لما نفدت حيل اليهود وأصبح مكرهم مكشوفًا وعجزهم واضحًا لجأوا إلى كفار قريش -ليدللوا بذلك على جبنهم وذلهم- لجأوا محرضين كفار قريش ليشنوا حربًا عامة على المسلمين في المدينة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١. وقد أعطوا العهود والمواثيق لكفار قريش أنهم سيكونون معهم محاولين بذلك تغطية الذلة والجبن الذي هو من أخلاقهم دائمًا وأبدًا.
تكون الوفد من بني النضير ومن بني وائل، وحيكت المؤامرة في خيبر وانطلق بعدها الوفد يضم: سلام بن أبي الحقيق النضري - أبا رافع - وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري.
ومن بني وائل هوذة بن قيس الوائلي، وأبو عامر الوائلي، ووحوح بن عامر الوائلي كل هؤلاء توجهوا إلى مكة يرأسهم حيي بن أخطب الذي أعمى قلبه الحقد والحسد، وكان أهل مكة ينتظرون بفارغ الصبر من يشد من عزمهم ويساعدهم على حرب محمد ﷺ وأصحابه ﵃.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية ٣٠.
[ ١٠٣ ]
سار الوفد حتى وصل مكة فسألهم أهلها: من أهدى أنحن أم محمد؟ وبينوا لهم صفة الطرفين قريش، ومحمد ﷺ، وكانت صفة محمد التي عيب بها هي: أنه كان يعيب آلهتهم وينفرهم من عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الواحد القهار. فكان رد أولئك اليهود في صالح الكفار ولكن كان الفشل حليفهم حيث رد عليهم القرآن وذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ١.
ثم ما لبثوا أن فاتحوهم في الموضوع الذي جاءوا من أجله فسر كفار قريش بذلك أكثر وأكثر ونشطوا له فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقد قيل إنهم أعطوهم تمر خيبر سنة كاملة مقابل ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم ضده. وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا فيه وأجابوهم.
وقد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن إسحاق٢ المتقدم. أما ابن سعد فقال: مشيرًا إلى جم غفير من العلماء الذين نقل عنهم الواقدي قالوا: "لما
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية ٥١. ٢ السيرة النبوية ٢/٢١٤.
[ ١٠٤ ]
أجلى رسول ﷺ، بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشًا ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله ﷺ، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعدًا. ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليمًا ففارقوهم على مثل ذلك"١. أما الحافظ فقد نقل ذلك من مغازي موسى بن عقبة وقال: "خرج حيي بن أخطب بعد قتل٢ بني النضير إلى مكة يحرض قريشًا على حرب رسول الله ﷺ، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان ويحضهم على قتال رسول الله ﷺ على أنهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك"٣ الخ.
أما ابن جرير٤ فقد ساق القصة بسنده إلى ابن إسحاق وفيها بين مدللًا بذلك على ذهاب أولئك اليهود إلى كفار قريش وإلى غطفان وتحريضهم على حرب النبي ﷺ وأصحابه ﵃. وقد أورد الخبر نفسه في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٦٥- ٦٦. ٢ قد بينت أنه لم يحصل قتل بل جرت مصالحة مع بني النضير وتم إجلاؤهم. ٣ فتح الباري ٧/٣٩٣. ٤ جامع البيان ٢٠/١٢٩.
[ ١٠٥ ]
كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ١. عن ابن عباس رضي الله عنهما٢. وقد أورده ابن هشام٣ عن يزيد بن رومان. وكلها آثار مقطوعة لكنها تتقوي بما جاء في ذلك من شواهد والقرآن يؤيد ذلك بوضوح.
إضافة إلى ذلك فقد ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٤. قال: يعني غزوة الأحزاب، وبني قريظة وكان سببها:-
أن نفرًا من اليهود منهم.
كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم٥، وحيي بن أخطب النضريون، وهوذة بن قيس، وأبو عامر من بني وائل، وكلهم يهود٦ هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية ٥١. ٢ جامع البيان ٥/١٣٥. ٣ السيرة النبوية ٢/٢١٤. ٤ سورة الأحزاب الآية ٨. ٥ كثير من أهل المغازي لم يذكروا ابن مشكم هذا. ٦ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨.
[ ١٠٦ ]
وخرجوا في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله ﷺ وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم١.
أما صاحب السيرة الحلبية فقال:" وسببها لما وقع إجلاء بني النضير من أماكنهم سار منهم جمع من كبرائهم منهم: سيدهم حيي بن أخطب أبو صفية أم المؤمنين ﵂، وعظيمهم سلام بن مشكم ورئيسهم كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس، وأبو عامر الفاسق إلى أن قدموا مكة على قريش يدعونهم ويحرضونهم على حرب رسول الله ﷺ".
وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله أي ونكون معكم على عداوته فقال أبو سفيان: مرحبًا وأهلًا وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد"٢.
_________________
(١) ١ تقدم الحديث مطولًا في سبب الغزوة. ٢ السيرة الحلبية ٢/٦٢٨.
[ ١٠٧ ]
وهكذا نرى أن أصحاب السير قد أطبقوا على ذكر هذا السبب وعلى ذكر هذا الوفد إلا أن بعضهم يذكر اسمًا لم يذكره الآخر وبعضهم قد يذكر الكنية ولا يذكر الاسم، وقد يحصل في ذلك لبس، وتفاديًا لذلك اللبس جئت بأقوال أهل السير والمغازي ليتبين الأمر ويتضح المراد ويبدو من استعراض كلام الحلبي أنه ذكر رئيس زعماء الوفد وفرق بين زعيمهم وسيدهم وعظيمهم وفي دلائل النبوة للبيهقي طرف من هذا١.
مما سبق يظهر بوضوح أن هذا الوفد قد تكون في خيبر فعلًا وكان اليهود هم المتزعمين لذلك الموقف المخزي، وهو موقف لا يستغرب منهم فتاريخهم مليء بالكيد والدسائس لغيرهم عمومًا ولأهل الإسلام خصوصًا.
إلا أن الغريب٢ وجود بني وائل في هذا الوفد، ولعل سبب تمالؤهم مع اليهود يرجع إلى أن اليهود لما جاءوا إلى خيبر، وكان بنو وائل يسكنونها قبلهم وجاء اليهود ومعهم الأموال وأخذوا في تنميتها وسيطروا بواسطة تلك الأموال على أولئك الضعفاء فأغروهم بذلك وأخرجوهم معهم ولعلهم ضغطوا عليهم بذلك.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٤٢٨. ٢ ذلك لأن القرطبي قال في الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨. قال بعد أن ذكر الوفد (وكلهم يهود) فلعلهم كانوا قبل ظهور دعوة الإسلام معتنقين دين اليهود فصاروا منهم ولم أجد من ذكرهم في اليهود غيره والله أعلم.
[ ١٠٨ ]