ورد ذكرها في حديث الإفك عندما استشار الرسول ﷺ عليا في شأن عائشة ﵂، فقال: "لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك"، قالت عائشة: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة"، فقال: "أي بريرة١ هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " الحديث٢
ورغم هذا كله فقد استشكل العلماء وجودها في قصة الإفك وذلك لأن قصة الإفك متقدمة، وكان شراء عائشة لبريرة ومكاتبتها متأخرين وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بما يأتي:
أ- قال ابن القيم: "وقد استشكل وجود بريرة في هذا الحديث وذلك أن بريرة إنما كاتبت وعتقت بعد هذا بمدة طويلة، وكان العباس عم رسول الله ﷺ إذ ذاك في المدينة، والعباس إنما قدم المدينة بعد
_________________
(١) ١ بريرة: بفتح الموحدة، وكسر الراء الأولى وسكون التحتانية. ٢ انظر الحديث في صحيح مسلم ٨/ ١١٥ كتاب التوبة وصحيح البخاري ٣/ ١٥١، كتاب الشهادات.
[ ٢٦٦ ]
الفتح، ولهذا قال له النبي ﷺ، وقد شفع إلى بريرة أن تراجع زوجها فأبت أن تراجعه، يا عباس ألا تعجب من بغض بريرة مغيثا وحبه لها، ففي قصة الإفك لم تكن بريرة عند عائشة، وهذا الذي ذكروه إن كان لازما فيكون الوهم من تسمية الجارية بريرة، ولم يقل علي سل بريرة، وإنما قال: فسل الجارية تصدقك، فظن بعض الرواة أنها بريرة فسماها بذلك، وإن لم يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى ما بعد الفتح ولم ييأس منها زال الإشكال"١.
قلت: ما أشار إليه من قصة رسول الله ﷺ مع عمه العباس هو ما رواه البخاري عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ لعباس: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا"، فقال النبي ﷺ لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه"٢.
ب- وقال ابن حجر في أثناء شرحه لحديث الإفك تحت قوله: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة - قد قيل: إن تسميتها هنا وهم، لأن قصتها كانت بعد فتح مكة"، ثم أشار إلى حديث ابن عباس الآنف الذكر، ثم عقب بقوله: "ويمكن الجواب بأن تكون بريرة كانت تخدم عائشة وهي في رق مواليها، وأما قصتها معها في مكاتبتها وغير ذلك فكان بعد ذلك بمدة، أو أن اسم هذه الجارية المذكورة في قصة الإفك، وافق اسم بريرة التي وقع لها التخيير بعد عتقها".
ثم قال ابن حجر: "وجزم البدر الزركشي فيما استدركته عائشة على الصحابة أن تسمية هذه الجارية ببريرة مدرج من بعض الرواة، وأنها جارية أخرى " ثم قال: "وأخذ هذا من ابن القيم٣ الحنبلي٤".
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٢/ ١٢٩. ٢ صحيح البخاري ٧/ ٤٢ كتاب الطلاق باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة. ٣ انظر قول ابن القيم ص ٢٦٦. ٤ فتح الباري ٨/ ٤٦٩.
[ ٢٦٧ ]
قلت: كلام البدر الزركشي المشار إليه هذا نصه:
"فإنه بعد أن ذكر نزول القرآن ببراءة عائشة مما رميت به وجلد الذين قذفوها قال عقب ذلك: تنبيه جليل على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخاري أحدهما١ قول علي ﵁ "وسل الجارية تصدقك" قال: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة ".
وبريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها بعد ذلك.
ويدل عليه أنها لما أعتقت واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعه تتحادر على لحيته، فقال لها النبي ﷺ "لو راجعته" فقلت: أتأمرني؟ فقال: "إنما أنا شافع". فقال النبي ﷺ: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث لبريرة وبغضها له" والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح.
والمخلص من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنا منه أنها هي. وهذا كثيرا ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث، وهو نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق.
ومن نظائره ما وقع في الترمذي وغيره٢ من حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: "خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش"، فذكر الراهب وقال في آخرها: "
_________________
(١) ١ وثانيهما هو وجود سعد بن معاذ في غزوة بني المصطلق، ومراجعته لسعد بن عبادة في شأن أهل الإفك. ٢ انظر سنن الترمذي ٥/ ٢٥٠ كتاب المناقب باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
[ ٢٦٨ ]
فرده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك١ والزبيب"٢.
فهذا من الأوهام الظاهرة، لأن بلالا إنما اشتراه أبو بكر بعد مبعث النبي ﷺ وبعد أن أسلم بلال، وعذبه قومه، ولما خرج النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة سنة وشهران وأيام، ولعل بلالا لم يكن ولد. ولما خرج في المرة الثانية، كان له قريب من خمس وعشرين سنة ولم يكن مع عمه أبي طالب، إنما كان مع ميسرة"٣.ا؟
قلت: أورد ابن حجر استشكال٤ البدر الزركشي، ثم عقب بقوله: وأجاب غيره بجواز أنها كانت تخدم عائشة بالأجرة، وهي في رق مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة. ثم قال ابن حجر: هذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ٥.
وبين هذا الغير في موضع آخر٦ بأنه تقي الدين السبكي٧.
والخلاصة: أن البدر الزركشي ذكر ثلاثة أوهام تتعلق بحديث الإفك، وهم في ذكر بريرة، ووهم في ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة ومحاورته مع سعد بن عبادة، ووهم في سماع مسروق من أم رومان، أم عائشة التي هي إحدى من روى قصة الإفك، ثم كر على الوهمين الأخيرين بما يدفعهما.
_________________
(١) ١ الكعك: خبز معروف فارسي، معرب. القاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٣١٧، ومختار الصحاح لأبي بكر الرازي، ص ٥٧٢ ٢ في حديث الترمذي: الزيت. انظر سنن الترمذي ٥/ ٢٥٠ كتاب المناقب باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ ٣ الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة، ص ٤٧- ٥٠. ٤ تقدم ص ٢٦٧. ٥ فتح الباري ٨/ ٤٦٩ و٩/٤٠٩. ٦ فتح الباري ٨/ ٤٦٩ و٩/ ٤٠٩. ٧ هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، تقي الدين السبكي، الخزرجي الأنصاري، أبو الحسن الدمشقي الشافعي، صاحب كتاب (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) في الرد على ابن تيمية، وكمل على شرح المهذب للنووي في خمس مجلدات وهو والد تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب صاحب كتاب (طبقات الشافعية الكبرى)، (ت٧٥٦) ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن محمد بن علي تلميذ الذهبي، ص ٣٩- ٤٠.
[ ٢٦٩ ]
أما الوهم المتعلق ببريرة، فلم يدفعه بشيء، بل نظر له بوهم لا شك فيه، وهو ما وقع في حديث الترمذي في قصة ذهاب الرسول ﷺ مع عمه أبي طالب إلى الشام، وما حصل له مع الراهب، وما كان من أمر عمه له بالرجوع إلى مكة، وما كان من قصة أبي بكر وبلال، وتزويد الراهب له، بالكعك والزيت، فهذا الصنيع منه يدل على أنه جازم بأن ذكر بريرة في حديث الإفك، مدرج من بعض الرواة، وأن الجارية التي أرادها علي بن أبي طالب غير بريرة، مولاة عائشة ﵂. فظن هذا الراوي أنها هي، غير أنه في ختام كلامه على هذه الأوهام الثلاثة، قال: "فهذه ثلاثة أوهام ادعيت في حديث الإفك، والثلاثة ثابتة في الصحيح، فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بين، وقد تقدم ما يدفع الكل".
لكن المتتبع لكلامه يجد أنه تقدم له ما يدفع وهمين فقط. وهما: الوهم في ذكر سعد بن معاذ، والوهم في سماع مسروق من أم رومان.
أما الوهم المدعى في بريرة، فلم يسبق له ما يدفعه كما يفهم من كلامه وتعميمه، بل الذي سبق له يدل على جزمه بهذا الوهم كما نظر لذلك بالوهم المذكور في قصة ذهاب الرسول ﷺ إلى الشام، وقد مر قريبا١.
ولعل هذا الصنيع منه هو الذي حمل ابن حجر، فقال عنه: إنه جازم بهذا الوهم كما سبق ذكره٢.
ولكنني أستشعر من صنيعه أنه متردد في الجزم بهذا الوهم أيضا، لأن قوله: "هو ثلاثة أوهام ادعيت في حديث الإفك، والثلاثة ثابتة في الصحيح فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بين" دليل على ما أقول.
هذا على فرض أن هناك تعارضا بين قصة مغيث وزوجته، وبين ذكر بريرة في قصة الإفك، ولكن يظهر للمتأمل أن لا وجود للتعارض أصلا، لأن
_________________
(١) ١ انظر: ص ٢٦٨، وما بعدها. ٢ انظر: ص ٢٦٧.
[ ٢٧٠ ]
رؤية ابن عباس لمغيث وهو يطوف في سكك المدينة متابعا لزوجه بريرة، وهي كارهة له، لا يدل على عدم وجود صلة بين عائشة وبريرة قبل ذلك، لأن بريرة مولاة للأنصار وهي موجودة حتما في المدينة، قبل هجرة العباس وابنه، فما المانع من وجود صلة وثيقة بينها وبين عائشة أم المؤمنين، بل مجيئها إلى عائشة تستعينها في فكاك رقبتها يدل دلالة واضحة على تقدم الصلة بينهما، ومعروف أن الناس يتسابقون إلى خدمة بيت رسول الله ﷺ، فلتكن بريرة إحدى الخدم في بيت عائشة بالأجرة، أو بغيرها، ونكون قد سلمنا من توهيم العلماء وتغليط الحفاظ، وتكلفات الجمع التي ذكرت في هذا الصدد خاصة أن ذكر بريرة في حديث الإفك ثابت في أصح الصحيح في البخاري ومسلم، وغيرهما من كتب السنة وتظافرت الروايات على ذكرها، مما يدفع أي ريب في وجودها في هذه الحادثة، ومساءلة الرسول ﷺ لها والله أعلم.
[ ٢٧١ ]