المبحث الثالث: صحة جعل العتق صداقا
تقدم في حديث عائشة ﵂ أن جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار وقعت في سهم ثابت بن قيس أو ابن عم له، فكاتبته على
[ ٣١٢ ]
نفسها وجاءت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، فقال لها رسول الله ﷺ: "هل لك في خير من ذلك؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك"، قالت: قد فعلت١.
وعند الطحاوي: حدثنا أحمد٢ بن داود قال: حدثنا يعقوب٣ بن حميد قال: ثنا سليمان٤ بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد عن ابن عون٥ قال: كتب إليَّ نافع أن النبي ﷺ أخذ جويرية في غزوة بني المصطلق، فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، أخبرني بذلك عبد الله ابن عمر، وكان في ذلك الجيش.
ثم قال الطحاوي: "فقد روي هذا عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ كما ذكرنا، ثم قال هو من بعد النبي ﷺ في مثل هذا، أنه يجدد لها صداقا.
حدثنا بذلك سليمان٦ بن شعيب، قال: ثنا الخصيب٧، قال: ثنا
_________________
(١) ١ تقدم الحديث، ص ١١٣، وما بعدها، وانظر ص ٣١٠. ٢ أحمد بن داود بن موسى السدوسي، أبو عبد الله، عن مسدد وأبي الربيع وغيرهما، وعنه الطحاوي وثقه ابن يونس. انظر كشف الأستار عن رجال معاني الآثار للسندي، ص ٣. ٣ يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، نزيل مكة، وقد نسب لجده، صدوق ربما وهم، من العاشرة (ت٢٤٠ أو٢٤١) /عخ ق. التقريب ٢/٣٧٥. ٤ سليمان بن حرب الأزدي الواشحي بمعجمة، ثم مهملة، البصري القاضي بمكة، ثقة إمام حافظ، من التاسعة (ت ٢٢٤) وله ثمانون سنة /ع. المصدر السابق ١/٣٢٢. ٥ ابن عون هو: عبد الله بن عون بن أرطبان. تقدمت ترجمته مع بقية رجال الإسناد. ٦ سليمان بن شعيب بن سليمان بن سليم بن كيسان الكلبي، أبو محمد المصري، عن خصيب بن ناصح وأبيه، وعنه الطحاوي، وثقه العقيلي. (ت٢٧٨) كشف الأستار عن رجال معاني الآثار للسندي، ص ٤٣، ولسان الميزان لابن حجر٣/٩٦. ٧ الخصيب بفتح المعجمة وكسر المهملة ابن ناصح الحارثي البصري، نزيل مصر، صدوق يخطئ من التاسعة (ت ٢٠٨) / س. التقريب ١/٢٢٣، وكشف الأستار عن رجال معاني الآثار للسندي، ص ٣١.
[ ٣١٣ ]
حماد بن سلمة عن عبيد الله١، عن نافع عن ابن عمر مثل ذلك. فهذا عبد الله بن عمر ﵄ قد ذهب إلى أن الحكم في ذلك بعد رسول الله ﷺ على غير ما كان لرسول الله ﷺ.
فيحتمل أن يكون ذلك سماعا سمعه من النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون دله على ذلك المعنى الذي استدللنا به نحن على خصوصية رسول الله ﷺ في ذلك٢ بما وصفنا دون الناس"٣.
قلت: هذا الحديث الذي أيد به الطحاوي الخصوصية لا ينهض لفصل النزاع وذلك للاحتمال الموجود فيه. وحديثه الأول٤ صريح في أن النبي ﷺ أعتق جويرية وجعل عتقها صداقها. والأصل في ذلك الإقتداء به ﷺ في ذلك حتى تثبت الخصوصية، وهذا الحديث فيه الاحتمال المذكور يبطل الاستدلال، بخلاف جعل العتق صداقا فإن الأحاديث صريحة في ذلك.
فعند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والطحاوي: "أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها"٥.
_________________
(١) ١ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، المدني، أبو عثمان، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين / ع. التقريب ١/٥٣٧. ٢ استدل الطحاوي على الخصوصية، بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، [سورة الأحزاب، من الآية: ٥٠] . قال: فلما أباح الله لنبيه أن يتزوج بغير صداق، كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، ومن لم يبح الله له أن يتزوج على غير صداق، لم يكن له أن يتزوج على العتاق، الذي ليس صداق. وهذه الآية التي استدل بها الطحاوي على الخصوصية، استدل بها أيضا ابن القيم على عدم الخصوصية، انظر ص ٣١٧. ٣ شرح معاني الآثار ٣/٢٠- ٢١. ٤ انظر ص ٣١٣. ٥ البخاري٧/٧ كتاب النكاح باب من جعل عتق الأمة صداقها، ومسلم٤/١٤٦ كتاب النكاح وأبو داود ١/٤٧٤ فيه باب في الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها والترمذي ٤/٢٥٧ فيه أيضا. والطحاوي فيه ٣/٢٠.
[ ٣١٤ ]
وفي لفظ عند البخاري: "سبي النبي ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها فقال ثابت١ لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها"٢.
وفي لفظ عند مسلم: "تزوج صفية وأصدقها عتقها"٣.
وفي لفظ عند البخاري من حديث أنس أيضا قال: صلى النبي ﷺ الصبح قريبا من خيبر بغلس، ثم قال: "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". الحديث
وفيه: "وكان في السبي صفية، فصارت إلى دحية٤ الكلبي، ثم صارت إلى النبي ﷺ، فجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز٥ بن صهيب لثابت: يا أبا محمد أنت قلت لأنس: ما أصدقها؟ فحرك ثابت رأسه تصديقا له"٦.
ولفظ مسلم أن دحية قال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: "يا نبي أله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير ما تصلح إلا لك" قال: "ادعوه بها" قال: فجاء بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها"، قال: "وأعتقها وتزوجها" فقال ثابت: "يا أبا حمزة٧: ما أصدقها" قال: "نفسها أعتقها وتزوجها"٨.
_________________
(١) ١ ثابت هو ابن أسلم البناني: بضم الموحدة ونونين مخففين. تقدمت ترجمته. ٢ البخاري ٥/ ١٠٩، كتاب المغازي باب غزوة خيبر. ٣ مسلم ٤/١٤٦ كتاب النكاح. ٤ دحية بكسر دال وسكون مهملة وبمثناة تحتية، وعند ابن ماكولا بفتح دال دحية ابن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي، صحابي جليل نزل المزة ومات في خلافة معاوية /د. التقريب ١/٢٣٥. ٥ عبد العزيز بن صهيب بالتصغير البناني بضم الموحدة ونونين مخففين، البصري، ثقة من الرابعة، (ت ١٣٠) / ع. المصدر السابق ١/٥١٠. ٦ ٥/١٠٩ كتاب المغازي باب غزوة خيبر. ٧ أبو حمزة: كنية أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ. ٨ صحيح مسلم ٤/١٤٥- ١٤٦ كتاب النكاح.
[ ٣١٥ ]
فهذه الألفاظ كلها صريحة في صحة جعل العتق صداقا، ومع هذا كله فقد صرفها بعض العلماء عن ظاهرها وأولها بتأويلات بعيدة فيها تكلف، من تلك التأويلات: دعوى الخصوصية لرسول الله ﷺ، كما تقدم في قول الطحاوي١، ومنها أنه ﷺ لما أعتقها وجبت له عليها قيمتها فصح به العقد. ومنها أن هذا شيء قاله أنس بن مالك من قبل نفسه، لما لم يعلم أن رسول الله ﷺ ساق صداقا الخ.
والذي لا ينبغي العدول عنه في هذه المسألة بالذات هو العمل بنا نصت عليه الأحاديث وهي صريحة في هذا، لأن الأصل عدم الخصوصية، ولأن الراوي أعرف بتأويل ما روى، فما كان لأنس أن يقول شيئا من قبل نفسه، لا سيما أنه قد ورد عند الطبراني٢ وأبي الشيخ٣ عن صفية نفسها قالت: "أعتقني وجعل عتقي صداقي"٤.
وهذا يوافق ما قاله أنس ﵁، وصاحب القصة أدرى بها من غيره.
وقد تعرض لهذه المسألة ابن القيم في زاد المعاد أثناء كلامه على الأحكام الفقهية في غزوة خيبر وأيد القول بصحة جعل العتق صداقا، ورد على القائلين بغيره.
وهذا نص كلامه: "ومنها٥ جواز عتق الرجل أمته، وجعل عتقها صداقا لها، ويجعلها زوجته بغير إذنها ولا شهود ولا ولي غيره، ولا لفظ إنكاح ولا
_________________
(١) ١ انظر ص ٣١٤. ٢ هو الحافظ الإمام العلامة الحجة، بقية الحفاظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب ابن مطير اللخمي الشامي الطبراني، مسند الدنيا، وصاحب المعاجم الثلاثة. ولد عام (٢٦٠) وتوفي عام (٣٦٠) تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/٩١٢- ٩١٧. ٣ هو حافظ أصبهان ومسند زمانه الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري صاحب المصنفات السائرة، المعروف بأبي الشيخ، ولد سنة (٢٧٤) وتوفي سنة (٣٦٩) المصدر السابق ٣/٩٥٤- ٩٤٧. ٤ فتح الباري شرح صحيح البخاري ٩/١٢٩. ٥ أي من الأحكام الفقهية المأخوذة من غزوة خيبر.
[ ٣١٦ ]
تزويج، كما فعل رسول الله ﷺ بصفية، ولم يقل هذا قط خاص بي، ولا أشار إلى ذلك مع علمه بإقتداء أمته به، ولم يقل أحد من الصحابة إن هذا لا يصلح لغيره، بل رووا القصة ونقلوها إلى الأمة ولم يمنعوهم، ولا رسول الله ﷺ من الإقتداء به في ذلك، والله سبحانه لما خصه في النكاح بالموهوبة قال: ﴿خَالَصَةً لَّكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينِ﴾ فلو كانت هذه خالصة له دون أمته لكان هذا التخصيص أولى بالذكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم، بخلاف المرأة التي تهب نفسها للرجل لندرته وقلته أو مثله في الحاجة إلى البيان، ولا سيما والأصل مشاركة الأمة له، وإقتداؤها به، فكيف سكت عن منع الإقتداء به في ذلك الموضع الذي لا يجوز مع قيام مقتضى الجواز؟ هذا شبه المحال، ولم تجتمع الأمة على عدم الإقتداء به في ذلك، فيجب المصير إلى إجماعهم وبالله التوفيق".
ثم أيد بالقياس الصحيح أيضا فقال: والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك، فإنه يملك رقبتها ومنفعة وطئها وخدمتها، فله أن يسقط حقه من ملك الرقبة، ويستبقي ملك المنفعة أو نوعا منها، كما لو أعتق عبده وشرط عليه أن يخدمه ما عاش، فإذا أخرج المالك رقبة ملكه، واستثنى نوعا من منفعته لم يمنع من ذلك في عقد البيع، فكيف يمنع منه في عقد النكاح؟.
ولما كانت منفعة البضع لا تستباح إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وكان إعتاقها يزيل ملك اليمين عنها كان من ضرورة استباحة هذه المنفعة
جعلها زوجة وسيدها كان يلي نكاحها وبيعها ممن شاء بغير رضاها، فاستثنى لنفسه ما كان يملكه منها.
ولما كان من ضرورته١ عقد النكاح ملكه لأن بقاء ملكه المستثنى لا يتم إلا
_________________
(١) ١ الضمير في (ضرورته) يعود على الوطء وفي (ملكه) وبه يعود على العقد، والقياس الذي ذكره ابن القيم خلاصته: أن السيد أعتق الرقبة واستثنى جزء من المنفعة وهو الزواج بعقد، وهذا يصح في البيع. ففي النكاح من باب أولى. والسيد هو الذي يلي عقد نكاح أمته لغيرهن وقد صار النكاح إليه فهو الذي يعقد لنفسه ضرورة؛ لأن الانتفاع بالوطء لا يمكن إلا بطريق العقد وهو يملكه، فصح منه توليه لنفسه.
[ ٣١٧ ]
به، فهذا محض القياس الصحيح الموافق للسنة الصحيحة، والله أعلم١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد٢/١٦٠ و١/٤٣ و٤/٢٧، وانظر سبل السلام للصنعاني٣/١٤٨، ونيل الأوطار للشوكاني٦/١٧٥-١٧٦، وشرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفاريني ١/٣٨٨- ٣٩٠.
[ ٣١٨ ]