جيش المسلمين هو ذلك الجيش الذي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الله في سبيل الدفاع عن هذا الدين الحنيف دين الله الذي قال فيه سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. هذا الجيش رغم قلة عدده وعدته فقد كان كثيرًا قويًا بإيمانه وبعقيدته. وقد حصل في تقدير هذا الجيش خلاف على النحو التالي:
١- قال ابن إسحاق: "وخرج رسول الله ﷺ، والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين" أ. هـ٢. وتابعه في ذلك ابن سعد٣ والطبري٤ والبيهقي٥ وابن عبد البر٦ وابن الأثير٧ وابن سيد الناس٨ وابن كثير٩ وذكره الديار بكري١٠
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية ٨٥. ٢ السيرة النبوية ٢/٢٢٠ والروض الآنف ٣/٢٦١. ٣ الطبقات الكبرى ٢/٦٦. ٤ جامع البيان ٢١/١٣٠. ٥ دلائل النبوة ٣/٤٥٢. ٦ الدرر في اختصار المغازي والسير ١٨١. ٧ الكامل في التاريخ ٢/١٢٣. ٨ عيون الأثر ٢/٥٧. ٩ البداية والنهاية ٤/١٠٢. ١٠ تاريخ الخميس ١/٤٨٠.
[ ٢٢٤ ]
كما ذكره صاحب المواهب اللدنية١.
٢- قال ابن حزم: "وقد قيل تسعمائة فقط قال: وهو الصحيح الذي لا شك فيه"٢.
٣- قال الديار بكري٣: "بعد أن ذكر أن عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف قال وقيل: كان المسلمون ألفًا. هكذا بصيغة التمريض"٤.
قلت: "ولعل القائل بذلك ذهب إلى ما ورد في حديث جابر حيث قال: في سياق الحديث الذي فيه القصة التي أضاف٥ فيها جابر النبي ﷺ على عناق وصاع من شعير وجاء الرسول ﷺ بأهل الخندق كلهم إلى أن قال وهم ألف"٦. ولا يجزم بهذا أن عدد المسلمين كانوا ألفًا على ضوء هذا، وإنما هذا العدد هو الذي كان موجودًا مع رسول الله ﷺ في ذلك الوقت في مأدبة جابر - ولعل أكثرهم كان قد استأذن منه
_________________
(١) ١ المواهب اللدنية ٢/١١٠. ٢ جوامع السيرة ١٨٧. ٣ حسين بن محمد بن الحسن الديار بكري - مؤرخ فقيه- توفي بمكة في حدود سنة ٩٦٦هـ، معجم المؤلفين ٤/٤٧. ٤ تاريخ الخميس ١/٤٨٠. ٥ مادة ضيف تأتي لعدة معاني وهي هنا بمعنى الإكرام، انظر: النهاية في غريب الحديث ٣/١٠٨-١٠٩. ٦ صحيح البخاري ٥/٤٤، وفتح الباري ٧/٣٩٦.
[ ٢٢٥ ]
ﷺ لأنهم كانوا يتناوبون في الحفر كما هو معلوم. أما ابن القيم فقد قال: "إنهم كانوا ثلاثة آلاف ثم عقب قائلًا: وقال ابن إسحاق: "خرج في سبعمائة قال: وهذا غلط من خروجه يوم أحد"١.
وقال القسطلاني وكانوا ثلاثة آلاف ثم قال: "قال الشافعي ووهم من قال كانوا سبعمائة"٢.
أما بالنسبة للرأي الثاني: فلم يشر أحد إليه وهو الذي ارتضاه ابن حزم ورفض ما عداه٣ وإذا فلعل الأولى الرأي القائل بأنهم كانوا ثلاثة آلاف لكثرة القائلين بذلك والله أعلم.
قال ابن سعد: "ولما تم حفر الخندق رفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام وخرج رسول الله ﷺ يوم الاثنين لثمان ليال مضين٤ من ذي القعدة وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة وكان يحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٢٧١، وبنفس هذا الرد قال المقريزي في الإمتاع ١/٢٦٦. ٢ المواهب اللدنية ١/١١١. ٣ جوامع السيرة ١٨٧. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٦٧، مع أن المقريزي قال أن رسول الله ﷺ عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة وهو في حد ذاته اتفاق مع ابن سعد. انظر الامتاع ١/٢١٦.
[ ٢٢٦ ]
وكان رسول الله ﷺ يبعث سلمة بن أسلم١ في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة.
وكان عباد بن بشر٢ على حرس قبته ﷺ مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة٣. قال ابن القيم: "وهو الذي كان على حرسه وقد حرسه الزبير بن العوام أيضًا يوم الخندق" قال ابن سيد الناس٤: وقال ابن سعد في باب حراس النبي ﷺ: "حرسه يوم بدر حين نام في العريش سعد بن معاذ ويوم أحد محمد بن مسلمة ويوم الخندق الزبير بن العوام"٥.
_________________
(١) ١ سلمة بن أسلم بن حريش بن عدي بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي يكنى أبا سعد شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وقتل يوم جسر أبي عبيد سنة أربع عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل استشهد وهو ابن ثلاث وستين سنة. الاستيعاب ٢/١٩٨، وأسد الغابة ٢/٣٣٢. ٢ عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي ثم الأشهلي يكنى - أبا بشر - وقيل أبو الربيع - أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير قبل إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان ممن قتل كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله ﷺ والمسلمين. قالت عائشة - ﵂- ثلاثة من الأنصار لم يكن يعتد عليهم فضلًا كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. انظر: الاستيعاب ٢/٣٥٠، وأسد الغابة ٣/١٠٠. ٣ الطبقات الكبرى ٢/٦٧. ٤ عيون الأثر ٢/٥٨. ٥ زاد المعاد ١/١٢٧.
[ ٢٢٧ ]
وعندما استقر ﷺ في معسكره المختار حسب الخطة العسكرية الناجحة نظم جنود المسلمين ووزعهم فبعضهم للحراسة على الخندق ومنافذه وبعضهم على قبته لأنها كانت مستهدفة من الأعداء.
وكان ﷺ يختلف بنفسه إلى ثلمة١ في الخندق يحرسها وكان الوقت شتاء شديد البرودة وقد روى البزار في ذلك حديثًا وفيه قال: حدثنا عبد الله بن شبيب٢ ثنا إبراهيم بن المنذر٣ ثنا إسماعيل بن داود٤ ثنا مالك ابن أنس عن يحيى بن سعيد٥ عن عمرة٦ عن
_________________
(١) ١ الثلمة والثغرة بمعنى واحد وهي الفتحة. النهاية في غريب الحديث ١/٢١٣. ٢ عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي أخباري علامة لكنه واه قال أبو أحمد الحاكم ذاهب الحديث قال الذهبي: "يروي عن أصحاب مالك وبالغ - فضلك الرازي- فقال يحل ضرب عنقه، وقال عبد الرحمن بن خراش يسرق الحديث، قال ابن حبان يقلب الأحاديث ويسرقها". الميزان ٢/٤٣٨. ٣ إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي - صدوق - تكلم فيه أحمد لأجل القرآن من العاشرة مات سنة ست وثلاثين ومائتين (خ ت س ق) التقريب ٢٣. ٤ إسماعيل بن داود بن عبد الله بن مخراق المخراقي روى عن مالك بن أنس وغيره قال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول هو ضعيف الحديث جدًا وقال في موضع آخر سمعت أبي يقول هو منكر الحديث. الجرح والتعديل ٢/١٦٧-٢٠١. ٥ يحي بن سعيد بن قيس الأنصاري ثقة (ع) التقريب ٣٦٧. ٦ عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية أكثرت عن عائشة -ثقة- من الثالثة ماتت قبل المائة ويقال بعدها روى لها (ع) التقريب ٤٧١.
[ ٢٢٨ ]
عائشة قالت: "كنت مع رسول الله ﷺ وهو بالخندق فكان رسول الله ﷺ يتعاهد ثغرة من الجبل يخاف منها فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فيتسمع فسمع حسن إنسان عليه الحديد فانسل"١ في الجبل فقال رسول الله ﷺ: "من هذا؟ ". فقال: "أنا سعد جئتك لتأمرني بأمرك" فأمره النبي ﷺ أن يثبت في تلك الثغرة".
قالت عائشة: "فنام رسول الله في حجري حتى سمعت غطيطه٢ فقالت عائشة لا أنساها لسعد"٣.
قال الهيثمي قلت: "في الصحيح طرف منه ثم قال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف"٤.
أما البزار فقال: "لا نعلم رواه إلا عائشة بهذا الإسناد".
وقد روى البخاري ما يقويه ولكن بغير تصريح بذكر الخندق٥
_________________
(١) ١ أنسل أسرع خفية. القاموس المحيط ٤/٥٧ قلت لعله (ينسل) . ٢ غط النائم إذا سمع له صوت من الفم. القاموس المحيط ٢/٣٧٦. ٣ كشف الأستار ٢/٣٣٣. ٤ مجمع الزوائد ٦/١٣٥. ٥ صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢١٩ كتاب التمني وهو عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عائشة
[ ٢٢٩ ]
كما أورده الترمذي في مناقب سعد بن أبي وقاص١ بيد أنه لم يذكر أن ذلك كان في الخندق. لذلك قال ابن العربي.
وكانت عائشة مع النبي ﷺ يوم الخندق وذكرت أن رسول الله ﷺ كان يتعاهد ثغرة من الجبل يحافظ عليها ثم يزلفه٢ البرد ذلك اليوم فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فسمعت حس رجل عليه حديد وقد أسند في الجبل فقال رسول الله ﷺ: "من هذا؟ " ثم ساق الحديث بمثل ما جاء عن البزار إلا أنه صرح بأنه سعد بن أبي وقاص٣.
وقد جاءت الرواية التي عند البخاري والتي عند الترمذي في المناقب مفسرة لما كان مبهمًا عند البزار وهو سعد لأن السعود في صحابة رسول الله ﷺ كثير فتبين بالروايتين أنه سعد بن أبي وقاص -﵁-.
وحديث البزار وإن كان ضعيفًا إلا أن ما جاء عند البخاري والترمذي يقويه والحديث يدل بوضوح على: الشدة التي عاناها الرسول ﷺ، وأصحابه في هذه الغزوة وأن الخطر الذي أحدق بهم كان كبيرًا حتى أنه ﷺ كان يتعاهد تلك الثغرة بنفسه
_________________
(١) ١ تحفة الأحوذي ١٠/٢٥٦-٢٥٧. ٢ أزلفه يزلفه قرّ به والزلفة الطائفة من أول الليل والجمع زلف. المختار ٢٧٣. ٣ أحكام القرآن ٣/١٥١١.
[ ٢٣٠ ]
يخاف على المسلمين منها وأن القائد عليه ما على جنوده من حراسة ومرابطة؛ بل إن القائد هو المثل الأعلى لجنوده والرسول ﷺ كان خير قائد.
قال المقريزي: "قالت أم سلمة - ﵂-: شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف المريسيع وخيبر وكنا بالحديبية وفي الفتح وحنين لم يكن من ذلك أتعب لرسول الله ﷺ ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة١، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري فالمدينة تحرس حتى الصباح نسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا خوفًا. حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا.
قال وكان رسول الله ﷺ يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها فإذا آذاه البرد دخل قبته فأدفأته عائشة - ﵂- في حضنها٢ فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة يحرسها ويقول ما أخشى على الناس إلا منها.
_________________
(١) ١ الحرج: أضيق الضيق. النهاية في غريب الحديث ١/٣٦١. ٢ الحضن: مادون الإبط إلى الكشح وحضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه. مختار الصحاح ١٤٢.
[ ٢٣١ ]