الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجازهم لحفره
لقد بدأ المسلمون في حفر الخندق في وقت عصيب - ذلك لأنهم يبادرون قدم العدو. وقد وكل ﷺ لكل أناس جزءًا من المكان المتفق على حفره وفي ذلك تنشيط لهم ودافع على المسابقة في إكمال ما يلزم كل طائفة علمًا بأنه ﷺ قد وضع يده معهم ليدفعهم ويرغبهم أكثر في ذلك فقد روى الطبراني:
عن عمرو بن عوف المزني أن رسول ﷺ خط الخندق من أحمر السبختين١ طرف بني حارثة عام حزّب الأحزاب٢ حتى بلغ المذابح٣
_________________
(١) ١ كذا في المجمع ٦/١٣٠ -أحمر السبختين- وفي بقية الكتب ورد غير ذلك- ولعله تصحيف فقد جاء عند الطبري في جامع البيان ٢١/١٣٣ - أحمر الشيخين- وفي تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥ أجم الشيخين، وفي دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٠ الأجم - السمر- وهذا هو الحق لأن الا جم هي الحصون، وفيه (حتى توارت بآجام المدينة) أي حصونها واحدها أُجُم بضمتين. النهاية في غريب الحديث ١/٢٦. ٢ في الطبري عام -ذكرت الأحزاب- جامع البيان ٢١/١٣٣، وتاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥. ٣ اختلف فيها كثيرًا، ولكن التحقيق سيأتي في نهاية هذا الفصل نقلًا عن ياقوت الحموي وغيره.
[ ١٨٣ ]
فقطع لكل - عشرة أربعين ذراعًا واحتج١ المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلًا قويًا فقال المهاجرين: "سلمان منا وقالت الأنصار منا" فقال رسول ﷺ: "سلمان منا أهل البيت". الحديث٢.
قال الهيثمي٣: "رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه. وقد كذبه الشافعي. وتركه أحمد". وفي الميزان عن ابن حبان - له عن جده نسخة موضوعة - وقال الشافعي وأبو داود: "هو ركن من أركان الكذب"٤.
وقد أورده ابن جرير الطبري٥ مطولًا ومداره على كثير هذا.
وعلى ذلك فهو ضعيف لضعف كثير إلا أنه يتقوى بما سيأتي من المتابعات والشواهد، مما يدل على أن له أصلًا.
وقد حصل اختلاف بين روايات هذا الحديث مع أن مدارها على واحد. فقد نقل الحافظ حيث قال:
_________________
(١) ١ عند الطبري في التفسير ٢١/١٣٤ -اختلف- وفي التاريخ ٣/٤٥ - (احتق) - وهو الأصح. انظر: لسان العرب ١٠/٤٩. ٢ المعجم الكبير للطبراني ٦/٢٦٠ حديث (٦٠٤٠) وفيه (النسختين) بدل السبختين. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٣٠. ٤ تهذيب التهذيب ٨/٤٢١، سبل السلام ٣/٥٩. ٥ جامع البيان ٢١/١٣٣، تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥.
[ ١٨٤ ]
وأخرجه البيهقي مطولًا من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وساق الحديث إلى أن قال:
وخط رسول الله ﷺ الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع -وفيه- فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا: حتى نشاور رسول الله ﷺ فأرسلنا إليه سلمان - وفيه- فضرب ضربة صدع الصخرة وبرق منها برقة وكبر المسلمون - وفيه - رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك فقال: إن البرقة الأولى اضاءت لها قصور الشام فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم - وفي آخره- ففرح المسلمون واستبشروا١.
وهذه الرواية سبق في الفتح أنها للطبراني وفيها أن كل أربعين ذراع لعشرة من الناس٢ كذلك أورد ابن كثير هذه الرواية بلفظ "بين كل عشرة أربعين ذراعًا"٣.
وفي الدلائل للبيهقي: فلما وكل رسول الله ﷺ بكل جانب من الخندق قال المهاجرون يا سلمان احفر معنا. الحديث٤. وليس فيه تحديد الناس والأذرع.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٩٧. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٣٠. ٣ البداية والنهاية ٤/٩٩. ٤ دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٠.
[ ١٨٥ ]
ورواه ابن جرير: عن ابن بشار عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكره - وفيه- أن رسول الله ﷺ خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعًا. قال واحتق١ المهاجرون والأنصار في سلمان فقال رسول الله ﷺ: "سلمان منا أهل البيت" قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا. الحديث٢.
ولقد حفروا ﵃ بجد ونشاط وكانت المسافة طويلة وشاقة حيث كان الحفر من طرف بني حارثة - وبنو حارثة- في طرف الحرة الشرقية - إلى المذاد- من طرف بني سلمة بعد جبل بني عبيد من بني سلمة٣.
وكان هذا مع ما كان بهم من الجوع وبدائية الأدوات التي كانوا يستخدمونها إلا أن اعتمادهم على الله ثم على قوة إيمانهم به وبرسوله
_________________
(١) ١ وهي عند ابن كثير هكذا -ومعناها- اختلفوا وتنازعوا. انظر: البداية والنهاية ٤/٩٩ ٢ جامع البيان ٢١/١٣٣-١٣٤، وقد تقدم رجال السند مترجمين في ص ١٦٩. ٣ المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٧.
[ ١٨٦ ]
وبمشروعية الدفاع عن الإسلام وعن النفس كل ذلك جعلهم ينجزون ما بدأوا فيه بسرعة فائقة إذا قيس بأعمال الآلات الحديثة اليوم.
أما بالنسبة لتحديد المكان المحفور على ضوء الأدلة فقد قال صاحب المواهب١ اللدنية: روى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني أنه ﷺ خط الخندق من أحمر الشيخين وهما أطمان طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد٢.
ولقد عمل ﷺ بيده الشريفة مع المسلمين ليقوي نشاطهم وتزداد رغبتهم كما أنه ﷺ كان يبادلهم الأهازيج. لأن الشعر والتمثل به مما يزيد في النشاط. وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز٣ لذلك روى البخاري ﵀ حيث قال:
_________________
(١) ١ المواهب اللدنية ٢/١٠٢، وهو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المالكي أبو عبد الله ت ١١٢٢. معجم المؤلفين ١٠/١٢٤. ٢ هذا ما قاله الزرقاني بالنسبة لهذا الحديث - بسند لا بأس به- ولم أطلع على الجزء من مسند الطبراني الذي فيه مسند - عمرو بن عوف-. ٣ نوع من الشعر - وقد جاء في حديث الوليد بن المغيرة حين قالت قريش للنبي ﷺ أنه شاعر فقال: "لقد عرفت الشعر رجزه وهزجه وقريضه فما هو به" والرجز: بحر من بحور الشعر وتسمى قصائده أراجيز واحدها أرجوزه فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر ويسمى قائله راجزًا. النهاية في غريب الحديث ٢/١٩٩.
[ ١٨٧ ]
حدثنا عبد الله بن محمد١ حدثنا معاوية بن عمرو٢ حدثنا أبو إسحاق٣ عن حميد٤ سمعت أنسًا ﵁ يقول: "خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة.
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا٥
ورواه مسلم من طريق محمد بن حاتم السمين بنفس اللفظ إلا أن فيه تقديمًا وتأخيرًا٦. قال الحافظ قوله: "فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك" أي أنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا لمجرد الرغبة في الأجر٧
_________________
(١) ١ هو المسندي وترجمته في تهذيب التهذيب ١٠/٢١٥. ٢ هو الأزدي المعنى -بفتح الميم وسكون المهملة- الكوفي أبو عمرو البغدادي، تهذيب التهذيب ١٠/٢١٥. ٣ أبو إسحاق هو - الفزاري واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث- ثقة حافظ من الثامنة روى له (ع) التقريب ٢٢. ٤ هو الطويل أبو عبيدة البصري اختلف في اسم أبيه -ثقة مدلس- من الخامسة- روى له (ع) التقريب ٨٤. ٥ صحيح البخاري ٥/٤٥ كتاب المغازي باب غزوة الخندق. ٦ صحيح مسلم ٣/١٤٣٢ كتاب الجهاد والسير. ٧ فتح الباري ٥/٣٩٤.
[ ١٨٨ ]
أقول: "إنه قد يفهم من كلام الحافظ أن الحاجة وحدها هي التي دفعتهم للعمل ولكنه واضح أن الرغبة في الأجر هي السمة الغالبة في ذلك وأن الحاجة مضافة إلى ذلك خصوصًا أولئك الذين مدحهم الله في أكثر من آية بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١ الآية.
أما قوله ﷺ: "اللهم إن العيش عيش الآخرة" فقد بين الحافظ سبب هذا القول وهو لما رأى ما بهم من النصب والجوع قال ذلك.
قال: "وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في هذا الرجز:
والعن عضلًا والقارة هم كلفونا ننقل الحجارة
ثم قال: "والشطر الأول غير موزون ولعله" كان: "والعن الهي عضلًا والقارة".
وفي الطريق الثانية لأنس أنه قال ذلك جوابًا لقولهم: "نحن الذين بايعوا محمدًا" قال: "ولا أثر للتقديم والتأخير فيه لأنه يحمل على أنه كان يقول" إذا قالوا ويقولون إذا قال.
_________________
(١) ١ سورة الفتح الآية الأخيرة.
[ ١٨٩ ]
قال: "وفيه أن إنشاد الشعر سبب للتنشيط في العمل وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز".
وقال في قوله: "على الجهاد ما بقينا أبدًا" في رواية عبد العزيز على الإسلام بدل - الجهاد - والأول اثبت١. وهذا الحديث ورد في عدة مواضع في صحيح البخاري٢.
أقول: "إن المسلم عليه أن يتأسى برسوله ﷺ فحينما يرى البذخ الذي فيه بعض الناس والفقر الذي فيه آخرون - يقول - اللهم إن العيش عيش الآخرة. لأنها كلمة ترتفع بالنفس عن الدنيا الفانية وإغراءاتها المذلة".
وقد جاء عند البخاري من طريق ثانية عن أنس وفيها قال البخاري ﵀: حدثنا أبو معمر٣ حدثنا عبد الوارث٤ عن
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٩٤-٣٩٥ كتاب الجهاد - باب غزوة الخندق. ٢ فتح الباري ٦/٤٥ كتاب الجهاد باب التحريض على القتال، ٦/٤٦، ٦/١١٧، ١٣/١٩٢ كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس. ٣ عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي أبو معمر المقعد المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف البصري واسم أبي الحجاج ميسرة ثقة ثبت - رمي بالقدر من العاشرة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين روى له (ع) التقريب ١٨٣. ٤ هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوزي بفتح المثناة وتشديد النون البصري - ثقة ثبت - رمي بالقدر ولم يثبت عنه - من الثامنة مات سنة ثمان ومائة. روى له (ع) . التقريب ٢٢٢.
[ ١٩٠ ]
عبد العزيز١ عن أنس رضي الله عنه٢ قال: "جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم٣ وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الإسلام ما بقينا أبدًا
قال: "يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة.
قال: "يؤتون بملئ كفِّى من الشعير فيصنع لهم بإهالة٤ سنخة٥ توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة٦ في الحلق ولها ريح منتن"٧ الحديث.
_________________
(١) ١ هو عبد العزيز بن صهيب البناني بموحدة ونونين البصري ثقة من الرابعة مات سنة ثلاثين ومائة روى له (ع) التقريب ٢١٥. ٢ أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ خدمه عشر سنين صحابي مشهور مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. التقريب ٣٩. والاستيعاب ١/١٩٨. ٣ المتن هو الكتف (وقد جاء في رواية أخرى على أكتاف) وفي أخرى على أكتادنا وكلاهما بمعنى واحد) . ٤ الإهالة: بكسر الهمزة وتخفيف الهاء. الدهن مما يؤتدم به وقيل هو ما أذيب من الألية والشحم وقيل الدسم الجامد. النهاية في غريب الحديث ١/٨٤. ٥ السنخة: المتغيرة الريح وذلك لقدمها. النهاية ١/٨٤، وفتح الباري ٧/٣٩٥. ٦ بشعة: كريهة الطعم عند ازدرادها. فتح الباري ٧/٣٩٥. ٧ فتح الباري ٧/٣٩٢-٣٩٣.
[ ١٩١ ]
هكذا كان ﷺ وأصحابه في صراع دائم مع الدنيا وإغراءاتها ولم تجد إليهم سبيلًا بل كانوا على يقين تام بأن الآخرة أحسن وأولى ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ ١. وكانوا يعملون هذه الأعمال المجيدة الشاقة دفاعًا عن هذا الدين الحنيف وهم في حالة صعبة حيث الجوع والبرد القارس ومع ذلك كانت عزائمهم صلبة تكسر الصخور.
ومن أيقن مثلهم بخراب الدنيا وذهابها عمل لعمارة الآخرة ونسي الآلام كلها وتخطى كل العقبات.
وقد روى البخاري حديثًا آخر بمعنى مقارب لما سبق قال فيه:
حدثنا قتيبة٢ حدثنا عبد العزيز٣ عن أبي حازم٤ عن
_________________
(١) ١ سورة الضحى الآية ٤. ٢ قتيبة بن سعيد بن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني وبغلان من قرى بلخ وهي بفتح الموحدة وسكون المعجمة يقال: اسمه يحيى وقيل: علي -ثقة ثبت- من العاشرة مات سنة ٢٤٠هـ عن تسعين سنة (ع) التقريب ٢٨١. ٣ عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم المدني -صدوق- كان يحدث من كتب غيره فيخطئ قال النسائي حديثه عن عبيد الله العمري منكر من الثامنة مات سنة ست أو سبع وثمانين ومائة (ع) التقريب ٢١٦. ٤ سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان -ثقة عابد- من الخامسة مات في خلافة المنصور (ع) التقريب ١٣٠.
[ ١٩٢ ]
سهل بن سعد١ ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب٢ على أكتادنا٣ فقال رسول الله ﷺ "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار" الحديث٤.
كما رواه مسلم٥ والترمذي٦ والطبراني٧:
أما الأماكن الواردة في الخندق فقد اختلف فيها كثيرًا وقد يذكر البعض ما لا يذكره الآخر كما أنه يحدث في بعض الأحيان تصحيف لبعضها وخاصة المتشابهة في الحروف وسأذكر ما وجدته في كتب المؤرخين وبعد ذلك نستطيع المقارنة والحكم.
_________________
(١) ١ سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبو العباس له ولأبيه صحبة مشهور، وهو آخر من مات بالمدينة أحاديثه ١٨٨، الاستيعاب ٢/٢٢٤، وكشف المشكل من حديث الصحيحين ٢/٢٦٦. ٢ فيه دلالة على صغر سن سهل في ذلك الوقت وأنه كان ومن في مثل سنه مخصصين لنقل التراب المحفور. ٣ الكتد بتفح التاء وكسرها مجمع الكتفين وهو الكاهل. النهاية ٤/١٤٩. ٤ صحيح البخاري ٥/٤٥، الفتح ٧/٣٩٢. ٥ صحيح مسلم ٣/١٤٣٢. ٦ سنن الترمذي ٥/٣٥٦ أبواب المناقب. ٧ المعجم الكبير ٦/٢٠٥.
[ ١٩٣ ]
قال الفيروز أبادي١: "فحفر ﷺ طولًا من أعلى وادي بطحان٢ غربي الوادي مع الحرة إلى غربي المصلى يوم العيد ثم إلى مسجد الفتح ثم إلى الجبلين الصغيرين غربي الوادي وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع وضرب قبته على موضع مسجد الفتح اليوم٣ والخندق بينهم وبين المشركين". أ. هـ.
وقد مر في الحديث الذي رواه كثير بن عبد الله المزني وفيه أن رسول الله ﷺ خط الخندق من أحمر (السبختين) وقد ظهر في الكلمة
_________________
(١) ١ المغانم المطابة ١٣٤ تحقيق الجاسر. ٢ بطحان بضم فسكون عند المحدثين وحكى أهل اللغة بطحان بفتح أوله وكسر ثانيه وهو: واد بالمدينة وهو أحد أوديتها الثلاثة: العقيق وبطحان وقناة. وقد روى الزبير بن بكار -بطحان على ترعة من ترع الجنة- انظر المغانم المطابة ٥٦، والنهاية في غريب الحديث ١/١٣٦. ٣ مسجد الفتح الذي يسمى حاليًا بهذا الاسم يقع على طرف جبل سلع في الشمال الغربي منه مطلًا على مسيل بطحان (أبي جيده) ويبعد عن المدينة بـ ٣ كيلوات المغانم المطابة ٩٥٨، وقد رد هذا - حمود التويجري- حيث قال لم يثبت أن النبي ﷺ أسس في المدينة مسجدًا سوى مسجده ومسجد قباء ومن زعم غير هذا فقوله بعيد من الصحة والذي يظهر أن هذه المساجد كانت من إنشاء المفتونين بالآثار ونسبتها إلى الأكابر ليكون لذلك موقع عند الجهال، مجلة البحوث الإسلامية ٢٧٩-٢٨٠ العدد الخامس محرم - جمادى الآخرة ١٤٠٠. قلت: وبالنظر إلى طبيعة المكان نجد أنه يقع في الجنوب الغربي وليس في الشمال كما قال صاحب المغانم المطابة. والله أعلم.
[ ١٩٤ ]
بين قوسين تصحيف وأنها أجم الشيخين كما في الطبري١ والبيهقي٢ وعلى ذلك (فاجم الشيخين) الأجم: بضمتين: الحصن٣ والشيخان تثنية شيخ وهو موضع بالمدينة كان فيه معسكر رسول الله ﷺ ليلة خرج لقتال المشركين بأحد. وقيل: هما اطمان سميا به لأن شيخًا وشيخة كانا يتحدثان هناك٤.
وقال العياشي: "جاء فيما ساقه السمهودي عن الطبراني ما سماهما فيه باجم الشيخين والبيهقي في دلائل النبوة سماهما - الاجم السمر٥ - وكل هذا ينطبق على الشيخين الاطمين المذكورين"٦.
ومن هنا بدأ مكان حفر الخندق وقد ورد في حديث - كثير - المتقدم خط الخندق من أحمر السبختين طرف بني حارثة وعليه فقد ذكر السمهودي - ضمن المساجد- مسجد بني حارثة وقد ذكر العياشي٧ أن هذا المسجد يقع في طريق المستراح من الغرب أ. هـ.
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥. ٢ دلائل النبوة ٣/٤١٩. ٣ القاموس المحيط ٤/٧٣. ٤ معجم البلدان ٣/٣٨٠. ٥ دلائل النبوة ٣/٤١٨. ٦ المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٣. ٧ المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٣.
[ ١٩٥ ]
أقول: "والمستراح موضع معروف اليوم على يسار الذاهب إلى شهداء أحد ويبعد عن المسجد النبوي بحوالي ثلاثة كيلو مترات. وهذا يعني أن مكان الخندق بشكل عام كما يذكره المؤرخون من حرة واقم إلى حرة الوبرة وهما تسميان اليوم (بالشرقية والغربية) ".
لذلك قال العياشي١: "من هنا بدأ خط الخندق - وذلك حينما ذكر الاجم السمر- أو الشيخين - طرف بني حارثة التي عند القلعة التي تتوسط طريق الشهداء حتى تنتهي إلى المذاد من طرف بني سلمة أ. هـ. أما (المذاد) فقد حصل فيها اختلاف أيضا فقد ورد عند الهيثمي٢ (المداحج) بالدال المهملة وعند الطبري٣ وياقوت٤ أنها المذاد وقال ياقوت: هو بالفتح وأخره دال مهملة وهو اسم المكان من ذاده يذوده إذا طرده" قال ابن الأعرابي: "المذاد والمزاد بالزاي المعجمة - المرتفع موضع بالمدينة حيث حفر النبي ﷺ الخندق. وقيل: هو واد بين سلع وخندق المدينة. قال كعب بن مالك:
_________________
(١) ١ المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٧. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٣٠. ٣ جامع اليبان ٢١/١٣٣ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥. ٤ معجم البلدان ٥/٨٨، النهاية في غريب الحديث ٤/٣١١.
[ ١٩٦ ]
من سره ضرب يرعبل بعضه بعضًا كمعمعة الإباء المحرق
فليات مأسدة تسل سيوفها بين المذاد وبين جزع الخندق أ. هـ. ١
وعليه فالمذاد ورد ذكره في هذا البيت كما ترى مما يدل على شهرته عندهم أما المداحج فلم أقف لها على ذكر في المصادر التي رجعت إليها ولعل فيها تصحيفًا.
وهناك موضعان ورد ذكرهما في الخندق وهما - الندى، الصرى٢- ولم أجد لهما ذكرًا في معالم المدينة إلا أن هناك ذكرًا لما يشابه الصرى حيث قال ياقوت: صرار، بكسر أوله وآخره مثل ثانيه وهي الأماكن المرتفعة التي لا يعلوها الماء يقال لها صرار، وصرار: اسم جبل وقيل موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق قاله الخطابي. أهـ٣.
أما بالنسبة للندى، ومع إني لم أجد لها ذكرًا في المواقع إلا أني وجدت في دلائل النبوة للبيهقي ما قد يوضح هذا الالتباس، وإن لم
_________________
(١) ١ معجم البلدان ٥/٨٨، والنهاية في غريب الحديث ٤/٣١١. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٤، تاريخ الأمم والملوك فيه - الندى- وليس فيه الصرى ٣/٤٥. ٣ معجم البلدان ٣/٣٩٨.
[ ١٩٧ ]
يوضحه فهو لا يخلو من فائدة، وعليه فقد روى اليبهقي من طريق كثير ابن عبد الله المزني حديثًا، وفيه قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا فحفرنا حتى بلغنا الثّديّ١ أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدّورة٢. الحديث.
وعلى ذلك فهذه الكلمة - الثدى- محتملة لما يأتي:
١- أنهم حفروا إلى ما يبلغ الثدى وفي هذا دلالة على عمق الخندق.
٢- ويحتمل أنها الثرى -بالثاء المعجمة والراء المهملة- ويكون فيها تصحيف.
والثرى بمعنى الندى٣، وتكون الندى لا تصحيف فيها. وهذا يدل على أنه ليس هناك مكان معروف يسمى الندى، وإنما الندى هو الجود وهو المطر والبلل٤، ويطلق على قطرات الماء التي تصبح على أوراق الأشجار. ولذلك قال الطبري والصرى هو الماء٥.
_________________
(١) ١ وهذا العمق قد يكون أكثر من متر لأن طول الرجل المتوسط متر ونصف فأكثر. ٢ دلائل النبوة ٣/٤١٩. ٣ القاموس المحيط ٤/٣٩٤. ٤ مختار الصحاح ٦٥٣. ٥ جامع البيان ٢١/١٣٤.
[ ١٩٨ ]
عقب ذلك قال السفاريني١:
وكان الخندق بسطة ونحوها وكان سلع الجبل خلف ظهورهم، والخندق من المذاد٢ إلى ذباب٣ إلى راتج٤.
وكان قد عمل فيه ﷺ، وأصحابه -﵃- مستعجلين. ثم قال في الهامش تعليقًا على هذه الأماكن:
المزاد: هو أطم لبني حرام غربي مساجد الفتح، وذباب: كغراب اسم جبل بالمدينة، وراتج: اسم أطم أيضًا. أهـ٥.
قال ابن سعد: "ولما أمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق، وكل بكل جانب منه قومًا
_________________
(١) ١ هو محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي (أبو العون) شمس الدين محدث فقيه أصولي صوفي مؤرخ مشارك في بعض العلوم ولد عام ١١١٤هـ، وتوفي ١١٨٨هـ، من تصانيفه معارج الأنوار في سيرة النبي المختار. انظر معجم المؤلفين ٨/٢٦٢. ٢ هو المذاد: بالذال أخت الدال وهذا بدليل ما جاء في شعر كعب بن مالك وقد مر في هذا البحث في صفحة ١٩٧. ٣ ذباب: قال ياقوت ذكره الحازمي بكسر أوله وباءين جبل بالمدينة له ذكر في المغازي والأخبار معجم البلدان ٣/٣. ٤ راتج: بعد الألف تاء مثناه من فوق مكسورة وجيم: اطم من آطام بالمدينة وتسمى الناحية به. معجم البلدان ٣/١٢. ٥ شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد ١/١٩٩- ٢٠٠.
[ ١٩٩ ]
وكان المهاجرون من ناحية راتج إلى ذباب وكانت الأنصار من ذباب إلى جبل بني عبيد وكان سائر المدينة مشبكًا بالبنيان، فهي كالحصن وخندقت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جربا إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليوم"١.
ويستنتج من هذا وذاك أن أقصى نقطة من الشرق بالنسبة للخندق هي راتج، وآخر نقطة من الغرب جبل بني عبيد، وفيما بينهما جرى الحفر.
أما المدة التي استغرقوها في أثناء الحفر ففيها أقوال:
١- قول ابن سعد "وفرغوا من حفره في ستة أيام، ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام"٢.
٢ - وقول القسطلاني: "وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريبًا من
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٦٦- ٦٧. ٢ المصدر السابق ٢/٦٧.
[ ٢٠٠ ]
عشرين ليلة، وعند الواقدي أربعًا وعشرين ليلة. وعند النووي في الروضة خمسة عشر يومًا. وعند ابن القيم في الهدي النبوي شهرًا". أهـ١.
٣ - وقول السمهودي: "وما تقدم من فراغ الخندق في ستة أيام هو المعروف لكن قال الحافظ ابن حجر إن في مغازي ابن عقبة: أنهم أقاموا في عمله قريبًا من عشرين ليلة ثم ساق الكلام كما ساقه القسطلاني ثم عقب قائلًا: "والذي في الهدي - وأقام المشركون شهرًا- أي يحاصرون. وكذا ما قاله في الروضة إنما هو في الحصار وكذا ابن عقبة إنما ذكر ذلك في الحصار" ثم قال: "لكن نقل ابن سيد الناس عن ابن سعد أن المدة في عمل الخندق ستة أيام ثم قال وغيره يقول بضع عشرة ليلة، وقيل أربعًا وعشرين"٢.
قال القسطلاني: "ولست بواثق من هذا التعقيب فإن الحافظ نقل أولًا عن ابن عقبة أن مدة الحصار عشرون يومًا ثم بعد قليل ذكر هذا الخلاف في مدة الحفر وتوهيم مثله لا ينبغي"٣.
_________________
(١) ١ المواهب اللدانية ١/١١٢. ٢ وفاء الوفاء ٤/١٢٠٨- ١٢٠٩، وذكره الحافظ في الفتح ٧/٣٩٤. ٣ المواهب اللدانية ١/١١٠.
[ ٢٠١ ]
٤- قول المقريزي: "إنهم فرغوا من حفره في ستة أيام"١.
٥- قول ابن الجوزي: "إن مدة الحصار كانت بضع عشرة ليلة، وقيل أربعًا وعشرين ليلة ثم قال: وفرغوا من حفره في ستة أيام"٢.
ومن المعاصرين:
٦- محمد محمد أبو شهبة: "أثبت أنهم أتموا حفر الخندق في خلال ستة أيام"٣.
٧- أما عماد الدين خليل فقال: "وكان لتقسيم العمل وإسهام الرسول ﷺ فيه إلى جانب أصحابه، والإيمان العميق الذي كان يدفع المسلمين إلى بذل كل طاقاتهم لإنجاز الخطة الدفاعية وشعورهم بعظم الخطر المحدق إن هوجمت المدينة قبل أن ينجز حفر الخندق. فضلًا عن تأميل الرسول ﷺ جنده بالنصر القريب في الأرض والأجر العريض في السماء.
_________________
(١) ١ الإمتاع ١/٢١٦. ٢ الوفاء بأحوال المصطفى ٦٩٣، التلقيح ٥٩. ٣ السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ٢/٢٢٩.
[ ٢٠٢ ]
وكان لهذه الأمور جميعًا الأثر الحاسم في تمكين المسلمين من حفر الخندق الذي يمتد "اثنا عشر ألف ذراع"١. في ستة أيام قبل أن يدهمهم الأعداء.
_________________
(١) ١ هذه المسافة تقدر بستة كيلوات.
[ ٢٠٣ ]