لقد دخل الإسلام المدينة المنورة، قبل مقدم الرسول ﷺ إليها، وانتشر في ربوعها، وأصبح سكانها يرددون حديث الإسلام، ويلهجون بذكره في منتدياتهم ومجالسهم العامة والخاصة، منشرحين لهذا الخير الذي ساقه الله إليهم، وحباهم به.
ثم ازداد فرحهم وغبطتهم بمقدم النبي ﷺ، فالتفوا حوله يتلقون منه نور الإيمان ومبادئ الإسلام، فجمعهم الله به بعد الفرقة، وسادت بينهم المودة والإخاء بعد أن كانوا أعداء متناحرين متدابرين، يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى
[ ١٤٩ ]
شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، [سورة آل عمران، الآية: ١٠٣] .
غير أن مرض الحسد والخبث حال بين ضعفاء النفوس وبين الدخول في هذا الدين الحنيف، وعلى رأس هذا الفريق عبد الله بن أبي ابن سلول، الذي رأى أن رسول الله ﷺ سلبه عزه ومجده، إذ كان مقدمه ﷺ والأوس والخزرج ملتفون حوله، وقد باشروا نسج الخرز ليتوجوه ويرئسوه عليهم، فكان مقدم الرسول ﷺ قاطعا لدابره، إذ لم يتم له ما كان يحلم به من الرياسة والسيادة، ولما فقد مكانته في المجتمع وحرم من المنصب القيادي الذي كان يحلم به رأى أن السبب الوحيد في ذلك هو رسول الله ﷺ، وما جاء به، فامتلأ قلبه غيظا وحقدا وحسدا على النبي ﷺ وصار يحارب الإسلام سرا وعلانية مع من انضم إليه من مرضى القلوب من قومه وغيرهم وحلفائه من اليهود القاطنين في المدينة آنذاك١.
فكانوا يدا واحدة في عداوة الإسلام وأهله.
_________________
(١) وأول موقف برزت فيه عداوة عبد الله بن أبي ابن سلول للإسلام بوضوح هو ما دل عليه حديث البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد٢، وهذا سياقه عند مسلم: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي٣ ومحمد بن رافع٤ ١ سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٤- ٥٨٥. ٢ أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، الأمير أبو محمد وأبو زيد، صحابي مشهور، (ت٥٤) وهو ابن ٧٥ سنة بالمدينة / ع. التقريب ١/ ٥٣. ٣ إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، أبو محمد بن راهويه المروزي، ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود أنه تغير قبل موته بيسير، (ت٢٣٨) وله ٧٢سنة، / خ م د ت س، المصدر السابق ١/ ٥٤. ٤ محمد بن رافع القشيري النيسابوري، ثقة عابد، من الحادية عشرة، (ت٢٤٥) / خ م د ت س، المصدر السابق ٢/ ١٦٠.
[ ١٥٠ ]
وعبد بن حميد١ و(اللفظ لابن رافع) قال ابن رافع حدثنا: وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق٢ أخبرنا معمر٣ عن الزهري عن عروة أن أسامة ين زيد أخبره: أن النبي ﷺ ركب حمارا عليه إكاف٤ تحته قطيفة فدكية٥، وأردف وراءه أسامة وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذاك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة٦ الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي ﷺ ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ القرآن، فقال عبد الله بن أبي: "أيها المرء لا أحسن٧ من هذا إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا في مجالسنا وارجع
_________________
(١) ١ عبد بن حميد بن نصر الكسي، أبو محمد، قيل اسمه عبد الحميد وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقة حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٤٩) / خت م ت، المصدر السابق ١/ =٥٢٩. قال ابن الأثير: الكسي: بكسر أولها وتشديد السين المهملة – هذه نسبة إلى كس وهي مدينة بما وراء النهر بقرب نخشب ذكرها الحفاظ في تواريخهم كذلك. غير أن الناس يكثرون ذكرها بفتح الكاف والشين المعجمة، ينسب إليها جماعة منهم عبد الحميد بن حميد بن نصر الكسي، المعروف بعبد بن حميد. اللباب في تهذيب الأنساب ٣/ ٩٨. ٢ عبد الرزاق بن همام بن نافع، الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، من التاسعة، (ت٢١١) / ع. التقريب ١/ ٥٠٥. ٣ معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة (ت١٤٥) / ع. المصدر السابق ٢/ ٢٦٦. ٤ إكاف: بوزن كتاب: برذعة الحمار، القاموس المحيط ٣/ ١١٨ وفي رواية للبخاري ٧/ ١٠٣ من كتاب المرضى، باب عيادة المريض (أن النبي ﷺ ركب على حمار على إكاف على قطيفة فدكية) قال ابن حجر: (عل) الثالثة بدل من الثانية وهي بدل من الأولى والحاصل أن الإكاف يلي الحمار، والقطيفة فوق الإكاف، والراكب فوق القطيفة. فتح الباري ١/ ١٢٢. ٥ قطيفة فدكية: القطيفة: كساء له خمل، والفدكية: منسوبة إلى فدك بلدة معروفة على مرحلتين من المدينة، فتح الباري ٨/ ٢٣١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤١. ٦ عجاجة الدابة: هو ما ارتفع من غبار حوافرها. ٧ قوله لا أحسن من هذا قال ابن حجر: "بنصب أحسن وقتح أوله على أنه أفعل تفضيل، ويجوز في أحسن الرفع على أنه خبر (لا) والاسم محذوفن أي أحسن من هذا، ووقع في رواية الكشميهني: بضم أوله وكسر السين وضم النون – لا أحسن – ووقع في رواية أخرى لأحسن بحذف الألف لكن بفتح السين وضم النون على أنها لام قسم كأنه قال: أحسن من هذا أن تقعد في بيتك، حكاه عياض عن أبي علي واستحسنه، وحكى ابن الجوزي: تشديد السين المهملة بغير نون من الحس أي لا أعلم منه شيئا" انتهى، فتح الباري ٨/ ٢٣٢. وقال النووي: لا أحسن من هذا: "هكذا هو في جميع نسخ بلادنا بألف في أحسن أي ليس شيء أحسن من هذا، وكذا حكاه القاضي عن جماهير رواة مسلم، قال: ووقع للقاضي أبي علي لأحسن من هذا بالقصر من غير ألف قال القاضي: وهو عندي أظهر، وتقديره أحسن من هذا أن تقعد في بيتك ولا تأتينا". انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤٢.
[ ١٥١ ]
إلى رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه"، فقال عبد الله بن رواحة: "إغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك"، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم، ثم ركب دابته، حتى دخل على سعد ابن عبادة فقال: "أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب (يريد عبد الله بن أبي) " قال كذا وكذا، قال: "اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة١ أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة٢ فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق٣ بذلك فذلك فعل به ما رأيت"، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم٤.
وحدثني محمد بن رافع حدثنا حجين٥
_________________
(١) ١ البحيرة: بالتصغير قال النووي: قال القاضي: وروينا في غير مسلم هذه البحيرة مكبرة وكلاهما بمعنى، وأصلها القرية، والمراد بها هنا مدينة النبي ﷺ، شرح النووي على مسلم ٤/ ٤٤٢. ٢ فيعصبوه بالعصابة: أي اتفقوا على أن يجعلوه ملكهم وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانا أن يتوجوه ويعصبوه. المصدر السابق ٤/ ٤٤٢. ٣ شرق بذلك: أي غص به وهو مجاز فيما ناله من أمر رسول الله ﷺ وحل به حتى كأنه شيء لم يقدر على إساغته فغص به. النهاية لابن الأثير ٢/ ٤٦٥- ٤٦٦. ٤ صحيح مسلم ٥/ ١٨٢- ١٨٣ كتاب الجهاد والسير وصحيح البخاري ٤/ ٤٤ كتاب الجهاد (باب الردف على الحمار) و٦/ ٣٣ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) و٧/ ١٠٣ كتاب المرضى (باب عيادة المريض) و٧/ ١٤٥ كتاب اللباس (باب الارتداف على الدابة و٨/ ٣٨- ٣٩ كتاب الأدب (باب كنية المشرك) . ٥ حجين: مصغرا آخره نون ابن المثنى اليمامي، أبو عمير، سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقة من التاسعة (ت٢٨٥) وقيل بعد ذلك./خ م د ت س التقريب١/١٥٥.
[ ١٥٢ ]
(يعني ابن المثنى) حدثنا ليث١ عن عقيل٢ عن ابن شهاب في هذا الإسناد بمثله.
وزاد: وذلك قبل أن يسلم عبد الله٣٤.
_________________
(١) ١ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصرين ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور، من السابعة، (ت١٧٥) / ع. التقريب ٢/ ١٣٨. ٢ عقيل بالتصغير ابن خالد بن عقيل مكبرا، الأيلي، بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة، ثم لام، أبو خالد الأموي، مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر من السادسة، (ت١٤٤) على الصحيح/ ع. التقريب ٢/ ٢٩ وتقدمت تراجم بقية رجال الإسناد. ٣ قوله: قبل أن يسلم عبد الله: قال النووي: معناه قبل أن يظهر الإسلام، وإلا فقد كان كافرا، منافقا ظاهر النفاق، شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤٢. ٤ صحيح مسلم ٥/ ١٨٢- ١٨٣ كتاب الجهاد والسير، وصحيح البخاري ٤/ ٤٤ كتاب الجهاد (باب الردف على الحمار) و٦/ ٣٣ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) .
[ ١٥٣ ]