المبحث الأول: موقف بني المصطلق من الإسلام
تأخر إسلام بني المصطلق شأن القبائل التهامية المجاورة لقريش؛ وذلك لما كان لقريش من السيطرة والحرمة في نفوس القبائل بحكم كونهم سكان الحرم، وحماة بيت الله الأمين، فكانت القبائل تنظر إليهم نظرة احترام وتوقير، وكانوا ينظرون ماذا تصنع مع رسول الله ﷺ، إذ إن رسول الله ﷺ منهم، فهم أعرف به من غيرهم، ولما لم يحصل منهم الإذعان لدعوة الرسول ﷺ كان ذلك داعيًا للقبائل المجاورة إلى عدم الاستجابة للرسول ﷺ، لا سيما ما كان بين قريش وبين القبائل المجاورة من تبادل المنافع والمصالح، وخاصة قبيلة خزاعة - ومنهم بنو المصطلق - بحسب موقعهم الجغرافي إذ كانت قبيلة بني المصطلق على طريق قريش التجارية إلى الشام، مما جعلها تتأخر في إعلان إسلامها، حفاظًا على مصالحها. ولكن الرسول ﷺ كان يأمن جانبها بحكم كونها فرعًا من خزاعة التي كانت محل عناية ونصح للرسول ﷺ، رغم عدم دخولها في الإسلام.
[ ٦٣ ]
ويتضح ذلك جليًا في موقف معبد بن أبي معبد الخزاعي في حمراء١ الأسد، التي وقعت عقب غزوة أحد مباشرة. وقد استهدف الرسول ﷺ تقوية معنويات المسلمين وتثبيت مركزهم داخل المدينة بعد أن أضعفتهم معنويات آثار أحد فخرج ﷺ إلى حمراء الأسد يتبع جيش أبي سفيان خشية أن تسوّل لهم أنفسهم الكرة على المسلمين لاستئصالهم - وكان الأمر كما توقّع ﷺ - فلما وصل حمراء الأسد مرّ به معبد بن أبي معبد الخزاعي فقال: "يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك ولوددنا أن الله عافاك مما حدث بك -" وكان معبد إذ ذاك مشركًا٢ ولكن خزاعة كانت عيبة٣ نصح لرسول الله ﷺ بتهامة، مسلمهم ومشركهم فكانوا لا يخفون عنه شيئًا حدث في مكة - ثم خرج من عند رسول الله ﷺ متجهًا نحو مكة، فلقي أبا سفيان بن حرب وجماعته بالروحاء٤ وقد أجمعوا الرجعة إلى المدينة وقالوا: "أصبنا أشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم، لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، وبينما هم كذلك طلع عليهم معبد بن أبي معبد الخزاعي فلما رآه أبو سفيان قال: "ماوراءك يا معبد؟ "
_________________
(١) ١ ذكر إبراهيم الحربي أن حمراء الأسد فوق ذي الحليفة بثلاثة أميال يسرة عن الطريق إذا أصعدت إلى مكة. كتاب المناسك ص ٤٤٠، وقال خليفة بن خياط وابن عبد البر وياقوت والفيروز آبادي أنها تبعد عن المدينة بثمانية أميال، تاريخ خليفة، ص ٧٤، والاستيعاب ٣/٤٥٥، ومعجم البلدان ٢/٣٠١، والقاموس المحيط ٢/١٣، ولا فرق بين تحديد الحربي وغيره لأن ذا الحليفة على خمسة أميال ونصف من المدينة، انظر كتاب المناسك للحربي ص ٤٢٧، وهي تبعد عن المدينة بتسعة أميال. نسب حرب للبلادي ص ٣٥٩، وعلى هذا فتكون المسافة بين حمراء الأسد والمدينة بالكيلومترات ١/٣ ١٣ كيلومترًا. ٢ كون معبد إذ ذاك كان مشركًا هو المشهور عند العلماء. انظر: سيرة ابن هشام ٢/١٠٢، ومغازي الواقدي ١/٣٣٨، وتاريخ خليفة ص ٧٤، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٤٩، والاستيعاب لابن عبد البر ٣/٤٥٤ على هامش الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٥/٢١٧-٢١٨. وذكر ابن القيم أنه أسلم في ذلك الوقت وأمره رسول الله ﷺ أن يلحق بأبي سفيان فيخذله. انظر: زاد المعاد ٢/١٢١. ومعبد هذا هو غير معبد ولد أم معبد الخزاعية. انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٤٤١ – ٤٤٢. ٣ عيبة الرجل: موضع سره انظر: النهاية لابن الأثير ٣/٣٢٧. ٤ الروحاء: على طريق مكة تبعد عن المدينة بـ ٧٣ كيلومترًا. انظر: نسب حرب للبلادي ص ١٠٧.
[ ٦٤ ]
قال: "محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، ولا قبل لكم به، وهم يتحرّقون عليكم تحرّقًا قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم١ وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق ما لم أر مثله قط".
فاندهش أبو سفيان، وقال: "ويحك يا معبد انظر ما تقول؟ " فقال معبد: "والله ما أرى أن ترتحل من مكانك هذا حتى ترى نواصي الخيل".
قال أبو سفيان: "والله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم"، قال: "فإني أنهاك عن ذلك. والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتًا من الشعر".
قال: "وما قلت؟ "
فأنشده شعرًا فيه تحذير له من لقاء المسلمين، وبيان قوتهم، فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، وانسحبوا في أسرع وقت يواصلون سيرهم نحو مكة٢.
فهذا يدل على إخلاص بعض رجال هذه القبيلة لرسول الله ﷺ وثقته بهم.
وأما ما يتعلّق بموقف بني المصطلق من الإسلام، فإني لم أجد ما ينص على إسلام فرد منهم بعينه قبل غزو الرسول ﷺ، وإنما يوجد بعض الأفراد من خزاعة عامة أعلنوا إسلامهم سابقًا أذكر بعضًا منهم على سبيل المثال لا الحصر فمنهم:
أ- أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو من خزاعة هاجرت إلى الحبشة مع زوجها
_________________
(١) ١ يريد يوم أحد أضافه إليهم لكون النصر كان حليفًا لهم. ٢ سيرة ابن هشام ٢/١٠١-١٠٣، مغازي الواقدي ١/٣٣٤-٣٤٠، الكامل لابن الأثير ٢/١٦٤، البداية والنهاية لابن كثير ٤/٤٩، الإصابة لابن حجر ٣/٤٤١.
[ ٦٥ ]
خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وولدت له بأرض الحبشة سعيد ابن خالد وأمة بنت خالد، التي تزوجها الزبير فيما بعد١.
قال ابن هشام: "ويقال: همينة بنت خلف"٢.
ب- أم معبد الخزاعية٣ فقد أسلمت عندما مرّ بها رسول الله ﷺ أثناء الهجرة ونزل بها، وكان من حديثها أنها وصفت رسول الله ﷺ لزوجها عندما جاء بعد ذهاب رسول الله ﷺ، من عندها٤.
ج- معتب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو من خزاعة، وهو الذي يقال له: (عيهامة) ويعرف بابن الحمراء. وذكر ابن حجر (هيعانة) (بدل عيهامة) . كان من المهاجرين إلى الحبشة وشهد بدرًا وما بعدها ٥.
د- نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، استشهد في بئر معونة٦.
وبهذا القدر نكتفي لأن القصد هو التمثيل لا الحصر.
_________________
(١) ١ سيرة بن هشام ١/٣٢٣. ٢ المصدر السابق١/٣٢٣، وطبقات ابن سعد ٨/٢٨٦، أنساب الأشراف للبلاذري ص ١٩٩. ٣ هي عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة أم معبد الخزاعية. انظر: ترجمتها في الاستيعاب١/٣٩١،وأسد الغابة١/٤٥١،في ترجمة أخيها حبيش. ٤ سيرة ابن هشام١/٤٨٧-٤٨٨،وطبقات ابن سعد٨/٢٨٩،وانظر الحديث في نزول الرسول ﷺ عليها في المستدرك٣/٩-١٠ وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"،وأقره الذهبي. ٥ سيرة ابن هشام ١/٣٢٧، وطبقات ابن سعد ٣/٢٦٤، والاستيعاب ٣/٤٦١، مع الإصابة وأسد الغابة ٥/٢٢٤، والإصابة لابن حجر ٣/٤٤٣، ومُعَتَّب بمضمومة وفتح عين وكسر مثناة فوق مشدّدة فموحّدة (المغني لمحمد طاهر الهندي ص٧٣) . ٦ سيرة ابن هشام ٢/١٨٣ و١٨٨، وطبقات ابن سعد ٤/٢٩٤، وتاريخ خليفة بن خياط ص ٧٦، الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٥٤١ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير٥/٢٩٩، والإصابة لابن حجر ٣/٥٤٣.
[ ٦٦ ]
وبه يتضح مدى العلاقة التي تربط قبائل خزاعة عامة بالدعوة الإسلامية في أول أمرها، ومبادرة عدد من رجال هذه القبائل إلى الإسلام، لكن المصادر كما أشرت لا تنص على إسلام رجال من بني المصطلق بالذات، وأحسب أن سكوت المصادر يكفي للدلالة على بقاء هذه القبيلة على الشرك، ولا يمنع ذلك من التزامها بشيء من الولاء للمسلمين وفقًا للأعراف القبلية السائدة، والتي تلزمهم بموقف خزاعة الموالي للدولة الإسلامية.
[ ٦٧ ]