قال البخاري: حدثنا محمد١ أخبرنا مخلد٢ بن يزيد أخبرنا ابن جريج٣، قال أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابرا ﵁ يقول: غزونا مع النبي ﷺ، وقد ثاب٤ معه ناس من المهاجرين، حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب٥، فكسع أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي ﷺ، فقال: "ما بال دعوى الجاهلية"، ثم قال: "ما شأنهم؟ "
_________________
(١) ١ محمد هنا: المراد به ابن سلام، كما جزم بذلك أبو نعيم في المستخرج، وأبو علي الجياني، انظر فتح الباري ٦/ ٥٤٧، وهدي السارب مقدمة فتح الباري ص ٢٣٩، وهو محمد بن سلام بن الفرج، السلمي، مولاهم، البيكندي، بكسر الموحدة وسكون التحتانية وفتح الكاف وسكون النون، أبو جعفر، مختلف في لام أبيه والراجح التخفيف، ثقة ثبت من العاشرة (ت٢٢٧)، خ: التقريب ٢/ ١٦٨. ٢ مخلد بن يزيد القرشي، الحراني، صدوق له أوهام، من كبار التاسعة (ت١٩٣)، خ م د س ق. المصدر السابق ٢/ ٢٣٥. ٣ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم المكي، ثقة، فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، من السادسة (ت١٥٠) أو بعدها، ع. المصدر السابق١/٥٢٠. ٤ ثاب معه: أي اجتمع. ٥ رجل لعاب: أي بطال، وقيل كان يلعب بالحراب كما تصنع الحبشة، وهو جهجاه ابن قيس الغفاري، فتح الباري ٦/ ٥٤٦ وسماه ابن إسحاق: جهجاه بن مسعود. وكان جهجاه من المتألبين على عثمان بن عفان وأنه قام إلى عثمان وهو على المنبر فأخذ عصاه وكسرها فما حال عليه الحول حتى أرسل الله في يده الأكلة فمات منها، هكذا نقل ابن حجر في الإصابة ١/ ٢٥٣.
[ ١٨٣ ]
فأخبر بكسعة المهاجري، الأنصاري، قال: فقال النبي ﷺ: "دعوها فإنها خبيثة"، وقال عبد الله ابن أبي ابن سلول: "أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل"، فقال عمر: "ألا نقتل يا رسول هذا الخبيث" لعبد الله، فقال النبي ﷺ: "لا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه"١.
الحديث فيه مخلد بن يزيد، وصف بأن له أوهاما، كما في التقريب٢.
وفي هدي الساري قال ابن حجر: "وثقه ابن معين وغيره"، وقال أحمد: "لا بأس به"، وكان يهم، وكذا قال الساجي: "وأنكر له أبو داود حديثا وصله".
ثم عقب ابن حجر بقوله: "قلت: أخرج له البخاري أحاديث قليلة من روايته عن ابن جريج توبع عليها". وروى له مسلم والباقون سوى الترمذي، انتهى كلام ابن حجر٣.
قلت: قد ورد الحديث عن جابر بعدة طرق صحاح، وليس فيها مخلد بن يزيد. فزال ما يخشى من أوهامه، وما دام أن الحديث في البخاري فإنه صحيح لاتفاق الأمة على صحة ما فيه، ولعل ما قيل عن مخلد من أوهام لم تكن تضره حين أخرج له البخاري لما نعلم من شدة تحريه ودقة شروطه فيمن يخرج عنهم.
وعند مسلم وأحمد من طريق أبي الزبير٤ عن جابر "فخرج رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا دعوى أهل الجاهلية"، فقالوا: لا، يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر، قال: "فلا بأس ولينصر الرجل
_________________
(١) ١ البخاري ٤/ ١٤٦-١٤٧، كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية. ٢ / ٢٣٥. ٣ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٤٤٣. ٤ أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة، وضم الراء الأسدي، مولاهم، أبو الزبير المكي، صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة، (ت١٢٦): ع. التقريب ٢/ ٢٠٧. وقد صرح بالتحديث هنا عن جابر كما هو عند أحمد ٣/ ٣٢٣- ٣٢٤.
[ ١٨٤ ]
أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره"١.
قال النووي: "أما تسمية النبي ﷺ ذلك دعوى الجاهلية، فهو كراهة منه لذلك؛ فإنه مما كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا ومتعلقاتها، وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وفصل القضايا بلأحكام الشرعية، فإذا اعتدى إنسان على آخر حكم القاضي بينهما وألزمه مقتضى عدوانه، كما تقرر من قواعد الإسلام.
وأما قوله ﷺ في آخر هذه القصة "لا بأس" فمعناه لم يحصل من هذه القصة بأس مما كنت خفته، فإنه خاف أن يكون حدث أمر عظيم يوجب فتنة وفسادا، وليس هو عائدا إلى رفع كراهة الدعاء بدعوى الجاهلية٢.
قال ابن حجر: "يستفاد من قوله "لا بأس" جواز القول المذكور بالقصد المذكور والتفصيل المبين، لا على ما كانوا عليه في الجاهلية من نصرة من يكون من القبيلة مطلقا"٣.
قلت: كانت هذه الكلمة شعار أهل الجاهلية، وهو نصرة الأخ مطلقا ولو كان يعلم أنه على باطل، فما دام من قبيلته أو من أحلافه فتجب نصرته، فجاء الإسلام فهذب هذه الكلمة وجعل معناها غير ما تعارف عليه أهل الجاهلية، فجعل كف الظالم عن ظلمه نصرا له، ونصره حقيقة إن كان مظلوما حتى يتوصل إلى حقه، وقد تضمن الحديث المتقدم، آنفا بيان هذا المبدأ.
وقد ورد عند البخاري ما يزيد هذا المعنى وضوحًا.
وهذا نصه: حدثنا محمد بن عبد الرحيم٤ ثنا سعيد٥ بن سليمان حدثنا
_________________
(١) ١ مسلم ٨/ ١٩، وأحمد ٣/ ٣٢٣ –٣٢٤. ٢ شرح النووي على مسلم ٥/ ٤٤٤. ٣ فتح الباري ٨/ ٦٤٩. ٤ محمد بن عبد الرحيم، ابن أبي زهير البغدادي، أبو يحيى البزاز، المعروف بصاعقة، ثقة حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٥٥)، خ د ت س. التقريب ٢/ ١٨٥. ٥ سعيد بن سليمان الضبي أبو عثمان الواسطي، نزيل بغداد، البزاز، لقبه سعدويه، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، (ت٢٢٥): ع، المصدر السابق ١/ ٢٩٨.
[ ١٨٥ ]
هشيم١ أخبرنا عبيد الله٢ بن أبي بكر بن أنس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟
قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره"٣.
وهكذا قضى رسول الله ﷺ على هذه الفتنة التي كادت تفكك وحدة المسلمين وتمزق شملهم وتجعلهم شيعا وأحزابا، فتقر بذلك أعين المنافقين وأعداء الدين، لكن الإيمان الذي ربى رسول الله ﷺ أصحابه عليه، كان أقوى من مكيدة المنافقين، فما أن سمع المسلمون كلام الرسول ﷺ بأمرهم بترك دعوى الجاهلية، حتى خمدت الفتنة التي أوقد المنافقون نارها، ثم اتخذ الرسول الكريم التدابير التي تقضي على آثارها وتعيد الإخاء والمودة إلى نفوس المسلمين، كما سيأتي في المبحث التالي.
_________________
(١) ١ هشيم بالتصغير، ابن بشير بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية ابن أبي خازم، بمعجمتين، الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفاي، من السابعة (ت١٨٣)، ع: المصدر السابق٢/ ٣٢٠. ٢ عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك، أبو معاذ، ثقة من الرابعة: ع. المصدر السابق١/٥٣١. ٣ البخاري ٩/ ٢٠، كتاب الإكراه.
[ ١٨٦ ]