بالنظر في وقائع هذه الغزوة وبالرجوع والتفكير في مقدماتها وعندما ترى أو تسمع اجتماع تلك الجيوش الجرارة يحدوها الحقد والكراهية وترفرف عليها فكرة استئصال شوكة الإسلام والمسلمين. تلك الفكرة التي كان اليهود سببًا في رواجها وانتشارها بين جيوش الأحزاب عندما تنعم النظر في ذلك كله وترجع إلى المقاييس المادية – الأكثر يغلب الأقل- وتنسى قدرة الله ﷾.
تعلم علم اليقين أن عشرة آلاف أو أكثر تستطيع أن تهزم عدوها والذي كان يبلغ عدده على الأكثر وفي أغلب الأقوال ثلاثة آلاف.
بيد أن ابن إسحاق قال: "إنهم كانوا سبعمائة فقط"١.
وقال ابن حزم: "إنهم كانوا تسعمائة قال وهو الصحيح"٢ وقد تقدم الراجح أنهم كانوا ثلاثة آلاف. لكن الله سبحانه قوي عزيز فقد أمد هذه القلة بنصر من عنده، وأعانهم بجند من جنده، وزودهم بثبات وطمأنينة فهونّ أمامهم المصائب والمحن فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
_________________
(١) ١ ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد ٣/٢٧١، ورده عليه وقال هذا غلط من خروجه يوم أحد. ٢ جوامع السيرة ١٨٧.
[ ٤١٧ ]
عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ١ الآية.
إذن فالمقاييس عنده تختلف، إذ أنها ليست على حسب الكثرة أو القوة، ولكن القلوب التي ملئت بتوحيده ﷾، وملئت بالتقوى التي تهون أمامها الدنيا وزخارفها أصبح الواحد منهم يتصور الجنة وكأنه ينظر إليها ومنهم من بشر بها وهو على قيد الحياة؛ فرخصت أنفسهم في سبيل الله لما أعد لهم سبحانه من نعيم مقيم، وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فكانوا يخرجون سراعًا مع النبي ﷺ ولا تهمهم قلتهم وكثرة عدوهم؛ لأن الله سبحانه كان يشد من أزرهم فيرسل معهم جندًا من جنوده الكثيرة، فقد أرسل معهم في بدر كما هو معلوم ملائكته فحاربت مع المسلمين.
وفي هذه الغزوة يخبر الله ﷾ أنه رد الكافرين بغيظهم لم ينالوا ما أرادوا مما اجتمعوا عليه وذلك أنهم أرادوا في الواقع استئصال تلك القلة المباركة فقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٩. ٢ سورة الأحزاب الآية ٢٥.
[ ٤١٨ ]
قال ابن كثير: "يقول تعالى مخبرًا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، ولولا أن الله جعل رسوله رحمة للعالمين لكانت هذه الريح أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد، لكنه قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ١. فسلط عليهم هواء فرق شملهم كما كان سبب اجتماعهم من الهوى وهم أخلاط من قبائل شتى أحزاب وأراء.
فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم٢ لم ينالوا خيرًا لا في الدنيا مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول ﷺ بالعداوة وهمهم بقتله واستئصال جيشه٣. فقال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ .
كان ذلك نتيجة واستجابة من الله لدعاء نبيه ﷺ على الأحزاب فقد دعا عليهم بدعاء رواه البخاري ﵀ حيث قال:
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية ٣٣. ٢ الحنق: الغيظ: مختار الصحاح ١٥٩. ٣ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٦- ٤٧٧.
[ ٤١٩ ]
حدثنا محمد١، أخبرنا الفزاري٢ وعبدة٣ عن إسماعيل٤ بن أبي خالد قال: "سمعت عبد الله بن أبى أوفى٥ ﵄ يقول دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم٦ ". كما رواه مسلم٧، وأبو داود٨ والترمذي٩، وابن ماجه١٠، وعبد بن حميد١١، وأحمد١٢.
_________________
(١) ١ محمد بن سلام بن الفرج السلمي مولاهم البيكندي أبو جعفر - ثقة ثبت -. التقريب ٣٠١. ٢ مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد الله الكوفي نزيل مكة ثم دمشق - ثقة حافظ - وكان يدلس أسماء الشيوخ. التقريب ٣٣٣. ٣ عبدة بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي يقال اسمه عبد الرحمن - ثقة ثبت -. التقريب ٢٢٣. ٤ إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي - ثقة ثبت - التقريب ٣٣. ٥ عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي صحابي جليل شهد الحديبية وعمر بعد النبي ﷺ دهرًا مات سنة سبع وثمانين وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. التقريب ١٦٨، الاستيعاب ٣/٧. ٦ صحيح البخاري ٥/٩٢ كتاب المغازي، صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/١٠٦، ٦/١٢٠، ٧/٤٠٦. ٧ صحيح مسلم ٣/١٣٦٣ كتاب الجهاد. ٨ سنن أبي داود ٣/٩٦. ٩ سنن الترمذي ٣/١١٣. ١٠ سنن ابن ماجه ٢/٩٣٥. ١١ المنتخب من مسند عبد بن حميد ١/١٨٦ حديث رقم (٥٢٣) . ١٢ مسند الإمام أحمد ٤/٣٥٣،٣٥٥،٣٨١.
[ ٤٢٠ ]
وقد قال الحافظ أثناء شرحه لهذا الحديث: قوله: "اللهم منزل الكتاب الخ".
أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم فبالكتاب إلى قوله تعالى: " ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ١، وبمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة وتسخير السحاب حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى وحيث يستقر في مكانه مع هبوب الريح وحيث تمطر تارة وأخرى لا تمطر.
فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم قال وكلها أحوال صالحة للمسلمين.
ثم قال: "وروى الإسماعيلي٢ في هذا الحديث من وجه آخر أنه ﷺ دعا أيضًا فقال: "اللهم أنت ربنا وربهم ونحن عبيدك وهم عبيدك نواصينا ونواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم". ثم قال: "ولسعيد بن منصور٣
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية ١٤. ٢ هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي الجرجاني ولد عام (٢٧٧) من تصانيفه الصحيح على شرط البخاري والفرائد والعوالي وغيرهما. انظر السير ١٦/٢٩٢. ٣ سعيد بن منصور بن شبه أبو عثمان الخراساني نزيل مكة ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به مات سنة (٢٢٧) التقريب ١٢٦.
[ ٤٢١ ]
من طريق أبي عبد الرحمن الحُبليِّ١ عن النبي ﷺ مرسلًا نحوه لكن بصيغة الأمر عطفًا على قوله " وسلوا الله العافية " في حديث آخر، فإن بليتم بهم فقولوا (اللهم) فذكره وزاد "وغضوا أبصاركم" واحملوا عليهم على بركة الله أهـ٢.
ثم كفى الله المؤمنين القتال، ونصر عبده، وأعز جنده؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده" رواه البخاري٣، ومسلم٤، وأبو داود٥، والنسائي٦، وابن ماجه٧، ومالك٨، وأحمد٩. وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ . إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش١٠.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن يزيد المعافري أبو عبد الرحمن الحبلي بضم المهملة والموحدة –ثقة- وقد تقدم في ص ٢٧٣. ٢ فتح الباري ٦/١٥٧. ٣ صحيح البخاري ٥/٤٩ كتاب الجهاد. ٤ صحيح مسلم ٢/٩٨٠ كتاب الحج باب ما يقوله إذا قفل من سفر الحج وغيره. ٥ سنن أبي داود ٣/٢١٤ كتاب الجهاد. ٦ سنن النسائي القسامة ٣٤. ٧ سنن ابن ماجة ٢/٨٧٨ كتاب الديات. ٨ موطأ مالك ٢٤٣. ٩ مسند الإمام أحمد ١/٤٤٤، ٢/٥، ١٠، ١١، ١٥، ٢١، ٣٨، ٦٣. ١٠ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧.
[ ٤٢٢ ]
وهكذا حصل حيث أن المشركين لم يغزوا المسلمين بعدها بل غزاهم المسلمون في بلادهم. أشار إلى ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ﵀ حيث قال: "حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان١ عن أبي إسحاق٢، عن سليمان بن صرد٣ قال: "قال النبي ﷺ يوم الأحزاب "نغزوهم ولا يغزوننا" ٤.
كما رواه أحمد٥.
وقد رواه البخاري من وجه آخر عن عبد الله بن محمد وقد صرح فيه بسماع أبي إسحاق له منه وفيه زيادة وهي كالآتي:
قال البخاري ﵀: حدثني عبد الله بن محمد٦، حدثنا يحى بن آدم٧، حدثنا إسرائيل٨
_________________
(١) ١ سفيان هو الثوري وقد تقدم. ٢ هو السبيعي وقد تقدم. ٣ سليمان بن صرد بضم المهملة وفتح الراء بن الجون الخزاعي أبو مطرف الكوفي صحابي قتل بعين الوردة سنة (٦٥هـ) وعين الوردة جهة كربلاء بالعراق. التقريب ١٣٤، والاستيعاب ٢/٢١٠. ٤ صحيح البخاري ٥/٤٨. ٥ مسند الإمام أحمد ٤/٢٦٢. ٦ هو المسندي. سمي بذلك لأنه كان يحب الإسناد ويرغب عن المرسلات وقد تقدم. ٧ هو يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي. وقد تقدم. ٨ إسرائيل هو بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو سيف الكوفي ثقة تكلم فيه بلا حجة. التقريب ٣١.
[ ٤٢٣ ]
سمعت أبا إسحاق يقول: "سمعت سليمان بن صرد يقول: "سمعت النبي ﷺ يقول حين أجلى الأحزاب عنه الآن: "نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم١".
لذلك قال ابن كثير قال ابن إسحاق: "لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم". فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان رسول الله ﷺ هو يغزوهم بعد ذلك، حتى فتح الله تعالى مكة٢ كما رواه الطبراني٣. وقد أورده الهيثمي وقال رواه البزار ورجاله ثقات٤.
مما تقدم نرى أن هذه الغزوة كانت نتيجتها هي انتصار المسلمين، وانهزام أعدائهم، وتفرقهم، ورضاهم من الغنيمة بالإياب٥.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٥/٤٨. ٢ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧. ٣ المعجم الكبير ٧/١١٥. ٤ مجمع الزوائد ٦/١٣٩. ٥ قال في مجمع الأمثال ١/٢٩٥، وأول من قاله امرؤ القيس بن حجر في قوله: ولقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب ويقال عند القناعة بالسلامة.
[ ٤٢٤ ]
وقد أخبر الرسول ﷺ بأنهم – أي الأحزاب – أو كفار قريش لا يغزوا المسلمين بعد هذه الغزوة وهذا علم من أعلام نبوته ﷺ حيث حصل ذلك حتى فتح مكة تلك التي أخرجه كفارها في بداية ظهور الإسلام، وخرج منها خائفًا يترقب، ولكنه بقوة الله وتأييده رجع إليها فاتحًا رافعًا راية التوحيد، حامدًا ربه شاكرًا له.
[ ٤٢٥ ]