فعند البخاري: من حديث أسامة المتقدم١: "فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه٢، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام، فأسلموا"٣.
وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ لو أتيت عبد الله بن أبي، قال: فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق
_________________
(١) ١ انظر ص ١٥٠ وما بعدها. ٢ توجه: أي نفذ على وجهه ومقصده. ٣ صحيح البخاري ٦/ ٣٤ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) و٨/ ٣٩ كتاب الأدب (باب كنية المشرك. قال ابن حجر: "هذا حديث آخر أفرده ابن أبي حاتم عن الذي قبله، وإن كان الإسناد متحدا، وقد أخرج مسلم الحديث الذي قبله مقتصرا عليه، ولم يخرج شيئا من هذا الحديث الآخر". فتح الباري ٨/ ٢٣٢.
[ ١٥٣ ]
المسلمون وهي أرض سبخة١، فلما أتاه النبي ﷺ قال: "إليك عني فوالله آذاني نتن ٢ حمارك"، قال: فقال رجل٣ من الأنصار والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابهن قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال، قال: فبلغنا أنها نزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، [سورة الحجرات، من الآية: ٩] ٤.
فهذا الحديث بظاهره يخالف حديث أسامة بن زيد لأن في حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ خرج من بيته قاصدا عيادة سعد بن عبادة، وفي حديث أنس بن مالك: أنه ﷺ دعي إلى إتيان عبد الله بن أبي ابن سلول.
وقد حاول ابن حجر الجمع بين الروايتين فقال: "يحتمل اتحادهما بأن يكون الباعث له ﷺ عيادة سعد بن عبادة، فاتفق مروره بعبد الله بن أبي، فقيل له حينئذ لو أتيته فأتاه".
قال: "ويدل على اتحادهما أن في حديث أسامة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه"، ثم قال ابن حجر: "وقد استشكل ابن٥ بطال نزول الآية المذكورة في حديث أنس وهي قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، [سورة الحجرات، من الآية: ٩]، في هذه القصة، لأن المخاصمة وقعت بين من كان
_________________
(١) ١ قوله: وهي أرض سبخة: بفتح المهملة وكسر الموحدة، بعدها معجمة، أي ذات سباخ وهي الأرض التي لا تنبت، وكانت تلك صفة الأرض التي مر بها ﷺ، إذ ذاك، وذكر ذلك للتوطئة لقول عبد الله بن أبي إذ تأذى بالغبار فتح الباري ٥/ ٢٩٨. ٢ نتن حمارك: أي ريحها. ٣ قوله فقال رجل من الأنصار: هو عبد الله بن رواحة على القول باتحاد القصتين. ٤ صحيح مسلم ٥/ ١٨٣ كتاب الجهاد، والبخاري ٣/ ١٥٩ كتاب الصلح باب الصلح باب ما جاء في الإصلاح بين الناس وأحمد ٣/ ١٥٧. ٥ ابن بطال هو الإمام أبو الحسن علي بن خلف الشهير بابن بطال المغربي المالكين له شرح على صحيح البخاري، وغالبه فقه الإمام مالك، من غير تعرض لموضوع الكتاب غالبا، أصله من قرطبة وكان عالما فقيها عني بالحديث وولي قضاء لورقة، له كتاب الاعتصام في الحديث (ت٤٤٤ أو ٤٤٩) مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/ ٢٥٥.
[ ١٥٤ ]
مع النبي ﷺ من أصحابه، وبين أصحاب عبد الله بن أبي، وكانوا إذ ذاك كفارا، فكيف ينزل فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ولا سيما إن كانت قصة أنس وأسامة متحدة، فإن في رواية أسامة فاستب المسلمون والمشركون".
ثم قال ابن حجر: "ويمكن أن يحمل على التغليب، ثم قال: مع أن فيها إشكالا من جهة أخرى وهي: أن حديث أسامة صريح في أن ذلك كان قبل وقعة بدر، وقبل أن يسلم عبد الله بن أبي وأصحابه، والآية المذكورة، في الحجرات، ونزولها متأخر جدا، كان في وقت مجيء الوفود، ثم أجاب عن هذا الإشكال بقوله: لكنه يحتمل أن تكون آية الإصلاح، نزلت قديما فيندفع الإشكال"١.
تلك نبذة من مواقف عبد الله بن أبي قبل أن يعلن إسلامه ظاهرا، ثم بدا له أن يظهر إسلامه في أعقاب غزوة بدر، لأن شوكة المسلمين قويت، وأصبحت مصالح عبد الله بن أبي مرهونة بأن يظهر إسلامه، وتبعه على ذلك بقية المنافقين.
ولكن عداوتهم للإسلام وإضمارهم الشر للمسلمين لم تتغير، فمازالوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، وينتهزون الفرص المواتية للانقضاض عليهم، متعاونين في ذلك مع اليهود، يوضح ذلك انحيازهم إلى جانب يهود بني قينقاع٢، الذين نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ بأن لا يعتدي أحد الجانبين على الآخر، ولكن اليهود لم يلتزموا بهذا العهد الذي أقروه على أنفسهم.
فقد ذكر ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: "كان من حديث بني قينقاع أن رسول الله ﷺ جمعهم
بسوق بني قينقاع، ثم قال: "يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم
_________________
(١) ١ فتح الباري ٥/ ٢٩٩. ٢ بنو قينقاع: بفتح القاف وتثليث النون بطن من بطون يهود المدينة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/ ١٣٦ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٧٦.
[ ١٥٥ ]
قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم"، قالوا: "يا محمد إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس".
ثم ساق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ١ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [سورة آل عمران، الآيتان:: ١٢- ١٣] ٢.
والحديث بهذه الطريق أخرجه أبو داود في سننه٣.
وحسن إسناده الحافظ ابن حجر٤.
وهناك سبب آخر ذكره ابن هشام بسند مرسل أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع، فهذان سببان ذكرا في قصة نقض بني قينقاع العهد المبرم بينهم، وبين المسلمين، وكل منهما كاف في ضرب هذه الشرذمة من اليهود، وقد كان صنيعهم هذا مستوجبا ما عاملهم به رسول الله ﷺ من ضرب الحصار وشد الخناق عليهم.
_________________
(١) ١ الفئتان: هما أصحاب بدر، أصحاب رسول الله ﷺ فئة، وقريش فئة. ٢ سيرة ابن إسحاق المسماة: المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٩٤، وسيرة ابن هشام ٢/٤٧. ٣ ٢/ ١٣٨ كتاب الخراج (باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة) . ٤ فتح الباري ٧/ ٣٣٢.
[ ١٥٦ ]
وذلك فيما رواه ابن إسحاق عن عاصم١ بن عمر بن قتادة، مرسلا، أن بني قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: "يا محمد أحسن في موالي" - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال: "يا محمد أحسن في موالي"، قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: "أرسلني" وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا٢، ثم قال: "ويحك أرسلني"، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله ﷺ: "هم لك" ٣.
وروى ابن إسحاق أيضا بسند مرسل من طريق عبادة٤ بن الوليد ابن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث٥ بأمرهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وقام دونهم، قال: ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ، وتبرأ إلى الله ﷿، وإلى رسول الله ﷺ من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله ﷺ والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبد الله بن
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته. ٢ الظلل: جمع ظلة، وهي السحابة في الأصل فاستعارها هنا، لتغير الوجه إلى السواد إذا اشتد غضبه. ٣ سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨ وسيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبدأ والمبعث والمغازي ١/ ٢٩٥- ٢٩٦. ٤ عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، ويقال له عبد الله، ثقة من الرابعة / خ م د س ق. التقريب ١/ ٣٩٦. ٥ تشبث: التشبث بالشيء التعلق به. مختار الصحاح، ص ٣٢٧.
[ ١٥٧ ]
أبي، نزلت هذه القصة من المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، [سورة المائدة الآيتان: ٥١-٥٢]، – لعبد الله بن أبي، وقوله: إني أخشى الدوائر- ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، [سورة المائدة، الآيتان: ٥٢-٥٣]، ثم ذكر القصة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، [سورة المائدة، الآية: ٥٥] .
وذكر لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرئه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، [سورة المائدة، الآية: ٥٦] ١.
فلقد أوضحت هذه الآيات والأحاديث أن المنافقين اتخذوا موقفا مؤازرا لبني قينقاع وسعوا في خلاصهم من العقاب بعد ما أحدثوا من تمرد في وجه الدولة والخروج على العهد الذي أقروه على أنفسهم والتزموا به.
وقد ذكر ابن حجر وغيره أن بني قينقاع أول يهود نقضوا عهدهم مع المسلمين وهذا نص كلامه: قال: كان الكفار بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام:
قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع.
وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش.
وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، ومنهم من لا يحب ظهوره كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحارهم في شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه،
_________________
(١) ١ سيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبدأ والمبعث والمغازي ١/ ٢٩٥- ٢٩٦، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٩.
[ ١٥٨ ]
وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات١ ثم نقض العهد بنو النضير، ثم نقضت قريظة٢.
_________________
(١) ١ أذرعات: بكسر الراء وفتحها بلدة بالشام، انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي٣/ ٢٣، وهي الآن في (سوريا) على حدود الأردن الشمالية. ٢ فتح الباري ٧/ ٣٣٠ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٢/ ٧٩.
[ ١٥٩ ]