المبحث الأول: التحقيق فيمن تولى كبر الإفك
إن الحق الذي لا مرية فيه ولا شبهة، أن الذي تولى كبر الإفك١ هو: عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وبذلك تظاهرت الروايات عن عائشة ﵂، وهي صاحبة القصة.
فقد بوب البخاري بقوله: باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور الآية:١١] .
ثم ساق بسنده: حدثنا أبو نعيم٢، حدثنا سفيان٣ عن معمر عن الزهري عن عروة، عن عائشة ﵂ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١] . قالت: "
_________________
(١) ١ الإفك: أسوأ الكذب وأقبحه، وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه فالإفك إذا هم الحديث المقلوب. انظر تفسير الشوكاني ٤/ ١٢. ٢ أبو نعيم هو الفضل بن دكين، الكوفي، الملائي، بضم الميم بعدها لام خفيفة مشهور بكنيته، مولى تيم، ثقة ثبت، من التاسعة، (ت ٢١٨ وقيل ٢١٩) وهو من كبار شيوخ البخاري/ ع. التقريب ٢/ ١١٠. ٣ سفيان هو الشوري.
[ ٢٢٧ ]
عبد الله بن أبي ابن سلول"١. وعنده أيضا من رواية صالح بن كيسان عن الزهري: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول"٢.
وفي رواية فليح بن سليمان والليث عن يونس٣ عن الزهري: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول"٤.
وعند مسلم من رواية يونس ومعمر كلاهما عن الزهري "وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول"٥.
فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وما كنا بحاجة إلى الكلام في هذا وتثبيته بالأدلة والبراهين، بعد أن استفاض أن صاحب هذه المقالة الخبيثة هو عبد الله بن أبي ابن سلول، لولا ورود ما يشير إلى أن حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة ممن تولى كبره أيضا.
وذلك أيضا فيما رواه البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه٦ ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة٧.
_________________
(١) ١ البخاري ٦/ ٨٤ كتاب التفسير. ٢ المصدر السابق ٥/ ٩٦ كتاب المغازي، باب حديث الإفك. ٣ تقدمت ترجمته مع بقية تراجم رجال الأسانيد. ٤ البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا و٦/ ٨٤ كتاب التفسير باب قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ . ٥ صحيح مسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة. ٦ يستوشيه: الأصل فيه: استخراج الحديث باللطف والسؤال والبحث عنه. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير٥/ ١٩٠. ٧ البخاري ٦/ ٨٩ تفسير سورة النور باب قوله تعالى: ﴿إن الذي يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾ . ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة والترمذي ٥/ ١٣ تفسير سورة النور.
[ ٢٢٨ ]
وعند أحمد والطبري من رواية هشام المذكورة: "وكان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره ومسطح وحسان وثابت"١.
وورد عند البخاري ومسلم: حدثني محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي٢، أنبأنا شعبة٣، عن الأعمش٤ عن أبي الضحى٥ عن مسروق، قال: "دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بريبة وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل٦
قالت: "لست كذاك"٧.
قلت: "تدعين مثل هذا يدخل عليك"، وقد أنزل الله ﴿والذي تولى كبره منهم﴾ . فقالت: "وأي عذاب أشد من العمى".
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٨٩. ٢ هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وقد ينسب لجده، وقيل هم إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، (ت١٩٤) على الصحيح/ ع. التقريب ٢/ ١٤١. ٣ شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم، أبو بسطام، بكسر الموحدة وسكون المهملة، الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدا من السابعة، (ت١٦٠) / ع. التقريب ١/ ٣٥١. ٤ الأعمش مدلس وقد عنعن ولكن لا تضر عنعنته هنا، لأن الراوي عنه شعبة، وقد قال كفيتكم تدليس الأعمش وأبي إسحاق وقتادة، قال السخاوي في فتح المغيث ١/ ١٧٦: فإذا جاء حديثهم من طريق شعبة، بالعنعنة حمل على السماع جزما. ٥ مسلم بن صبيح مصغرا الهمداني أبو الضحى الكوفي، العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل، من الرابعة (ت١٠٠) /ع. المصدر السابق٢/ ٢٤٥. ٦ هذا البيت من جملة أبيات قالها حسان يعتذر إلى عائشة، والمراد بالحصان هنا العفيفة، والرزان: الملازمة موضعها التي لا تتصرف كثيرا، وامرأة رزان إذا كانت ذات ثبات ووقار وعفاف وكانت رزينة في مجلسها، وما تزن بريبة: أي ما تتهم، وغرثى: أي جائعة، والغوافل: جمع غافلة يريد أنها لا ترتع في أعراض الناس، انظر ديوان حسان بن ثابت ص ٣٢٤ ٧ لست كذلك: بل اغتبت وخضت في قول أهل الإفك.
[ ٢٢٩ ]
وقالت: "وقد كان يرد عن رسول الله ﷺ"لفظ البخاري١.
قلت: الذي يظهر في هذا المقام أن الذي بدأ بالكلام في الإفك وكان يصول فيه ويجول هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو الذي كان يجمع الناس في بيته ممن هم على شاكلته في الخبث والنفاق وكان يذيع ذلك ويردده مع عصابته وأهل بيته، ولما انتشر الكلام في ذلك من قبلهم، وكانوا يتناقلونه فيما بينهم، أثر ذلك في بعض المؤمنين فانزلقوا معهم، وصاروا يتكلمون بذلك مع من تكلم، ويرددون قول الإفك والنفاق دون وعي وإدراك لما يقصده ابن أبي من وراء ذلك.
فقد روى إسحاق بن راهويه: أخبرنا يحيى٢ بن آدم نا ابن أبي زائدة٣ وهو يحيى بن زكرياء عن محمد٤ بن عمرو عن يحيى٥ بن عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة بن وقاص وغيره عن عائشة قالت: لما قال أهل الإفك ما قالوا دخل علي رسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم﴾ هؤلاء الآيات وكان الذي تولى كبره الذي يجمعهم في بيته عبد الله بن أبي ابن سلول٦.
وأورد الطبري الأحاديث التي يفهم منها أن حسان بن ثابت ومسطحا وحمنة ممن تولى كبر الإفك ثم عقب بقوله: "وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: الذي تولى كبره من عصبة الإفك كان عبد الله بن أبي، وذلك أنه
_________________
(١) ١ البخاري ٦/ ٨٨ تفسير سورة النور ومسلم ٧/ ١٦٣ كتاب فضائل الصحابة. ٢ يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، أبو زكرياء مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل من كبار التاسعة (ت٢٠٣) / ع. التقريب ٢/ ٣٤١. ٣ يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة الهمداني، أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن من كبار التاسعة (ت١٨٣ أو ١٨٤) /ع. المصدر السابق ٢/ ٣٤٧. ٤ محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة (ت١٤٥) / ع. المصدر السابق ٢/ ١٩٦. ٥ يجيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، أبو محمد أو أبو بكر، المدني، ثقة من الثالثة، (ت١٠٤) /م عم. المصدر السابق ٢/ ٣٥٢. ٦ مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ق ١٣٥ ب وتفسير الطبري ١٨/ ٨٩.
[ ٢٣٠ ]
لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن الذي بدأ بذكر الإفك وكان يجمع أهله ويحدثهم عبد الله بن أبي ابن سلول"١. وأورد عن ابن زيد أنه قال: "أما الذي تولى كبره منهم فعبد الله بن أبي ابن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها". وقال ابن القيم أثناء شرحه لقصة الإفك: "ولما قدم صفوان لعائشة، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة ورأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه"٢.
وقال ابن كثير تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم﴾ الآية. فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن إلى أن قال: " ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول، قبحه الله تعالى ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث". وقال ذلك مجاهد وغير واحد.
ثم قال: "وقيل المراد به حسان بن ثابت وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله ﷺ، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ: "هاجهم ٣ وجبريل معك" ٤ انتهى.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١٨/ ٨٩ وانظر فتح القدير للشوكاني ٤/ ١٢. ٢ زاد المعاد ٢/ ١٢٦ وانظر تفسير مجاهد بن جبير. سورة النور، ص ٤٢٧ ومسند أبي يعلى ٤/ق، ٤٤٧.أ ٣ الحديث في صحيح مسلم ٧/ ١٦٣ (كتاب فضائل الصحابة) ونصه: "حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عدي" وهو ابن ثايت قال: سمعت البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان بن ثابت: "اهجهم أو هاجهم وجبريل معك" ومن طريق الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة أنشدك الله هل سمعت النبي ﷺ يقول: "يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ اللهم أيده بروح القدس"، قال أبو هريرة: "نعم". ومن طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه أن حسان بن ثابت كان ممن كثر على عائشة فسببته فقالت: "يا ابن أختي دعه فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ". ٤ تفسير ابن كثير ٣/ ٢٦٨ و٢٧٢.
[ ٢٣١ ]
وقال ابن حجر أثناء شرحه للآية المذكورة ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: "هو عبد الله بن أبي وبه تظاهرت الروايات عن عائشة من قصة الإفك المطولة"١.
وقال تحت قول مسروق "تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ ٢ قال: "وهذا مشكل لأن ظاهره أن المراد بقوله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ هو حسان بن ثابت، وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أبي وهو المعتمد"٣، انتهى.
قلت: وسيأتي أيضا موقف الزهري مع الوليد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك عندما قالا: الذي تولى كبره هو علي بن أبي طالب فغضب الزهري وقال: "هو عبد الله بن أبي ابن سلول" وساق بسنده إلى عائشة أنها قالت: "الذي تولى كبره عبد الله بن أبي"٤.
وبهذا يتضح أن الذي تفوه به وتولى عبأه وتبعته هو عبد الله بن أبي. وهو الذي ترجح عند المحققين من أهل العلم٥. ويؤيده أن الآية الكريمة هددت الذي تولى كبره بالعذاب العظيم قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٤٥٢. ٢ تقدم الحديث، ص ٢٢٩. ٣ فتح الباري ٨/ ٤٥٢ و٤٨٥. ٤ انظر ص ٢٦١ وما بعدها. ٥ انظر الجامع لأحكام القرآن المعروف بتفسير القرطبي ١٢/ ٢٠٠ وروح المعاني للألوسي ١٨/ ١٠٥- ١٠٦ وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان ٦/ ٣٣٠.
[ ٢٣٢ ]
وهذا التهديد يتناسب مع نفاق عبد الله بن أبي، وأما من ذكر من الصحابة المشهود لهم بالخير ولبعضهم بالجنة، فإنهم لا يدخلون في هذا الوعيد كما هو ظاهر، وإنما هؤلاء يدخلون في مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، [سورة النور الآية: ١٢] .
فهذا عتاب للمؤمنين الذين تورطوا وانخدعوا بدعايات النفاق وأكاذيب المرجفين، والآيات التي تضمنت قصة الإفك واضحة في سياقها ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١]، وهذا هو مطلع هذه الآيات وسياقها ثم ذكرت أن الذي تولى كبره من هذه العصبة واحد منهم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١]، ولا شك أن هذا الأسلوب القرآني في سباقه ولحاقه يدل على واحد معين من هذه العصبة، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول، كما في الصحيح وغيره بخلاف ما قد يفهم من بعض الروايات التي ألحقت حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش بابن أبي في تولي كبر الإفك، فهؤلاء جماعة والآية تشير إلى واحد من عصبة الإفك، فالتعبير (بالذي) وإعادة الضمير إليه مفردا مرتين في قوله: ﴿كِبْرَهُ﴾ وقوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع ذكر العصبة سابقا واضح في أن المراد واحد بعينه من هذه العصبة هو الذي تولى كبره وعظمه١.
وقد وضحته الروايات الصحيحة المتضافرة أنه رأس النفاق ابن سلول، وبهذا التقرير يندفع الإشكال وتتضح الحال، ويظهر أن هؤلاء الصحابة الأجلاء لا يصلح منهم أن يكون هو المراد بهذا التولي لكبر الإفك.
وإذا درسنا الآيات وتأملنا سياقها سياقًا ولحاقًا اتضح أن كل واحد من هؤلاء الصحابة ليس مرادا بتولي كبر الإفك، لأن العتاب الذي عوتب به هؤلاء، نصت عليه الآيات في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور الآية: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، ولا شك أن صفة الإيمان ثابتة لحسان ومسطح وحمنة، ومنتفية عن عبد الله بن أبي ابن سلول، وإن كان في الظاهر مسلما، فيكون هذا العتاب لهؤلاء المؤمنين الذين تورطوا في هذه الدعاية السيئة
_________________
(١) ١ انظر روح المعاني للألوسي ١٨/ ١٠٥- ١٠٦.
[ ٢٣٣ ]
غفلة منهم وانخداعا ببهرج النفاق وزخرف قوله، يوضح ذلك تعقيبه جل شأنه على قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١٤]، بقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ١ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور الآية: ١٥]، فهذه الآية توضح أن هؤلاء المؤمنين خدعوا بهذه الأكاذيب وسرت فيهم أراجيف المنافقين وأباطيلهم فصاروا يرددون قول أهل الزيغ والنفاق دون وعي وإدراك لمقصد المنافقين من وراء هذا القول الشنيع.
وبهذا يكون الذي تولى كبر الإفك وحمل لواءه وإشاعته بين الناس هو عبد الله بن أبي ابن سلول رأس النفاق.
وأما ذكر بعض الروايات لحمنة وحسان ومسطح مع عبد الله بن أبي ابن سلول، فيفسر ذلك على أنهم ذكروا من باب التبعية لا أنهم تولوا كبر الإفك أصالة، وإنما الذي تولاه هو ابن أبي ابن سلول المنافق، لكنهم حين قالوا بقالته ذكروا معه تبعا، والله أعلم٢.
_________________
(١) ١ تلقونه: بفتح التاء وتشديد اللام، وهو من التلقي وإحدى التائين فيه محذوفة وهي القراءة المشهورة، وكانت عائشة تقرأ ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ بكسر اللام وضم القاف مخففا، وتقول: الولق- بفتح الواو وسكون اللام بعدها قاف- الكذب. وقد وردت القراءة الأخيرة عن عائشة في صحيح البخاري ٦/ ١٠٠ من كتاب التفسير وهذا سياقه حدثني يحيى حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة كانت تقرأ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ وتقول: الولق: الكذب. قال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم من غيرها بذلك لأنه نزل فيها. ٢ انظر مجمع الزوائد للهيثمي٧/ ٧٧وتفسير سورة النور للمودودي، ص١٢٦- ١٢٧.
[ ٢٣٤ ]