بعد أن ساق ابن هشام حديث ابن إسحاق من طريق عائشة المصرح بأن رسول الله ﷺ أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها١.
عقب قوله: قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول الله ﷺ من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث، وكان بذات الجيش٢ دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار، بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي ﷺ، وقال: يا محمد؟ أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله ﷺ: "فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟
فقال الحارث: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلاَّ الله"، فأسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الإبل إلى النبي ﷺ، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت وحسن إسلامها، فخطبها رسول الله ﷺ، إلى أبيها، فزوجه إياها وأصدقها أربع مئة درهم٣.
وأكد السهيلي نسبة هذا القول إلى ابن هشام٤.
قلت: هذا لا يقاوم حديث عائشة. لأنه لا إسناد له، وقد صدر (بيقال) الدالة على الضعف.
_________________
(١) ١ انظر: الحديث، ص. ٢ ذات الجيش: من المدينة على بريد من جهة مكة، وبينها وبين العقيق سبعة أميال، ومعجم ما استعجم للبكري ٢/٤٠٩-٤١٠. وعلى هذا تكون المسافة بين ذات الجيش والمدينة ٢٠ كيلو مترًا لأن البريد أربع فراسخ والفرسخ يساوي خمس كيلومترات. ٣ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٥ و٢/٦٤٥-٦٤٦، وزاد: ويقال: اشتراها رسول الله ﷺ من ثابت بن قيس، فأعتقها وتزوجها وأصدقها أربع مئة درهم. ٤ الروض الأنف، ٦/٧٠٦-٧/٥٣٧.
[ ١١٩ ]
وممن وقع في هذا الخطأ محمد الغزالي١.
فرد عليه الألباني بقوله: "هذا غير صحيح، وقد أشار لذلك ابن هشام في سيرته، فإنه ذكر هذه الرواية بدون إسناد، وصدرها بقوله: (ويقال) " ثم قال الألباني أيضًا: "والصحيح أنه ﷺ قضى عنها كتابتها وتزوجها دون أن يخطبها من أبيها، فإنها كانت أسيرة، كما رواه ابن إسحاق بسند صحيح عن عائشة ﵂، ومن طريقة أخرجه أحمد وابن هشام، وفي حديثهما (إطلاق الأسرى) "٢ انتهى قلت: وأخرجه من هذه الطريقة أبو داود أيضًا كما تقدم٣.
وقال عقبة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه".
وهذا يرد ما ذكره ابن هشام من أن رسول الله ﷺ خطبها من أبيها وتزوجها وأصدقها أربع مئة درهم، على أنه قد نسب ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر لابن إسحاق نحو ما ذكر ابن هشام، وليس فيه ذكر الزواج بعد قدوم الحارث إلى المدينة.
وهذا نصه: قال ابن إسحاق: "تزوج النبي ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وكانت في سبايا بني المصطلق من خزاعة، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس، وذكر الخبر، وفيه: "فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار لفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله ﷺ: "فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلا الله"، فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان وناس من قومه٤.
_________________
(١) ١ فقه السيرة للغزالي، ص ٣٠٨ وانظر الحديث، ص ١١٣. ٢ فقه السيرة للغزالي، ص ٣٠٨ وانظر الحديث، ص ١١٣. ٣ انظر، ص. ٤ الاستيعاب ١/٢٩٩، مع الإصابة وأسد الغابة ١/٤٠٠، والإصابة ١/٢٨١، وهذه الرواية لم أجدها في سيرة ابن هشام.
[ ١٢٠ ]
ولفظ ابن حجر: "ذكر ابن إسحاق في المغازي أن الحارث بن أبي ضرار، ولد جويرة، جاء إلى المدينة ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول بي ضرار والد جويرية جاء إلى المدينة، ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول الله ﷺ"، ثم ساق القصة١.
فهذا يدل دلالة واضحة أن الحارث لم يكن موجودًا وقت العقد وأن قدومه إلى المدينة كان بعد زواج جويرية، وهذا هو ما دل عليه حديث عائشة ﵂.
وقد تقدم قول أبي داود عقب حديث عائشة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه"٢.
فهذا مما يؤكد لنا سقوط هذه القصة التي ذكرها ابن هشام بصيغة التمريض محذوفة السند.
والصحيح في هذا أن مجيء الحارث كان سببًا في إسلامه، ولا يبعد أنه طلب ابنته كما دل عليه حديث ابن إسحاق، ولكنه لم يمكن من ذلك٣.
وقد ورد ما يدل على أن رسول الله ﷺ قال لأبيها: اذهب إليها فخيرها، فإن أرادت أن تذهب معك فخذها، فهذا لا يستبعد لعلم الرسول ﷺ أنها لا تختار عليه أحدًا، وأن ذلك يكون أدعى لتمكن الحارث من الإسلام، لما فيه من حسن المعاملة ومما دل على هذا ما رواه ابن سعد وغيره من مرسل أبي قلابة، أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي٤ قال:
_________________
(١) ١ الإصابة ١/٢٨١. ٢ انظر: الحديث، ص ١١٥. وانظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٠/٤٤٥. باب بيع المكاتب. ٣ هذا الحديث نسبه إلى ابن إسحاق كل من عبد البر وابن الأثير وابن حجر، وانظر ص. ٤ عبد الله بن جعفر بن غيلان بالمعجمة. الرقي: بفتح الراء وتشديد القاف. أبو عبد الرحمن القرشي، مولاهم، ثقة لكنه تغير بآخره، فلم يفحش اختلاطه من العاشرة (ت ٢٢٠)، ع: التقريب ١/٤٠٦.
[ ١٢١ ]
حدثنا عبيد الله١ بن عمرو عن أيوب٢ عن أبي قلابة٣: "أن النبي ﷺ سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها إلى النبي ﷺ فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فأنا أكرم من ذلك فخل سبيلها، قال: "أرأيت إن خيرناها أليس قد أحسنا؟ ".
قال: بلى وأديت ما عليك، قال: فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا، فقالت: فإني قد اخترت رسول الله ﷺ، قال: قد والله فضحتنا٤.
وأخرجه خليفة: قال أخبرنا عبد الوهاب٥ بن عبد المجيد، قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة أن رسول الله ﷺ سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها فقال: "إن ابنتي لا تسبى" الحديث٦.
وأورده ابن حجر في التهذيب من طريق ابن سعد في ترجمة جويرية، وقال: هذا مرسل صحيح الإسناد٧.
وأورده في الإصابة دون أن ينسبه إلى ابن سعد وصحح إسناده أيضًا، ونصه: عن أبي قلابة قال: سبى النبي ﷺ جويرية – يعني
_________________
(١) ١ عبيد الله بن عمرو بن الوليد الرقي أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم من الثامنة (ت ٢٢٠)، ع: المصدر السابق ١/٥٣٧، وقد وقع بأنه من الثالثة وأنه عبيد الله بن عمر، وهو خطأ. ٢ أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني بفتح المهملة بعدها معجمة، ثم مثناة ثم تحتنية وبعد الألف نون أبو بكر البصري. ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، (ت ١٣١)، ع: المصدر السابق ١/٨٩. ٣ هو عبد الله بن زيد بن عمر أو عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل، كثير الإرسال قال العجلي: فيه نصب يسير، من الثالثة (ت ١٠٤)، بالشام هاربًا من القضاء، ع: المصدر السابق ١/١٧. ٤ طبقات ابن سعد الكبرى ٨/١١٨. ٥ عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة (ت ١٩٤)، ع: التقريب ١/٥٢٨. ٦ تاريخ الخليفة بن خياط، ص ٨٠. ٧ تهذيب التهذيب، ١٢/٤٠٧.
[ ١٢٢ ]
وتزوجها - فجاء أبوها فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها، فقال: "أرأيت إن خيرتها أليس قد أحسنت؟ " قال: بلى، فأتاها أبوها فذكر لها ذلك، فقالت: اخترت الله ورسوله. ثم قال: وسنده صحيح١.
قلت: الظاهر في هذا الباب هو ما أفاده حديث عائشة من أن رسول الله ﷺ أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها وهو صريح في ذلك، مع أن ما نسب لابن إسحاق، وكذا مرسل أبي قلابة، ليسا نصًا في أن رسول الله ﷺ دفع إلى الحارث ابنته ثم تزوجها منه بعد ذلك وإنما فيه مجرد مجيء الحارث يطلب فداء ابنته، وأمر الرسول الله ﷺ بتخييرها.
ولسنا بحاجة إلى تلمس التوفيق بين حديث ساقط لا إسناد له. وحديث عائشة الصحيح، ومن هنا يتحتم القول بما في حديث عائشة لثبوته ولا ينظر إلى ما عداه من الروايات الضعيفة.
وخلاصة القول أن هذه الآثار تدل بمجموعها على قدوم الحارث بعد الوقعة. وكان ذلك سببًا في إسلامه، وهو ما دل عليه الحديث الآتي عند أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن سابق٢،ثنا عيسى٣ بن دينار، ثنا أبي٤ أنه سمع
_________________
(١) ١ الإصابة، ٤/٢٦٥. ٢ محمد بن سابق التميمي، أبو جعفر أو أبو سعيد البزاز، الكوفي، نزيل بغداد، صدوق، من كبارالعاشرة (ت٢١٣وقيل٢١٤)، خ م د ت س. التقريب٢/١٦٣. ٣ عيسى بن دينار الخزاعي مولاهم، أبو علي الكوفي، المؤذن، ثقة من السابعة، بخ دت. المصدر السابق ٢/٩٨. ٤ هو دينار الكوفي والد عيسى، مقبول من الثالثة/ عخ دت، المصدر السابق ١/٢٣٧، وفي تهذيب الكمال٢/١٩٩ ق، وتهذيب التهذيب٣/٢١٧. روى عن مولاه عمرو ابن الحارث بن أبي ضرار، وعنه ابنه عيسى بن دينار، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/٤٣٤. روى عن مولاه عمرو بن الحارث، والحارث بن أبي ضرار الخزاعي، وعنه ابنه عيسى. ويلاحظ أن المزي وابن حجر لم يذكرا أن دينارًا روى عن الحارث مع أنه موجود في هذا الحديث وتنبه لذلك ابن أبي حاتم.
[ ١٢٣ ]
الحارث١ بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه٢، وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله ﷺ أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل رسول الله ﷺ، رسولًا لأبان٣ كذا وكذا، ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبَّان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، فلم يأته فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة٤ من الله ﷿ ورسوله، فدعا سروات٥ قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقت لي وقتًا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله، إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده، مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق، فرق٦ فرجع فأتى رسول الله ﷺ، وقال:
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "الحارث بن ضرار ويقال بن أبي ضرار الخزاعي، فرق ابن عبد البر بينه وبين والد جويرية. وجزم ابن فتحون وغيره بأن والد جويرية غير صاحب القصة والحديث، ولم يصنعوا شيئًا. والصواب أنه شخص واحد". الإصابة ١/٣٨٧. باب غلط من غلط في الصحابة. وقال الساعاتي: "الحارث بن ضرار: جاء في الإصابة وفي كتب الرجال أن اسمه الحارث بن أبي ضرار، وذكره ابن كثير في تفسيره فقال: الحارث بن ضرار بن أبي ضرار ملك بني المصطلق ووالد جويرية أم المؤمنين". ثم قال الساعاتي: "والظاهر أن اسم والده ضرار، ولكنه اشتهر باسم جده، كما قال سعد بن مالك بن أبي وقاص، فإنه اشتهر باسم جده، فقيل: سعد بن أبي وقاص، والله أعلم" اهـ. الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد ١٨/٢٨٢. ٢ كان سبب إسلامه ما رواه ابن إسحاق من قصة مجيئه لفداء ابنته وتغييب البعيرين قاله الساعاتي في ترتيب مسند أحمد ١٨/٢٨٢. وقد تقدم الحديث المشار إليه ص ١٢٠. ٣ إبان كذا بكسر الهمزة وتشديد الموحدة، أي وقت كذا، والمراد وقت حصول الثمرة. ٤ سخطة: أي عدم الرضا علينا. غريب الحديث لابن الأثير ٢/٣٥٠ ٥ سروات قومه: أي أشرافهم. المصدر السابق ٢/٣٦٣ ٦ الفرق بالتحريك: الخوف والفزع. المصدر السابق ٣/٤٣٨.
[ ١٢٤ ]
يا رسول الله إن الحارث منعني من الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه فلما غشيهم١، قال لهم: إلى من بعثتم، قالوا إليك، قال، ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته بتة٢ ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ﷺ، وخشيت أن تكون كانت سخطة من الله ﷿، ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِنَ الله وَنِعْمَة والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ". [سورة الحجرات، الآيات ٦-٨] ٣.
ورواه من هذه الطريق ابن الأثير في ترجمة الحارث وقال: أخرجه الثلاثة٤، إلا أن أبا عمر قال: الحارث ابن ضرار، وقيل: ابن أبي ضرار، وقال: أخشى أن يكونا اثنين والله أعلم٥.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني، إلا أن الطبراني قال: الحارث بن سرار٦، وبدل (ضرار) ثم قال الهيثمي: "ورجال أحمد ثقات"٧.
_________________
(١) ١ غشيهم: اختلط بهم. ٢ ما رأيته بتة: أي أصلا. ٣ مسند أحمد، ٤/٢٧٩. ٤ المراد بالثلاثة عم: ابن منده وأبو نعيم، وأبو عمر ابن عبد البر كما بين ذلك ابن الأثير في مقدمة كتابه ١/١١ من أسد الغابة. ٥ أسد الغابة ١/٣٩٩ والاستيعاب لابن عبد البر ١/٢٩٩-٣٠٠ مع الإصابة. ٦ أورده ابن حجر في الإصابة١/٣٨٦.في القسم الرابع من الحرف الحاء، «فيمن ذكر في الصحابة ولا صحبة له، ولا إدراك وبيان غلط من غلط فيه» فقال الحارث ابن سرار الخزاعي كذا وقع عند الطبراني، والصواب: "الحارث بن أبي ضرار". ٧ مجمع الزوائد، ٧/١٠٨.
[ ١٢٥ ]
وقال ابن كثير: "ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية١ نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق وقد روى ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ملك بني المصطلق وهو الحارث بن أبي ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂، ثم ساق الحديث بإسناد أحمد".
ثم قال عقبه: "ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به، غير أنه سماه الحارث بن سرار والصواب الحارث بن ضرار"٢.
وأورده ابن حجر في الإصابة مقتصرًا على ما يأتي: وروى أحمد والطبراني ومطين٣ وابن سكن٤
وابن مروديه٥ من طريق عيسى بن دينار المؤذن عن أبيه أنه سمع الحارث ابن أبي ضرار يقول قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه، فذكر حديثًا طويلًا فيه قصة الوليد بن عقبة إذ جاء إليه مصدقًا ونزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦.
وقال السيوطي: "أخرج أحمد وابن حاتم والطبراني
_________________
(١) ١ هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾، [سورة الحجرات، من الآية:٦] . ٢ تفسير ابن كثير ٤/٢٠٨-٢٠٩. ٣ مطين: بضم الميم وفتح الطاء المهملة بعدها تحتية مشددة مفتوحة: هو الحافظ الكبير أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الكوفي، سمع أحمد بن يونس ويحيى الحماني، وعنه أبو القاسم الطبراني وأبو بكر الإسماعيلي، كان من أوعية العلم. ولد ٢٠٢ وتوفي ٢٩٧. صنف المسند وغير ذلك وله تاريخ صغير. تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦٦٢. ٤ ابن السكن: هو الحافظ الحجة أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي نزيل مصر. سمع أبا القاسم البغوي ومحمد بن يوسف الفربري، وعنه ابن منده وعبد الغني بن سعيد ولد ٢٩٤ وتوفي ٣٥٣. المصدر السابق ٣/٩٣٧. ٥ هو الحافظ الثبت العلامة أبو بكر أحمد بن موسى بن مروديه الأصبهاني، صاحب التفسير والتاريخ وغير ذلك، سمع أحمد بن عيسى الخفاف وأحمد بن محمد بن عاصم الكراني، وعنه أبو القاسم عبد الرحمن بن منده وأخوه عبد الوهاب. ولد ٣٢٣، وتوفي ٤١٠، المصدر السابق ٣/١٥٠. ٦ الإصابة ١/٢٨١.
[ ١٢٦ ]
وابن منده١ وابن مردويه بسند عن الحارث بن ضرار٢ الخزاعي قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة الحديث"٣. وفي لباب النقول قال: "وحديث أحمد رجال إسناده ثقات"٤.
الحكم على الحديث:
قال الهيثمي: "بأن رجال أحمد ثقات".
ووصفه السيوطي: "بأنه بسند جيد، وبأن رجال إسناد أحمد ثقات".
ولكن الحديث بجميع طرقه يدور على دينار الكوفي ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان وهو متساهل في التوثيق ولذا فإن ابن حجر لم يعتبر توثيقه لدينار المذكور، ووصفه بأنه (مقبول) .
(والمقبول) عنده هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع، وإلا فلين الحديث٥. ولعل الهيثمي اعتمد على توثيق ابن حبان، وتابعه السيوطي على ذلك.
والظاهر أن الحديث حسن لغيره للشواهده المتقدمة٦ عن ابن إسحاق وكذا مرسل أبي قلابة عند ابن سعد وغيره في قدوم الحارث إلى المدينة لفداء ابنته وإسلامه. ويشهد له أيضًا ما يأتي من الأحاديث الواردة في بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق لجبي الزكاة وقدوم وفد بني المصطلق بعده٧.
_________________
(١) ١ هو الحافظ الإمام الرحال أبو عبد الله محمد بن يحي بن منده بن إبراهيم بن الوليد الأصبهاني، عن إسماعيل بن موسى الفزاري السدي وأبي كريب محمد بن العلاء وعنه أبو القاسم الطبرني وأبو الشيخ توفي في رجب سنة (٣٠١) تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٧٤١. ٢ صوابه أبي ضرار كما تقدم، ص ١٢٤. ٣ الدر المنثور ٦/٨٧. ٤ لباب النقول في أسباب النزول، ص ٢٠١-٢٠٢. ٥ انظر: تقريب التهذيب ١/٥. ٦ انظر: ص ١٢٠-٢٠٢. ٧ انظر: ص١٣٠.
[ ١٢٧ ]
وقد حسن المباركفوري حديثًا فيه دينار الكوفي وهو ما رواه أبو داود والترمذي في كتاب الصوم باب الشهر يكون تسعًا وعشرين من طريق عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود١.
قال المباركفوري: سكت عليه أبو داود والمنذري وابن حجر، ثم قال: "والظاهر أن حديث ابن مسعود حسن".انتهى٢.
وقد تتبعت رجال الحديث فوجدتهم ثقات ما عدا دينارًا الكوفي. وبهذا التقرير يكون الحديث على أقل تقدير حسنًا لغير.
وهو نص في أن الحارث بن أبي ضرار لم يعلم بقدوم الوليد بن عقبة إليه، وأن الجيش الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق بعد رجوع الوليد، لم يصل إلى ديار بني المصطلق، وإنما وجده الحارث خارجًا من المدينة فلما علم وجهتهم حلف أن الوليد لم يصل إليه ثم رجع الجيش والحارث جميعًا إلى المدينة وهذا يرد على ما رواه ابن جرير الطبري: حدثنا بشر٣ قال حدثنا يزيد٤ قال ثنا سعيد٥ عن قتادة٦ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، الآية قال: "هو الوليد بن عقبة بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق مصدقًا٧ فلما أبصروه وأقبلوا نحوه
_________________
(١) ١ انظر سنن أبي داود ١/٥٤٢ والترمذي ٢/٩٨. ٢ تحفة الأحوذي، شرح الترمذي ٣/٣٧١. ٣ بشر بن معاذ العقدي أبو سهل البصري الضرير، صدوق من العاشرة. (ت بضع وأربعين ومائتين)، ت، س، ق. التقريب ١/١٠١. ٤ يزيد بن زريع: بتقديم الزاي مصغرًا، البصري أبو معاوية، ثقة ثبت، من الثامنة (ت ١٨٢) . ع: المصدر السابق ٢/٣٦٤. ٥ سعيد بن أبي عروبة: بفتح مهملة وضم راء خفيفة وبموحدة، مهران: اليشكري بفتح تحتية وشين معجمة وضم كاف. مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة، (ت ١٥٦ وقيل ١٥٧)، ع: المصدر السابق ١/٣٠٢. ٦ قتادة بن دعامة: بكسر المهملة وخفة عين مهملة ابن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة يقال ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة، (ت بضع عشرة ومائة)، ع: المصدر السابق ٢/١٢٣. ٧ مصدقًا أي جابيًا للزكاة.
[ ١٢٨ ]
هابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث نبي الله ﷺ خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى آتاهم ليلًا، فبعث عيونه، فلما جاؤوا أخبروا خالد أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا آذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى النبي ﷺ، فأخبره الخبر فأنزل الله ﷿، ما تسمعون١، فكان نبي الله ﷺ يقول: "التبين من الله، والعجلة من الشيطان"٢.
والحديث مرسل.
تنبيه:
ذكر الصابوني في روائع البيان نقلًا عن الفخر الرازي قوله: "ما ذكره المفسرون من أن هذه الآيات نزلت في (الوليد بن عقبة) حين بعث إلى بني المصطلق الخ إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبيت من خبر الفاسق، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد فهذا جيد، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات فهو ضعيف، لأن الوليد لم يتقصد الإساءة إليهم، وحديث أحمد يدل على أن الوليد خاف وفرق حين رأى جماعة الحارث - وقد خرجت في انتظاره - فظنها خرجت لحربه فرجع وأخبر رسول الله ﷺ بما أخبره ظنًا منه أنهم خرجوا لقتاله، إلى أن قال: ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ (الفسق) على الوليد شيء بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقًا٣، وختم ابن حجر ترجمته بقوله: والرجل قد ثبتت صحبته وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى والصواب السكوت والله أعلم٤.
_________________
(١) ١ يريد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . ٢ تفسير الطبري، ٢٦/١٢٤. ٣ روائع البيان تفسير آيات الأحكام ٢/٤٧٦. ٤ تهذيب التهذيب١١/١٤٢-١٤٤.
[ ١٢٩ ]