إن معالجة الرسول ﷺ لتلك السموم التي نفثها المنافقون في ساحة الجيش الإسلامي، ابتغاء تمزيق وحدته وتفريق كلمته، لتدل دلالة واضحة على أن الرسول ﷺ محاط بالعناية من الله ﷿ وعلى أنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، [سورة النجم الآيتان: ٣-٤] .
لقد كان ما تفوه به ابن أبي من الكلام البذيء مسوغا كافيا لقتله، وإراحة الناس من شره، ولكن الرسول ﷺ لبعد نظره وتوفيق الله له، رأى أن المصلحة تقتضي التسامح والصفح عنه، فقابل تلك الأذية والقول اللاذع بصدر رحب وقلب واسع، فقد ضاقت نفس عمر بن الخطاب ذرعا بهذا المنافق ووسعه حلم الرسول ﷺ وصفحه الجميل عمن أساء إليه، يوضح ذلك ما ورد من قوله ﷺ عندما قال له عمر بن الخطاب ﵁: "يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال: "كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"١.
ولكن أذن بالسير فسار بالناس في ساعة لم يعهد له أن يسير في مثلها، وأمر بالسير المتواصل حتى لا يتمكن المنافقون من التجمع والخوض في حديث ابن أبي وترويجه بين الناس.
_________________
(١) ١ انظر ص ١٨٦ مما تقدم.
[ ٣٥٢ ]
ولقد توقع الناس أن رسول الله ﷺ سيعاقب المنافقين على سوء صنيعهم وعلى الأقل بقتل رأس الفتنة ابن أبي ولكن لم يقع شيء من هذا كله، ولقد جاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁ فقال: "يا رسول الله إن كنت أمرت بقتل والدي فأنا الذي آتيك برأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلا مؤمنا بكافر، فأدخل النار"، فكان الجواب النبوي "بل نترفق ونحسن صحبته ما بقي معنا"١.
لقد كان من آثار هذه المعاملة الحسنة أن قوم عبد الله بن أبي ابن سلول هم الذين أخذوا يعنفونه ويفضحون أمره ويأخذون على يديه، ولما بلغ رسول الله ﷺ هذا من فعلهم مع ابن أبي أرسل إلى عمر بن الخطاب فقال له: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته"، قال عمر بن الخطاب: "قد علمت والله لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري"٢.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٢- ٢٩٣. ٢ المصدر السابق ٢/٢٩٣.
[ ٣٥٣ ]