تقدم١ أن يهود بني النضير ثاني طائفة من طوائف يهود نقضت عهدها مع المسلمين وكان رئيسهم حيي بن أخطب٢.
وقد وردت روايتان في سبب نقضهم العهد.
الأولى: ما رواه ابن إسحاق حدثني يزيد بن رومان أن رسول الله ﷺ، خرج إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية٣ الضمري، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله
_________________
(١) ١ انظر: ص ١٥٨- ١٥٩ وما بعدها. وانظر فتح الباري ٧/ ٢٧٥ و٣٣٠. ٢ حيي بن أخطب: هو والد صفية أم المؤمنين ﵂. ٣ عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله، أبو أمية الضمري صحابي مشهور، أول مشاهده بئر معونة، توفي في خلافة معاوية /ع. التقريب ٢/ ٦٥.
[ ١٦٣ ]
عليه وسلم عقد لهم،- وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف - فلما أتاهم رسول اله ﷺ يستعينهم في دية القتيلين، قالوا: "نعم، يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه"، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: "إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ " فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، الحديث.. وفيه فسار إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه، حتى نزلت بهم، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر بقطع النخيل والتحريق١ فيها، فنادوه: "يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها".
وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم، عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: "أن اثبتوا وتمعنوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم"، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، علة أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، إلا الحلقة٢. الحديث
ثم ذكر ما أنزل الله في شأن المنافقين من القرآن وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، [سورة الحشرة، الآيات: ١١-١٧]، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ومن كان على مثل أمرهم، ﴿يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾، يعني: - بني النضير -إلى قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، [سورة الحشر، الآية: ١٥]، يعني: بني قينقاع.
ثم ذكر القصة: إلى قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ
_________________
(١) ١ قطع نخيل بني النضير وتحريقه ثابت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄، انظر البخاري ٥/ ٧٤ كتاب المغازي، ومسلم ٥/ ١٤٥ كتاب الجهاد والسير. ٢ الحلقة: بسكون اللام، السلاح عامة، وقيل الدروع خاصة. النهاية لابن الأثير ١/ ٤٢٧.
[ ١٦٤ ]
قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، [سورة الحشر الآية: ١٦] ١.
وهكذا ذكر المفسرون عند تفسير هذه الآيات أنها نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي وأتباعه الذين حرضوا بني النضير على تمردهم وخروجهم على الدولة الإسلامية، ونقضهم العهد الذي أبرموه على أنفسهم والتزموا به٢ فرواية ابن إسحاق، تدل على أن سبب نقضهم العهد هو تواطؤهم على الغدر برسول الله ﷺ عندما جاء يستعينهم في دية القتيلين، وقد بوب البخاري بقوله: "باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله ﷺ إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله ﷺ".٣
الثانية: ما رواه أبو داود حدثنا محمد بن داود بن سفيان أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن٤ بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ "أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله ﷺ، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: "لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم" فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٠- ١٩٥ وتاريخ الطبري ٢/ ٥٥١ وتفسيره ٢٨/ ٢٩ وفتح الباري ٧/ ٣٣١. ٢ تفسير الطبري ٢٨/ ٤٥ وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٤٠ وتفسير الشوكاني ٥/ ٢٠٤. ٣ البخاري ٥/ ٧٤ كتاب المغازي. ٤ عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، أبو الخطاب، المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال ولد في عهد النبي ﷺ، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك /ع. التقريب ١/ ٤٩٦.
[ ١٦٥ ]
وقعة بدر إلى اليهود: "إنكم أهل الحلقة، والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا"، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء وهي الخلاليل، فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ، أجمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ اخرج علينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرا حتى نلتقي بمكان المنصف* فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك، فقص خبرهم، فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ. الحديث١. والحديث سكت عليه المنذري٢.وفيه محمد بن داود بن سفيان شيخ أبي داود.
قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب بأنه مقبول٣.
وفي تهذيب التهذيب لم يزد على قوله: محمد بن داود بن سفيان روى عن عبد الرزاق ويحيى بن حسان، وعنه أبو داود٤.
ولكن الحديث عند عبد الرزاق من هذه الطريق وليس فيه محمد ابن داود، ولكنه قال: عبد الله٥ بن عبد الرحمن بن كعب بدل (عبد الرحمن بن كعب) وفيه: فأرسلت امرأة ناصحة، من بني النضير إلى بني أخيها٦، وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته ما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى
* المنصف: بفتح الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة – الموضع الوسط بين الموضعين (ابن الأثير: النهاية ٥/ ٦٦) .
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٢/ ١٣٩ كتاب الخراج (باب في خبر بني النضير) . ٢ انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/ ٢٣٦. ٣ التقريب ٢/ ١٦٠. ٤ تهذيب التهذيب ٩/ ١٥٤. ٥ قال ابن حجر في تعجيل المنفعة، ص ١٥٣: أظنه انقلب، وأنه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك شيخ الزهري، وهو مترجم في التهذيب / انظر تهذيب التهذيب ٦/ ٢١٤ أخرج له خ م د س. وتقريب التهذيب ١/ ٤٨٨ وقال عنه: ثقة عالم، من الثالثة. ٦ كذا هو في المصنف ولعله (ابن أخيها) .
[ ١٦٦ ]
الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعا، حتى أدرك رسول الله ﷺ، فساره بخبرهم. الحديث١
والحديث من هذه الطريق نسبه ابن حجر لابن مردويه، وعبد بن حميد وقال: "بإسناد صحيح إلى معمر عن الزهري"، ثم قال: ابن حجر: "فهذا أقوى مما ذكره ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله أعلم"٢.
والذي يهمنا من هذه الغزوة هو موقف المنافقين المتمردة الخارجة على الدولة الإسلامية وعلى العهد الذي التزمت به حيال المسلمين وهذه المواقف العدائية من المنافقين تدل على خطر النفاق وخبثه، وأنه يحمل أصحابه على اتخاذ جميع الوسائل الممكنة للحيلولة دون تقدم دعوة الإسلام، وانتصاره، ومجمل المواقف التي وقفها المنافقون من دعوة الإسلام تدور حول غرضين أساسيين:
أولهما: التخذيل عن اعتناق الإسلام، بإلقاء الرعب في صفوف الجيش الإسلامي، وتخويفه من الوقوف في وجه عدوه، كما حصل في غزوة الأحزاب.
وثانيهما: بث الشبه والتشكيك في الإسلام، ونبي الإسلام، وزرع بذور الفتنة، في ساحة الجيش الإسلامي، كما حصل ذلك في غزوة بني المصطلق التي نحن بصددها.
وقد باءت جميع محاولات المنافقين بالإخفاق، واندحر كيدهم وخاب سعيهم، ونصر الله الإسلام والمسلمين، وكان الوحي ينزل طريا بفضح هذه المواقف على اختلافها، وتثبيت نفوس المسلمين وتصفية الساحة الإسلامية مما علق بها من أدران هذه المواقف المغرضة.
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٥٨- ٣٦١. ٢ فتح الباري ٧/ ٣٣١- ٣٣٢.
[ ١٦٧ ]