ذكر البخاري: تحت قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، [سورة آل عمران، من الآية: ١٥٩] .
[ ٢٣٤ ]
"وشاور١ عليا وأسامة فيما رمى أهل الإفك عائشة، فسمع منهما٢ حتى نزل القرآن٣ فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم٤، ولكن حكم بما أمره الله"٥.
قال ابن حجر: قوله: "فجلد الرامين"لم يقع في شيء من طرق حديث الإفك في الصحيحين ولا أحدهما.
وهو عند أحمد وأصحاب السنن من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم عن عمرة عن عائشة قالت: "لما نزلت برائتي قام رسول الله ﷺ على المنبر فدعا بهم وحدهم"، وفي لفظ: "فأمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم"، وسموا في رواية أبي داود: مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش.
قال الترمذي: "حسن٦ لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق من هذا الوجه". ثم قال ابن حجر: "قلت: ووقع التصريح بتحديثه٧ في بعض طرقه"٨.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: أما أصل مشاورتهما فذكره البخاري موصولا في هذا الباب باختصار، وتقدم في سورة النور في قصة الإفك. انظر فتح الباري ١٣/ ٣٤٢ وانظر الحديث في البخاري ٩/ ٩١ كتاب الاعتصام و٦/ ٨٤ باب ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ . ٢ الضمير لعلي وأسامة. قال ابن حجر: فسمع كلامهما ولم يعمل بجميعه حتى نزل الوحي، فلم يعمل بما أومأ إليه علي من المفارقة في قوله: (والنساء سواها كثير)، وعمل بقوله: (وسل الجارية) فسألها. وعمل بقول أسامة في عدم المفارقة ولكنه أذن لها في التوجه إلى بيت أبيها. فتح الباري ١٣/ ٣٤٢. ٣ هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [بسورة النور، من الآية: ١١] . ٤ قوله: (إلى تنازعهم) قال ابن بطال عن القابسي: كأنه أراد تنازعهما فسقطت الألف، لأن المراد أسامة وعلي، وقال الكرماني: القياس أن يقال تنازعهما إلا أن يقال أن أقل الجمع اثنان. أو أراد بالجمع علي وأسامة ومن معهما أو من وافقهما على ذلك. المصدر السابق ١٣/ ٣٤٢. ٥ صحيح البخاري ٩/ ٩١ كتاب الاعتصام باب قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ . ٦ في النسخة الموجودة بأيدينا (حسن غريب) . ٧ الضمير لابن إسحاق ووقع تصريحه بالتحديث عن شبخه عبد الله بن أبيبكر عند البيهقي كماذكر ذلك العراقي، ووقع أيضا في سيرة ابن هشام. انظر السيرة٢/٢٩٧. ٨ فتح الباري ١٣٠/٣٤٢.
[ ٢٣٥ ]
قلت: الحديث الذي أشار إليه ابن حجر أنه عند أحمد وأصحاب السنن هو: حدثنا محمد بن بشار ثنا ابن أبي عدي١ عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة٢ بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: "لما نزل عذري٣ قام رسول الله ﷺ على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن٤، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم"٥.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق" قال العراقي٦ بعد أورد قول الترمذي هذا: "قلت: قد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند البيهقي".
قال الشارح: "فزال بذلك ما يخشى من تدليسه، لأن المشهور قبول حديث ابن إسحاق، إلا أنه مدلس فإذا صرح بالتحديث كان حديثه مقبولًا"٧.
والحديث المشار إليه عند البيهقي: هو أخبرنا أبن عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد ابن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس٨ محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عائشة
_________________
(١) ١ ابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم، وعبد الله بن أبي بكر هو ابن محمد بن حزم وقد تقدمت ترجمتهما. ٢ عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زررة الأنصارية، المدنية، أكثرت عن عائشة ثقة من الثالثة، (ت قبل المائة) . ويقال بعدها/ع. التقريب ٢/ ٦٠٧. ٣ تريد الآيات الدالة على براءتها مما رماها به أصحاب الإفك. ٤ هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١]، إلى آخر الآيات النازلة في ذلك. ٥ الترمذي ٥/ ١٧ تفسير سورة النور وابن ماجة ٢/ ٨٥٧ في الحدود، باب حد القذف وأبو داود فيه ٢/ ٤٧١ ومصنف عبد الرزاق ٥/ ٤١٩ وأحمد ٦/ ٦١. ٦ هو الإمام الحافظ الحجة المحدث الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين ابن عبد الرحمن بن أبي بكر العراقي الشافعي. صاحب الألفية في علم الحديث وصاحب التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح (ت٨٠٦) مقدمة التبصرة والتذكرة شرح ألفية العراقي ١/٩ و١٨. ٧ طرح التثريب شرح التقريب ٨/ ٧٢. ٨ أبو العباس: محمد بن يعقوب هو الأصم وقد تقدمت ترجمته مع بقية رجال الإسناد.
[ ٢٣٦ ]
﵂ قالت: "لما تلا رسول الله ﷺ القصة التي نزل بها عذري على الناس نزل رسول الله ﷺ فأمر برجلين وامرأة ممن كان باء بالفاحشة في عائشة فجلدوا الحد قال: وكان رماها عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش رموها بصفوان بن المعطل السلمي". وكذلك رواه محمد بن أبي عدي عن محمد بن إسحاق١.
والحديث أورده أبو داود من طريق ابن أبي عدي وهذا نصه:
حدثنا قتيبة٢ بن سعيد الثقفي ومالك٣ بن عبد الواحد المسمعي، وهذا حديثه أن ابن عدي حدثهم عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "لما نزل عذري قام النبي ﷺ على المنبر فذكر ذاك وتلا- تعني القرآن- فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم"٤.
ومن طريق محمد بن مسلمة وهذا نصه: حدثنا النفيلي٥، ثنا محمد ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق، بهذا الحديث ولم يذكر عائشة٦، قال: فأمر
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٥٠ كتاب لحدود، باب ما جاء في حد قذف المحصنات. ٢ قتيبة بن سعيد بن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة، ثقة ثبت، من العاشرة، (ت٢٤٠) /ع. التقريب٢/ ١٢٣. ٣ مالك بن عبد الواحد المسمعي أبو غسان البصري ثقة من العاشرة، (ت٢٣٠) / م د. المصدر السابق ٢/ ٢٢٥. ٤ سنن أبي داود ٢/ ٤٧١ كتاب الحدود باب في حد القذف. ٥ هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل أبو جعفر النفيلي، الحراني، ثقة حافظ من كبار العاشرة (ت٢٣٤) / خ عم. المصدر السابق ١/ ٤٤٨. ٦ قال صاحب عون المعبود: والحديث أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرى انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٢/ ١٧٤. قال ابن الصلاح: "ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث – فيما حكاه الخطيب أبو بكر – أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها سواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه مرة ناقصا ومرة أخرى وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصا، خلافا لمن رد من أهل الحديث مطلقا، وخلافا لمن رد الزيادة منه ومن قبلها من غيره". انظر مقدمة ابن الصلاح ص ١١١- ١١٢ مع التقييد والإيضاح.
[ ٢٣٧ ]
برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة.
قال النفيلي: "ويقولون: المرأة حمنة بنت جحش"١.
قلت: وقد صرح ابن إسحاق أيضا بتسميتهم في (مغازيه) في حديث عائشة الطويل في سياق قصة الإفك مصرحا بالتحديث وهذا نصه:
حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه٢، عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة٣، ثم ساق الحديث وفي آخره "قال رسول الله ﷺ: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك"، قالت: "قلت: بحمد الله"، ثم خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم"٤.
وأورده ابن جرير الطبري في التاريخ من هذه الطريق٥.
والحديث عند البزار من حديث أبي هريرة وفيه التصريح بتسميتهم أيضا وهذا نصه: عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق". الحديث
وفيه: "وكان رسول الله ﷺ يجيء فيقوم على الباب فيقول: "كيف تيكم" حتى جاء يوما فقال: "أبشري يا عائشة فقد أنزل الله عذرك"، فقالت: "بحمد الله لا بحمدك"، وأنزل الله في ذلك عشر آيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [سورة النور، من الآية: ١١]، قال: "فحد رسول الله ﷺ مسطحا وحمنة وحسان"٦.
_________________
(١) ١ سنن أي داود ٢/ ٤٧١ كتاب الحدود باب في حد القذف. ٢ هو عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حج، ثقة من الثالثة/ع. التقريب ١/ ٣٩٢. ٣ تقدمت ترجمتهم. ٤ سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٧- ٣٠٢. ٥ ٢/ ٦١١- ٦١٦ وأورده في التفسير أيضا مختصرا ١٨/ ٩٣. ٦ مجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ٢٣٠.
[ ٢٣٨ ]
قال الهيثمي: "فيه محمد١ بن عمرو وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات. فهذان الحديثان صريحان في إقامة الحد على هؤلاء المذكورين تطهيرا لما علق بهم من درن مقالة أهل الإفك والافتراء، وكلا الحديثين حسن لذاته".
وعلى هذا فلا يلتفت إلى قول من قال بأن الحد لم يقم عليهم مستندا إلى أن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار٢. فهذان الحديثان من أبين البينات في ذلك.
وإنما الخلاف قائم في إقامة الحد على عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك أن الحديثين المذكورين لن يتعرضا لذكره أصلا، في إقامة الحد عليه أو عدمه.
وقد ورد عند الطبري من طريق هشام بن عروة عن أبيه التصريح بأن ابن أبي لم يسم في أهل الإفك، وهذا نص الحديث: حدثنا عبد الوارث٣ بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي٤، قال ثنا أبان العطار٥، قال: ثنا هشام بن عروة - عن عروة - أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: "كتبت إلي تسألني في الذين جاؤا بالإفك، وهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ وأنه لم يسم منهم أحد٦ إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، وهو يقال في آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله"٧.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمرو بن علقمة بم وقاص الليثي تقدمت ترجمته. ٢ قائل هذا هو الماوردي. انظر فتح الباري ٨/ ٤٧٩ و٤٨١. ٣ عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، أبو عبدة، صدوق، من الحادية عشرة، (ت٢٥٢) / م ت س ق. التقريب ١/ ٥٢٧. ٤ هو عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، العنبري، مولاهم، التنوري، أبو سهل صدوق، ثبت في شعبة، من التاسعة، (ت٢٠٧) /ع. المصدر السابق١/ ٥٠٧. ٥ أبان بن يزيد العطار، البصري، أبو يزيد، ثقة، له أفراد، من السابعة، (ت في حدود ١٦٠) / خ م د ت س. المصدر السابق ١/ ٣١. ٦ يريد لم يسم منهم أحد فيمن أقيم عليه الحد غير هؤلاء، ولا يريد أن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يذكر فيمن قال الإفك، بل هو الذي تولى كبره كما صرحت الأحاديث بذلك. ٧ تفسير الطبري ١٨/ ٨٦.
[ ٢٣٩ ]
وعند البخاري من رواية صالح بن كيسان: قالت عائشة: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول".
قال عروة: "أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره، ويستمعه ويستوشيه".
وقال عروة أيضا: "لم يسم من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى"١. ومن خلال هذه الأحاديث الصحيحة التي لم تتعرض لذكر عبد الله بن أبي ابن سلول فيمن أقيم عليه الحد، وإنما اقتصرت على ذكر الثلاثة المصرح بهم فيها جزم من جزم من العلماء بأن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يقم عليه الحد وذكروا عدة أشياء في وجه الحكمة في ترك إقامة الحد عليه، ومن الذاهبين إلى هذا:
القرطبي فإنه بعد أن ذكر ما ظاهره أن عبد الله بن أبي أقيم عليه الحد عقب بقوله: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حد حسان ومسطح وحمنة بنت جحش، ولم يسمع بحد لعبد الله ابن أبي، ثم أورد حديث أبي داود٢ في إقامة الحد على هؤلاء الثلاثة دون عبد الله بن أبي ابن سلول، ثم أشار إلى وجه الحكمة في عدم إقامة الحد عليه فقال: قال علماؤنا: "وإنما لم يحد عبد الله بن أبي، لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما، فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه، مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة ﵂ وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد، إذ مقصوده إظهار القاذف وبراءة المقذوف كما قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾،" [سورة النور الآية: ١٣] ٣.
وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى
_________________
(١) ١ البخاري ٥/ ٩٦ كتاب المغازي باب حديث الإفك. ٢ تقدم حديث أبي داود ص ٢٣٧. ٣ آية ١٣ من سورة النور، وهي: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ .
[ ٢٤٠ ]
لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة، وقد قال ﷺ في الحدود: "إنها كفارة لمن أقيمت عليه" كما في حديث١ عبادة بن الصامت ثم قال القرطبي أيضا: "ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه"٢ كما في صحيح مسلم٣.ا؟
٢- ابن القيم: وهذا نص كلامه:
قال: "ولما جاء الوحي ببراءة عائشة ﵂ أمر رسول الله ﷺ بمن صرح بالإفك فحدوا ثمانين ثمانين، ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، ثم ذكر وجه الحكمة في ذلك. فقال:
أ- قيل لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلا لذلك، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد.
ب- وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه.
ج- وقيل: الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد، فإنه كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.
_________________
(١) ١ الحديث في كتاب الحدود عند البخاري ٨/ ١٣٣ ومسلم فيه ٥/ ١٢٦- ١٢٧ وهذا لفظ البخاري عن عبادة بن الصامت قال: "كنا عند النبي ﷺ في مجلس، فقال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا"، وقرأ هذه الآية كلها، "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه". قلت: الآية هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، الخ. [سورة الممتحنة، من الآية: ١٢] . ٢ تفسير القرطبي ١٢/ ٢٠١- ٢٠٢. ٣ انظر الحديث في صحيح مسلم.
[ ٢٤١ ]
د- وقيل: بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته عليه، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارا، وهي تأليف قومه، وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعا فيهم، رئيسا عليهم، فلم يؤمن إثارة الفتنة في حده، ثم قال في ختام كلامه: ولعله ترك لهذه الوجوه كلها، فجلد مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيرا لهم وتكفيرا، وترك عبد الله بن أبي إذ فليس هو من أهل ذلك"١.ا؟
وقد وردت آثار تدل على أن عبد الله بن أبي ابن سلول ممن أقيم عليه الحد ولكنها كلها ضعيفة لا تقوم بمثلها الحجة، وفيما يأتي سردها وبيان ما فيها من ضعف:
حديث عبد الله بن عمر عند الطبراني فقد ساق قصة الإفك مطولا وفيه: "لما أنزل الله براءة عائشة قال النبي ﷺ: "يا عائشة قد أنزل الله عذرك"، فقلت: "بحمد الله لا بحمدك"، فتلا عليها رسول الله ﷺ سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إليه خبرها وعذرها وبراءتها فقال رسول الله ﷺ: "قومي إلى البيت" فقامت وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فأمر أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله ﷿ من البراءة لعائشة، ونزل رسول الله ﷺ، وبعث إلى عبد الله ابن أبي المنافق فجيء به فضربه النبي ﷺ حدين، وبعث إلى حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا ووجي في رقابهم، قال ابن عمر: "إنما ضرب النبي صلى الله عليه
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٢/ ١٢٧- ١٢٨ قال ابن حجر فتح الباري ٨/ ٤٧٩ و٤٨١ بعد أن نقل قول ابن القيم هذا: "وفاته أنه ورد أن ابن أبي ذكر فيمن أقيم عليه الحد، ووقع ذلك في رواية أبي أويس عن حسن بن زيد عن عبد الله بن أبي بكر، أخرجه الحاكم في (الإكليل) مرسلا، وفيه رد على الماوردي حيث صحح أنه لم يحدهم مستندا إلى أن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار، وقيل: حدهم، وما ضعفه هو الصحيح المعتمد".
[ ٢٤٢ ]
وسلم حدين لأن من قذف أزواج النبي ﷺ فعليه حدان"١ قال الهيثمي: "فيه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي وهو كذاب"٢.
ما رواه الطبراني أيضا عن سعيد بن جبير قال: "جلد النبي ﷺ حسان بن ثابت وعبد الله بن أبي ومسطحا وحمنة بنت جحش كل واحد ثمانين جلدة في قذف عائشة"٣.
قال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح".
قلت: والحديث مرسل والمرسل من قسم الحديث الضعيف عند المحققين من أهل العلم.
ما رواه الحاكم في (الإكليل) من رواية أبي أويس٤ عن الحسن٥ بن زيد وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلا. أن ابن أبي ممن جلد الحد٦ والحديث فيه علة الإرسال كالحديث الذي قبله.
وخلاصة القول: أن في إقامة الحد على عبد الله بن أبي ابن سلول قولين لأهل العلم.
الأول: أنه لم يقم عليه حد في ذلك وقد نصره القرطبي وابن القيم، وبينا الحكمة في ترك حده، كما سبق٧.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٩/ ٢٣٧- ٢٤٠. ٢ انظر ترجمته في ميزان الاعتدال ١/ ٢٥٣ فقد وصفه بأنه يأتي بالأباطيل، وأنه يضع الحديث، وبأنه كذاب، وذكر له عدة أحاديث من أباطيله، وفي نهاية ترجمته قال: قلت: مجمع على تركه. ٣ مجمع الزوائد ٧/ ٨٠. ٤ هو عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو أويس المدني، قريب مالك، وصهره، صدوق يهم، من السابعة (ت ١٦٧) / م عم. التقريب. ٥ الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد المدني، صدوق يهم، وكان فاضلا، ولي إمرة المدينة للمنصور، من السابعة (ت١٦٨) / س. المصدر السابق ١/ ١٦٦. ٦ فتح الباري ٨/ ٤٧٩ و٤٨١ وهذا الحديث أورده ابن حجر ردا على ابن القيم في جزمه بأن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يقم عليه الحد. ٧ انظر ص ٢٣٩ وما بعدها.
[ ٢٤٣ ]
الثاني: أنه أقيم عليه الحد مع من حد من الصحابة وأشار إلى هذا القول ابن حجر في الفتح ومستند هذا القول هو هذه الروايات التي لا تخلو كل منها من مقال. والمسألة محتملة، ولكن أكثر أهل العلم أنه لم يقم عليه حد. والله أعلم.
[ ٢٤٤ ]