حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك بعد أن فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية. وقد تضمن حديث مسلم سياق القصة وبيانها أحسن بيان، وهذا نصه:
حدثنا حبان١ بن موسى أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا يونس٢ بن يزيد الأيلي، ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ومحمّد ابن رافع وعبد بن حميد، قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر٣، والسياق حديث معمر من رواية عبد وابن رافع، قال يونس ومعمر جميعا عن الزهري: أخبرني سعيد٤ بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة٥ بن وقاص
_________________
(١) ١ حبان بكسر المهملة بعدها موحدة، ابن موسى بن سوار: بفتح السين المهملة بعدها واو ثقيلة مفتوحة، السلمي، أبو محمد المروزي، ثقة من العاشرة، (ت٢٣٣) / خ م ت س. التقريب ١/ ١٤٧. ٢ يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة (ت١٥٩) على الصحيح/ع. المصدر السابق٢/٣٨٦. ٣ تقدمت تراجم بقية رجال الإسناد. ٤ سعيد بن المسيب بن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها نون، ابن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار الثانية، (ت بعد التسعين/ع. التقريب١/ ٣٠٥) . ٥ علقمة بن وقاص بتشديد القاف الليثي المدني، ثقة ثبت من الثانية، أخطأ من زعم أن له صحبة، وقيل إنه ولد في عهد النبي ﷺ، (ت في خلافة عبد الملك) / ع. المصدر السابق ٢٠/ ٣١.
[ ٢٠٥ ]
وعبيد الله١ بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا.
وكلهم حدثني٢ طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضا، ذكروا أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه"، قالت عائشة: "فأقرع بيننا في غزوة غزاها٣ فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعدما أنزل الحجاب٤، فأنا أحمل في هودجي٥، وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل".
سبب تأخر عائشة عن الجيش:
فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه، ثبت من الثالثة، (ت٩٤ وقيل ٩٨ وقيل غير ذلك) / ع. المصدر السابق١/ ٥٣٥. ٢ هو من قول الزهري، كما في رواية فليح عن الزهري، قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها انظر البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات (باب تعديل النساء بعضهن بعضا) وتاريخ ابن شبة ١/١٠١ ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤. ٣ في غزوة غزاها: هي غزوة بني المصطلق كما هو عند ابن إسحاق من رواية عباد ابن عبد الله بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها ابن جرير الطبري. وعند أبي يعلى من رواية صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة وابن المسيب وعلقمة وعبيد الله ولفظه: "قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن فخرج بي رسول الله ﷺ". انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٧ وتاريخ الطبري ٢/ ٦١١ وتفسيره ١٨/ ٩٣ ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٥٠ وانظر فتح الباري ٨/ ٤٥٨، وسيأتي بحث القرعة في الأحكام ص ٣١٨. ٤ تقدم الكلام على وقت نزول الحجاب ص ٩٤. ٥ الهودج: مركب النساء. انظر القاموس المحيط١/ ٢١٢. وفي فتح الباري٨/ ٤٥٨. الهودج: بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة وآخره جيم: محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه، يوضع على ظهر البعير يركب فيه النساء ليكون أستر لهن.
[ ٢٠٦ ]
من شأني أقبلت إلى الرحيل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع١ ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني اتغاؤه، وأقبل الرهط٢ الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت وكانت النساء إذ ذاك خفاف لم يهبلن٣ ولم يغشن٤
_________________
(١) ١ جزع ظفار: بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها مهملة، في رواية فليح بن سليمان عن الزهري «من جزع أظفار» بزيادة الف انظر البخاري ٣/ ١٥٢ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا. ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤. قال ابن بطال: الرواية (أظفار) بألف وأهل اللغة لا يعرفونه بألف، ويقولون: (ظفار) وقال القرطبي: "وقع في بعض راوايات مسلم (أظفار) وهي خطأ"، قال ابن حجر: معقبا على هذا قلت: لكنها في أكثر روايات أصحاب الزهري، حتى إن في رواية صالح ابن أبي الأخضر، عند الطبراني "جزع الأظافير" إلى أن قال: وإن ثبتت الرواية "أنه جزع أظفار" فلعل عقدها كان من الظفر أحد أنواع القسط وهو طيب الرائحة يتبخر به، فلعله عمل مثل الخرز، فأطلقت عليه جزعا تشبيها به، ونظمته قلادة إما لحسن لونه، أو لطيب رائحته، وقد حكى ابن التين: أن قيمته كانت اثني عشر درهما وهذا يؤيد أنه ليس جزعا ظفاريا، إذا لو كان كذلك لكانت قيمته أكثر من ذلك انظر فتح الباري ٨/ ٤٥٩. والجزع: هو الخرز اليماني الصيني فيه سواد وبياض تشبع الأعين، وظفار "بوزن قطام وهي مبنية على الكسر، اسم مدينة لحمير باليمن". انظر النهاير في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٢٦٩ والقاموس المحيط ٣/ ١٢، وشرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٠، وفتح الباري ٨/ ٤٥٩. ٢ الرهط من الرجال ما دون العشرة وقيل إلى الأربعين ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الجمع. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٨٣. وقال ابن حجر: "لم أعرف منهم هنا أحدا إلا أن في رواية الواقدي أن أحدهم أبو موهوبة مولى رسول الله ﷺ، وعند البلاذري: شهد أبو مويهبة غزوة المريسيع وكان يقود بعير عائشة، وكان من مولدي مزينة، وكأن الأصل أبو موهوبة ويصغر فيقال: أبو مويهبة". فتح الباري ٨/ ٤٥٩. وانظر مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٦ وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٤٨٨. ٣ يهبلن: بضم التحتانية وتشديد الموحدة أي لم يكثر عليهن اللحم، يقال هبله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه بعضا. (ابن الأثير: النهاية ٥/ ٢٤٠) . ٤ لم يغشهن اللحم: أي لم يغط اللحم بعضه بعضا، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٤٠ و٣/ ٣٦٩ ومختار الصحاح ص ٦٨٩ و٤٧٥. وفي رواية فليح: "لم يثقلن ولم يغشهن اللحم" البخاري ٣/ ١٥٢ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا وابن شيبة ١/ ١٠١ وأبي يعلى ٤/ ٤٤٤ وفي رواية الليث عن يونس: "لم يثقلهن اللحم" البخاري ٦/ ٨٥ كتاب التفسير وقال ابن أبي جمرة: ليس هذا تكرار لأن كل سمين ثقيل من غير عكس، لأن الهزيل قد يمتلئ بطنه طعاما فيثقل بدنه، فأشارت إلى أن المعنيين لم يكونا في نساء ذلك الزمان. فتح الباري ٨/ ٤٥٩- ٤٦٠.
[ ٢٠٧ ]
اللحم إنما يأكلن العلقة١ من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل٢ الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني، فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس٣ من وراء الجيش فادلج٤، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه٥ حين عرفني، فخمرت٦ وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلمني٧ كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش
_________________
(١) ١ العلقة: بضم المهملة وسكون اللام من الطعام: أي البلغة منه، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٨٩. ٢ في رواية الليث عن يونس "فلم يستنكر القوم خفة الهودج"، البخاري ٦/ ٨٥ كتاب التفسير قال ابن حجر: وهو أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه، فكأنها تقول: كأنها لخفة جسمها بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدمها، ولهذا أردفت ذلك بقولها: وكنت جارية حديثة السن، أي أنها مع نحافتها صغيرة السن فذلك أبلغ في خفتها. فتح الباري ٨/٤٦٠. ٣ عرس: التعريس هو نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٠٦. ٤ فادلج: بالتشديد سار آخر الليل. المصدر السابق ٢/ ١٢٩. يقال: أدلج بالتخفيف إذا سار أول اليل، وادلج بالتشديد إذا سار من آخره. ٥ باسترجاعه: أي قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. كما صرحت بذلك رواية ابن إسحاق انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٨. ٦ فخمرت وجهي: أي غطيته. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٧٧. ٧ قال ابن حجر: عبرت بهذه الصيغة إشارة إلى أنه استمر منه ترك المخاطبة لئلا يفهم لو عبرت بصيغة الماضي اختصاص النفي بحال الاستيقاظ، فعبرت بصيغة المضارعة. انظر فتح الباري ٨/ ٤٦٣.
[ ٢٠٨ ]
بعد ما نزلوا موغرين١ في نحر الظهيرة٢، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول".
انتشار الدعاية في المدينة:
فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك٣، وهو يريبني٤ في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف٥ الذي كنت أرى منه
_________________
(١) ١ موغرين: الوغرة: بسكون الغين المعجمة شدة الحر. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٠٨. وكذا فسرها عبد الرزاق بقوله: الوغرة شدة الحر، عندما سأله عبد بن حميد بقوله: ما قوله موغرين، انظر صحيح مسلم ٨/ ١١٨، كتاب التوبة وفي رواية فليح بن سليمان "معرسين" بدل موغرين، انظر البخاري ٣/ ١٥٢ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤ وفي غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٠٦ "أن التعريس هو نزول المسافر آخر الليل" ولكن قال ابن زيد: التعريس النزول في السفر في أي وقت كان فيحمل الحديث على هذا، قال ابن حجر: وروى "موغرين: والتغوير النزول في وقت القائلة". انظر فتح الباري ٨/ ٤٦١ و٤٦٤ وفي صحيح مسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان "موعرين" بعين وراء مهملتين. قال النووي: روايته بالعين ضعيف. شرح مسلم للنووي ٥/ ٣٦١. لكن قال ابن حجر: بأن رواية يعقوب بن إبراهيم عند مسلم إنما هي "موعزين" بعين مهملة وزاي، قال "ووجهها القرطبي بقوله: كأنه من وعزت إلى فلان بكذا أي تقدمت والأول أولى -يعني موغرين - وصحفه بعضهم بمهملتين وهو غلط". فتح الباري ٨/ ٢٦٣ قلت: الرواية في صحيح مسلم الموجود بأيدينا "موعرين"بعين وراء مهملتين. وقول النووي بأنه ضعيف أولى من قول القرطبي بأنه تصحيف، وذلك أن في القاموس المحيط ٢/ ١٥٥"وعر صدره لغة في وغر". ٢ نحر الظهيرة: أولها وفي القاموس المحيط ٢/ ١٣٩ نحر النهار والشهر أوله. ٣ وفي رواية ابن إسحاق من حديث عباد وعمرة عن عائشة، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبوي ولا يذكرون لي قليلا ولا كثيرا، انظر: سيرة ابن هشام٢/٢٩٩،ومن طريقه أخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ٢/٦١٣. ٤ يريبني: يشككني، يقال: رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٨٦. ٥ في رواية ابن إسحاق "كنت إذا اشتكيت وحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك بي، في شكواي تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني، قال: "كيف تيكم" لا يزيد على ذلك". سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩.
[ ٢٠٩ ]
حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ، فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " فذاك يربيني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت١ وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع٢، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف٣ قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه٤ وكنا نتأذى بالكنف٥ أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح٦، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن
_________________
(١) ١ نقه المريض من باب طرب وخضع إذا برأ وأفاق وكان قريب العهد بالمرض، ولم يرجع إليه كمال صحته وقوته. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١١١ والقاموس المحيط ٤/ ٢٩٤. ومختار الصحاح ص ٦٧٨. وعند ابن إسحاق حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة. سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩. ٢ المناصع: المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة واحدها منصع كمقعد. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٦٥ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٨٩ وفي فتح الباري ١/ ٢٤٩ "المناصع أماكن معروفة من ناحية البقيع". ٣ الكنف: جمع كنيف، المكان الساتر وأرادت به هنا المكان المعد لقضاء الحاجة. القاموس المحيط ٣/ ١٩٢ ومختار الصحاح ص ٥٨٠. ٤ التّنَزه: البعد لقضاء الحاجة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٤٣ وعند ابن إسحاق: وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، وإنما كنا نذهب في فسح المدينة. سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩ ٥ نتأذى: أي نتقذر. ٦ قال ابن عبد البر: اسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم وهي ابنة خالة أبي بكر الصديق. وقيل - أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف - وأمها ريطة بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق. والظاهر أنها سلمى بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، واسم أبي رهم أنيس مكبرا لا سلمى بنت صخر فإن هذا نسب أم أبي بكر الصديق خالة أم مسطح وهي سلمى بنت صخر بن عامر الخ ووالدة أم مسطح اسمها ريطة بنت صخر بن عامر بن سعد بن تيم، وقال ابن حجر: رائطة حكاه أبو نعيم. انظر الاستيعاب على هامش الإصابة ٣/ ٤٩٤ وطبقات ابن سعد ٨/ ٢٢٨ و٣/ ٥٣ و١٦٩ وأسد الغابة لابن الأثير ٤/ ٣٠٨ و٥/ ١٥٦ و٧/ ٣٢٦ و٣٩٣. وفتح الباري ٨/ ٤٦٥.
[ ٢١٠ ]
عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح١ بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا٢ من شأننا.
فعثرت٣ أم مسطح في مرطها٤ فقالت: "تعس٥ مسطح" فقلت لها: "بئس ما قلت أتسبين رجلا قد شهد بدرا"٦؟!!
قالت: "أي هنتاه٧ أولم تسمعي ما قال؟ " قلت: "وماذا قال؟ "
_________________
(١) ١ مسطح: بمكسور وسكون سين وطاء مهملة- لقب واسمه عوف يكنى أبا عباد وقيل أبا عبد الله، (ت٣٤) في خلافة عثمان، ويقال عاش إلى خلافة علي ﵁ وشهد معه صفين ومات سنة ٣٧، انظر الاستيعاب ٣/ ٤٩٤ وأسد الغابة ٤/ ٣٠٨ و٥/ ١٥٦ والإصابة ٣/ ٤٠٨ وفتح الباري ٨/ ٤٦٥. ٢ ظاهر هذا الحديث وحديث البخاري من رواية يونس عن الزهري ٦/ ٨٥ كتاب التفسير "أن أم مسطح عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها ثم أخبرتها الخبر"، لكن في حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة وفيه: "أن أم مسطح عثرت ثلاث مرات في كل مرة تقول لها عائشة: تسبين ابنك وفي الثالثة انتهرتها عائشة، فقالت: "والله ما أسبه إلا فيك"، فقلت: "في أي شأني"، قالت: "فبقرت لي الحديث" فقلت: "وقد كان هذا؟ " قالت:"نعم والله". "فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا" وفي رواية ابن إسحاق "فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت" وفي رواية ابن حاطب عن علقمة بن وقاص "فذهب عني الذي خرجت له حتى ما أجد منه شيئا" انظر البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وتفسير الطبري ١٨/ ٩٣و ٩٥ وسيرة ابن هشام قال ابن حجر: "ويجمع بين الأحاديث بأن معنى قولها: قد فرغنا من شأننا أي المسير، لا من قضاء الحاجة". فتح الباري ٨/ ٤٦٦. ٣ فعثرت في مرطها: أي وطئته برجلها فسقطت، والمرط: بكسر الميم واحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها. مختار الصحاح ص ٤١٢و ٦٢١. ٤ فعثرت في مرطها: أي وطئته برجلها فسقطت، والمرط: بكسر الميم واحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها. مختار الصحاح ص ٤١٢و ٦٢١. ٥ تعس: يتعس إذا عثر وانكب لوجهه وهو دعاء عليه بالهلاك، غريب الحديث لابن الأثير ١/ ١٩٠ وفتح الباري ٨/ ٤٦٦. ٦ فيه منقبة عظيمة لمن شهد بدرا، ويزيد ذلك وضوحا قصة حاطب بن أبي بلتعه عندما كتب إلى أهل مكة يخبرهم أن رسول الله ﷺ يريد أن يغزوكم في عام فتح مكة، وكشف أمره واعتذر إلى رسول الله ﷺ مما صنع "وفيها فقال عمر: "يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال رسول الله ﷺ: "قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا، قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". البخاري ٥/ ١١٩باب غزوة الفتح. ٧ أي هنتاه: وتفتح النون وتسكن وتضم الهاء الآخرة وتسكن ومعناها: يا بلهاء كأنها نسبت إلى قلة المعرفة، بمكايد الناس وشرورهم. صلى الله عليه وسلما النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٧٩- ٢٨٠.
[ ٢١١ ]
قالت: "فأخبرتني بقول١ أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت على بيتي فدخل رسول الله ﷺ ثم قال: "كيف تيكم؟ "
قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت٢ أبوي فقلت لأمي: "يا أمتاه ما يتحدث الناس"، فقالت: "يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة٣ عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن٤ عليها"، قالت: "قلت: سبحان
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "طرق الحديث الإفك مجتمعة على أن عائشة بلغها الخبر من أم مسطح لكن وقع عند البخاري في لمغازي من حديث أم رومان ما يخالف هذا ولفظه: "بينا أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله بفلان وفعل، فقالت أم روما: وما ذاك؟ قالت: ابني فيمن حدث الحديث، قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا"، وفي قصة يوسف "قالت: فعل الله بفلان وفعل، قالت: " فقلت لم؟ " قالت:" إنه نمى ذكر الحديث " فقالت عائشة:" أي حديث؟ "فأخبرتها"، قالت: "فسمعه أبو بكر ورسول الله ﷺ؟ " قالت: "نعم"، فخرت مغشيا عليها"، انظر البخاري كتاب الأنبياء ٤/ ١٢٠ وكتاب المغازي ٥/ ١٠٠ قال ابن حجر: "وطريق الجمع: أنها سمعت ذلك أولا من أم مسطح، ثم ذهبت لبيت أمها لتستيقن الخبر منها فأخبرتها أمها بالأمر مجملا بقولها هوني عليك وما أشبه لها ثم دخلت الأنصارية فأخبرتها بمثل ذلك بحضرة أمها فقوي عندها القطع بوقوع ذلك فسألت هل سمعه أبوها وزوجها؟ ترجيا منها أن لا يكون سمعا ذلك، ليكون أسهل عليها، فلما قالت لها أنهما سمعاه غشي عليها، ثم قال ابن حجر: ولم أقف على اسم هذه المرأة الأنصارية ولا على اسم ولدها انظر فتح الباري ٨/ ٤٦٧. ٢ في رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة "فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٣ وهذا لا يعارض رواية بن إسحاق "كان رسول الله ﷺ إذا دخل على وعندي أمي تمرضني قال: "كيف تيكم" لا يزيد على ذلك" لأن أمها كانت تمرضها فلما نقهت ذهبت إلى بيتها. سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩. ٣ الوضاءة: الحسن والبهجة. النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ١٩٥ وفي رواية أبي أسامة عن هشام "لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها" البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤ وفي رواية ابن حاطب عن علقمة بن وقاص لقل رجل أحب امرأة قط إلا قالوا لها نحو الذي قالوا لك. مسند إسحاق ابن رهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤/ ٩٥. ٤ كثرن عليها: أي القول في عيبها.
[ ٢١٢ ]
الله! وقد تحدث الناس بهذا١؟ "
قالت: "فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ٢ لي دمع ولا اكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي".
استشارة رسول الله ﷺ أصحابه عند تأخر نزول الوحي:
ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة ابن زيد حين استلبث٣ الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم من نفسه لهم من الود فقال: "يا رسول الله هم أهلك٤ ولا نعلم إلا خيرا"،
_________________
(١) ١ وفي رواية محمد بن ثور عن معمر عند الطبري في التفسير ١٨/ ٨٩- ٩٢ "قلت: سبحان الله، أو قد تحدث الناس بهذا، وبلغ رسول الله ﷺ قالت: نعم، وفي رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة قلت: وقد علم به أبي؟ قالت نعم. قلت: ورسوله الله ﷺ؟ قالت: "نعم ورسول الله ﷺ" البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ وفي وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. وفي رواية ابن إسحاق "قلت لأمي: يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا". سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩. وفي رواية ابن حاطب "ورجعت على أبوي أبي بكر وأم رومان فقلت: أما اتقيتما الله في ووصلتما رحمي، قد قال رسول الله ﷺ الذي قال: وتحدث الناس بما تحدثوا به"، مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤- ٩٥. وفي رواية أبي أسامة عن هشامك فاستعبرت فبكيت، فسمع صوتي أبو بكر وهو فوق البيت يقرأ فنزل، فقال لأمي: ما شانها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر من أمرها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت. البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه، وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. ٢ لا يرقأ لي دمع: أي لا ينقطع ولا يسكن، انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٤٨. ٣ استلبث الوحي: استفعل من اللبث وهو الإبطاء والتأخر النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ٤/ ٢٢٤، وفي فتح الباري ٨/ ٤٦٨،: استلبث الوحي بالرفع: طال لبث نزوله، وبالنصب استبطأ النبي ﷺ نزوله. ٤ مبتدأ وخبر، وعند البخاري ٦/ ٨٦ كتاب التفسير من رواية الليث عن يونس فقال: "يا رسول الله أهلك" بالنصب على تقدير أمسك أهلك.
[ ٢١٣ ]
وأما علي١ بن أبي طالب فقال: "لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير٢، وإن تسأل الجارية تصدقك"، فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: "طأي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " قالت له بريرة: "والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه٣ عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن٤، فتأكله" قالت: فقام رسول الله ﷺ علىالمنبر٥،فاستعذر٦ من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "وقع بسبب هذا الكلام من علي أن نسبته عائشة إلى الإساءة في شأنها"، فتح الباري ٨/ ٤٦٩ وسيأتي الجواب عن هذا في مواقف بعض الصحابة من حادثة الإفك. انظر ص ٢٦١. ٢ وعند ابن إسحاق "إن النساء لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف" سيرة ابن هشام ٢/٣٠١. ٣ أغمصه عليها: أي أعيبها به وأطعن به عليها،. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٣٨٦. وفي رواية أبي أسامة عهن هشام "وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر" البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. وبينت هذا المبهم في رواية هشام بن عروة "رواية ابن إسحاق" فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا ويقول: أصدقي رسول الله ﷺ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١ وفي رواية ابن حاطب "وسأل الجارية الحبشية فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب، وما بها عيب إلا أنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال الناسن ليخبرنك الله"، قال: فعجب الناس من فقهها، مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٥. ٤ الداجن: هي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وقد يقع على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها، النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ٢/ ١٠٢ قلت: والمراد به هنا الشاة لرواية ابن حاطب التي مر ذكرها، ورواية أبي أسامة عن هشام بن عروة "والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها". البخاري ٦/ ٩٨ كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة والترمذي٥/ ١٣كتاب التفسير وأحمد٦/٦٠وتفسير الطبري١٨/٩٤. ٥ المنبر: المراد به هنا الذي اتخذ في السنة الثانية، وكان من الطين وأما الذي اتخذ من خشب إنما كان في السنة الثامنة، وغزوة بني المصطلق كانت في الخامسة أو السادسة. السيرة الحلبية ٢/ ٣١٨. ٦ فاستعذر: أي قال: من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه فلا يلومني. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ١٩٧.
[ ٢١٤ ]
من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهل بيتي١، فوالله٢ ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا٣ ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي"٤، فقام سعد ابن معاذ الأنصاري فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه٥، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".
آثار فتنة الإفك:
قالت: فقام سعد٦ بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا٧ صالحا، ولكن اجتهلته٨ الحمية، فقال لسعد بن معاذ: "كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا
_________________
(١) ١ في رواية هشام بن عروة "شيروا علي - بلفظ الأمر - في أناس أبنوا أهلي وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣فيه، وأحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٣. والابن: التهمة، كما في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير١/ ١٧ وفي الاعتصام عند البخاري ٩/ ٩٢ "ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي" بصيغة الاستفهام. وفي رواية ابن حاطب "كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي، ويجمع في بيته من يؤذيني"، انظر مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٥. ٢ في رواية فليح بن سليمان عند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤ "فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا" ثلاث مرات. ٣ هو صفوان بن معطل كما هو مصرح به في أول الحديث انظر ص ٢٠٨. ٤ زاد هشام بن عروة في روايته "ولا غبت في سفر إلا غاب معي". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٩ كتاب التوبة. ٥ في رواية صالح بن كيسان عند البخاري ٥/ ٩٨ كتاب المغازي باب حديث الإفك "ضربت عنقه"، بإسناد الضمير إلى نفسه. قال ابن حجر: "إنما قال ذلك لنه سيدهم، فجزم بأن حكمه فيهم نافذ" فتح الباري ٨/ ٤٧٢. ٦ في رواية صالح بن كيسان عند البخاري ٥/ ٩٨ كتاب المغازي باب حديث الإفك "فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، وهو سعد ابن عبادة وهو سيد الخزرج"، وفي رواية أبي أسامة عن هشام: "وقام رجل من بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير. ٧ وعند الواقدي في مغازيه١٢/٤٣١ "وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن الغضب بلغ منه وعلى ذلك ما غمص عليه في نفاق ولا غير ذلك، إلا أن الغضب يبلغ من أهله". ٨ اجتهلته الحمية: أي حملته الأنفة والغضب على الجهل. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٣٢٢ وفي حديث يونس عن الزهري وابن كيسان عن الزهري أيضا: "احتملته الحمية". البخاري ٥/ ٩٩ و٦/ ٨٦ ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة. وهو كذلك في رواية فليح بن سليمان عن الزهري، البخاري ٣/ ١٥٣ كتاب الشهادات وابن شبة ١/ ١٠١ وأبي يعلى: ٤/ ٤٤٤ ولذا قال ابن حجر: "احتملته الحمية كذا للأكثر. ومعناه أغضبته". فتح الباري ٨/ ٤٧٢.
[ ٢١٥ ]
تقدر على قتله"، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين"، فثار١ الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، وسكت٢، قالت وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة٣ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي، قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول٤ الله ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ ما قيل لي ما قيل.
_________________
(١) ١ فثار الحيان: أي تناهضوا للنزاع والعصبية، شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٥. ٢ في رواية ابن حاطب "وكثر اللغط في الحيين في المسجد، ورسول الله ﷺ جالس على المنبر فما زال النبي ﷺ يومئ بيده إلى الناس، ههنا وههنا حتى هدأ الصوت" تفسير الطبري ١٨/ ٩٥ وفي رواية فليح بن سليمان "فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت" البخاري ٣/ ١٥٣ كتاب الشهادات. باب تعديل النساء بعضهن بعضا. قال ابن حجر: "ويحمل على أنه سكتهم وهو على المنبر ثم نزل إليهم أيضا ليكمل تسكيتهم". فتح الباري ٨/ ٤٧٤. ٣ قال ابن حجر لم أقف على اسمها. ٤ وفي رواية هشام بن عروة "وأصبح عندي، فلم يزالا حتى دخل رسول الله ﷺ وقد صلى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي"، البخاري ٦/ ٨٩. كتاب التفسيرن والترمذي ٥/ ١٣ فيه وفي رواية ابن حاطب "فجاء أبواي فدخلا وجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على سرير وجاهي". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥. وفي رواية محمد بن ثور عن معمر "ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل". المصدر السابق ١٨/ ٩٥. وعند البخاري ٥/ ١٠٠ كتاب المغازي من حديث أم رومان "أن عائشة في تلك الحالة كانتبها الحمى النافض، وأن النبي ﷺ لما دخل فوجدها كذلك، فقال: "ما شأن هذه؟ " قلت: يا رسول الله أخذتها الحمى ينافض، قال: "فلعل في حديث تحدث به؟ " قالت: نعم، فقعدت عائشة".
[ ٢١٦ ]
مفاتحة الرسول ﷺ لعائشة وجوابها له:
وقد لبث شهرا١ لا يوحى إليه في شأني بشيء، قال: فتشهد٢ رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا٣، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه"، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص٤ دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ، فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول٥ لرسول الله ﷺ، فقلت
_________________
(١) ١ وعند ابن حزم: "أن المدة كانت خمسين يوما أو أزيد"، جوامع السيرة ٢٠٦ قال ابن حجر: "ويجمع بأنها المدة التي كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن في قصة الإفك وأما التقييد بالشهر فهو المدة التي أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر" فتح الباري ٨/ ٤٧٥. ٢ وفي رواية هشام "فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير. ٣ كذا وكذا: قال ابن حجر: "هو كناية عما رميت به من الإفك، ولم أر في شيء من الطرق التصريح، فلعل الكناية من لفظ النبي ﷺ". فتح الباري ٨/ ٤٧٥. وعند ابن إسحاق قال: "يا عائشة إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس فاتقي الله، وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس، فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده". سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١ وعند ابن حاطب "فقال أبواي: أي بنية إن كنت صنعت ما قال الناس، فاستغفري الله، وإن لم تكوني صنعتيه، فأخبري رسول الله ﷺ بعذرك". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥ وفي رواية هشام: "قال: "يا عائشة إن كنت قارفت سوءا وظلمت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده"، قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه أحمد ٦/ ٦٠. ٤ قلص دمعي: أي ارتفع وذهب،. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/ ١٠٠. ٥ في رواية هشام بن عروة: "فماذا أقول". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير الترمذي ٥/ ١٣ فيه. قال النووي: قولها لأبويها: "أجيبا عني، فيه تفويض الكلام إلى الكبار، لأنهم أعرف بمقاصده واللائق بالمواطن منه، وأبواها يعرفان حالها، وأما قول أبويها: لا ندري ما نقول: فمعناه أن الأمر الذي سألها عنه، لا يقفان منه على زائد على ما عند رسول الله ﷺ، قبل نزول الوحي من حسن الظن بها، والسرائر إلى الله تعالى"، شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٦.وقال ابن حجر: "قيل إنما قالت عائشة لأبيها ذلك مع أن السؤال إنما وقع عما في باطن الأمر، وهو لا اطلاع له على ذلك لكن قالته إشارة إلى أنها لم يقع منها شيء في الباطن يخالف الظاهر الذي هو يطلع عليه، فكأنها قالت له: برئني بما شئت وأنت على ثقة من الصدق فيما تقول، وإنما أجابها أبو بكر بقوله: لا أدري لأنه كثير الاتباع لرسول الله ﷺ فأجاب بما يطابق السؤال في المعنى، ولأنه وإن كان يتحقق براءتها لكنه كره أن يزكي ولده، وكذا الجواب عن قول أمها لا أدري". فتح الباري ٨/ ٤٧٥.
[ ٢١٧ ]
لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت١، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن٢، إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر٣ في نفوسكم، وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني - ولئن اعترفت لكم بأمر- الله يعلم أني بريئة - لتصدقونني٤ - وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف٥
_________________
(١) ١ في رواية هشام بن عروة "فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت: أما بعد". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. ٢ قال ابن حجر: قالت: "هذا توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر اسم يعقوب ﵇". فتح الباري ٨/ ٤٧٥. ٣ في رواية فليح: "لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم". البخاري ٣/ ١٥٣ كتاب الشهادات. وفي رواية هشام "فوالله لئن قلت لكم أني لم أفعل - والله ﷿ يشهد أني لصادقة - ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم". المصدر السابق ٦/ ٩٠ كتاب التفسير. وفي حديث أم رومان "فقالت والله لئن حلفت لا تصدقوني، ولئن اعتذرت لا تعذروني". المصدر السابق ٤/ ١٢٠ كتاب لأنبياء "باب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ ". ٤ قالت ذلك لأن المرء مؤاخذ بإقراره واعترافه. ٥ في رواية الليث عن يونس عند البخاري ٦/ ٨٧ كتاب التفسير "والله ما أجد لكم إلا قول أبي يوسف". وفي رواية هشام بن عروة وابن حاطب "والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه". المصدر السابق ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣. وتفسير الطبري ١٨/ ٩٥ وفي رواية ابن إسحاق "ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره". سيرة ابن هشام ٢/ ٢٠١ فهذه الروايات تدل على أنها لم تستحضر اسم يعقوب عليه والسلام. لكن وقع في حديث أم رومان "مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه"، فهذا تصريح منها باسم يعقوب، انظر البخاري ٦/ ٤٦ كتاب التفسير باب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ لكن قال ابن حجر: "إنها رواية المعنى، وذلك للتصريح في حديث هشام وغيره بأنها لم تستحضر اسمه". فتح الباري ٨/ ٤٧٦.
[ ٢١٨ ]
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، [سورة يوسف، الآية: ١٨] ١.
قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببرائتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله ﷿ في بأمر يتلى٢، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها".
نزول الوحي ببراءة عائشة:
قالت: فوالله ما رام٣ رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء٤ عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان٥ من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت:
_________________
(١) ١ جزء من آية ١٨ من سورة يوسف: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ . ٢ وفي رواية ابن إسحاق "يقرأ به في المساجد ويصلى به". انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١. ٣ ما رام: أي ما برح وما فارق مجلسهن يقال: رام يريم إذا برح وزال من مكانه، وأكثر ما يستعمل في النفي. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٩٠. وفي رواية ابن إسحاق "فوالله ما برح رسول الله ﷺ مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجى بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة، وأن الله ﷿ غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله ﷺ، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس". سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٢ وفي حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري عن عائشة قالت: "رميت بالذي رميت به وأنا غافلة بينما رسول لله ﷺ عندي جالس، إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات فأوحي إليه وهو جالس عندي ثم استوى جالسا فمسح وجهه ثم قال: "يا عائشة أبشري" فقلت: "بحمد الله لا بحمدك" مسند عبد بن حميد ٢/ ١٩٥ب. ٤ البرحاء: شدة الكرب من ثقل الوحي. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير١/١١٣. ٥ الجمان: هو اللؤلؤ الصغار وقيل حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ المصدر السابق ١/ ٣٠١.
[ ٢١٩ ]
فلما سري١ عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري ٢ يا عائشة، أما والله فقد برأك الله"، فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد٣ إلا الله هو الذي برأني قالت: فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [عشر آيات من سورة النور: من الآية١١-٢٠] فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات ببراءتي قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره - والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ٢٢] .
قال حبان بن موسى، قال عبد الله بن المبارك: "هذه أرجى آية في كتاب الله" فقال أبو بكر: "والله إني لأحب أن يغفر الله٤ لي"، فرجع إلى مسطح النفقة
_________________
(١) ١ سري: انكشف عنه ما يجده من لهم والثقل. مختار الصحاح ص ٢٩٧. وفي رواية هشام بن عروة "فرفع عنه وإني لا أتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: "أبشري"". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير. وفي رواية ابن حاطب "فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورا ثم مسح وجهه". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥. ٢ وفي رواية فليح أن قال لي: "يا عائشة إحمدي الله فقد برأك الله".البخاري٣/١٥٤. ٣ وفي رواية ابن حاطب "قلت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥. وفي رواية هشام: "أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك" قالت: وكنت أشد ما كنت غضبا فقال لي أبواي: "قومي إليه"، فقلت: "والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣فيه وقال النووي: "قالت عائشة ما قالت إدلالا عليه وعتبا، لكونهم شكوا في حالها، مع علمهم بحسن طرائقها، وجميل أحوالها، وارتفاعها عن هذا الباطل الذي افتراه ظالمون، ولا حجة له ولا شبهة فيه، قالت: وإنما أحمد ربي ﷾ الذي أنزل براءتي وأنعم علي بما لم أكن أتوقعه، كما قالت: ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله تعالى في بأمر يتلى". ا؟. شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٨ وقال ابن حجر: "يحتمل أن تكون تمسكت بظاهر قوله ﷺ لها: "إحمدي الله" ففهمت منه أمرها بإفراد الله تعالى بالحمد، فقالت ذلك، وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب". فتح الباري ٨/ ٤٧٧. ٤ وفي رواية فليح "فقال أبو بكر: "بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي"، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه". البخاري ٣/ ١٥٤ كتاب الشهادات. وفي رواية هشام: "قال أبو بكر: "بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا" وعاد له بما كان يصنع". المصدر السابق ٦/٩٠ كتاب التفسير.
[ ٢٢٠ ]
التي كان ينفق عليه، وقال: "لا أنزعها منه أبدا"، قالت عائشة: "وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري، ما علمت أو ما رأيت"، فقالت: "يا رسول الله أحمي سمعي١ وبصري، والله ما علمت إلا خيرا"، قالت عائشة: "وهي التي كانت تساميني٢ من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع"٣.
تورط حمنة بنت جحش وجماعة آخرين:
وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال الزهري: "فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط".
وقال في حديث يونس: "احتملته الحمية"٤.
وحدثني أبو الربيع العتكي، حدثنا فليح٥ بن سليمان، ح وحدثنا الحسن٦ بن علي الحلواني، وعبد بن حميد قالا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن صالح٧ بن كيسان كلاهما٨ عن الزهري، بمثل حديث يونس ومعمر بإسنادهما.
_________________
(١) ١ أحمي سمعي وبصري: أي أمنعهما من أن أنسب إليهما ما لم يدركاه، ومن العذاب لو كذبت عليهما. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٤٤٨. ٢ تساميني: أي تعالني وتفاخرني، وهو مفاعلة من السمو، أي تطاولني عنده ﷺ المصدر السابق ٢/ ٤٠٥. ٣ في رواية هشام: "فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا". البخاري ٦/ ٩٠ ومعنى عصمها: حفظها ومنعها، والورع في الأصل: الكف عن المحارم والتحرج منه. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٧٤. ٤ صحيح مسلم ٨/ ١١٢- ١١٨ (كتاب التوبة) . ٥ فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي، أو الأسلمي، أبو يحيى المدني، ويقال: فليح لقب واسمه عبد الملك، صدوق كثير الخطأ، من السابعة (ت١٦٧) /ع. التقريب ٢/ ١١٤. ولم يرو له مسلم سوى هذا الحديث. انظر هدي الساري ص ٤٣٥. ٦ الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخلال، الحلواني، نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف، من الحادية عشرة، (ت٢٤٢) / خ م د ت ق. التقريب ١/ ١٦٨. ٧ صالح بن كيسان المدني، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت، من الرابعة، (ت١٣٠،أو بعد ١٤٠) / ع. التقريب ١/ ٣٦٢. وتقدمت ترجمة بقية رجال الإسناد. ٨ الضمير: لصالح بن كيسان وفليح بن سليمان.
[ ٢٢١ ]
وفي حديث فليح "احتملته الحمية"، كما قال معمر، وفي حديث صالح "احتملته الحمية"، كقول يونس. وزاد في حديث صالح: قال عروة: "كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: فإنه قال: "فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء".
وزاد أيضا: قال عروة: قالت عائشة: "والله إن الرجل١ الذي قيل له ما قيل، ليقول سبحان الله، فو الذي نفسي بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط".
قالت: "ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله".
وفي حديث يعقوب بن إبراهيم "موعرين٢ في نحر الظهيرة".
وقال عبد الرزاق: "موغرين".
قال عبد بن حميد: "قلت لعبد الرزاق ما قوله موغرين؟ " قال: "الوغرة شدة الحر"٣.
قلت: في الحديث الثاني الذي أورده مسلم (فليح بن سليمان) وهو كثير الخطأ. ولكن قد تابعه يونس ومعمر وصالح بن كيسان في الزهري.
_________________
(١) ١ الرجل هو صفوان بن المعطل، انظر ترجمته وافية من ص ٢٤٧- ٢٦٠ من هذه الرسالة. ٢ انظر ص ٢٠٩ حاشية رقم (١) عما تقدم. ٣ مسلم ٨/ ١١٨ (كتاب التوبة) .
[ ٢٢٢ ]