قال البخاري: "حدثنا الحميدي١ حدثنا سفيان قال: حفظناه من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين فسمعها رسول الله ﷺ. الحديث "
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر، ثقة حافظ فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة، من العاشرة، (ت٢١٩)، وقيل بعدها. قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عن الحميدي، لا يعدوه إلى غيره / خ مق د ت س فق. التقريب ١/ ٤١٥.
[ ١٨٦ ]
وفيه: قال عمر بن الخطاب ﵁: "دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق"، قال النبي ﷺ: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" ١.
قال النووي: "قوله ﷺ: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"، فيه ما كان عليه ﷺ من الحلم، وفيه ترك بعض الأمور المختارة والصبر على بعض المفاسد، خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه"، وكان ﷺ يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين، وتتم دعوة الإسلام، ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة، ويرغب غيرهم في الإسلام، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى، ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه ﷺ، ويجاهدون معه، إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم٢.
وقال ابن العربي: "قول النبي ﷺ: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" هو إخبار عن وجه المصلحة في الإمساك عن قتلهم، لما يرجى من تأليف الكلمة بالعفو عنه، والاستدراك لما فاتهم في المستقبل من أمرهم توقعا لسوء الأحدوثة المنفرة عن القبول للنبي ﷺ والإقبال عليه"٣.
وعند ابن إسحاق من طريق عاصم بم عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكرن ومحمد بن حبان، قال: كل قد حدثني حديث بني المصطلق وساق الحديث بتفاصيل الغزوة وفيه "فبينا رسول الله ﷺ على ذلك
_________________
(١) ١ البخاري ٦/ ١٢٨، كتاب التفسير، باب قوله: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ومسند الحميدي ٢/ ٥١٩. ٢ شرح صحيح مسلم للنووي ٥/ ٤٤٥. ٣ عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي ١٢/ ٢٠٤ وانظر شرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفارني ٢/ ٤١٢- ٤١٣.
[ ١٨٧ ]
الماء١ وردت واردة الناس، ومع عمر بن لخطاب أجير له، من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر٢ الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم: زيد بن أرقم غلام حدث، فقال: "أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب٣ قريش إلا كما قال الأول٤:سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: "هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموه بلادكم، وقاسمتموه أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم"، فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول ﷺ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ من عدوه، فأخبره، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: "مر به عباد بن بشر فليقتله"، فقال له رسول الله ﷺ: "فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا"، ولكن أذن بالرحيل، وذلك ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله٥ بن أبي بن سلول إلى رسول الله ﷺ، حين بلغه أن
_________________
(١) ١ هو ماء المريسيع. ٢ معشر: كمسكن: الجماعة وأهل الرجل. القاموس المحيط ٢/ ٩٠. ٣ جلابيب: لقب لمن أسلم من المهاجرين، لقبهم بذلك المشركون، وأصل الجلابيب: الأزر الغلاظ، كانوا يلتحفون بها، فلقبوهم بذلك. ٤ كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وعند الطبري كما قال القائل، وهو مثل من أمثال عرب، وأول من قاله: حازم بن المنذر الحماني، وذلك أنه مر بمحلة همدان فوجد غلاما ملفوفا في ثوب، فرحمه وحمله معه وقدم به منزله وأمر أمة له أن ترضعه حتى كبر وراهق الحلم، فجعله راعيا لغنمه وسماه جحيشا، وكان لحازم ابنة يقال لها: راعوم فهويت الغلام وهويها وانتبه حازم لهذا فترصد لهم حتى عرف الحقيقة ووجدهم على الفاحشة، فقال: سمن كلبك يأكلك، فأرسلها مثلا وشد على جحيش ليقتله ففر ولحق بقبيلته، انظر مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٣٣. ورقم المثل (١٧٨٧) . ٥ قال القسطلاني في إرشاد الساري شرح البخاري ٧/ ٢٥٧، دار الكتاب العربي، بيروت، عبد الله بن أبي ابن سلول برفع ابن لأنه صفة لعبد الله، لا لأبي وسلول غير منصرف للتأنيث والعلمية، لأنها أمه.
[ ١٨٨ ]
زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال: ولا تكلمت به - وكان شريفا عظيما - فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: "يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل"، حدبا١ على ابن أبي ابن سلول، ودفعا عنه، فلما استقل رسول الله ﷺ، وسار لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: "يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة مبكرة، ما كنت تروح في مثلها"، فقال له رسول الله ﷺ: "أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ " قال: وأي صاحب يا رسول الله؟
قال: "عبد الله بن أبي"، قال: وما قال؟ قال: "زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، قال: فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: "يا رسول الله ارفق به٢، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا". ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي، إلى أن قال: "وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه"، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شانهم: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت ٣ له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته".
قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري"٤.
_________________
(١) ١ حدبا على ابن أبي: أي عطفا عليه. ٢ هذه الكلمة قالها أيضا سعد بن عبادة عندما عاده رسول الله ﷺ. انظر ص ١٥٢ مما تقدم. ٣ لأرعدت له آنف: أي انتفخت واضطربت أنوفهم حمية وعصبية. ٤ سيرم ابن هشام ٢/ ٢٩٠- ٢٩٣.
[ ١٨٩ ]
"الحديث رجاله ثقات، ولكنه مرسل". وأورده ابن جرير الطبري من هذه الطريق نفسها١.
وله شاهد عند ابن أبي حاتم من مرسل عروة بن الزبير، وعمر بن ثابت الأنصاري.
وهو مرسل جيد كما قال ابن حجر٢. وهو أيضا عند ابن أبي شيبة من مرسل عروة وحده٣.
وأصله في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم وجابر بن عبد الله٤. وبهذا يكون الحديث حسنا لغيره.
والحكمة ظاهرة من أمره ﷺ بالرحيل في وقت غير معتاد، وهي أن ترك مثل هذا الخبر ينتشر في الجيش يسبب بلبلة في الأفكار، ويثير القيل والقال مما ويصرف أذهان الجند الإسلامي إلى مهاترات كلامية، لا تحمد عقباها، فكانت مسيرة الجيش المتصلة ليلا ونهارا، مما أجهدهم، حتى وقعوا نياما، فمسح النوم العميق بعد النصب الشديد آثار الفتنة.
وهذا منهج في سياسة الأمور ينبغي أن يسلكه القادة الراشدون في كل زمان ومكان.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري٢/ ٦٠٥. ٢ فتح الباري ٨/ ٦٤٩، وانظر تفسير ابن كثير ٤/ ٣٧١. ٣ الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٢٢٥. ٤ انظر ص ١٧١- ١٧٤ وما بعدها.
[ ١٩٠ ]