المبحث الأول: الانتقاد الوارد على الزهري في جمعه حديث الإفك والجواب عنه مع تخريج الحديث
تقدم في أول حديث الإفك أن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها مما قالوا: "وكلهم حدثني طائفة من حديثها "١.
ومن هنا انتقد على الزهري هذا في كونه لم يفرد حديث كل واحد منهم على الآخر.
وقد أجاب العلماء عن هذا بما يأتي:
أ- أجاب النووي بقوله: "هذا الذي ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لا مانع منه، ولا كراهة فيه، لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء أئمة حفاظ ثقات من أجل التابعين، فإذا
_________________
(١) ١ انظر الحديث، ص ٢٠٥.
[ ٢٨٥ ]
ترددت اللفظة من هذا الحديث، كونها عن هذا أو ذاك لم يضر، وجاز الاحتجاج بها لأنهما ثقتان".
وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب، جاز الاحتجاج به.
وقال أيضا في أثناء تعداد فوائد الحديث١: إحداها: جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه، وهذا وإن كان فعل الزهري وحده٢، فقد أجمع المسلمون على قبوله منه، والاحتجاج به٣.
ب- وأورد أحمد بن عبد الرحيم العراقي قول النووي هذان وزاد: وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنه انتقد هذا على الزهري قديما، وقال: "كان الأولى أن يذكر حديث كل منهم بجهته".
ثم عقب العراقي بقوله: "ولا درك على الزهري في شيء منه، لأنه قد بين ذلك في حديثه، والكل ثقات"٤.
ج- ونقل ابن حجر قول عياض هذا الذي ذكره العراقي، ثم عقب بقوله: "وقد تتبعت طرق الحديث فوجدته من رواية عروة على انفراده، ومن رواية علقمة بن وقاص على انفراده، وفي سياق كل منهما مخالفات ونقص وبعض زيادة لما في سياق الزهري عن الأربعة".
ثم قال: "وأما رواية سعيد بن المسيب وعبيد الله فلم أجدهما إلا من رواية الزهري عنهما".
ثم ذكر أن الحديث رواه جماعة عن عائشة غير مشايخ الزهري الأربعة.
وذكر أيضا أنه رواه جماعة من الصحابة غير عائشة ﵂، ثم
_________________
(١) ١ حديث الإفك. ٢ قلت: وهو صنيع ابن إسحاق والواقدي، أيضا. انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٠ ومغازي الواقدي ١/ ٤٠٤ ٣ شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٢٨- ٦٢٩ و٦٤١. ٤ طرح التثريب ٨/ ٤٧.
[ ٢٨٦ ]
أشار إلى الذين خرجوا هذه الروايات من العلماء. انتهى باختصار من فتح الباري ٨/ ٤٥٦ وفيما يلي تخريجه:
أولًا: رواية الحديث من طريق الزهري عن مشايخه الأربعة:
أ- رواية صالح بن كيسان عنه. أخرجها البخاري في المغازي باب حديث الإفك ٥/ ٩٦ و٦/ ٦٤ التفسير، باب ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرا﴾ و٨/ ١١٤ كتاب الأيمان والنذور، باب قول الرجل لعمر الله و٩/ ٩١ كتاب الاعتصام باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وأخرجها مسلم ٨/١١٨ كتاب التوبة، وأحمد في مسنده ٦/ ١٩٧ و١٩٨، وأبو يعلى في مسنده ٤/ ق ٤٤٧ أو ٤/ ق ٤٥٠ ب.
ب- رواية فليح بن سليمان عنه: أخرجها البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا، ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة وابن شيبه في تاريخ المدينة ١/ ١٠١ وأبو يعلى في مسنده ٤/ ق ٤٤٤ و٤/ ق ٤٤٧ أ.
ج- رواية معمر بن راشد عنه: أخرجها مسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة والترمذي٥/١٧ وعبد الرزاق في المصنف ٥/٤١٠ حديث الإفك وأحمد في المسند ٦/١٩٤ وإسحاق بن راهويه في مسنده ٤/ ق ١٢٧ ب والطبري في التفسير ١٨/ ٨٩- ٩٠.
د- رواية يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري: أخرجها البخاري ٣/ ١٤٧ كتاب الشهادات، باب إذا عدل رجل أحدا فقال لا نعلم إلا خيرا و٤/ ٢٧ كتاب الجهاد والسير باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه و٦/ ٦٤ من تفسير سورة يوسف باب قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ و٦/٨٤ تفسير سورة النور باب: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ و٨/١١٤كتاب الأيمان والنذور باب قول الرجل لعمر الله ٩/١١٦، كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ و٩/ ١٢٧ من كتاب التوحيد باب قول النبي ﷺ: "الماهر بالقرآن مع الكرام البررة"
[ ٢٨٧ ]
ومسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة والترمذي ٥/ ١٧ كتاب التفسير وأبو داود ٢/ ٥٣٦ كتاب السنة باب في القرآن.
هـ- رواية محمد بن إسحاق عن الزهري ٢/ ٢٩٧ من سيرة ابن هشام والطبري من هذه الطريق في التفسير ١٨/٩٢ والتاريخ ٢/٦١١.
ثنايًا: رواية الحديث عن عروة على انفراده أخرجها البخاري ٣/ ١٥٤ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا من طريق هشام بن عروة عنه و٦/ ٨٤ تفسير سورة النور باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ من طريق الزهري عنه و٦/ ٨٩ تفسير سورة النور باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من طريق هشام بن عروة عنه. وكتاب الاعتصام باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ من طريق هشام عنه. ومسلم ٨/١١٨ كتاب التوبة من طريق هشام بن عروة عنه. والترمذي ٥/١٣ كتاب التفسير وأحمد في المسند ٦/٥٩ من طريق هشام بن عروة عنه. وابن إسحاق٢/٢٩٦ سيرة ابن هشام من طريق الزهري عنه. والطبري في التاريخ ٢/٦١٠- ٦١١.
ثالثًا: رواية الحديث عن علقمة بن وقاص على انفراده، أخرجها إسحاق ابن راهويه في مسنده ٤/ق ١٣٤ ب و٤/ق١٣٥ب من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنه. والطبري في التفسير ١٨/ ٩٤ من هذه الطريق.
رابعًا: روابية الحديث عن عائشة من غير مشايخ الزهري:
أ- أخرجه البخاري ٣/١٥٤ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر عنها.
ب- وأخرجه ابن إسحاق من طريق يحيى بن عباد عن أبيه عن عائشة ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، سيرة ابن هشام ٢/٢٩٧. وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب في حد القذف ٢/٤٧١، والترمذي ٥/١٧ في تفسير سورة
[ ٢٨٨ ]
النور وابن ماجه ٢/ ٨٥٧ كتاب الحدود باب حد القذف. الجميع من طريق ابن إسحاق الثانية. مختصرا.
ج- وأخرجه عبد بن حميد في مسنده ٢/ق ١٥٩ من طريق أبي عوانة عن عمر بن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري عن أبيه عن عائشة.
د- وأخرجه الطبراني من طريق الأسود بن يزيد عنها ٩/٢٣٠ مجمع الزوائد للهيثمي.
خامسًا: رواية الحديث عن جماعة من الصحابة غير عائشة - ﵂ -:
١- أخرجه البخاري عن عبد الله بن الزبير في الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا عقب رواية فليح بن سليمان عن هشام بن عروة ولم يسق لفظه ٣/ ١٥٤.
ومن حديث أم رومان ٤/١٢٠ كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ و٥/١٠٠ كتاب المغازي باب حديث الإفك و٦/٦٤ تفسير سورة يوسف باب قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ و٦/٨٧ باب قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
٢- وأبو دواد الطيالسي من حديث أم رومان أيضا ٢/١٣١منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود، وأحمد في مسنده ٦/٣٦٧.
٣- وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي اليسر١ ٩/٢٣٦ و٩/٢٣٧ مجمع الزوائد للهيثمي والدر المنثور للسيوطي ٥/ ٢٩.
٤- وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة٩/٢٣٠ مجمع الزوائد للهيثمي.
٥- وأخرجه ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأبي اليسر٥/ ٢٧و٥/٢٩ الدر المنثور للسيوطي.
فهذه طرق هذا الحديث التي عثرت عليها.
_________________
(١) ١ أبو اليسر بفتح التحتانية والمهملة هو كعب بن عمرو بن عباد، السلمي، بالفتح الأنصاري، صحابي، بدري جليل، (ت٥٥) بالمدينة/بخ م عم. التقريب٢/ ١٣٥.
[ ٢٨٩ ]