ورد في حديث أبي سعيد الخدري من طريق ابن محيريز١ أنه قال: "دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري، فجلست إليه، فسألته عن العزل٢، قال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة، وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟! فسألناه عن ذلك فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" هذا لفظ البخاري في المغازي وفي كتاب العتق نحو هذا٣.
وفي كتاب النكاح: عن ابن محيريز عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبيا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: "أو إنكم لتفعلون؟ " - قالها ثلاثا - ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة"٤.
وفي كتاب القدر عن عبد الله بن محيريز الجمحي أن أبا سعيد الخدري أخبره أنه بينما هو جالس عند النبي ﷺ جاءه رجل٥ من الأنصار فقال: يا رسول الله إنا نصيب سبيا ونحب المال، كيف ترى في العزل؟
_________________
(١) ١ ابن محيريز بالتصغير هو عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب الجمحي المكي، كان يتيما في حجر أبي محذورة بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقة عابد، من الثالثة، (ت ٩٩٩ وقيل بعدها /ع. التقريب ١/٤٤٩. ٢ العزل: هو نزع الذكر بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج، خشية أن تحمل المرأة. ٣ كتاب العتق باب من ملك من العرب رقيقا ٣/١٢٩ وكتاب المغازي ٥/٩٦ باب غزوة بني المصطلق من خزاعة. ٤ باب العزل ٧/٢٩. ٥ قوله: جاء رجل من الأنصار: قال ابن حجر: "تقدم في غزوة المريسيع وفي كتاب النكاح من صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: "سألنا رسول الله ﷺ، وأخرجه النسائي من طريق ابن محيريز أن أبا سعيد وأبا صرمة أخبراه أنهم أصابوا سبايا قال: فتراجعنا في العزل فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ، فلعل أبا سعيد باشر السؤال وإن كان الذين تراجعوا في ذلك جماعة" الخ. فتح الباري ١١/٤٩٥.
[ ٣٣١ ]
فقال رسول الله ﷺ: "أو إنكم تفعلون ذلك؟ لا عليكم إلا تفعلوا فإنه ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي كائنة" ١.
وحديث أبي سعيد هذا أورده مسلم بألفاظ متعددة٢.
وهو أيضا عند أبي داود والنسائي وابن ماجة وأحمد٣.
وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينْزل"، لفظ البخاري وابن ماجة٤،وزاد مسلم: "لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن"٥.
وفي لفظ عند مسلم من حديث جابر أيضا "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا"٦.
وفي لفظ قال جابر: سأل رجل النبي ﷺ فقال: إن عندي جارية لي وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ: "إن ذلك لن يمنع شيئا أراده الله"، قال فجاء الرجل فقال: يا رسول الله إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ: "أنا عبد الله ورسوله" ٧.
وهذه الأحاديث التي ظاهرها جواز العزل، ورد ما يعارضها فعند مسلم وأحمد من حديث جدامة٨ بنت وهب قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) ١ البخاري ٨/١٠٤ باب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ . ٢ صحيح مسلم ٤/١٥٧- ١٦٠ كتاب النكاح. ٣ انظر سنن أبي داود ١/٥٠٠- ٥٠١ والنسائي ٦/٨٩ وابن ماجة ١/٦٢٠ الجميع في كتاب النكاح باب العزل وأحمد ٣/٦٣ و٦٨ و٧٢. ٤ البخاري ٧/٢٩ كتاب النكاح باب العزل وابن ماجة فيه ١/٦٢٠. ٥ صحيح مسلم ٤/١٦٠ كتاب النكاح. ٦ المصدر السابق ٤/١٦٠. ٧ المصدر السابق ٤/١٦٠. ٨ جدامة بمضمومة ودال مهملة. بنت وهب ويقال جندل، الأسدية، أخت عكاشة ابن محصن لأمه صحابية لها سابقة وهجرة، قال الدارقطني: من قالها بالذال المعجمة صحف /م عم. التقريب ٢/٥٩٣.
[ ٣٣٢ ]
وسلم في أناس وهو يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة١، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا"،ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ: "ذلك الوأد الخفي" زاد عبيد الله في حديثه عن المقرئ٢: وهي ﴿وَإِذَا المُوْؤُودَةُ٣ سُئِلَت﴾ ٤.
وبسبب هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض اختلف العلماء في حكم العزل. فذهب ابن حبان وابن حزم إلى تحريمه أخذا بحديث جدامة هذا وما في معناه.
وعلل ابن حزم ذلك بأن الأحاديث الدالة على الإباحة، متمشية مع أصل الإباحة، وحديث حدامة دال على التحريم، فصح أن حديثها ناسخ لجميع الإباحات المتقدمة التي لا شك في أنها قبل البعث وبعد البعث، وهذا أمر متيقن، لأنه إذا أخبر ﵊ أنه الوأد الخفي، والوأد محرم، فقد نسخ الإباحة المتقدمة بيقين، فمن ادعى أن تلك الإباحة المنسوخة قد عادت، وأن النسخ المتيقن قد بطل فقد ادعى الباطل، وقفى ما لا علم له به، وأتى بما لا دليل عليه.
وأيد ذلك بما ورد في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم٥
_________________
(١) ١ الغيلة: بالكسر الاسم من الغيل بالفتح، وهو أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع. النهاية لابن الأثير ٣/٤٠٢. ٢ المقرئ هو عبد الله بن يزيد المكي، أبو عبد الرحمن القصير أصله من البصرة أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفا وسبعين سنة، من التاسعة (ت ٢١٣) وقد قارب المائة وهو من كبار شيوخ البخاري /ع. التقريب ١/٤٦٢. ٣ سورة التكوير آية:٨ والموؤودة هي البنت كان في الجاهلية إذا ولد لأحدهم بنت دفنها في التراب وهي حية. يقال وأدها يئدها وأدا فهي موؤودة. النهاية لابن الأثير ٥/١٤٣ ومختار الصحاح ص ٧٠٥ والقاموس المحيط ١/٤٣٢- ٣٤٣. ٤ صحيح مسلم ٤/١٦١ كتاب النكاح وأحمد ٦/٣٦١ و٤٣٤. ٥ انظر الحديث في صحيح مسلم ٤/١٥٩.
[ ٣٣٣ ]
قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: "لا عليكم ألا تفعلوا ذلك فإنما القدر"، قال ابن سيرين١ - قوله: "لا عليكم أقرب إلى النهي"٢.
وذهب الجمهور إلى جواز العزل عن الزوجة الحرة بإذنها وعن السرية بدون إذن والخلاف في الزوجة المملوكة هذا أقرب الأقوال في هذه المسألة والخلاف طويل بين العلماء، واستدل الجمهور على الجواز بالأحاديث المتقدمة التي ظاهرها الجواز. وأجابوا عن حديث جدامة وما في معناه بأن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه - وأجيب عن قوله في حديث جدامة "ذلك الوأد الخفي" أنه ليس صريحا في التحريم، لأن التحريم للوأد المحقق الذي هو قطع حياة محققة، والعزل وإن شبهه ﷺ به فإنما هو قطع لما يؤدي إلى الحياة والمشبه دون المشبه به، وإنما سماه وأدا لما تعلق به من قصد منع الحمل.
وهناك أجوبة أخرى فيها أخذ ورد فلا نطيل الكلام فيها ونكتفي بالإشارة إلى أماكنها لمن أراد الوقوف عليها٣.
وخلاصة القول في هذا الباب هو جواز العزل وأحاديث جابر بن عبد الله على اختلاف ألفاظها صريحة في جواز ذلك وأصرح منها حديثه عند مسلم وأبي داود ولفظه: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال: "اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها"، فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: "قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها"٤.
_________________
(١) ١ هو محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة، البصري، ثقة ثبت عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة (ت ١١٠) /ع. التقريب ٢/١٦٩. ٢ كتاب المحلى لابن حزم ١١/٢٩٠- ٢٩٢. ٣ انظر معاني الآثار للطحاوي٣/٣٠-٣٥ وشرح مسلم للنووي٣/٦١٢ وزاد المعاد لابن القيم٤/٢٠-٢٣ وتهذيب السنن له٦/٢١٤ (عون المعبود)، وفتح الباري ٩/٣٠٥-٣١٠ وسبل السلام للصنعاني٣/١٤٥-١٤٦ ونيل الأوطار للشوكاني ٦/٢٢٢-٢٢٤ وشرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفاريني ١/٢٩٧-٣٠٢. ٤ صحيح مسلم ٤/١٦٠ وسنن أبي داود ١/٥٠١ كتاب النكاح باب العزل.
[ ٣٣٤ ]
ففيه التصريح من رسول الله ﷺ لهذا السائل بالإذن بفعل العزل إن أحب ذلك، ثم بين له أن فعله هذا لا يرد شيئا قدره الله ﷿ وأنه إذا أراد شيئا كان ولا محالة.
[ ٣٣٥ ]