قال البخاري: "لما أخبرت عائشة بالأمر١ قالت: يا رسول الله أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي، فأذن لها وأرسل معها الغلام"٢.
"وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم"٣.
قال ابن حجر: قوله: "وقال رجل من الأنصار "الخ وقع عند ابن إسحاق أنه أبو أيوب الأنصاري، وأخرجه الحاكم من طريقه، وأخرجه الطبراني
_________________
(١) ١ أي: بأمر الإفك. ٢ قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٣٤٤:هو موصول بالسند قبله. قلت: والسند الذي قبله هو:حدثني محمد بن حرب، حدثنا يحيى بن أبي زكريا الغساني عن هشام عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط. ٣ البخاري ٩/ ٩٢ كتاب الاعتصام باب قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ .
[ ٢٧١ ]
في مسند الشاميين، وأبو بكر الآجري١ في طرق حديث الإفك من طريق عطاء٢ الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة٣.
وأشار ابن حجر أيضا إلى هذا في تفسير سورة النور أثناء شرحه لحديث الإفك، فقال: وفي رواية هشام عن عروة: "قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد"".
وزاد عطاء الخراساني عن الزهري هنا قبل قوله فقام: "وكانت أم أيوب الأنصارية قالت لأبي أيوب: "أما سمعت ما يتحدث الناس؟ " فحدثته بقول أهل الإفك، فقال: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم"، ثم أشار إلى ما علقه البخاري بقوله: "وقال رجل من الأنصار"٤.
وقال: فيستفاد معرفته من رواية عطاء هذه٥. قلت: وقد رواه الواحدي أيضا موصولا من طريق عطاء المذكور ولفظه: عن الزهري عن عروة أن عائشة
_________________
(١) ١ أبو بكر الآجري هو محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الإمام المحدث القدوة، مصنف كتاب الشريعة في السنةوغير ذلك (ت٣٦٠) تذكرة الحفاظ للذهبي٣/٩٣٦. ٢ عطاء بن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني، واسم أبيه ميسرة وقيل عبد الله، صدوق يهم كثيرا ويدلس، من الخامسة، (ت ١٣٥) لم يصح أن البخاري أخرج له/ م عم. التقريب ٢/ ٢٣. وفي تهذيب التهذيب ٧/ ٢١٣ نقل توثيقه عن ابن معين وأبي حاتم وابن سعد والدارقطني وقال النسائي: ليس به بأس، ونقل تضعيفه عن البخاري وابن حبان، وقال شعبة: كان نسيا. وفي ميزان الاعتدال ٣/ ٧٣- ٧٥ نقل توثيقه عن أحمد والعجلي ويعقوب بن شيبة، علاوة على من ذكرهم ابن حجر، ونقل تضعيفه عن العقيلي وابن حبان ولم يرتض ذلك، ونقل عن النرمذي أنه قال في كتاب العلل: "قال محمد - يعني البخاري-: "ما أعرف لمالك رجلا يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني"، قلت: "ما شأنه؟ " قال: "عامة أحاديثه مقلوبة". ثم قال الترمذي معقبا على هذا: "عطاء ثقة"، روى عنه مثل مالك ومعمر، ولم أسمع أن أحدا من المتقدمين تكلم فيه". ا؟ـ. لم أجد هذا في العلل الموجود بأيدينا وبهذا التقرير يكون قول ابن حجر في عطاء: " صدوق يهم كثيرا" فيه نظر. والظاهر أنه ثقة قد وثقه أجلة أئمة النقد. أمثال أحمد وابن معين وأبي حاتم والدارقطني والعجلي ويعقوب بن شيبة وغيرهم. ٣ فتح الباري ١٣/ ٣٤٤. ٤ تقدم ص ٢٧١. ٥ فتح الباري ٨/ ٤٧٠.
[ ٢٧٢ ]
﵂ حدثته بحديث الإفك وقالت فيه: "وكان أبو أيوب١ الأنصاري حين أخبرته امرأته٢ وقالت: "يا أبا أيوب ألم تسمع بما تحدث الناس؟ " قال: "وما يتحدثون؟ " فأخبرته بقول أهل الإفك، فقال: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم".
قالت: "فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١٦] ٣.
ورواية ابن إسحاق التي أشار إليها ابن حجر فيما تقدم٤، هذا نصها: قال ابن إسحاق: حدثني أبي٥ إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب: "يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ " قالت: "لا والله ما كنت لأفعله" قال: "فعائشة والله خير منك"، قالت: "فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١١] .
_________________
(١) ١ أبو أيوب هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي من كبار الصحابة، شهد بدرا، ونزل النبي ﷺ حين قدم المدينة عليه، مات غازيا بالروم سنة خمسين وقيل بعدها/ ع. التقريب ١/ ٢١٣. ٢ هي أم أيوب الأنصارية الخزرجية، زوج أبي أيوب الأنصار، وهي بنت قيس بن سعد، وكان أبوها خال زوجها./ د ق. المصدر السابق ٢/ ٦١٩. ٣ أسباب النزول للواحدي، ص ٢١٨. ٤ انظر ص ٢٧١. ٥ هو إسحاق بن يسار المدني، والد محمد صاحب المغازي، ثقة من الثالثة/مد. التقريب ١/ ٦٢.
[ ٢٧٣ ]
وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا.
ثم قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، [سورة النور، الآية: ١٢]، أي فقالوا: كما قال أبو أيوب وصاحبته". الحديث ١.
وأخرجه من طريق الطبري وابن كثير٢.
وفي الدر، أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا الحديث٣ وأما رواية الحاكم فقال ابن حجر فيما تقدم٤ إنها من طريق ابن إسحاق، وقال في موضع٥ آخر بعد أن ذكر رواية ابن إسحاق: وللحاكم من طريق أفلح٦ مولى أبي أيوب ونحوه٧.
وقال السيوطي بعد أن ذكر الطريق المتقدمة: "وأخرج الواحدي٨ وابن عساكر الحاكم عن أفلح مولى أبي أيوب، أن أم أيوب قالت: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب"، الحديث"٩
وهكذا ذكر الشوكاني بعد أن ساق الطريق الأولى، التي عند السيوطي
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٢- ٣٠٣. ٢ تفسير الطبري ١٨/ ٩٦ وتاريخه ٢/ ٦١٧ وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٧٣. ٣ الدر المنثور للسيوطي ٥/ ٣٣. ٤ انظر ص ٢٧١. ٥ فتح الباري ٨/ ٤٧٠. ٦ أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، أبو عبد الرحمن، وقيل أبو كثير، ثقة مخضرم، من الثانية، (ت ٦٣) / م مد. التقريب ١/ ٨٣. ٧ طالعت المستدرك فلم أجد هذه الرواية فلعلها في الإكليل فإن ابن حجر كثيرا ما ينسب إليه. ٨ كذا هو في الدر الواحدي وصوابه: (الواقدي) كما في رواية الشوكاني، وكما هو أصل الحديث من هذه الطريق عند الواقدي، وأما الواحدي فقد أخرج الحديث من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة كما تقدم، ص ٢٧٢، وانظر أسباب النزول له، ص ٢١٨. ٩ الدر المنثور ٥/ ٣٣.
[ ٢٧٤ ]
قال: "وأخرج الواقدي والحاكم وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب فذكر نحوه١ فهذا ظاهر في أن للحاكم روايتين: إحداهما من طريق ابن إسحاق، والأخرى ليست من طريقه".
وحديث الواقدي المشار إليه هو: حدثني ابن أبي٢ حبيبة عن داود٣ بن الحصين عن أبي سفيان٤ عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب"، ثم ساق قريبا من ألفاظ حديث ابن إسحاق٥ المتقدم٦.
فهذه ثلاث روايات وردت في هذا الباب:
الأولى: رواية ابن إسحاق وفيها الإبهام المذكور (عن بعض رجال بني النجار) .
الثانية: رواية الحاكم والواقدي وابن عساكر من طريق أفلح مولى أبي أيوب وهي موصولة عند الواقدي، وأما رواية الحاكم وابن عساكر فلا نستطيع الجزم بوصلها أو عدمه إلا بعد الإطلاع على تاريخ ابن عساكر والإكليل للحاكم.
الثالثة: رواية أبي بكر الآجري والواحدي من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة وهي موصولة عند الواحدي.
_________________
(١) ١ فتح القدير للشوكاني ٤/ ١٥- ١٦. ٢ إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، الأشهلي، مولاهم أبو إسماعيل المدني، ضعيف، من السابعة، (ت ١٦٥) وهو ابن ٨٢ سنة، / دت س. التقريب ١/ ٣١. ٣ داود بن الحصين الأموس، أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، من السادسة (ت ١٣٥) /ع. المصدر السابق ١/ ٢٣١. ٤ أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، قيل اسمه وهب، وقيل قزمان، ثقة من الثالثة / ع. المصدر السابق ٢/ ٤٢٩. ٥ تقدم ص ٢٧٣. ٦ مغازي الواقدي ٢/ ٤٣٤.
[ ٢٧٥ ]
فهذه الروايات بمجموعها يقوي بعضها بعضا ويكون الحديث على أقل تقدير حسنا لغيره.
وهذه الأحاديث المتعاضدة تبرز موقف أبي أيوب وزوجه من حادثة الإفك، وهو موقف جدير بالتنويه، ذلك لأن بعض الناس وقعوا في شرك هذه الدسيسة السيئة والفرية الذميمة فأخذوا يشيعونها دون وعي لأبعادها السيئة، أما أبو أيوب وزوجه فقد نفياها واعتبراها بهتانا عظيما، وأوضحا أن أقل رتبة في الورع والاستقامة من عائشة وصفوان لا يقع في مثل هذه السفاسف. فكيف بأم المؤمنين وزوج سيد الخلق أجمعين، فرضي الله عن أبي أيوب وزوجه وأرضاهما.
ولقد أنصفتهما عائشة ﵂ فنوهت بموقفهما النزيه الشريف من هذه الفرية وكأنها تعرض بمن وقع في حبائل هذه الفتنة العمياء.
وأنزل الله سبحانه فيما أنزل في كتابه: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى موقف أبي أيوب وزوجه، وقولهما ذلك كما أثبتت ذلك الروايات السابقة، وعلى هذا جرى عامة المفسرين فإنهم حين يفسرون قوله سبحانه ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ يذكرون هذه روايات المتعلقة بموقف أبي أيوب وزوجه على أن المراد بهذه الإشارة القرآنية هو أبو أيوب الأنصاري وزوجه والله أعلم.
[ ٢٧٦ ]