ورد في حديث الإفك أن رسول الله ﷺ استشار أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في فراق أهله، فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: "يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا"، وأما علي بن أبي طالب فقال: "لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك"١.
وعند ابن إسحاق: فأما أسامة فأثنى علي خيرا، وقاله: ثم قال: "يا رسول الله، أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل"، وأما علي فإنه قال: "يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية، فإنها ستصدقك"، فدعا رسول الله ﷺ بريرة ليسألها، قالت: فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا، ويقول: "اصدقي رسول الله ﷺ"٢.
وبهذا وجدت عائشة ﵂ على علي ﵁ ووصفته بأنه كان مسيئا في حقها - حيث إنه لم يقل كما قال أسامة بن زيد، روى البخاري: حدثني عبد الله٣ بن محمد قال: أملى علي هشام٤ ابن يوسف من حفظه قال: "أخبرني معمر عن الزهري قال: قال لي الوليد٥ بن عبد الملك: "أبلغك أن عليا كان في من قذف عائشة؟ " قلت: لا - ولكن قد أخبرني رجلان من قومك
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٨/ ١١٥، كتاب التوبة، والبخاري ٣/ ١٥١، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا. ٢ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١. ٣ عبد الله بن محمد بن جعفر الجعفي، أبو جعفر البخاري، المعروف بالمسندي، ثقة حافظ، جمع المسند، من العاشرة (ت٢٢٩) /خ ت. التقريب ١/ ٤٤٧. ٤ هشام بن يوسف الصنعاني، أبو عبد الرحمن القاضي، ثقة من التاسعة (ت١٩٧) /خ عم. المصدر السابق ٢/ ٣٢٠. ٥ الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، المعروف بالوليد الأول، الخليفة الأموي (ت٩٦؟) وتقدمت ترجمة بقية رجال الإسناد.
[ ٢٦١ ]
أبو سلمة١ بن عبد الرحمن وأبو بكر٢ بن عبد الرحمن بن الحارث - أن عائشة ﵂ قالت لهما: كان علي مسلما٣ في شأنها، فراجعوه٤ فلم يرجع، وقال: مسلما* بلا شك فيه، وعليه وكان في أصل العتيق كذلك"٥.
قال ابن حجر: "المراجعة وقعت مع هشام بن يوسف فيما أحسب، وذلك أن عبد الرزاق رواه عن معمر فخالفه، فرواه بلفظ (مسيئا) . كذلك أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في المستخرجين".
وزعم الكرماني أن المراجعة وقعت في ذلك عند الزهري، قال وقوله: فلم يرجع أي: فلم يجب بغير ذلك، قال: "ويحتمل أن يكون المراد، فلم يرجع الزهري إلى الوليد، ثم قال ابن حجر قلت: ويقوي رواية عبد الرزاق، ما في رواية ابن مردويه بلفظ: "أن عليا أساء في شأني والله يغفر له".
وقال ابن التين: "روى (مسيئا) وفيه بعد".
_________________
(١) ١ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، قيل اسمه عبد الله وقيل اسمه إسماعيل، ثقة مكثر من الثالثة (ت٩٤)، وكان مولده سنة بضع وعشرين /ع. المصدر السابق ٢/ ٤٣٠. ٢ أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، قيل اسمه محمد وقيل المغيرة، وقيل أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل أبو بكر اسمه وكنيته، ثقة فقيه، عابد، أحد الفقهاء السبعة، من الثالثة (ت٩٤) وقيل غير ذلك/ ع. المصدر السابق ٢/ ٣٩٨، وإنما قال الزهري من قومك أي من قريش: لأن أبا بكر بن عبد الرحمن مخزومي، وأبا سلمة زهري: يجمعهما مع بني أمية رهط الوليد مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فتح الباري ٧/ ٤٣٧. ٣ قال ابن التين: "قوله مسلما: بكسر اللام، وضبط أيضا بفتحها والمعنى متقارب، عقب عليه ابن حجر بقوله: كون مسلما بكسر اللام وفتحها معناهما متقارب فيه نظر، لأن رواية الفتح تقتضي سلامته من ذلك، ورواية الكسر تقتضي تسليمه لذلك". المصدر السابق٧/ ٤٣٧. ٤ من قوله فراجعوه فلم يرجع إلى آخر الحديث ليس من أصل الحديث على حسب المتن الذي اعتمده وإنما هذا موجود في النسخة التي شرح عليها ابن حجر. (*) قال القسطلاني في إرشاد الساري ٦/ ٣٤٣ قوله (مسلما) بكسر اللام المشددة، ولأبي ذر (مسلما) بفتحها. وقوله (بلا شك فيه) لا بلفظ مسيئا. وكان في أصل العتيق مسلما (كذلك) لا مسيئا. ٥ صحيح البخاري ٥/ ١٠٠ (كتاب المغازي باب حديث الإفك) .
[ ٢٦٢ ]
ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "بل هو الأقوى من حيث نقل الرواية، وقد ذكر عياض أن النسفي١رواه عن البخاري بلفظ: (مسيئا) ".
وقال: "وكذلك رواه أبو علي بن السكن عن الفربري".
وقال الأصيلي٢ بعد أن رواه بلفظ: " (مسلما): كذا قرأناه والأعراف غيره"٣.
قلت: وقد أورد صاحب (الدر المنثور) ما يقوي لفظ: (مسيئا) .
قال: أخرج البخاري٤ وابن المنذر والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في (الدلائل) عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم علي، فقلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم سمع عائشة تقول: "الذي تولى كبره عبد الله بن أبي".
قال: "فقال لي فما كان جرمه قلت: حدثني شيخان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنهما سمعا عائشة تقول: "كان مسيئا في أمري"٥.
وقد بينت رواية ابن مردويه سبب هذه المقالة الصادرة من الوليد قال الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور، مستلقيا، فلما بلغ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن معقل بن الحجاج الحافظ العلامة أبو إسحاق النسفي، قاضي نسف وعالمها ومصنف المسند الكبير والتفسير وغير ذلك، وحدث بصحيح البخاري عنه (ت٢٩٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٦٨٦. ٢ هو الحافظ الثبت العلامة أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأندلسي، أخذ صحيح البخاري عن أبي زيد محمد بن أحمد المروزي، قال القاضي عياض قال الدارقطني: حدثني أبو محمد الأصيلي ولم أر مثله. (ت٣٩٢) تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ١٠٢٤. ٣ فتح الباري ٧/ ٤٣٧. ٤ تقدم حديث البخاري في ص ٢٦١ من هذه الرسالة. ٥ الدر المنثور للسيوطي ٥/ ٣٢.
[ ٢٦٣ ]
لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١١]، جلس ثم قال: "يا أبا بكر من تولى كبره منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟ " قال: "قلت في نفسي: "ماذا أقول؟ لئن قلت لا، لقد خشيت أن ألقى منه شرا، ولئن قلت نعم، لقد جئت بأمر عظيم، قلت في نفسي: لقد عودني الله على الصدق خيرا، قلت: لا"، قال: فضرب بقضيبه على السرير ثم قال: "فمن فمن؟ " حتى ردد ذلك مرارا، قلت: "لكن عبد الله بن أبي"١.
وقد جاء عن الزهري أيضا: أن هشام٢ بن عبد الملك، كان يعتقد هذا أيضا، فقد أخرج يعقوب بن شيبة في مسنده: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا الشافعي٣، ثنا عمي٤. قال: دخل سليمان٥ بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: "يا سليمان ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، من هو؟ قال: "ابن أبي". قال: "كذبت هو علي"، قال: "أمير المؤمنين أعلم بما يقول"، فدخل الزهري، فقال: "يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ " قال: "ابن أبي"، قال: "كذبت هو علي"، فقال: "أنا أكذب، لا أبا لك٦، والله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت".
حدثني عروة وسعيد وعبيد الله وعلقمة عن عائشة: "أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي (فذكر له قصة مع هشام وفي آخرها - نحن هيجنا الشيخ) "٧.
_________________
(١) ١ فتح االباري ٧/ ٤٣٧. ٢ هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة الأموي، (ت١٢٥؟) . ٣ هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، أبو عبد الله الإمام المشهور صاحب المذهب (ت٢٠٤)، التقريب ٢/ ١٤٣ خت م عم. ٤ هو محمد بن علي بن شافع المطلبي، المكي وثقه الشافعي، من السابعة، د س، المصدر السابق ٢/ ١٩٢. ٥ سليمان بن يسار الهلالي، المدني، مولى ميمونة، وقيل أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة (ت بعد المائة وقيل قبلها) /ع. المصدرالسابق١/٣٣١. ٦ قوله: لا أبا لك: قال في النهاية: هذا اللفظ أكثر ما يذكر في المدح، أي لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر في معرض الذم كما يقال: لا أم لك. انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ١٩. قلت: وهنا يحمل قول الزهري على الذم، لأنه صدر منه في حالة الغضب. ٧ فتح الباري ٧/ ٤٣٧، والدر المنثور ٥/ ٣٢.
[ ٢٦٤ ]
عذر علي بن أبي طالب في ذلك:
قال النووي: "الذي قاله علي ﵁ هو الصواب في حقه ﷺ، لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي ﷺ في اعتقاده، ولم يكن ذلك في نفس الأمر، لأنه رأى انزعاج النبي ﷺ بهذا الأمر، وتقلقه، فأراد راحة خاطره، وكان ذلك أهم من غيره".ا؟ـ١.
وقال ابن قيم الجوزية: "ولما استشار النبي ﷺ أصحابه في فراق أهله فأشار عليه ﵁ أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا، لأنه لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين، ليتخلص رسول الله ﷺ من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس، فأشار بحسم الداء"٢.
وقال ابن حجر: "هذا الذي قاله علي ﵁ حمله عليه ترجيح جانب النبي ﷺ لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل، وكان ﷺ شديد الغيرة٣، فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها".
ثم أورد ما ذكره ابن أبي جمرة في هذا: فقال: وقال الشيخ أبو محمد* بن أبي جمرة: "لم يجزم علي بالإشارة بفراقها، لأنه عقب بذلك بقوله: "وسل الجارية تصدقك" ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي ﷺ فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها، لأنه كان
_________________
(١) ١ شرح مسلم ٥/ ٦٣٤. ٢ زاد المعاد ٢/ ١٢٦. ٣ الغيرة بفتح الغين: مصدر قولك "غار الرجل على أهله يغار غيرا وغيرة وغارا ومعناه الحميةوالأنفة".انظر: مختار الصحاح ص:٤٨٦،والنهاية لابن الأثير٣/٤٠١. (*) هو عبد الله بن أبي جمرة محدث مقرئ من آثاره: مختصر الجامع الصحيح للبخاري، وشرح بهجة النفوس في سفرين، (ت٦٩٩؟)، معجم المؤلفين لكحالة ٦/ ٤٠.
[ ٢٦٥ ]
يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة"١.
وبهذا اتضح عذر علي ﵁ وأنه على خلاف ما وصفه به الوليد وهشام بل وعلى خلاف ما ثبت عن عائشة ﵂ فإنها لم تقل كان علي ممن تولى كبر الإفك وإنما قالت: كان مسيئا في شأني، حيث إنه لم يجزم ببراءتها كما جزم أسامة بن زيد بذلك٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/ ٤٦٨. ٢ قال ابن حجر في الفتح ٧/ ٤٣٧: "وكأن بعض من لا خير فيه من الناصبة تقرب إلى بني أمية بهذه الكذبة فحرفوا قول عائشة إلى غير وجهه لعلمهم بانحرافهم عن علي فظنوا صحتها، حتى بين الزهري للوليد أن الحق خلاف ذلك".
[ ٢٦٦ ]