تفرد البخاري دون مسلم بحديث مسروق عن أم رومان من طريق حصين بن عبد الرحمن وقد أورده بثلاث صيغ وهي:
أ- صيغة التحديث: حدثنا موسى١ حدثنا أبو عوانة٢ عن حصين٣ عن أبي وائل٤ قال: حدثني مسروق٥ بن الأجدع قال حدثتني أم رومان٦ وهي أم عائشة قالت: "بينا أنا وعائشة أخذتها الحمى، فقال النبي ﷺ: "لعل في حديث تحدث؟ " قالت: "نعم"، وقعدت عائشة،
_________________
(١) ١ موسى بن إسماعيل المنقري، بكسر الميم، وسكون النون وفتح القاف أبو سلمة التبوذكي، بفتح المثناة وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة، مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثبت، من صغار التاسعة، ولا التفات إلى قول ابن خراش: تكلم الناس فيه، (ت٢٢٣) /ع. التقريب ٢/ ٢٨٠. ٢ هو وضاح بن عبد الله اليشكري تقدمت ترجمته. ٣ حصين بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل بالتصغير الكرفي، ثقة، تغير حفظه في الآخر، من الخامسة، (ت ١٣٦) وله ٩٣ سنة/ ع. المصدر السابق ١/ ١٨٢. ٤ أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة، مخضرم، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة/ع. المصدر السابق ١/ ٣٥٤. ٥ مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني، الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة، فقيه عابد مخضرم من الثانية، (ت٦٢ ويقال ٦٣) /ع. التقريب ٢/ ٢٤٢ وهو ابن أخت البطل الكرار عمرو بن معدي كرب الزبيدي مصغرا، وكان أبوه أفرس فارس باليمن، سماه عمر بن الخطاب مسروق بن عبد الرحمن، وقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" الأجدع شيطان" انظر طبقات ابن سعد ٦/ ٧٦ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٤٩ وتهذيب التهذيب ١٠/ ١٠٩- ١١٢. والحديث الوارد في تسمية والده عبد الرحمن عند أحمد١/٣١ وابن سعد٦/٧٦. ٦ أم رومان الفراسية زوج أبي بكر الصديق، وأم عائشة وعبد الرحمن ن صحابية، يقال اسمها زينب، وقيل دعد، زعم الواقدي ومن تبعه أنها ماتت في زمن النبي ﷺ ونزل قبرها. والصحيح أنها عاشت بعده، ورواية مسروق عنها مصرح بالسماع منها في صحيح البخاري، وليست بخطأ كما زعم بعضهم والله أعلم /خ. التقريب ٢/ ٦٢١.
[ ٢٩٠ ]
قالت: "مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، [سورة يوسف، من الآية: ١٨] ١.
والحديث من هذه الطريق بهذه الصيغة في التاريخ الصغير للبخاري٢ وفي مسند الطيالسي، تحت رقم (٢٤٩٧) ٣.
ب- صيغة (سألت) حدثنا محمد٤ بن سلام أخبرنا ابن فضيل٥، حدثنا حصين عن شقيق عن مسروق قال:" سألت أم رومان وهي أم عائشة لما قيل فيها ما قيل، قالت: "بينما أنا مع عائشة جالستان، إذ ولجت علينا امرأة من الأنصار، وهي تقول: فعل الله بفلان وفعل"، قالت: " فقلت: لم؟ " قالت: إنه نمى"٦ ذكر الحديث.
فقالت عائشة: "أي حديث؟ " فأخبرتها، قالت: "فسمعه أبو بكر، ورسول الله ﷺ؟ " قالت: "نعم"، فخرت مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى٧ بنافض، فجاء النبي ﷺ فقال: "ما لهذه؟ " قلت: "حمى أخذتها من أجل حديث تحدث به"، فقعدت، قالت: "والله لئن حلفت لا تصدقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه، فالله المستعان على ما تصفون"، فانصرف النبي صلى
_________________
(١) ١ البخاري كتاب التفسير ٦/ ٦٤ باب قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ سورة يوسف آية:١٨ و٥/ ١٠٠ كتاب المغازي باب حديث الإفك وهو أتم سياقا. ٢ تاريخ البخاري الصغير ص ٢٢. ٣ منحة المعبود بترتيب مسند الطيالسي أبي داود، للبنا الشهير بالساعاتي ٢/ ١٣١. ٤ هو البيكندي. تقدمت ترجمته ٥ هو محمد بن فضيل بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي، الضبي، مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، رمي بالتشيع، من التاسعة، (ت٢٩٥) /ع. التقريب ٢/ ٢٠٠. ٦ نمى ذكر الحديث بالتشديد معناه: بلغ الحديث على وجه الإفساد والنميمة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٢١. ٧ حمى بنافض: أي برعدة شديدة، كأنها نفضتها أي حركتها. المصدر السابق٥/٩٧.
[ ٢٩١ ]
الله عليه وسلم فأنزل الله ما أنزل فأخبرها فقالت: "بحمد الله لا بحمد أحد"١. والحديث بهذا الإسناد وبهذه الصيغة عند البخاري في تاريخه الصغير٢.
ج- صيغة (العنعنة) حدثنا محمد٣ بن كثير أخبرنا سليمان٤ عن حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان أم عائشة أنها قالت: "لما رميت عائشة خرت٥ مغشيا عليها"٦ والحديث بهذا الإسناد وبهذه الصيغة عند البخاري في تاريخه الصغير٧.
وهو عند أحمد أيضا بهذه الصيغة من طريق أبي جعفر الرازي٨ وعلي بن عاصم٩ عن حصين١٠. وعلى هذا فالبخاري يرى أن مسروقا سمع من أم رومان قطعا وأنها عاشت بعد النبي ﷺ، ولذلك فقد أورد في تاريخه الصغير الرواية المصرحة بسماع مسروق من أم رومان.
_________________
(١) ١ البخاري٤/١٢٠ كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ . ٢ انظر ص ٢٢. ٣ محمد بن كثير العبدي، البصري، ثقة، لم يصب من ضعفه، من العاشرة (ت٢٢٣) وله ٩٠ سنة/ ع. التقريب ٢/ ٢٠٣. ٤ سليمان بن كثير العبدي، البصري، أبو داود وأبو محمد، لا بأس به في غير الزهري، من السابعة، (ت ١٣٣) /ع. المصدر السابق ١/ ٣٢٩. ٥ خرت مغشيا عليها: أي سقطت مغمى عليها. النهاية لابن الأثير٢/٢١ و٣/٣٦٩. ٦ البخاري ٦/ ٨٧- ٨٨ كتاب التفسير باب قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ٧ انظر، ص ٢٢. ٨ أبو جعفر الرازي، التميمي مولاهم، مشهور بكنيته، واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، وأصله من مرو، صدوق سيء الحفظ، خصوصا عن مغيرة، من كبار السابعة، (ت في حدود ١٦٠٩ /بخ عم. التقريب ٢/ ٤٠٦. ٩ علي بن عاصم بن صهيب الواسطي التميمي مولاهم، صدوق يخطئ ويصر ورمي بالتشيع من التاسعة، (ت٢٠١) وقد جاوز التسعين/د ت ق. المصدر السابق٢/٣٩. ١٠ مسند أحمد ٦/ ٣٦٧.
[ ٢٩٢ ]
ثم أورد بعد ذلك حديث علي بن زيد الوارد فيه أن أم رومان ماتت في زمن النبي ﷺ فقال: "وروى علي١ بن زيد عن القاسم٢، ماتت أم رومان زمن النبي ﷺ، ثم عقب بقوله: وفيه نظر، وحديث مسروق أسند"٣.
قال ابن حجر: "يعني أصح إسنادا وهو كما قال". انتهى٤.
وقد صرح بسماع مسروق من أم رومان.
وجزم جماعة من العلماء٥ بأن مسروقا لم يدرك أم رومان اعتمادا على رواية علي بن زيد هذه المصرحة بأن أم رومان ماتت زمن النبي ﷺ، وكان قدوم مسروق إلى المدينة بعد وفاة النبي ﷺ، ومن ثم وهم البخاري في إدخاله هذه الحديث في الصحيح وتصريحه فيه بأن مسروقا سمع من أم رومان.
وقد انتصر لقول البخاري هذا ابن القيم وابن حجر وردا على القائلين بغيره.
وهذا نص كلام ابن القيم قال: "ومما وقع في حديث الإفك: أن في
_________________
(١) ١ علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان بضم الجيم وسكون الدال المهملة، التيمي البصري، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف من الرابعة (ت ١٣١) وقيل قبلها /بخ م عم. المصدر السابق ٢/ ٣٧. ٢ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة قال أيوب: "ما رأيت أفضل منه، من كبار الثالثة" (ت ١٠٦) على الصحيح / ع. المصدر السابق٢/١٢٠. ٣ تاريخ البخاري الصغير، ص ٢٢ والحديث في طبقات ابن سعد وهذه نصه: "أخبرنا يزيد بن هارون وعفان بن مسلم قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن القاسم بن محمد قال: لما دليت أم رومان في قبرها"، قال رسول الله ﷺ: "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان" وفي حديث عفان: "ونزل رسول الله ﷺ قبرها" ٨/ ٢٧٦. ٤ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٣٧٣. ٥ سيأتي تسمية بعضهم في كلام ابن حجر، ص ٢٩٦.
[ ٢٩٣ ]
بعض طرق البخاري عن أبي وائل١: عن مسروق قال: "سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدثتني"٢.
قال غير واحد: وهذا غلط ظاهر، فإن أم رومان ماتت على عهد رسول الله ﷺ، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها، وقال: "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى هذه".
قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها وسألها للقي رسول الله ﷺ وسمع منه، ومسروق إنما قدم المدينة بعد موت رسول الله ﷺ، قالوا: وقد روى مسروق عن أم رومان حديثا غير هذا، فأرسل الرواية عنها، فظن بعض الرواة أنه سمع منها، فحمل هذا الحديث على السماع.
قالوا: ولعل مسروقا قال: سئلت أم رومان فتصحفت على بعضهم سألت لأن بعض الناس من يكتب الهمزة بالألف على كل حال. ثم عقب بقوله: وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في صحيحه، وقد قال إبراهيم الحربي٣ وغيره: إن مسروقا سألها وله خمس عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة٤، وأم رومان أقدم من حدث عنه.
قالوا: وأما حديث موتها في حياة رسول الله ﷺ ونزوله في قبرها فحديث لا يصح وفيه علتان تمنعان صحته.
_________________
(١) ١ هو شقيق بن سلمة الأسدي. ٢ هذا الجمع بين "سألت أم رومان فحدثتني" لم يرد في البخاري مجموعا في حديث واحد. انظر سياق الحديث، ص ٢٩٠ وما بعدها. ٣ هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق، البغدادي أحد الأعلام روى عن أبي نعيم وعبد الله بن صالح العجلي، ومسدد وطبقتهم. وتفقه على الإمام أحمد فكان من جلة أصحابه، وعنه ابن صاعد وأبو بكر القطيعي وخلق ولد سنة ١٩٨ وتوفي سنة ٢٨٥هـ. تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٥٨٤- ٥٨٦. ٤ وكانت وفاته سنة (٦٣) انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٤٩- ٥٠ وتهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ١١١.
[ ٢٩٤ ]
إحداهما: رواية علي بن زيد بن جدعان له، وهو ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه.
والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي ﷺ، والقاسم لم يدرك زمن رسول الله ﷺ، فكيف يقدم هذا على حديث إسناده كالشمس يرويه البخاري في صحيحه ويقول فيه مسروق: سالت أم رومان فحدثتني، وهذا يرد أن يكون اللفظ سئلت، وقد قال أبو نعيم١ في كتاب معرفة الصحابة قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله ﷺ وهو وهم". انتهى كلام ابن القيم٢.
_________________
(١) ١ هو الحافظ الكبير محدث العصر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق ابن موسى، أبو نعيم الأصبهاني، صاحب كتاب معرفة الصحابة وحلية الألياء، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب المستخرج على البخاري والمستخرج على مسلم، وغيرها. أجاز له مشايخ الدنيا وعمره ست سنين، منهم أبو العباس الأصم وخيثمة بن سليمان الأطرابلسي وغيرهم سمع من أبي القاسم الطبراني وأبي بكر الآجري وأبي الشيخ بن حيان وعنه الخطيب البغدادي وهبة الله بن محمد الشيرازي وأبو صالح المؤذن. ولد سنة ٣٣٦هـ وتوفي سنة ٤٣٠هـ. تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ١٠٩٢- ١٠٩٧. ٢ زاد المعاد ٢/ ١٢٩ وانظر إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ٧/ ١٧٨، وساق ابن كثير حديث مسروق من طريق أحمد بن حنبل عن علي بن عاصم عن حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان وقال عقبه: تفرد به البخاري دون مسلم من طريق حصين، وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة وعن محمد بن سلام عن محمد بن فضيل كلاهما عن حصين به، وفي لفظ أبي عوانة حدثتني أم رومان، وهذا صريح في سماع مسروق منها، وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي، وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي ﷺ، قال الخطيب: "وقد كان مسروق يرسله فيقول: سئلت أم رومان ويسوقه، فلعل بعضهم كتب سئلت بألف اعتقد الراوي أنها وسألت فظنه متصلا، قال الخطيب وقد رواه البخاري كذلك ولم تظهر له علته".كذا قال والله أعلم. ورواه بعضهم عن مسروق عن عبد الله بن مسعود عن أم رومان فالله أعلم. انظر تفسير ابن كثير٣/٢٧٢. قلت: رواية مسروق عن ابن مسعود أوردها المزي في تهذيب الكمال٩/١٣١ يؤيد بها قول الخطيب بأن مسروقا لم يدرك أم رومان. وردها ابن حجر بقوله: وهذه الرواية شاذة وهي من المزيد في متصل الأسانيد. انظر فتح الباري ٧/ ٤٣٨.
[ ٢٩٥ ]
وأورد ابن حجر هذا الاعتراض على حديث مسروق في خمسة من كتبه وبين أن المتصدر في هذا القول هو الخطيب١ البغدادي، وتبعه في ذلك جماعة من العلماء منهم: ابن عبد البر٢ والسهيلي٣ وابن سيد الناس٤ والحافظ المزي٥ والذهبي٦ والعلائي٧ وآخرون.
وذكر أن مما أعل به الخطيب حديث مسروق كون حصين اختلط فلعله حدث به بعد اختلاطه.
وهذا معنى كلام الخطيب قال: "أخرج البخاري عن مسروق عن أم رومان - ﵂ - وهي أم عائشة طرفا من حديث الإفك وهو وهم، لم يسمع مسروق من أم رومان ﵂ لأنها توفيت في عهد رسول الله ﷺ وكان لمسروق حين توفيت ست سنين"، قال: "وخفيت هذه العلة على البخاري، وأظن مسلما فطن لهذه العلة، فلم يخرج له، ولو صح هذا لكان مسروق صحابيا لا مانع له من السماع من النبي ﷺ، والظاهر أنه مرسل، قال: ورأيته في تفسير سورة يوسف من الصحيح عن مسروق قال: سألت أم رومان" فذكره، قال: "وهو من رواية حصين عن شقيق، وحصين اختلط فلعله حدث به بعد اختلاطه، وقد رأيته في رواية أخرى٨ عنه عن
_________________
(١) ١ أورد ذلك في كتابه (المراسيل)، كما في تهذيب الكمال للمزي٩/١٣١ والإصابة لابن حجر ٤/ ٤٥١ وذكر ابن حجر في الإصابة أيضا أن أبا علي بن السكن سبق الخطيب إلى تعليل رواية مسروق هذه فقال في كتاب الصحابة في ترجمة أم رومان بأنها ماتت في حياة النبي ﷺ، ثم أشار إلى رواية البخاري عن حصين عن أبي وائل عن مسروق سألت أم رومان ثم قال: "هذا خطأ تفرد به حصين، ويقال إن مسروقا لم يسمع من أم رومان لأنها ماتت في حياة النبي ﷺ". الإصابة لابن حجر ٤/ ٤٥٢. ٢ انظر الاستيعاب ٤/ ٤٤٨- ٤٥٢. ٣ في الروض الأنف ٦/ ٤٤٠. ٤ في عيون الأثر ٢/ ١٠١. ٥ تهذيب الكمال ٩/ ١٣١. ٦ في تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٣٣٦. ٧ في جامع التحصيل في أحكام المراسيل ٢/ ٦٧٤. ٨ هذه الرواية أوردها العلائي في (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) فقال: ورواه أبو سعيد الأشج عن ابن فضيل فقال فيه: عن مسروق قال: "سئلت أم رومان وهي أم عائشة فذكر القصة" ٢/ ٦٧٥.
[ ٢٩٦ ]
شقيق عن مسروق قال: سئلت أم رومان فلعل قوله في رواية البخاري سألت تصحيف من سئلت". انتهى١.
ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "وعندي أن الذي وقع في الصحيح هو الصواب والراجح، وذلك أن مستند هؤلاء في انقطاع هذا الحديث٢، إنما هو ما روى علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف أن أم رومان ماتت سنة ست وأن النبي ﷺ حضر دفنها".
ثم قال ابن حجر: "وقد نبه البخاري في تاريخه الأوسط والصغير على أنها رواية ضعيفة، فقال في (فصل) من مات في خلافة عثمان قال علي بن زيد عن القاسم: ماتت أم رومان زمن النبي ﷺ سنة ست"٣.
ثم قال البخاري: "وفيه نظر، وحديث مسروق أسند"٤.
قال ابن حجر: "يعني أصح إسنادا وهو كما قال٥، وقد جزم إبراهيم الحربي بأن مسروقا سمع من أم رومان وله خمس عشرة سنة، فعلى هذا يكون سماعه منها في خلافة عمر بن الخطاب لأن مولد مسروق كان في سنة الهجرة، ولهذا قال أبو نعيم الأصبهاني: "عاشت أم رومان بعد النبي ﷺ دهرا".
ثم قال ابن حجر: "ومما يدل على ضعف رواية علي بن زيد بن جدعان:
_________________
(١) ١ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٣٧٣. ٢ يعني حديث مسروق. ٣ هذه الرواية لعلها في التاريخ الأوسط، أما في التاريخ الصغير ففيه أن أم رومان توفيت في زمن النبي ﷺ بدون تحديد. انظر التاريخ الصغير للبخاري، ص ٢٢. ٤ المصدر السابق، ص ٢٢. ٥ وقال في الإصابة ٤/ ٤٥٢ أثناء رده على الخطيب ومن تبعه: "وأول من فتح هذا الباب صاحب الصحيح - يعني البخاري - فإنه ذكر رواية مسروق ورجحها على رواية علي بن زيد"، قال ابن حجر: "وهو كما قال، لأن مسروقا متفق على ثقته"، وعلي بن زيد متفق على سوء حفظه". قلت: وقال البخاري وأبو حاتم وابن خزيمة: "لا يحتج به". انظر ميزان الاعتدال ٣/ ١٢٧- ١٢٩.
[ ٢٩٧ ]
أ- ما ثبت في الصحيح م رواية أبي عثمان١ النهدي عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن الصديق ﵄ أن أصحاب الصفة٢ كانوا ناسا فقراء، فذكر الحديث في قصة أضياف أبي بكر، وفيه قال: قال عبد الرحمن: إنما هو أنا وأمي وامرأتي وخادم بيتنا. الحديث٣
وفي بعض طرقه عند البخاري في كتاب الأدب فلما جاء أبو بكر قالت له أمي: احتبست عن أضيافك. الحديث"٤
وأم عبد الرحمن هي أم رومان لأنه شقيق عائشة، وعبد الرحمن إنما أسلم بعد سنة ست، وقد ذكر الزبير بن بكار من طريق ابن عيينة عن علي بن زيد أن إسلام عبد الرحمن كان قبل الفتح، وكان الفتح في رمضان سنة ثمان، فبان ضعف ما قال علي بن زيد في تقييده وفاة أم رومان بسنة ست، مع ما اشتهر من سوء حفظه في غير ذلك فكيف تعل به الروايات الصحيحة المعتمدة.
ب- ما رواه الإمام أحمد في مسنده أن عائشة ﵂ قالت: "لما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بي" فقال: "يا عائشة إني عارض عليك أمرا فلا تعجلي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان" قالت: "قلت: يا رسول الله وما هو؟ " قال: " قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، [سورة الأحزاب، من الآيتان: ٢٨-٢٩] .
_________________
(١) ١ أبو عثمان النهدي بفتح النون وسكون الهاء، هو عبد الرحمن بن مل بلام ثقيلة والميم مثلثة، مشهور بكنيته، مخضرم من كبار الثانية، ثقة ثبت عابد، (ت ٩٥) وقيل بعدها وعاش ١٣٠ سنة وقيل أكثر/ ع. التقريب ١/ ٤٩٩. ٢ قال ابن حجر: "الصفة: مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر". انظر فتح الباري ٦/ ٥٩٥ وهدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ١٤٥. ٣ انظر: البخاري ٤/ ١٥٥ كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام. ٤ المصدر السابق ٨/ ٢٨ كتاب الأدب باب قول الضيف لصاحبه لا آكل حتى تأكل و١/ ١٠٣ كتاب مواقيت الصلاة باب السمر مع الضيف والأهل.
[ ٢٩٨ ]
قالت: "فقلت: فإني أريد الله تعالى ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبا بكر وأم رومان، فضحك".
وهذا إسناد جيد، وأصله في الصحيحين١ بلفظ: "استأمري أبويك" ولم يسمهما، والتخيير كان في سنة تسع، والحديث دال على أن أم رومان كانت إذ ذاك موجودة، فبان وهم علي بن زيد ومن معه٢.
قلت: حديث أحمد المشار إليه هو: حدثنا محمد٣ بن بشر قال: ثنا محمد٤ بن عمرو ثنا أبو سلمة عن عائشة قالت: "لما أنزلت آية التخيير٥، قال: بدأ بعائشة فقال: "يا عائشة: إني عارض عليك أمرا فلا تفتاتن٦ فيه
_________________
(١) ١ وهذا نصه في الصحيحين: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: " إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه"،قالت: ثم قال:"إن الله قال": ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِك﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: "ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله، والدار الآخرة"، البخاري ٦/ ٩٧ تفسير سورة الأحزاب واللفظ له، ومسلم ٤/ ١٨٥- ١٨٦ من كتاب الطلاق. ٢ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص: ٣٧٣ وفتح الباري٧/ ٤٣٨ وتهذيب التهذيب١٢/٤٦٧-٤٦٩، وتقريب التهذيب٢/٦٢١ والإصابة ٤/٤٥٠-٤٥٢. ٣ محمد بن بشر العبدي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ من التاسعة، (ت ٢٠٣) /ع. التقريب ٢/ ١٤٧. ٤ محمد بن عمرو هو ابن وقاص الليثي، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن الزهري تقدمت ترجمتهما. ٥ هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، كما هو موضح في الحديث. ٦ فلا تفتاتن بفتح التاء الأولى وسكون الفاء، وكسر التاء الأخيرة بعدها نون مشددة مفتوحة يقال افتات فلان افتياتا إذا سبق بفعل شيء فاستبد برأيه فيه ولم يؤامر من هو أحق بالأمر فيه. المصباح المنير ٢/١٣٨ (مادة فوت) .
[ ٢٩٩ ]
بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان"، قالت: "أي رسول الله وما هو؟ "
قال: " قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ "، [سورة الأحزاب، الآيتان: ٢٨-٢٩] .
قالت: "إني أريد الله ورسول والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان"، قالت: "فضحك النبي ﷺ، ثم استقرأ١ الحجر" فقال: "إن عائشة قالت: كذا وكذا"، قال: "فقلن مثل الذي قالت عائش"٢.
قلت: الحديث رجاله رجال الجماعة إلا أن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص أخرج له البخاري مقرونا بغيره وتعليقا ومسلم في المتابعات، وهو حسن الحديث٣.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن اعتراض الخطيب ومن تبعه على البخاري في سماع مسروق من أم رومان يتلخص فيما يلي:
دعوى وفاة أم رومان في عهد الرسول ﷺ سنة ست أكثر تقدير.
أنه حصل تصحيف في الرواية فإن مسروقا كان يرسله فيقول: سئلت أم رومان فتصحف على بعضهم (سألت) .
_________________
(١) ١ استقرأ الحجر: أي تتبع أفرادها. المصدر السابق ١/ ١٦٠. ٢ مسند أحمد ٦/ ٢١١- ٢١٢. ٣ انظر: هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٤٤١.
[ ٣٠٠ ]
اختلاط حصين١ بن عبد الرحمن الذي مدار الحديث عليه.
والجواب عن هذا أن يقال:
أما دعوى وفاة أم رومان في زمن النبي ﷺ سنة ست أو قبل ذلك فإنهم استندوا في ذلك على حديث علي بن زيد بن جدعان وفيه علتان: ضعف علي بن زيد والانقطاع بين القاسم بن محمد والرسول ﷺ لأن القاسم تابعي من كبار الثالثة كما هو معروف٢.
وعلى هذا فلا تقوم بالحديث حجة، كيف وقد عارضته أحاديث أخرى صحيحة ذكرت أن أم رومان كانت موجودة سنة تسع كما في قصة تخييره ﷺ بين نسائه، وذلك سنة تسع بالاتفاق، ذكر ذلك ابن حجر٣، وفي هذه القصة أن الرسول ﷺ عرض الأمر على عائشة وقال لها: لا تعجلي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان، ولهذا جزم إبراهيم الحربي وأبو نعيم بأن وفاتها كانت بعد النبي ﷺ بزمن.
وأما دعوى التصحيف فإنها ضعيفة لأمرين:
الأول: أن في صحيح البخاري التصريح بالتحديث فدل على أن دعوى تصحيف سألت عن (سئلت) غير صحيحة.
الثاني: أن توهيم الثقات بدون حجة قاطعة باطل عند أهل العلم وهذا نوع من التوهيم بدون دليل.
_________________
(١) ١ قال عنه ابن حجر: "حصين بن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي متفق على الاحتجاج به، إلا أنه تغير في آخر عمره، وأخرج له البخاري من حديث شعبة والثوري، وزائدة وأبي عوانة، وأبي بكر بن عياش وأبي كدينة إلى أن قال: فأما شعبة والثوري وزائدة وهشيم فسمعوا منه قبل تغيره، وأما حصين بن نمير فلم يخرج له البخاري من حديثه سوى حديث واحد، وأما محمد بن فضيل ومن ذكر معه، فأخرج من حديثهم ما توبعوا عليه". انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٣٩٨. قلت: وهذا الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه ورد عن أبي عوانة ومحمد بن فضيل وسليمان بن كثير العبدي وعلي بن عاصم بن صهيب الواسطي وأبي جعفر الرازي التميمي خمستهم عن حصين بن عبد الرحمن. ٢ انظر ترجمته في: التقريب ٢/ ١٢٠. ٣ انظر: فتح الباري ٧/ ٤٣٨.
[ ٣٠١ ]
وأما اختلاط حصين بن عبد الرحمن فيجاب عنه من أوجه:
أ- أن يكون البخاري أخرج له قبل اختلاطه ثم طرأ عليه الاختلاط بعد ذلك، وهذا هو المظنون بالبخاري.
ب- أن يكون البخاري أخرج له ما تأكد من حفظه له دون ما فيه شبهة الاختلاط، وهذا لا مانع منه لأن الممنوع في رواية المختلط ما كانت بعد اختلاطه أو لم تعرف هل هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده، وتحري البخاري ومعرفته بعلل الحديث يرشداننا إلى أنه لا يروي عن مختلط إلا ما حفظه وكان ثابتا فيه.
ج- ما أجاب به ابن حجر في مقدمة الفتح في سياق أسماء من طعن فيهم من رجال الصحيح، قال: "وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم".
وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي في ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح، وقد كان الشيخ أبو الحسن١ المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: "هذا جاز القنطرة"، يعني لا يلتفت إلى ما قيل فيه.
_________________
(١) ١ هو علي بن الفضل بن علي بن حاتم بن حسن بن جعفر الحافظ العلامة المفتي شرف الدين أبو الحسن ابن القاضي الأنجب أبي المكارم المقدسي، ثم الإسكندراني المالكي، سمع صحيح البخاري من القاضي أبي عبيدة نعمة بن زيادة الله الغفاري عن عيسى بن أبي ذر الهروي. (ت٦١١؟) تذكرة الحفاظ للذهبي٤/١٣٩٠-١٣٩٢.
[ ٣٠٢ ]
قال الشيخ أبو الفتح١ القشيري في مختصره: "هكذا نعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك رواتهما"٢.
د- ما أجاب به ابن حجر أيضا عن الأحاديث المنتقدة جملة:
قال: "والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقدم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخاري ذلك، حتى كان يقول ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، ومع ذلك كله فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري، يقول: دعوا قوله ما رأى مثل نفسه".
وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعا.
وروى الفربري٣ عن البخاري قال: ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته.
وقال مكي٤ بن عبدان سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي
_________________
(١) ١ هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن دقيق العيد القشيري المنفلوطي الصعيدي، المالكي، والشافعي صاحب التصانيف منها العدة شرح العمدة والإلمام، وكتابا في علوم الحديث اسمه الاقتراح، ولد سن (٦٢٥هـ) وتوفي سنة (٧٩٢هـ) تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ١٤٨١- ١٤٨٣. ٢ هدي الساري مقدمة فتح الباري الفصل التاسع، ص ٣٨٤. ٣ هو محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر أبو عبد الله الفربري، بفتح الفاء وكسرها، وسكون الموحدة وكسر الراء الثانية، راوية صحيح البخاري، وكان سماعه للصحيح مرتين: مرة بفربر سنة (٢٤٨) ومرة سنة (٢٥٣هـ)، كانت وفاته سنة (٣٢٠) فتح الباري ١/٥ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٣/٧٩٨. ٤ مكي بن عبدان بن محمد بن بكر بن مسلم بن راشد، أبو حاتم التميمي محدث نيسابور، وراوي كتب مسلم بن الحجاج عنه. ولد سنة (٢٤٢هـ) وتوفي سنة (٣٢٥هـ) انظر كتاب التمييز لمسلم بن الحجاج، ص ١١٤ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٥٨٨ و٣/ ٨٢٢. وقد وقع في هدي الساري مقدمة فتح الباري (مكي بن عبد الله) وهو تحريف. انظر هدي الساري ص ٣٤٧.
[ ٣٠٣ ]
هذا على أبي زرعة١ الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته.
ثم قال ابن حجر: "فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة"٢ ا؟.
وبهذا التقرير الذي سقناه عن ابن حجر وغيره يتضح أن البخاري مقدم على غيره، من علماء هذا الشأن، لا سيما الخطيب البغدادي ومن تبعه، فيما أخرجه في كتابه الصحيح من المتون وفيمن أخرج لهم من الرواة، وذلك لتقدم البخاري في هذا الفن ودقة فهمه فيه، وبوجه أخص إذا نظرنا إلى مستند الخطيب ومن وافقه في توهيم البخاري، نجدهم استندوا إلى حجة ضعيفة وقد سبق بيان ضعفها، فبان رجحان قول البخاري هنا في سماع مسروق من أم رومان على قول الخطيب وموافقيه، والله أعلم.
_________________
(١) ١ هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة (ت ٢٦٤هـ) / م ت س ق. التقريب ١/ ٥٣٦. ٢ هدي الساري مقدمة فتح الباري الفصل الثامن، ص ٣٤٦- ٣٤٧.
[ ٣٠٤ ]