وما السبت؟ قال يوم من أيامهم يعظمون القتال فيه وذلك أن سبطًا٢ منا أكلوا الحيتان يوم السبت فمسخهم الله قردة وخنازير".
قال أبو سفيان: "لا أراني أستنصر بإخوة القردة والخنازير، ثم قال أبو سفيان قد بعثت عكرمة بن أبي جهل وأصحابه إليهم فقالوا لا نقاتل حتى
_________________
(١) ١ القائل هو أبو سفيان. ٢ مشيرًا بذلك إلى قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (. الآية في سورة البقرة ٦٥.
[ ٣٨٢ ]
تبعثوا لنا بالرهائن من أشرافكم وقبل ذلك ما جاءنا عزال بن سموأل برسالتهم قال أبو سفيان: "أحلف باللات إن هو إلا غدركم".
وإني لأحسب أنك قد دخلت في غدر القوم. قال حيي والتوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سيناء١ ما غدرت ولقد جئتك من عند قوم هم أعدى الناس لمحمد وأحرصهم على قتاله، ولكن ما مقام يوم واحد حتى يخرجوا معك، قال أبو سفيان لا والله ولا ساعة. لا أقيم بالناس انتظار غدركم، حتى خاف حيي بن أخطب على نفسه من أبي سفيان فخرج معهم من الخوف حتى بلغ الروحاء٢ فما رجع إلا متسرقًا لما٣ أعطى كعب بن أسد من نفسه ليرجعن إليه. فدخل مع بني قريظة حصنهم ليلًا. ويجد رسول الله ﷺ قد زحف إليهم ساعة ولت الأحزاب"٤.
قال ابن جرير: "وخذل الله بينهم وبعث الله ﷿ عليهم الريح في ليلة شاتية شديدة البرودة فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم فلما انتهى إلى
_________________
(١) ١ طور سيناء: قال ياقوت وسيناء بكسر أوله ويفتح اسم موضع بالشام يضاف إليه الطور وهو الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى بن عمران ﵇ ونودي فيه وهو كثير الشجر. معجم البلدان ٣/٣٠٠. ٢ الروحاء مكان غرب المدينة على طريق مكة تبعد عن المدينة بحوالي سبعين كيلا. ٣ بكسر اللام. ٤ مغازي الواقدي ٢/٤٨٥.
[ ٣٨٣ ]
رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلًا"١.
هكذا جاءت هذه القصة في كتب المغازي وهي مشهورة جدًا ولكنها بدون إسناد يعتمد عليه إلا أن أهل المغازي والسير تناقلوها عن ابن إسحاق وقد ذكر ذلك الغزالي في فقه السيرة٢ فعلق عليه ناصر الدين الألباني حيث قال: "هذه القصة ذكرها ابن إسحاق بدون إسناد وعنه ابن هشام. لكن قوله ﷺ الحرب خدعة صحيح متواتر عنه ﷺ وقد مر تخريجه٣.
وقال ابن كثير٤ عقب سرد القصة،: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة، وقد أورده عنه البيهقي في الدلائل فإنه ذكر ما حاصله أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث فاتفق أنه مر برسول الله ﷺ ذات يوم عشاء فأشار إليه أن تعال فجاء فقال ما وراءك؟ فقال إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فينا جزوك، فقالت قريظة " نعم
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم والملوك ٢/٥١. ٢ فقه السيرة للغزالي ٣٣٢. ٣ في أول هذا المبحث. ٤ البداية والنهاية ٤/١١٣.
[ ٣٨٤ ]
فأرسلوا إلينا بالرهن. وقد ذكر فيما تقدم أنهم إنما نقضوا العهد على يدي حيي بن أخطب بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة قال فقال له رسول الله إني مسر إليك شيئًا فلا تذكره، قال إنهم قد أرسلوا إلي يدعونني إلى الصلح، وأرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم، فخرج نعيم بن مسعود عامدًا إلى غطفان وقال رسول الله ﷺ: "الحرب خدعة، وعسى أن يصنع الله لنا". فأتى نعيم غطفان وقريشًا فأعلمهم فبادر القوم وأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة وجماعة معه واتفق ذلك ليلة السبت يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم فاعتلت اليهود بالسبت، ثم أيضًا طلبوا الرهن توثقة فأوقع الله بينهم واختلفوا١، قلت وقد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان بعثوا إلى رسول الله ﷺ يريدون منه الصلح على أن يرد بني النضير إلى المدينة والله أعلم.
وقد ذكر أهل المغازي والسير والتفاسير وكل من تعرض لسيرته ﷺ وغزواته هذه القصة وممن ذكرها:
ابن إسحاق٢، والواقدي٣، وابن سعد٤، والبلاذري٥،
_________________
(١) ١ القائل هو ابن كثير. ٢ السيرة النبوية ٢/٢٢٩. ٣ مغازي الواقدي ٢/٤٨٠. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٥٦. ٥ أنساب الأشراف ١/١٦٥.
[ ٣٨٥ ]
والطبري١، والبيهقي٢، وابن عبد البر٣، والسهيلي٤، وابن الأثير٥، والكلاعي٦، وابن سيد الناس٧، وابن القيم٨، وابن كثير٩، والسمهودي١٠، والسيوطي١١، والقسطلاني١٢، وغيرهم.
كلمة عن نعيم: قال ابن الأثير: "هو نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن حلاوة"١٣ بن سبيع بن بكر بن أشجع بن ريث بن غطفان الغطفاني الأشجعي أبو سلمة، أسلم في وقعة الخندق، وهو الذي أوقع الخلاف بين قريظة وغطفان وقريش يوم الخندق، وخذل بعضهم عن
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٤. ٢ دلائل النبوة ٣/٤١٥. ٣ الدرر ١٨٦- ١٨٧. ٤ الروض الأنف ٦/٢٧٧. ٥ الكامل ٢/١٢٥. ٦ الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء ٢/١٧٢. ٧ عيون الأثر ٢/٦٤. ٨ زاد المعاد ٢/١٣١. ٩ البداية والنهاية ٤/١١١- ١١٢. ١٠ وفاء الوفا ١/٢١٧. ١١ الدر المنثور ٥/١٩٢. ١٢ المواهب اللدنية ١/١١٣. ١٣ في بعض الراجع (خلاوة) بالخاء المعجمة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٤/٢٧٧، جوامع السيرة ١٩٠.
[ ٣٨٦ ]
بعض وأرسل الله عليهم الريح والبرد والجنود وهم الملائكة فصرف كيد الكفار عن النبي ﷺ، ولما أسلم واستأذن النبي ﷺ في أن يخذل الكفار قال له النبي ﷺ خذل ما استطعت فإن الحرب خدعة، رواه عنه ابنه سلمة١.
وقد نقل ابن الأثير رواية له عن ابنه سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول حين قرأ كتاب مسيلمة قال للرسولين فما تقولان أنتما قالا نقول كما قال: "فقال رسول الله ﷺ: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما"، ومات نعيم في زمن خلافة عثمان وقيل بل قتل يوم الجمل قبل قدوم علي البصرة مع مجاشع بن مسعود السلمي وحكيم بن جبلة العبدي٢.
وبهذا القول قال الحافظ٣ إلا أنه لم يذكر أن قول الرسول ﷺ له: "خذل ما استطعت فإن الحرب خدعة" من رواية ابنه سلمة كما جزم هنا ابن الأثير. أما الذهبي٤ فلم يذكر ذلك ولكنه جزم برواية ابنه سلمة عنه وأنه توفي قبل الجمل.
_________________
(١) ١ أكثر المراجع لا تذكر رواية سلمة لهذا. ٢ أسد الغابة ٥/٣٣-٣٤، وانظر للزيادة في ترجمته ﵁: الاستيعاب ٤/٧٠ (ت ٢٦٥٨)، تجريد أسماء الصحابة ٢/١١١، تهذيب التهذيب ١٠/٤٦٦. ٣ الإصابة في تمييز الصحابة ٣/٥٦٨. ٤ تجريد أسماء الصحابة.
[ ٣٨٧ ]
وقال النووي: "نعيم بن مسعود كان يسكن المدينة، وهو نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيس بن ثعلبة بن قنفذ بن خلاوة بن سبيع بن بكر بن أشجع بن ريث بن غطفان الغطفاني الأشجعي الصحابي أبو سلمة"١.
_________________
(١) ١ تهذيب الأسماء واللغات ١/١٣١.
[ ٣٨٨ ]