إن من عدالة الإسلام وسماحته ومراعاة للحقوق الإنسانية، أن المرء إذا كان لديه أكثر من زوجة فإنه يأمره ويطالبه العدل بينهن في المأكل والمشرب والملبس والمبيت لأن لكل واحدة منهن حقا، ومن ثم فإنه إذا أراد السفر ببعضهن أرشده الإسلام إلى القرعة بينهن ليكون ذلك أدعى إلى رضى الجميع وعدم وقوع بغضاء وشحناء بينهن لأنه لو اختار واحدة منهن بدون قرعة لكان في ذلك شقاق ونزاع مع بقية الزوجات، لاستوائهن في هذا لحق، فكانت القرعة حاسمة لهذا كله.
ولما كانت غزوة بني المصطلق أقرع رسول الله ﷺ بين نسائه كعادته فأصابت القرعة عائشة فخرج بها ﷺ معه، ودلت الأحاديث الصحيحة أن عائشة ﵂ خرجت وحدها في هذه الغزوة ولم تخرج معه ﷺ امرأة سواها، وأما ما ورد من خروج أم سلمة في هذه الغزوة أيضا فإنه لا يصح.
فعند ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة عن نفسها، حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع
[ ٣١٨ ]
بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن معه، فخرج بي رسول الله ﷺ"١.
وعند البزار من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق". الحديث
قال الهيثمي: "رواه البزار وفيه محمد بن عمرو٢ وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات٣ ونسبه السيوطي للبزار وابن مردويه وقال بسند حسن"٤.
وبوب البخاري بقوله: "باب حمل الرجل امرأته في الغزوة دون بعض نسائه"، ثم ذكر طرفا من حديث عائشة في قصة الإفك وهو "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين نسائه فأيتهن يخرج سهمها خرج بها النبي ﷺ. فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع النبي ﷺ بعدما أنزل الحجاب"٥.
قال ابن حجر: "قوله باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه "ذكر فيه طرفا من حديث عائشة في قصة الإفك وهو ظاهر فيما ترجم له، وسيأتي شرح حديث الإفك تاما في التفسير، وفيه التصريح بأن حمل عائشة معه كان بعد القرعة بين نسائه"٦. اهـ.
قلت: ومعلوم أن قصة الإفك كانت في غزوة بني المصطلق، وبهذا التقرير يتضح أن عائشة كانت وحدها في غزوة بني المصطلق، ولذا فقد قال ابن حجر
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٧، وانظر مسند أبي يعلى ٤/٤٥٠ و٥/٥٥٥، وانظر ص ٢٠٦، من هذه المسألة. ٢ هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي. تقدمت ترجمته. ٣ مجمع الزوائد ٩/٢٣٠. ٤ الدر المنثور ٥/٢٧. ٥ البخاري ٤/٢٧، كتاب الجهاد والسير باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه. ٦ فتح الباري ٦/٧٨، وقع في فتح الباري الطبعة السلفية "قبل أن ينزل الحجاب" وهو خطأ مطبعي لأن أحاديث الإفك صريحة في وقوع هذه الحادثة بعد نزول الحجاب. وهو كذلك في الفتح، النسخة الحلبية ٦/٤١٨.
[ ٣١٩ ]
أثناء شرحه لحديث الإفك: "قوله: (فخرج سهمي)، هذا يشعر بأن عائشة كانت في تلك الغزوة وحدها، لكن عند الواقدي١ من طريق عباد بن عبد الله عن عائشة أنها خرجت معه في تلك الغزوة أيضا أم سلمة، وكذا في حديث ابن عمر، وهو ضعيف"٢.
ثم قال: "ولم يقع لأم سلمة في تلك الغزوة ذكر، ورواية ابن إسحاق٣ من رواية عباد ظاهرة في تفرد عائشة بذلك، ولفظه "فخرج سهمي عليهن، فخرج بي معه"٤.اهـ. وأما حكم العمل بالقرعة فالجمهور من العلماء على القول بذلك.
والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبارها٥. والأحاديث ترد عليهم فإنها صريحة في ذلك.
_________________
(١) ١ انظر الحديث في مغازي الواقدي، ٢/٤٢٦. ٢ انظر الحديث في مجمع الزوائد للهيثمي، ٩/٢٣٧، ونسبه للطبراني وقال: فيه إسماعيل ابن يحيى بن عبيد الله التيمي وهو كذاب. ٣ انظر حديث ابن إسحاق، ص ٣١٨، وانظر سيرة ابن هشام، ٢/٢٩٧. ٤ فتح الباري ٨/٤٥٨، وانظر حاشية، ص ٢٠٦، من هذه الرسالة. ٥ انظر شرح صحيح النووي على مسلم ٥/٦٢٩ و٦٤١، وزاد المعاد لابن القيم ١/٥٥، وفتح الباري ٥/٢٩٣- ٢٩٤، وسبل السلام للصنعاني ٣/١٦٥، ونيل الأوطار للشوكاني ٦/٢٤٥، وعون المعبود شرح سنن أبي داود ٦/١٧٦.
[ ٣٢٠ ]