ورد تعيينها بأنها غزوة بني المصطلق من قول سفيان بن عيينة عند أحمد والإسماعيلي والترمذي ورواية الإسماعيلي والترمذي أصرح في ذلك، وإليك النصوص الواردة في ذلك:
[ ١٧٦ ]
قال أحمد: حدثنا حسين١ بن محمد ثنا سفيان - يعني ابن عيينة - عن عمرو قال: حدثنا جابر بن عبد الله يقول: كنا مع النبي ﷺ في غزوة، قال: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين الحديث وفيه فبلغ ذلك عبد الله بن أبي فقال: "فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"٢. "رجاله رجال الجماعة". والحديث عند البخاري ومسلم وليس فيه تفسير الغزوة٣.
عند الإسماعيلي٤ في مستخرجه٥ من طريق ابن أبي عمر٦ وهي زيادة صححة حكمها حكم الصحيح، لأنها خارجة من مخرجه٧.
عند الترمذي: وهذا نصه: حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول كنا في غزاة ٣قال سفيان: أين يرون أنها غزوة بني المصطلق - فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار-
_________________
(١) ١ الحسين بن محمد بن بهرام، التميمي، أبو محمد، المروذي: بفتح الميم وتشديد الراء، وبذال معجمة، نزيل بغداد، ثقة من التاسعة، (ت٢١٣) أو بعدها بسنة أو بسنتين، ع. التقريب ١/ ١٧٩. ٢ مسند أحمد ٣/ ٣٩٢- ٣٩٣. ٣ البخاري ٦/ ١٢٨ كتاب التفسير (باب قوله: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) ومسلم ٨/ ١٩ كتاب البر والصلة والآداب. ٤ هو أبو بكر الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي، الجرجاني كبير الشافعية بناحيته، له مستخرج على صحيح البخاري وله معجم كبير، وله غير ذلك، قال الذهبي: "من جملتها مسند عمر ﵁ هذبه في مجلدين طالعته وعلقت منه وابتهرت بحفظ هذا الإمام وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة، (ت٣٧١؟ـ) " تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ٩٤٧- ٩٥١. ٥ فتح الباري ٨/ ٦٤٩. ٦ هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نزيل مكة، صدوق، صنف المسند وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم كانت فيه غفلة. من العاشرة (ت٢٤٣) م ت س ق التقريب ٢/ ٢١٨. ٧ انظر التبصرة والتذكرة للعراقي ١/ ٦٠. وتدريب الراوي للسيوطي، ص ٥٨.
[ ١٧٧ ]
الحديث وفيه فسمع ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال: أوقد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وفي آخره زيادة على ما في الصحيح وهي: وقال غير عمرو فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله:"والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز ففعل"١. "هذا حديث حسن صحيح"٢.
وقد وصف ابن حجر ابن أبي عمر بأنه من رجال السنن، ولكن تابعه حسين بن محمد بن بهرام عند أحمد وهو ثقة، فيكون الحديث صحيحا لغيره.
ما أخرجه اببن أبي شيبة عن عروة بن الزبير - ﵁ - أن أصحاب رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق لما أتوا المنزل كان بين غلمان من المهاجرين، وغلمان من الأنصار الحديث وفيه فقال ابن أبي: "أما والله لو أنهم لم ينفقوا عليهم انفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".الحديث٣. وهو مرسل.
وبنحوه عند ابن أبي حاتم من طريق عقيل عن الزهري عن عروة بن الزبير وعمر٤ بن ثابت. قال ابن حجر: "وهو مرسل جيد"٤.
وهكذا ذكر ابن إسحاق عن مشايخه، عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان بأن قول ابن أبي هذا كان في غزوة بني المصطلق٥."
_________________
(١) ١ ففعل أبي فأقر بأنه الذليل ورسول الله ﷺ هو العزيز. ٢ الترمذي ٥/ ٩٠ كتاب التفسير. ٣ الدر المنثور للسيوطي٦/ ٢٢٥.
(٢) عمر بن ثابت الأنصاري الخزرجي المدني، ثقة من الثالثة، أخطأ من عده في الصحابة، م عم. المصدر السابق ٢/ ٥٢ وتهذيب التهذيب ٧/ ٤٣٠ وقد وقع في هذه الرواية عمرو ابن ثابت قال ابن حجر: وهو خطأ نبه عليه النسائي وقال: الصواب عمر بن ثابت. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ١٠ والتقريب ٢/ ٦٦. ٤ فتح الباري ٨/ ٦٤٩. وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٧١. ٥ سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٠- ٢٩١.
[ ١٧٨ ]
رجاله رجال الجماعة وهو مرسل أيضا".
فهذه الأحاديث كلها صريحة في أن هذه الكلمة صدرت من عبد الله بن أبي ابن سلول في غزوة بني المصطلق.
صرح الواحدي بأن هذا هو قول أهل التفسير وأصحاب السير١.
وبعد أن بينا أن هذه المقالة صدرت من ابن أبي في غزوة بني المصطلق يحسن أن نذكر الأحاديث الدالة على أن هذه المقالة صدرت من عبد الله بن أبي ابن سلول أيضا في غزوة تبوك، ثم نعقب ذلك بالقول الراجح حسب ما يظهر.
أ- جاء عند الترمذي والنسائي وهذا سياق الترمذي: حدثنا محمد ابن بشار أخبرنا محمد بن أبي عدي، قال: أنبأنا شعبة عن الحكم بن عتبة قال: سمعت محمد بن كعب القرظي منذ أربعين سنة يحدث عن زيد بن أرقم أن عبد الله بن أبي قال في غزوة تبوك: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فحلف ما قاله، فلامني قومي، فقالوا: ما أردت إلا هذه فأتيت البيت ونمت كئيبا حزينان فأتاني النبي ﷺ، أو أتيته فقال: "إن الله قد صدقك".
قال: فنَزلت هذه الآية: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾، [سورة المنافقون، من الآية: ٧]، "هذا حديث حسن صحيح"٢.
وأخرجه النسائي في السنن الكبرى: عم محمد بن بشار بندار عن محمد بن جعفر غندر وابن أبي عدي، كلاهما عن شعبة به٣. "وكلا الحديثين رجالهما رجال الجماعة".
وهو عند البخاري وأحمد من طريق شعبة عن الحكم به٤.
_________________
(١) ١ أسباب النزول، ص ٢٨٧. ٢ الترمذي ٥/ ٨٩، كتاب التفسير. ٣ تحفة الأشراف للمزي ٣/ ٢٠١. ٤ البخاري ٦/ ١٢٧، كتاب التفسير وأحمد ٤/ ٣٦٨.
[ ١٧٩ ]
وليس فيه لفظ: "غزوة تبوك".
فهذا الحديث صحيح وهو صريح في صدور هذا القول من عبد الله ابن أبي في غزوة تبوك.
ب- قال ابن حجر: "ويؤيده قوله في رواية زهير في "سفر أصاب الناس فيه شدة""١.
قلت: رواية زهير المشار إليها هي ما ساقه البخاري: حدثنا عمرو ابن خالد ثنا زهير بن معاوية حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة"٢، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله". وقال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، فأتيت النبي ﷺ، فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله ﷿ تصديقي في ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، [سورة المنافقون، الآية: ١] .
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/ ٦٤٤. ٢ قلت: يجوز أن تكون الشدة هذه حصلت في غزوة بني المصطلق بقلة الزاد والماء الذي كان سببا في صدور هذه المقالة من عبد الله بن أبي كما صرح بذلك أبو سعيد الأزدي في روايته عن زيد بن أرقم قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه فيسبق الأعرابي فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه"، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع قباض الماء فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه، فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله" يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله ﷺ عند الطعام فقال عبد الله: "إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدا الطعام"، ثم قال لأصحابه: "لئن رجعنا إلى المدينة فلنخرج الأعز منها الأذل". أخرجه الترمذي ٥/ ٨٨ وقال حسن صحيح، والحاكم ٢/ ٤٨٨ وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
[ ١٨٠ ]
فدعاهم النبي صلى اله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم الحديث١
ج- ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الربيع٢ الزهراني، حدثنا حماد٣ بن زيد حدثنا أيوب عن سعيد٤ ابن جبير "أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل منزلا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغه أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال: "ليخرجن الأعز منها الأذل"، فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبي ائت رسول الله ﷺ حتى يستغفر لك فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ [سورة المنافقون، الآيات: ١-٥] .
قال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير"٥.
قلت: رجاله رجال الجماعة ما عدا أبا الربيع الزهراني، فأخرج له من عدا الترمذي وابن ماجة. ونسبه ابن حجر لبعد بن حميد وقال: "بإسناد صحيح"٦.
وهكذا نسبه السيوطي لابن أبي حتم وعبد بن حميد٧.
وقد أجاب العلماء عن هذه الأحاديث الدالة بأن المقالة المذكورة كانت في غزوة بوك - بما يأتي:
قال ابن العربي: "اختلفت الرواة في هذا الحديث فروى محمد بن كعب
_________________
(١) ١ البخاري ٦/ ١٢٧، كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٩، كتاب صفات المنافقين وأحمد ٤/ ٣٧٣. ٢ أبو الربيع الزهراني هو سليمان بن داود العتكي البصري، نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة (ت٢٣٤)، خ م د س التقريب ١/ ٣٢٤. ٣ حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، من كبار الثامنة، ثقة ثبت فقيه، (ت١٧٩)، ع: المصدر السابق١/ ١٩٧. ٤ سعيد بن جبير الأسدي مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت فقيه من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة ٥٠، ع: المصدر السابق١/ ٢٩٢. ٥ تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٩. ٦ فتح الباري ٨/ ٦٤٤. ٧ الدر المنثور ٦/ ٢٢٤.
[ ١٨١ ]
القرظي أن ذلك كان في غزوة تبوك، حسبما ذكره أبو عيسى الترمذي".
وروى في الصحيح أنها كانت في غزوة بني المصطلق١، حسن صحيح وهو الصحيح، وإن كان صحح أيو عيسى حديث محمد ابن كعب، لكن صحيح الصحيح ما بيناه٢.
وقال ابن كثير عقب مرسل سعيد بن جبير المتقدم٣، قوله: "إن ذلك كان في غزوة تبوك فيه نظر، بل ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي ابن سلول، لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق"٤.
وقال ابن حجر عقب مرسل سعيد بن جبير نفسه: "والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلق٥، ويؤيده "أن في حديث جابر بن عبد الله"، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين، حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد"٦.
فهذا مما يؤيد تقدم القصة، ويوضح وهم من قال إنها كانت بتبوك، لأن المهاجرين حينئذ كانوا كثيرا جدا، وقد انضافت إليهم مسلمة الفتح في غزوة تبوك، فكانوا حينئذ أكثر من الأنصار٧ اهـ.
_________________
(١) ١ يريد حديث جابر بن عبد الله المتقدم، ص ١٧٥ وما بعدها. ٢ عارضة الأحوذي، ١٢/ ٢٠٠. والمعنى: أن الترمذي قال عن حديث جابر بن عبد الله بأنه حسن صحيح، والحديث ثابت في الصحيحين، وقال عن حديث محمد بن كعب القرظي، بأنه حسن صحيح كذلك، وحديث محمد بن كعب القرظي عند الترمذي والنسائي. فقال ابن العربي: وإن كان الترمذي قد صحح كلا الحديثين، لكن الصحيح حديث جابر بن عبد الله لأنه ثابت في الصحيحين. ٣ انظر ص ١٨١. ٤ تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٩. ٥ فتح الباري ٨/ ٦٤٤ و٦٥٠. ٦ انظر الحديث ص ١٧٥- ١٧٦ وما بعدها. ٧ المصدر السابق ٨/ ٦٧٧ و٦٥٠.
[ ١٨٢ ]
ومن خلال هذه الأجوبة والأدلة المتقدمة يكون الأرجح أن هذه المقالة كانت في غزوة بني المصطلق.
ويضاف إلى هذا: اتفاق أهل المغازي والسير أن عبد الله بن أبي كان ممن تخلف عن غزوة تبوك ولم يحضرها، ولولا لكان القول بالتعدد أولى من الترجيح.
[ ١٨٣ ]