أما ما يتعلق بشأن بني المصطلق فللعلماء في ذلك قولان:
أ- ذهب فريق من العلماء إلى أن رسول الله ﷺ، دعاهم قبل القتال، ولكنهم امتنعوا عن قبول الإسلام، وثبتوا للقتال، ودارت المعركة بين الفريقين، وكان النصر حليف المسلمين، وعلى رأس القائلين بهذا:
[ ٨١ ]
١- ابن إسحاق: فقد ساق بسنده حدثني عاصم١ بن عمر بن قتادة وعبد الله٢ بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حبان٣، كل حدثني حديث بني المصطلق قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له، الحديث.
وفيه "فلما علم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس، واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم"٤.
والحديث رجاله ثقات رجال الصحيح، ولكنه مرسل٥.
٢- الواقدي: ذكر الحديث مطولًا وفيه: "أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى بني المصطلق دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، ويقال: إلى عمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس، أن قولوا: لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله ﷺ المسلمين فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل واحد"، الحديث وهو مرسل أيضًا.
ثم قال: "وكان ابن عمر يحدث أن رسول الله ﷺ أغار
_________________
(١) ١ عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني، ثقة عالم بالمغازي، من الرابعة (ت بعد ١٢٠) /ع التقريب ١/٣٨٥. ٢ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، الأنصاري المدني القاضي، ثقة، من الخامسة، (ت ١٣٥) / ع المصدر السابق ١/٤٠٥. ٣ محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ الأنصاري المدني، ثقة، فقيه من الرابعة (ت ١٢١) /ع المصدر السابق ٢/٢١٦. ٤ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠، وانظر الحديث كاملًا من ص من هذه الرسالة. ٥ قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي ص ٣٠٨: "رواه بنحوه ابن جرير في تاريخه من طريق ابن إسحاق بسنده مرسلًا، وكذلك رواه ابن هشام في (السيرة) وهذا الإسناد مع ضعفه ليس فيه أمر لعمر بعرض الإسلام، وقد أشار الزرقاني في شرحه على المواهب إلى ضعف هذه الزيادة، وحق له ذلك، فقد صح عنه ﷺ ما يقتضي ضعفها ثم ساق ما قاله ابن القيم في ذلك، انظر قول ابن القيم ص ٨٤".
[ ٨٢ ]
على بني المطلق وهو غارون، ونعمهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم. والحديث الأول أثبت عندنا"١.
٣- و٤- وتابعه في هذا ابن سعد وابن سيد الناس، فقد ساقا القصة بدون إسناد، وأشارا إلى حديث ابن عمر، ثم قالا: "الأول أثبت"٢.
٥- أما ابن جرير الطبري فقد ساق حديث ابن إسحاق من طريقه٣. ولكنه لم يتعرض لذكر حديث ابن عمر.
٦- وساق ابن الأثير نحو قول ابن إسحاق بدون إسناد٤. ولم يذكر حديث ابن عمر أيضًا.
وسكوت الطبري وابن الأثير وعدم إيرادهما حديث ابن عمر، قد يفهم منه موافقتهما لابن إسحاق في رأيه.
ب- وذهب الفريق الثاني من العلماء إلى أن رسول الله ﷺ أغار عليهم دون دعوة. وعلى رأسهم:
١- ابن عبد البر: فقد صرح بأن رسول الله ﷺ أغار عليهم وهم غارون.
ثم قال: وقيل إن بين المصطلق جمعوا لرسول الله ﷺ فلما بلغه ذلك خرج إليهم، فلقيهم على ماء يقال له المريسيع، فاقتتلوا فهزمهم الله.
ثم عقب بقوله: "والقول الأول أصح: أنه أغار عليهم وهم غارون"٥.
٢- ابن حزم فقد صرح بذلك أيضًا٦.
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ١/٤٠٤-٤٠٧. ٢ طبقات ابن سعد ٢/٦٣-٦٤، وعيون الأثر ٢/٩١- ٩٢. ٣ تاريخ الطبري ٢/٦٠٤. ٤ الكامل ٢/١٩٢. ٥ الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٢٠٠. ٦ جوامع السيرة ص ٢٠٣.
[ ٨٣ ]
٣- ابن القيم: فقد ساق نحو قول ابن إسحاق وموافقيه.
ثم قال: هكذا قال عبد المؤمن١ بن خلف في سيرته وغيره، وهو وهم؛ فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم، على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح: "أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهو غارون"٢.
٤- ابن كثير: فقد أورد رواية ابن إسحاق والواقدي بإسنادهما ثم عقب بقوله: وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فقال: "قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهو غارون". الحديث٣.
٥- ابن حجر: فإنه بعد أن ساق قول ابن إسحاق، قال: هكذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة. والذي في الصحيح من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم، فأوقع بهم. وساق الحديث.
ثم رام الجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق بقوله: ويحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلًا، فلما كثر فيهم القتل انهزموا، بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافّوا، ووقع القتال بين الطائفتين ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم.
ثم قال: "وقد ذكر هذه القصة ابن سعد نحو ما ذكر ابن إسحاق، وأن الحارث كان جمع جموعًا وأرسل عينًا تأتيه بخبر المسلمين فظفروا به فتقلوه فلما بلغه ذلك٤ هلع وتفرق الجمع وانتهى النبي ﷺ إلى الماء وهو
_________________
(١) ١ هو الإمام العلامة الحافظ الحجة الفقيه النسابة، شيخ المحدثين، شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، الشافعي، صاحب التصانيف (ت ٧٠٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٧٧–١٤٧٩، والشوكاني في البدر ١/٤٠٣-٤٠٤. ٢ زاد المعاد ٢/١٢٥. ٣ البداية والنهاية ٤/١٥٦، وانظر الحديث ص ٧٨. ٤ الهلع/ محركة: أشد الجزع والضجر. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير٥/٢٦٩،والقاموس المحيط للفيروزآبادي٣/١٠٠.
[ ٨٤ ]
المريسيع فصف أصحابه للقتال ورموهم بالنبل ثم حملوا عليهم حملة واحدة فما أفلت منهم إنسان، بل قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجلًا ونساء". ثم قال: "وساق ذلك اليعمري في (عيون الأثر) " ثم ذكر حديث ابن عمر ثم قال: "أشار ابن سعد إلى حديث ابن عمر"، ثم قال: "الأول أثبت". قال ابن حجر قلت: "والحكم بكون الذي في السير أثبت مما في الصحيح مردود، ولا سيما مع إمكان الجمع"١.
والصواب في هذا مع القائلين بأن رسول الله ﷺ أغار عليهم هم غارون وذلك لما يلي:
١- صحة حديث ابن عمر وصراحته في ذلك، وهو ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها٢.
٢- صرح كثير من العلماء بأن من بلغته الدعوة العامة إلى الإسلام، أو قربت داره أو حاول النيل من المسلمين، أنه يجوز مباغتته على غرة٣.
وهذه الأوصاف تنطبق على بني المصطلق، فقد بلغتهم الدعوة العامة وكانوا ضمن المتألبين مع قريش في معركة أحد، ضد المسلمين ولم يكتفوا بهذا بعد عودتهم إلى بلادهم بل أخذوا يجمعون الجموع ويعدون بضرب المسلمين، مما يدل على أنهم على علم وبصيرة بالدعوة الإسلامية، ومثل هؤلاء لا تجب الدعوة في حقهم٤.
٣- إن مستند القائلين بأن رسول الله ﷺ أنذرهم هو حديث ابن إسحاق٥ والواقدي وكلا الحديثين مرسل. والمرسل معدود
في قسم
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٤٣٠-٤٣١، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٨. ٢ انظر الحديث ص. ٣ انظر شرح صحيح مسلم للنووي ٤/٣٤٣، فتح الباري ٦/١١٢ و٧/٣٤٠ و٤٤٥ و٤٧٨، شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٠٧-٢١٠، والمدونة الكبرى لمالك ٢/٢، وتحفة الأحوذي ٥/١٥٥-١٥٦. ٤ انظر: ص. ٥ علما بأن قول ابن إسحاق ليس صريحًا في إنذارهم، وإنما فيه مجرد وجود القتال بين الفريقين. وقد جمع ابن حجر بين ذلك. انظر: ص.
[ ٨٥ ]
الحديث الضعيف عند جمهور العلماء، وذلك للجهل بحال الراوي المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وبالتالي يحتمل أن يكون ضعيفًا.
وإن اتفق أن المرسل لا يروي إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الإبهام غير كاف ولأنه إذا كان المجهول المسمى لا يقبل، فالمجهول عينًا وحالًا أولى١.
٤- إن الظاهر من صنيع القائلين بحجيته، فيما لو لم يوجد في الباب غيره كما صرح بذلك أبو داود٢ وغيره، خلافًا للمالكية٣.
٥- على فرض صحته فلا يقاوم الحديث المسند.
٦- ذكر الدكتور أكرم العمري أنه: "لا يمكن معارضة آية قرآنية أو حديث صحيح برواية من كتب التاريخ والأدب".
وقال في موضع آخر: "ولا شك أن مادة السيرة، في كتب الحديث موثقة يجب الاعتماد عليها وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة. وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة؛ لأنها ثمرة جهود جبارة، قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سندًا ومتنًا، وهذا التدقيق والنقد الذي حظي به الحديث، لم تحظ به الكتب التاريخية"٤.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة صحيح مسلم ١/٢٤، ورسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٤، والكفاية للخطيب البغدادي ص ٥٥٠-٥٥٥، ومقدمة التمهيد لابن عبد البر ١/٥-٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٧٣- ٧٥ (التقييد والإيضاح)، والتبصرة والتذكرة للعراقي ١/١٤٨، التقييد والإيضاح له ص ٧٣-٧٥، والتقريب للنووي ص ١١٩، (تدريب الراوي) وشرح مسلم له ١/٢٣، تدريب الراوي للسيوطي ص ١١٩، فتح المغيث للسخاوي ١/١٣٣ و١٣٥-١٣٦. ٢ رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٥، وفتح المغيث للسخاوي ١/١٣٣. ٣ مقدمة التمهيد لابن عبد البر ١/٦. ٤ انظر: نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية لأكرم ضياء العمري ص ١ و٣.
[ ٨٦ ]