المبحث الأول: ظهور النفاق
قبل الحديث عن ظهور النفاق وأثره في المجتمع الإسلامي يحسن بي أن أعطي نبذة عن تعريف النفاق لغة وشرعًا، فأقول:
أ- النفاق لغة: ضرب من التمويه والستر والتغطية، وحقيقته: إظهار شيء وإبطان ضده. مشتق من النافقاء أحد جحرة١، اليربوع٢، يكتمها ويظهر غيرها، فإذا طلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه.
ب- وشرعا: هو إظهار الإيمان وستر الكفر.
والنفاق وما تصرف منه لم يكن معروفا عند العربية في الجاهلية بهذا
_________________
(١) ١ جحرة: كعنبة: جمع جحر. المصباح المنير ١/ ١٠٠. ٢ اليربوع: ويسمى الدرص وذا الرميح - تصغير رمح حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدا، وله ذنب كذنب الجرذ، يرفعه صعدا، في طرفه شبه النوارة، لونه كلون الغزال. يسكن باطن الأرض، وتسمى حفرته النافقاء والقاصعاء والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى خرج من الأخرى، وظاهر بيته تراب وباطنه حفر، وكذلك المنافق: ظاهره إيمان وباطنه كفر. حياة الحيوان: للدميري ٢/ ٤٣٥.
[ ١٤٧ ]
المعنى وإن كان أصله في اللغة معروفا، يقال نافق ينافق منافقة ونفاقا. وإنما هو اسم إسلامي أطلق على من أظهر الإيمان وستر الكفر، مأخوذ من نافقاء اليربوع، لأن المنافق لما أبطن الكفر وأظهر الإيمان، وورى بشيء عن شيء، ودخل في باب الخديعة وأوهم الغير خلاف ما هو عليه أشبه في ذلك فعل اليربوع.
والمعنيان اللغوي والشرعي متلازمان، إذ إن كلا من اليربوع، والمنافق اتخذ التمويه والتلبيس ذريعة إلى ستر الحقيقة وإظهار خلاف الواقع، فوسيلة كل منهما المكر والكيد والخداع، والتضليل وقلب الحقائق، فإذا طلب من جهة فر إلى جهة أخرى ونجا بحيلته ودهائه١.
ولما وصل رسول الله ﷺ المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، واستقبله المسلمون بحرارة الإسلام وعاطفة الإيمان الجياشة، ورأى عبد الله بن أبي ابن سلول ومن شايعه من اليهود وغيرهم، ما قوبل به الرسول ﷺ والمهاجرون من حفاوة وإعزاز، ساءهم ذلك، وأخذوا يناوئون الإسلام ويعرقلون سيره، ويترصون الدوائر بالمسلمين.
أما اليهود فذلك دأبهم وديدنهم لأنهم لا يريدون للبشرية خيرا، بل يريدون أن تظل السعادة والسيادة فيهم، لأنهو شعب الله المختار في زعمهم.
وأما عبد الله بن أبي فإنه لم تخسر شخصية مكانتها في المدينة بمقدم نبي الإسلام، خسارته، ذلك أن الرجل كان ينظم له الخرز ليتوج ملكا على الأوس والخزرج، كما سيأتي ذلك واضحا في حديث أسامة بن زيد٢ وكان ذلك من أقوى الأسباب التي صرفته عن اعتناق الإسلام، بصدق وإخلاص.
وكان دخوله في الإسلام ظاهرا بعد غزوة بدر الكبرى٣
_________________
(١) ١ انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٩٨ ولسان العرب لابن منظور ١٢/ ٢٣٦- ٢٣٧ وحياة الحيوان للدميري ٢/ ٤٣٥- ٤٣٦ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٢٨٦. وشرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفاريني ١/ ٢٤٩ و٢/ ٤٠٨- ٤٠٨ والنفاق والمنافقون لإبراهيم علي سالم، المقدمة ص١. ٢ انظر ص ١٥٠ وما بعدها. ٣ انظر المصدر السابق.
[ ١٤٨ ]
وهذا أمر طبيعي فإنه يريد أن ينظر في هذا الأمر الجديد، فإن اندحر فقد خلص منه، وهذا غاية مناه، وإن حصلت به العزة والمنعة، سالمه، وهذا ما حصل بالفعل، فقد قويت شوكة الإسلام، وأخذت صخرة الكفر تتحطم تحت جحافل المسلمين، خاصة في معركة بدر الكبرى، فلما رأى عبد الله بن أبي أن لا قبل له بمقاومة الإسلام علانية عمد إلى وسيلة أخرى هي طعن الإسلام في السر والخفاء، فتظاهر بالإسلام ليحقن دمه وليقضي بذلك كثيرا من مآربه، "فكان أول ظهور النفاق، في المدينة بدخول هذا المنافق في الإسلام ظاهرا" وهو شخص متبوع، فشايعه على ذلك أتباعه من المنافقين، فكان يقوم بعليمهم النفاق، وقد كان لهذا العدو الخفي، أضراره الجسيمة على الإسلام والمسلمين، ومواقف ابن أبي وأتباعه من دعوة الإسلام تنبئ عن أخطارهم التي لا تقف عند حد.
ولكن الله خيب سعيهم وأحبط أعمالهم، ورد كيدهم في نحورهم، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، [سورة الصف الآية: ٨] .
[ ١٤٩ ]