حصل نزاع شديد بين الحيين الأوس والخزرج بين يدي رسول الله ﷺ، حين خطب في الناس يستعذر من ابن أبي، فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي".
فقام سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس فقال: "أنا أعذرك منه
[ ٢٧٦ ]
يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".
فرد عليه سعد بن عبادة سيد الخزرج بقوله: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله".
فقام أسيد بن حضير ابن عم١ سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة:"كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين".
فثار الحيان، الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، وسكت. وسوف أسرد الروايات المتعلقة بهذا الشجار مبينا السبب الدافع لسعد بن عبادة على مقالته، ومحاولا بعد ذلك تحليلها حسب الإمكان. فأقول: إن السبب الدافع لسعد ابن عبادة على ما جرى منه هو قول سعد بن معاذ: "إن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك"، فأثرت هذه الكلمة في سعد بن عبادة تأثيرا شديدا، ذلك لأنه رأى أن فيها هضما لحقه بحكم أنه سيد الخزرج ويريد سعد بن معاذ أن يتحكم فيهم، مما يجعله يتهم سعد بن معاذ بأن فعله هذا لم يكن نصرة لرسول الله ﷺ، وإنما أراد بذلك الانتقام من الخزرج لما كان بينهم من العداوة قبل الإسلام، وهذه الروايات المتعلقة بذلك:
فقد صرحت عائشة بأن رسول الله ﷺ دعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله الحديث، وفيه فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: ليس ابن عمه لحما، ولكنهما يجتمعان في امرئ القيس لأن سعد بن معاذ هو ابن النعمان بن امرئ القيس، وأسيد بن حضير ابن سماك وابن عتيك بن امرئ القيس (الفتح ٨/ ٤٧٤، والإصابة ١/ ٤٩ و٢/ ٣٧، وأسد الغابة ١/ ١١١ و٢/ ٣٧٣) .
[ ٢٧٧ ]
قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية، فقال لسعد ابن معاذ: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله".
فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين". فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا الحديث ١.
وفي لفظ: "وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية"٢.
وعند الواقدي: "وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن الغضب بلغ منه، وعلى ذلك ما غمص عليه في نفاق ولا غير ذلك إلا أن الغضب يبلغ من أهله"٣.
ما رواه البخاري في المغازي: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها ثم ساق الحديث
وفيه: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله ابن أبي وهو على المنبر فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي " فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: "أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا٤ من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٨/ ١١٦ و١١٨ من كتاب التوبة، وانظر سياق حديث الإفك، ص ٢٠٥ وما بعدها. ٢ صحيح مسلم ٨/ ١١٦ و١١٨ من كتاب التوبة، وانظر سياق حديث الإفك، ص ٢٠٥ وما بعدها. ٣ مغازي الواقدي، ٢/ ٤٣١. (من) تبعيضية والأخرى بيانية، فتح الباري ٨/ ٤٧٢.
[ ٢٧٨ ]
قالت: فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه١ وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل"، وهذا محل الشاهد٢.
وعند ابن إسحاق من رواية عباد بن عبد الله بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة "فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا، فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا"٣ا؟.
وعند ابن إسحاق بن راهويه والطبري من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة بن وقاص وغيره أيضًا قال: خرجت عائشة تريد المذهب ومعها أم مسطح وكان مسطح بن أثاثة ممن قال، وكان رسول الله ﷺ خطب الناس قبل ذلك فقال: "كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني؟ " فقال سعد بن معاذ: "أي رسول الله إن كان منا معشر الأوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك"، فقال سعد بن عبادة: "يا ابن معاذ والله ما بك نصرة رسول الله، ولكنها قد كانت ضغائن٤ في الجاهلية وأحن٥ لم تحلل٦ لنا من صدوركم" فقال ابن معاذ: "الله أعلم ما أردت".
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "قوله: (من فخذه) بعد قوله: (بنت عمه)، إشارة إلى أنها ليست بنت عمه لحما لأن سعد بن عبادة يجتمع معها في ثعلبة: فهو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة الخ" وهي الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة. الخ، انظر فتح الباري ٨/ ٤٧٢ و٧/ ١٢٦ من كتاب المناقب. ٢ كتاب المغازي باب حديث الإفك ٥/ ٩٨- ٩٩. ٣ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٠ غير أن ابن إسحاق صرح بوقوع المحاورة بين أسيد بن حضير وبين سعد بن عبادة، ولم يذكر في حديثه سعد بن معاذ أصلا. ٤ ضغائن: جمع ضغينة وهي: الحقد والعداوة والبغضاء. النهاية لابن الأثير ٣/ ٩١. ٥ الإحن: جمع أحنة: وهي الحقد والبغضاء. المصدر السابق ١/ ٢٧. ٦ لم تحلل لنا من صدوركم: أي لم تزل كامنة لنا في صدوركم.
[ ٢٧٩ ]
فقام أسيد بن حضير فقال: "يا ابن عبادة إن سعدا ليس شديدا، ولكنك تجادل عن المنافقينن وتدفع عنهم"، وكثر اللغط في المسجد، ورسول الله ﷺ جالس على المنبر، فما زال النبي ﷺ يومئ بيده إلى الناس ههنا وههنا حتى هدأ الصوت" الحديث١
وقد صرح إسحاق بن راهويه في روايته بتحديث ابن حاطب لمحمد٢ بن بشر العبدي، ولكن الذي يظهر أنه سقط من السند شيخ محمد بن بشر العبدي وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ويكون هو الذي قال: حدثنا ابن حاطب، كما هو مصرح به عند الطبري في هذا الحديث.
ويقوي هذا أن محمد بن بشر العبدي من التاسعة، وابن حاطب من الثالثة فبينهما ست طبقات٣.
وفي إسناد الطبري شيخه سفيان بن وكيع بن الجراح، وهو متكلم فيه٤. ولكن ما يدل عليه هذا الحديث، ثابت عند البخاري وابن إسحاق، كما أوضحت ذلك٥.
خلاصة القول في ذلك:
من المعلوم أن سعد بن عبادة رئيس قبيلة الخزرج، التي منها عبد الله بن أبي ابن سلول، وأن سعد بن معاذ رئيس الأوس، وقد جرى بين السعدين ﵄ نزاع أمام رسول الله ﷺ، قال: "من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي". الحديث.
فقام سعد بن معاذ فقال:"يا رسول الله إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".
_________________
(١) ١ مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤، وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. ٢ في الأصل (محمد بن بسر العبدي) والتصحيح من إسناد الطبري. ٣ انظر التقريب ٢/ ١٤٧ و٣٥٢. ٤ انظر المصدر السابق ١/ ٣١٢، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٢٣- ١٢٤ وميزان الاعتدال ٢/ ١٧٣. ٥ انظر، ص ٢٧٨- ٢٧٩.
[ ٢٨٠ ]
وفي هذه الكلمة من سعد بن معاذ إغفال لقيادة سعد بن عبادة لقومه الخزرج، وسبب هذا الإغفال -فيما يبدو - هو تأثر سعد بن معاذ من ألم رسول الله ﷺ من هذه الفرية على أهله.
غير أن هذا السبب الحامل لسعد بن معاذ على مقالته لم يكن ليجدي نفعا في تهدئة انفعال سعد بن عبادة الذي رأى في هذا الإغفال هضما لحقه وتنقصا لقبيلته، فقال فورا: "كذبت١ لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله"، فأثارت هذه الكلمة أيضا أسيد بن حضير ابن عم سعد ابن معاذ فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق٢ تجادل عن المنافقين".
وكانت هذه الكلمة القوية من أسيد بن حضير سببا في احتدام الصراع العنيف الذي دار بين الفريقين (الأوس والخزرج) وارتفعت الأصوات من كلا الجانبين وكثر اللغط وكادت تكون كارثة، تقر بها أعين الحاقدين على الإسلام وأهله، لولا أن الله سلم. ولقد كان رسول الله ﷺ حكيما في معالجة الموقف، فما زال بالحيين يخفضهم وينهاهم عن هذه العصبيات الجاهلية، التي أرسل لهدمها حتى هدأ القوم وعادوا إلى صوابهم راشدين.
وكان في ذلك انتصار للمسلمين وانكسار لأعداء الله من المنافقين والمشركين.
_________________
(١) ١ قوله: (كذبت) أجاب ابن التين نقلا عن الداودي أن معنى ذلك أن رسول الله ﷺ لا يجعل حكمه إليك، فلذلك لا تقدر على قتله. قال ابن حجر: "وهو حمل جيد". فتح الباري ٨/ ٤٧٣. ٢ قوله: (فإنك منافق) الخ أجاب المازري عن هذا بما يأتي: أ- أن ذلك وقع من أسيد على جهة الغيظ والحنق والمبالغة في زجر سعد بن عبادة، عن المجادلة عن ابن أبي وغيره، ولم يرد النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. ب- أو أراد أن سعد بن عبادة كان يظهر المودة للأوس ثم ظهر منه في هذه القصة ضد ذلك، فأشبه حال المنافق، لأن حقيقته إظهار شيء وإخفاء غيره، ولم يرد بذلك نفاق الكفر، قال: ولعل هذا هو السبب في ترك إنكار النبي ﷺ عليه. انظر فتح الباري ٨/ ٤٧٣- ٤٧٤.
[ ٢٨١ ]