الأسباب الدافعة لهذه الغزوة نلخصها فيما يلي:
الأول: تأييد هذه القبيلة لقريش وتكتلها معها في معركة أحد ضد المسلمين١.
والثاني: سيطرتها على الخط الرئيسي المؤدي إلى مكة، فكانت حاجزًا منيعًا من نفوذ المسلمين إلى مكة.
الثالث: ويعتبر أهم الأسباب في هذه الغزوة هو أن قبيلة بني المصطلق أخذت تجمع الجموع لغزو المدينة المنورة وقد أطمعها في التفكير في غزو المدينة والتصميم على ذلك، انتصار المشركين في غزوة أحد بسبب خطأ ارتكبه الرماة في هذه الغزوة كما هو معروف.
ولما بلغ رسول الله ﷺ نبأ هذه القبيلة أعد عدته، واتخذ جميع التدابير المناسبة، وباغت هذه القبيلة في عقر دارها وهزمهم شر هزيمة.
أما عن تحديد زمن هذه الغزوة، فقد اختلف العلماء في ذلك، وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والسادسة للهجرة، وفيما يأتي رأى كل فريق مع أدلته، ثم ترجيح ما يظهر أنه الراجح، من خلال النصوص بعد مناقشتها وتحليلها.
_________________
(١) ١ انظر: ص من هذه الرسالة.
[ ٨٩ ]
أ- القائلون بأنها سنة ست:
أول من قال بذلك ابن إسحاق: فقد قال - عقب غزوة ذي قرد١ فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجبًا، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست٢.
وفي مجمع الزوائد: روى الطبراني من طريق ابن إسحاق قال: "كانت غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست"٣. قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وتبع ابن إسحاق في هذا خليفة بن خياط وابن جرير الطبري، وابن حزم وابن عبد البر وابن العربي، وابن الأثير وابن خلدون.
فقد صرح كل منهم بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة السادسة٤.
وقد أدى بهم هذا إلى إنكار وجود سعد بن معاذ في هذه الغزوة وتوهيم من ذكره فيها من العلماء، بناء على أنه استشهد في غزوة بني قريظة، التي وقعت عقب الخندق مباشرة، وكانت الخندق في السنة الرابعة على رأي ابن حزم وطائفة من العلماء٥.
_________________
(١) ١ ذو قرد: محركة: على يوم من المدينة، بينها وبين خيبر، وتسمى غزوة (الغابة) وذلك أن عيينة بن حصن الفزاري أغار على لقاح رسول الله ﷺ وهي ترعى في الغابة قرب المدينة، فاستاقها. واختلف في تاريخها هل هي قبل الحديبية أو بعدها. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٢٨٩. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٤٢-١٤٣. ٤ انظر: تاريخ خليفة ص ٨٠، وتاريخ الطبري ٢/٦٠٤، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٠٦، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص ٢٠٠-٢٠٢، وعارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي لابن العربي ١٢/٤٩، والكامل لابن الأثير ٢/١٩٢، تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩و ٣٣. ٥ منهم: مالك بن أنس وموسى بن عقبة، والبخاري وابن قتيبة، ويعقوب بن سفيان الفسوي، والنووي، وابن خلدون. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، فتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، المعارف لابن قتيبة ص ٧٠، المعرفة والتاريخ للفسوي ٣/٢٥٧-٢٥٨، شرح صحيح مسلم للنووي ٤/٥٣٢، تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩.
[ ٩٠ ]
وهذا نص كلام ابن حزم ﵀ قال: "ذكر أصحاب المغازي أن الخندق كانت سنة خمس من الهجرة، والثابت أنها في الرابعة بلا شك. لحديث عبد الله بن عمر قال: عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني"١. فصح أن بينهما سنة واحدة فقط٢.
وقد أجاب البيهقي عن هذا بقوله: "ولا اختلاف في الحقيقة بين من قال بأن الخندق كانت في السنة الخامسة، وبين من قال بأنها في السنة الرابعة، وذلك لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنوات وقبل استكمال خمس. ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي ﷺ وأصحابه في شعبان سنة أربع، للموعد، ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال سنة خمس٣" اهـ.
قال ابن كثير: "وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين، ولا خلاف أن أحدًا في شوال سنة ثلاث إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة
_________________
(١) ١ انظر: الحديث في البخاري ٣/١٥٤، كتاب الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم، و٥/٨٩ كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وصحيح مسلم ٦/٢٩-٣٠، كتاب الإمارة، وأبو داود ٢/١٢٤، كتاب الخراج والفيء، باب متى يفرض للرجل في المقاتلة، و٢/٤٥٣ كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد، الترمذي ٢/١٢٧، الجهاد باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له، ٢و/٤٠٧، أبواب الأحكام، باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، والنسائي ٦/١٢٧، كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي، وابن ماجة ٢/٨٥٠ كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحد. ٢ جوامع السيرة لابن حزم ص ١٨٥. ٣ البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، وفتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، وزاد المعاد ٢/١٣٠، ٢/١٤٧، وعون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/٢٣٧.
[ ٩١ ]
الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول إلى آخرها، كما حكاه البيهقي عن جماعة من السلف.
وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي، فقد صرح بأن بدرًا في الأولى وأحدًا في الثانية وبدر الموعد في شعبان من السنة الثالثة، والخندق في شوال من السنة الرابعة".
ثم قال ابن كثير: "وهذا مخالف لقول الجمهور، فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعند مالك١ من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت الأقوال ثلاثة، والصحيح قول الجمهور أن أحدًا في شوال سنة ثلاث وأن الخندق في شوال أيضًا سنة خمس.
وأما حديث ابن عمر: فقد أجاب عنه جماعة من العلماء منهم البيهقي: بأن معناه أن ابن عمر كان في أحد في أول ما طعن في الرابعة عشرة وكان في الأحزاب قد استكمل الخامسة عشرة"٢.
ب- القائلون بأنها سنة خمس:
١- موسى بن عقبة كما نقل ذلك ابن كثير عنه بقوله:
قال موسى بن عقبة عن الزهري: "هذه مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها، يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق - وهو يوم الأحزاب وبني قريظة - في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس.
ثم أورد ابن كثير قول البخاري عن موسى بن عقبة "أنها سنة أربع"٣ وعقب عليه بقوله: "هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها سنة
_________________
(١) ١ وهو قول ابن حزم أيضًا حكاه عنه ابن قيم الجوزية. انظر: زاد المعاد ٢/١٤٧. ٢ البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، فتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، زاد المعاد ٢/١٣٠، ٢/١٤٧، عون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/٢٣٧. ٣ انظر: صحيح البخاري ٥/٩٦، كتاب المغازي، باب غزوة بني المصطلق من خزاعة.
[ ٩٢ ]
أربع، والذي حكاه موسى بن عقبة عن الزهري وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس"١.
وقد تابع ابن حجر ابن كثير في تعقبه على البخاري بقوله: "كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع" والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد٢ النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس. ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب "ثم قاتل رسول الله ﷺ بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس" ثم قال ابن حجر: وقال الحاكم في (الإكليل): "قول عروة وغيره أنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق" ثم قال ابن حجر، مؤيدًا لقول الحاكم هذا:
"قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطًا، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهو أشد غلطًا"٣.
فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضًا فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودًا في المريسيع، ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة، ويؤيده أيضًا أن حديث الإفك كان سنة خمس إذ الحديث
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٣/٢٤٢ و٤/١٥٦. ٢ هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، أبو سعيد، واعظ مفسر، مشارك في بعض العلوم، من آثاره «دلائل النبوة» وكتاب التفسير وكتاب الزهد (ت ٤٠٧) معجم المؤلفين بعمر رضا كحالة ٦/١٠٨. ٣ أي إذا كانت غزوة المريسيع في سنة أربع فهو أشد غلطًا، وذلك لأن في هذه السنة وفي نفس الشهر وقعت غزوة بدر الموعد، ولا يتأتى أيضًا بأن تكون الغزوتان وقعتا في شهر واحد، وذلك لأن رسول الله ﷺ خرج إلى غزوة المريسيع لليلتين خلتا من شعبان وعاد منها لهلال رمضان. فقد استغرق الشهر كله في غزوة المريسيع. انظر: ص: ٩٦.
[ ٩٣ ]
فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب. ثم ذكر ثلاثة أقوال في وقت نزول الحجاب وقال: أشهرها سنة أربع، فتكون المريسيع بعد ذلك، فيرجح أنها سنة خمس١.
وروى البيهقي: أخبرنا أبو الحسين٢ بن الفضل القطان ببغداد، أنبا عبد الله٣ بن جعفر ثنا يعقوب
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٤٣٠ وانظر السيرة الحلبية ٢/٢٩٣، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٦، وترتيب مسند أحمد للساعاتي ٢١/٧٠. ٢ هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل بن يعقوب بن يوسف بن سالم أبو الحسين الأزرق، سمع إسماعيل بن محمد الصفار، وعبد الله بن جعفر درستويه، وغيرهم، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة. انظر: تاريخ بغداد ٢/٢٤٩. ٣ عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، النحوي، أبو محمد، صاحب يعقوب الفسوي، قال الخطيب: حدَّث عنه أبو الحسن بن رزقوية، وأبو الحسين بن الفضل، وأبو علي بن بن شاذان، سمعت هبة الله بن الحسن الطبري ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: "بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثًا ونحن نعطيك درهمًا ففعل ولم يكن سمع من عباس". قال الخطيب: "وهذه الحكاية باطلة لأن أبا محمد بن درستويه كان أرفع قدرًا من أن يكذب لأجل العوض الكثير، فكيف لأجل التافه الحقير"، وقال الخطيب أيضًا: "سألت البرقاني عن ابن درستويه فقال: ضعفوه، لأنه لما روى كتاب التاريخ عن يعقوب بن سفيان أنكروا عليه ذلك، وقالوا له إنما حدث يعقوب بهذا الكتاب قديمًا فمتى سمعته منه؟ " قال الخطيب: "وفي هذا نظر، لأن جعفر بن درستويه من كبار المحدثين وفهمائهم، وعنده عن علي بن المديني وطبقته، فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع من يعقوب بن سفيان وغيره. ونقل عن الحسين ابن عثمان الشيرازي أنه قال: ابن درستويه ثقة" إلى آخر ما ذكر في ترجمته (ت ٣٤٧) تاريخ بغداد ٩/٤٢٩، وانظر ميزان الاعتدال ٢/٤٠١، اللسان ٣/٢٦٧.
[ ٩٤ ]
وثنا يعقوب وثنا إبراهيم١ بن المنذر، ثنا محمد بن٢ فليح عن موسى٣ بن عقبة عن ابن شهاب في ذكر مغازي رسول الله ﷺ قال: "ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس".
وهذا أصح مما روي عن ابن إسحاق أن ذلك كان سنة ست٤.
قلت: الحديث مرسل.
٢- أبو معشر٥ فقد ذكرها قبل الخندق كما نقل ذلك ابن حجر عنه٦. وأبو مشعر روى عن أئمة أثبات أمثال ابن المسيب وهشام ابن عروة ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم.
وروى عنه أئمة كذلك أمثال الثوري والليث بن سعد وابن مهدي ووكيع وغيرهم. وهو ضعيف في الحديث بصير بالمغازي، فقد أثنى عليه بذلك أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الدمشقي وابن البرقي، والخليلي٧.
وخلاصة القول فيه أنه ضعيف في الحديث له إلمام بالمغازي. فمثله يصلح للشواهد والمتابعات.
٣- الواقدي، قال في سنة خمس خرج رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة، بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة. (ت ٢٣٦) خ ت س ق. المصدر السابق ١/٤٣. وفي ميزان الاعتدال ١/٦٧ رمز له (صح) دلالة منه على أنه ثقة. ٢ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي أو الخزاعي، صدوق يهم من التاسعة، (ت١٩٧) خ س ق. المصدر السابق ٢/٢٠١. ٣ موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه (ت١٤١) وقيل بعد ذلك./ ع المصدر السابق ٢/٢٨٦. ٤ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٤. ٥ هو نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، مولى بني هاشم مشهور بكنيته، ضعيف من السادسة. (ت١٧٠) / عم. التقريب ٢/٢٩٨. له كتاب في المغازي لكنه مفقود. ٦ فتح الباري ٧/٤٣٠. ٧ انظر: تهذيب التهذيب ١/٤١٩-٤٢٢.
[ ٩٥ ]
يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان ١، وقدم المدينة لهلال رمضان وغاب شهرًا إلا ليلتين٢.
٤- وهكذا ذكر ابن سعد وابن قتيبة والبلاذري٣.
٥- وصرح الذهبي بقوله: "تزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث في شعبان من السنة الخامسة، وفيها على الصحيح غزوة بني المصطلق وتسمى غزوة المريسيع"٤.
٦- وبنحو هذا قال ابن القيم٥.
وممن ذهب إلى هذا من المعاصرين:
أ- الخضري بك: فقد ذكرها في شعبان في حوادث سنة خمس٦.
ب- الغزالي: قال في نهاية حديثه عن هذه الغزوة: "وكتاب السيرة على أن حديث الإفك وغزوة بني المصطلق كانا بعد الخندق، لكننا تابعنا ابن القيم في اعتبارها من حوادث السنة الخامسة قبل هجوم الأحزاب على المدينة، والتحقيق يساند ابن القيم ومتابعيه، فستعلم أن سعد بن معاذ قتل في معركة الأحزاب مع أن لسعد في غزوة بني المصطلق شأنًا يذكر، إذ إن الرسول ﵊، اشتكى إليه عمل٧ ابن أبي ولا يتفق أن يستشهد سعد بن معاذ في غزوة الخندق ثم يحضر بعد ذلك في بني المصطلق لو صّح أنها وقعت في السنة السادسة"٨.
_________________
(١) ١ يريد بني المصطلق. ٢ مغازي الواقدي ١/٤٠٤. ٣ انظر: طبقات ابن سعد ٢/٦٣، والمعارف لابن قتيبة ص ٧٠، وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٤١ و٣٤٣. ٤ العبر في خبر من غبر ١/٧، تاريخ الإسلام له ٢/٢٧٥. ٥ زاد المعاد ٣/١٢٥. ٦ نور اليقين ص ١٥٢. ٧ قال الألباني: لعله وهم أو سبق قلم، فإن المشتكي إليه إنما هو أسيد بن حضير كما في سيرة ابن هشام، وفي الباب مما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم أشياء صحيحة فيراجع في فتح الباري. ٨ فقه السيرة: ٣١٦.
[ ٩٦ ]
ج- وقال الدكتور البوطي: "ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة، والصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة"١.
د- الدكتور أبو شهبة قال: "اختلف في زمن هذه الغزوة فذهب ابن إسحاق إلى أنها في شعبان سنة ست، ووافقه الطبري، وقال موسى بن عقبة: إنها سنة خمس في شعبان، ووافقه الحاكم والبيهقي وأبو معشر، وهو الراجح الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة"٢.
هـ- وهكذا ذكر الساعاتي والصابوني: "بأنها كانت في السنة الخامسة على القول الأرجح"٣.
فهؤلاء العلماء جميعًا قد صرحوا بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة الخامسة، وأنها قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من السنة المذكورة أيضًا٤.
ومما يؤيد هذا ما يأتي:
١- اتفاقهم على أن هذه الغزوة كانت بعد نزول آية الحجاب، وكان نزولها في زواج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش وذلك للتصريح بذلك في حديث الإفك كما سيأتي٥.
وللعلماء في تاريخ نزول الحجاب الأقوال الآتية:
أ- كان نزوله في السنة الثالثة، وبه جزم خليفة بن خياط وأبو عبيدة٦ وغير واحد.
_________________
(١) ١ فقه السيرة للبوطي القسم الثاني: ٩٣. ٢ السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ١٩٦. ٣ الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد ١٤/١٠٩، روائع البيان تفسير آيات الأحكام للصابوني ٢/١١٩. ٤ ما عدا موسى بن عقبة وابن قتيبة فإنهما يريان أن الخندق في السنة الرابعة. انظر: ص٩٠. ٥ انظر: ص ٢٠٥. ٦ هو معمر بن المثنى التيمي، مولاهم، البصري، النحوي اللغوي، صدوق، أخباري وقد رمى برأي الخوارج، من السابعة (ت٢٠٨) وقيل بعد ذلك وقد قارب المائة. خت د، التقريب ٢/٢٦٦، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٤٦.
[ ٩٧ ]
ب- في السنة الرابعة عند جماعة من العلماء، وبه جزم الدمياطي١ والذهبي وابن حجر.
ج- كان في ذي القعدة من السنة الخامسة، وبه قال قتادة والواقدي٢.
فعلى القول بأن الحجاب كان في السنة الثالثة أو الرابعة فيترجح كون غزوة بني المصطلق بعد ذلك، في السنة الخامسة، بعد نزول الحجاب وزواج رسول ﷺ بزينب بنت جحش، للتصريح بذلك في سياق قصة الإفك. أما قول قتادة والواقدي فلا يلتفت إليه بعد جزم من ذكر بمخالفتهم٣.
٢- وجود سعد بن معاذ فيها، فهذا مما يرجح تقدمها على غزوة الأحزاب، ولا يلتفت إلى من قال: بأن ذكره في غزوة بني المصطلق وهم من بعض الرواة٤، إذ التوهيم لا يكون إلا بأمر قاطع، وما دام الخلاف قائمًا في تحديد زمن كل من الغزوتين، وتقديم أحداهما على الأخرى. فلا يستقيم التوهيم، بل الإقدام عليه من الصعوبة بمكان لا يخفى، لا سيما أنه مصرح بذكره في أصح الصحيح بعد كتاب الله صحيحي البخاري ومسلم.
ولذا قال إسماعيل٥ القاضي: "الأولى أن تكون المريسيع قبل
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص؟. ٢ انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٣١٤ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/١٢٥، والمستدرك للحاكم ٤/٣، وتاريخ الإسلام للذهبي ٢/٣٤، وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٣، وفتح الباري ٧/٤٣٠و ٨/٤٦٢-٤٦٣. ٣ مع أن الواقدي قد تناقض في هذا فذكر في مغازيه بأن غزوة بني المصطلق كانت في السنة الخامسة من شعبان، وذكر فيها حديث الإفك المصرح بأن ذلك وقع بعد نزول الحجاب وزواج زينب بنت جحش، ثم ذكر بأن الحجاب كان في ذي القعدة من سنة خمس كما نقل عنه. انظر: المغازي للواقدي ١/٤٠٤ و٢/٤٢٨، وانظر فتح الباري ٨/٤٦٢. ٤ انظر: القائلين بهذا ص؟. ٥ هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم أبو إسحاق الأزدي مولى آل جرير بن حازم من أهل البصرة، سمع مسدد بن مسرهد، والقعنبي وابن المديني وغيرهم، وعنه عبد الله بن أحمد بن حنبل، ويحيى بن صاعد وغيرهم، قال الخطيب البغدادي: كان إسماعيل فاضلًا عالمًا متقنًا فقيهًا على مذهب مالك بن أنس، ثم ذكر شيئًا من مصنفاته. (ت ٢٨٢هـ) تاريخ بغداد ٦/٢٨٤.
[ ٩٨ ]
الخندق للحديث الصحيح عن عائشة"١.
وأما ما أبداه القطب٢ الحلبي من الاحتمال بقوله: "وقع في نسخة سماعنا (فقام سعد بن معاذ) ٣ وفي موضع آخر (فقام سعد أخو بني عبد الأشهل) ٤.
فيحتمل أن يكون آخر غير سعد بن معاذ، فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة، يسمى كل منهم سعدًا، منهم: سعد بن زيد الأشهلي، شهد بدرًا، وكان على سبايا قريظة الذين بيعوا بنجد، وله ذكر في عدة أخبار، منها: في خطبة النبي ﷺ في مرض موته، فيحتمل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك فهذا مردود بتصريح القطب الحلبي نفسه بأنه سعد بن معاذ، في الموضع الأول. وأما الموضع الآخر فإن الرواية أيضًا في البخاري "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" كما أثبت ذلك في الحاشية. فكيف يتطرق الاحتمال بعد هذا التصريح بأنه سعد بن معاذ، إلى غيره. وأيضًا فإن في رواية معمر بن راشد عند مسلم "فقام سعد بن معاذ الأنصاري"٥.
فيتعين بهذا أن يكون المذكور هو سعد بن معاذ، لا غيره. ويندفع الاحتمال الذي أورده القطب الحلبي ﵀.
٣- ما ذكره المقريزي: أن رسول الله ﷺ بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق أخذ بيد سعد بن معاذ، في نفر فخرج يقود به حتى
_________________
(١) ١ انظر: شرح مسلم للنووي ٥/٦٣٥، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٢٨، وفتح الباري لابن حجر ٨/٤٧٢. ٢ هو عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، الحافظ المتقن المقرئ، أبو علي الحلبي، ثم المصري مفيد الديار المصرية، صنف وخرج وأفاد، وشرح أكثر صحيح البخاري في عدة مجلدات (ت ٧٣٥) . ذيل تذكرة الحفاظ لمحمد بن علي الدمشقي ص١٣. ٣ انظر هذه الرواية في البخاري ٣/١٥٣، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهنّ بعضًا. ٤ انظر هذه الرواية في البخاري ٥/٩٨، كتاب المغازي، باب حديث الإفك. وهذا لفظها "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" وليس كما ذكر القطب الحلبي بقوله: "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل". ٥ انظر: صحيح مسلم ٨/١١٥، كتاب التوبة. وانظر فتح الباري ٨/٤٧١-٤٧٢.
[ ٩٩ ]
دخل به على سعد بن عبادة ومن معه، فتحدثا عنده ساعة، وقرب سعد بن عبادة طعامًا، فأصاب منه رسول الله ﷺ وسعد بن معاذ ومن معه، ثم خرج رسول الله ﷺ، فمكث أيامًا، ثم أخذ بيد سعد بن عبادة ونفر معه، فانطلق به، حتى دخل منزل سعد بن معاذ، فتحدثا ساعة، وقرب سعد بن معاذ طعامًا، فأصاب منه رسول الله ﷺ وسعد بن عبادة ومن معهم، ثم خرج الرسول ﷺ، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ليذهب ما كان في أنفسهم من ذلك القول الذي تقاولا١ اهـ.
٤- اتفاق أهل المغازي على أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان، وأن غزوة الأحزاب كانت في شهر شوال، فمن هذه الناحية تكون غزوة بني المصطلق قبل الأحزاب، إذا غضضنا النظر، عن الخلاف في تحديد سنة كل منهما، وبهذا التقرير يكون الراجح في تحديد زمن هذه الغزوة أنها في شعبان من سنة خمس، وبوجه أعم تكون سابقة على غزوة الأحزاب، إذ الأحزاب في شوال من السنة المذكورة على الأصح كما تقدم٢.
ويندفع ما تعلق به الذاهبون إلى تأخرها عن غزوة الأحزاب اعتمادًا على ما ذكره ابن إسحاق في تحديدها بالسنة السادسة، وأن المحاورة في شأن أهل الإفك، كانت بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة، ومستند ابن إسحاق لا مطعن فيه، غير أن إطباق كتب الصحاح على ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة، مما يرجح كون غزوة بني المصطلق كانت قبل الخندق، ولا داعي إلى تطرّق الوهم إلى أصحّ الكتب بعد كتاب الله؛ لأنه يمكن اللجوء في مثل هذه القضايا إلى الترجيع بين الأدلة وتمييز الصحيح والأصح أو الراجح والمرجوح، ولا شك أن ما ذكر في الصحيحين أرجح مما ذكر في غيرهما ولاسيما كتب المغازي والتواريخ٣.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ١/٢١٠، وانظر السيرة الحلبية ٢/٣١٩. ٢ انظر: ص٩٢. ٣ راجع نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية، لأكرم ضياء العمري ص١و ٣.
[ ١٠٠ ]
والآن نبدأ الحديث مع القائلين بأنها كانت في السنة الرابعة.
ج- القائلون بأن غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة:
١- موسى بن عقبة كما نقل ذلك عنه البخاري، وقد تقدم أن الذي حصل للبخاري سبق قلم، وأن الثابت عن موسى بن عقبة سنة خمس١.
٢- المسعودي: ذكرها في السنة الرابعة، وذكر أن الخندق في السنة الخامسة٢.
٣- ابن العربي المالكي: صرح أيضًا بأنها في السنة الرابعة وأن الخندق بعدها٣.
٤- أبو بكر العامري: اعتمد على النقل عن موسى بن عقبة بأنها كانت في السنة الرابعة٤.
ونقل قول ابن إسحاق بأنها كانت في السادسة، ثم عقب عليه بقوله: والصواب الأول- أي أنها كانت في الرابعة - بدليل أن فيها حديث الإفك، وجرى فيه ذكر سعد بن معاذ، وسعد أصيب يوم الخندق، والخندق في السنة الرابعة على الأصح، فعلم بهذا أن المريسيع قبلها٥.
٥- ومن المعاصرين محمد أحمد باشميل فقد ذكرها في حوادث سنة أربع، ضمن الحوادث الواقعة بين غزوتي أحد والأحزاب٦.
ويلاحظ مما ذكره هؤلاء العلماء في شأن غزوة بني المصطلق: أنها سابقة على غزوة الأحزاب، وهذا من المرجحات على تقدمها على غزوة الخندق.
_________________
(١) ١ انظر: ص؟ وما بعدها. ٢ مروج الذهب ٢/٢٩٥. ٣ عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي ٧/١٧٣. ٤ قال شارح بهجة المحافل محمد الأشخر: "كذا نقل البخاري عن موسى بن عقبة وهو سبق قلم والذي في مغازيه أنها في سنة خمس". ٥ بهجة المحافل ١/٢٤١. ٦ غزوة الأحزاب ص ٩٤.
[ ١٠١ ]
غير أن تحديد زمنها بالسنة الرابعة، مردود بما أطبق عليه أهل المغازي بأن في السنة الرابعة كانت بدر الموعد، وكانت في شعبان، ومن المعلوم أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان اتفاقًا، وكانت مدة غياب رسول الله ﷺ فيها ثمانية وعشرين يومًا، ابتداء من ليلتين خلتا من شعبان١.
فإذا كانت غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة على ما ذهب إليه هؤلاء العلماء، فمتى كانت بدر الموعد؟.
وعلى كل حال فكون غزوة بني المصطلق في شعبان سنة أربع، لا يستقيم مع قول أهل المغازي بأن في هذا التاريخ كانت بدر الموعد، وهذا مما يرجح تأخر غزوة بني المصطلق عن هذا التحديد.
الخليفة على المدينة في غياب الرسول ﷺ:
اختلف العلماء فيمن استخلف على المدينة في غياب رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق. وأقوالهم تنحصر في أحد أشخاص أربعة:
وهم: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وأبو ذر الغفاري، ونميلة ابن عبد الله الليثي، وجعيل بن سراقة الضمري.
ولم أجد ما يرجح قول أحد على آخر، إذ هو مجرد قول بدون إسناد. غير أن الأكثر على أن الخليفة أبو ذر، أو نميلة بن عبد الله الليثي٢.
_________________
(١) ١ انظر: ص٩٣و٩٦. ٢ انظر: أنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٤٢، سيرة ابن هشام ٢/٢٨٩، والروض الأنف للسهيلي ٦/٣٩٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/٩٢، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣٣، زاد المعاد ٢/١٢٥، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٧، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٣٣٨.
[ ١٠٢ ]