إن قصة الإفك كان من نتائجها البيان القاطع بأن الوحي ليس خاضعا لأمنية الرسول ﷺ وإرادته، إذ لو كان لأمر كذلك، لكان من
[ ٣٥٤ ]
السهل عليه أن ينهي هذه المشكلة منذ نشأتها وطفولتها، ويريح نفسه من ويلايتها ونتائجها. وذلك بأن يأتي بقرآن يبرئ به أهله ويطمئن به أصحابه، ويسكت به أهل القيل والقال، لأنه كان يعلم من أهله الاستقامة والبعد عن هذه الجريمة الشنعاء ولكنه لم يفعل ذلك لأنه لا يملكه وإنما الوحي بيد الله وحده. وقد نفى الله عنه ذلك في أحد مواقفه مع المشركين.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ٢.
وظل شهرا كاملا يحمل بين جنبيه الألم الشديد، من جراء هذه الكارثة الفادحة ويصبر نفسه على ذلك ويطلب الفرج من الله ﷿.
وكان من تمام الحكمة الإلهية أن تأخر عنه الوحي هذه المدة كلها ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
وقد عالج ابن القيم هذه القضية معالجة طيبة. وفيما يأتي بعض مما أورده في هذا المقام.
قال: "واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس الوحي عن رسول الله ﷺ شهرا، لا يوحى إليه في ذلك شيء، وذلك لتتم حكمته التي قدرها وقضاها وتظهر على أكمل الوجوه، ويزداد المؤنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق، وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته، والصديقين من عباده.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية: ١٥. ٢ سورة الحاقة، الآيات: ٤٤-٤٧. وفي هذه الآيات رد على الملحدين في كل زمان ومكان الذين يقولون بأن القرآن من كلام «محمد» وبأنه قصص وأساطير الأولين، وقد قص الله ذلك بقوله ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء الله لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ سورة الأنفال: آية ٣١.
[ ٣٥٥ ]
ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا، ويظهر لرسوله ﷺ وللمؤمنين سرائرهم إلى أن قال: فكان من حكمة حبس الوحي شهرا، أن القضية نضجت، وتمحضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه الله إلى رسوله ﷺ فيها، وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع، فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله ﷺ وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه المؤمنون، فورد عليهم ورود الغيث على الأرض، أحوج ما كانت إليه، فوقع منهم أعظم موقع، وألطفه، وسروا به أتم السرور، وحصل لهم به غاية الهناء، فلو أطلع الله رسوله ﷺ على حقيقة
الحال من أول وهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحكم١ وأضعافها بل أضعاف أضعافها"٢.
_________________
(١) ١ من الحكم التي ذكرها أيضا في حكمة تأخر لوحي قال: لتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها، وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها والافتقار إلى الله، والذل له وحسن الظن به والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين الخ. ٢ زاد المعاد ٢/١٢٧.
[ ٣٥٦ ]