روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد والطبري من حديث زيد١ بن ثابت ﵁ قال: لما خرج النبي ﷺ إلى غزوة أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم، فنَزلت٢: ﴿فَمَا
_________________
(١) ١ زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان بفتح اللام وسكون الواو وبذال معجمة، الأنصاري النجاري، أبو سعيد وأبو خارجة، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، (ت٤٥ أو ٤٧) وقيل بعد الخمسين /ع. التقريب ١/ ٢٧٢. ٢ قوله: فنَزلت: فما لكم في المنافقين فئتين الخ: قال ابن حجر: "هذا هو الصحيح في سبب نزولها، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبي سعيد بن معاذ ن قال: نزلت هذه الآية في الأنصار، خطب رسول الله ﷺ فقال: "من لي بمن يؤذيني؟ " فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير ومحمد بن مسلمة، قال: فأنزل الله هذه الآية" قال ابن حجر: "وفي سبب نزولها قول آخر: أخرجه أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه "أن قومًا أتوا المدينة فأسلموا، فأصابهم الوباء فرجعوا، واستقبلهم ناس من الصحابة فأخبروهم فقال بعضهم: نافقوا،، وقال بعضهم: لا، فنَزلت" وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة مرسلا، فإن كان محفوظا احتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا، فتح الباري ٧/ ٣٥٦ قلت: الراجح أنها نزلت في رجوع عبد الله ابن أبي وأصحابه يوم أحد ويدل عليه سياق الحديث حيث ذكر الخروج إلى أحد ورجوع ناس ممن خرج معه ﷺ ثم عقب بنزول الآية، وقد بينت روايات المغازي أن هؤلاء الناس هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه. وقد رجح هذا القول الشوكاني، فقد أورد حديث زيد بن ثابت وقال: هذا أصح ما روي في سبب نزول هذه الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك وأشار ابن كثير إلى رواية ابن أبي حاتم المصرح فيها بأن الآية نزلت في شأن قصة الإفك، ثم قال: وهذا غريب. انظر فتح القدير للشوكاني ١/ ٤٩٧ وتفسير ابن كثير ١/ ٥٣٣. وأورد الطبري الأقوال المتقدمة وغيرها، ثم قال: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين: أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى: ﴿فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه". انظر تفسير الطبري ٥/ ١٩٤. والظاهر في السبب هو ما قدمنا ترجيحه.
[ ١٥٩ ]
لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّه أَرْكَسَهُمْ١ بِمَاكَسَبُوا﴾ ٢، وقال: "إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي ٣ النار خبث الفضة" ٤.
قال ابن حجر: "قوله رجع ناس ممن خرج معه: يعني عبد الله بن أبي
_________________
(١) ١ أركسهم: أي ردهم إلى كفرهم، مختار الصحاح ص ٢٥٤. ٢ سورة النساء، الآية: ٨٨، وتمامها: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . ٣ قوله: "تنفي الذنوب": كذا وقع هنا وتقدم في فضائل المدينة: "تنفي الرجال" وفي تفسير سورة النساء تنفي الخبث، قال ابن حجر: "وهو المحفوظ والحديث في هذه المواضع الثلاثة من طريق شعبة"، وتقدم في فضائل المدينة من حديث جابر بن عبد الله "المدينة كالكير تنفي خبثها" وفي حديث أبي هريرة "تنفي الناس" هذه الألفاظ كلها عند البخاري -قال ابن حجر: وأخرج حديث زيد بن ثابت مسلم والترمذي والنسائي من طريق غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه البخاري في التفسير من طريق غندر المذكور ثم قال ابن حجر: "وغندر أثبت الناس في شعبة وروايته توافق حديث جابر بلفظ "تنفي خبثها"" وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة (تخرج الخبث) ثم قال ابن حجر: "ورواية "تنفي الرجال" لا تنافي الرواية بلفظ: "الخبث" بل هي مفسرة للرواية المشهورة- يعني تنفي الخبث- بخلاف "تنفي الذنوب" ثم قال ابن حجر:" ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره "تنفي أهل الذنوب" فيلتئم مع باقي الروايات". انتهى بتصرف. فتح الباري٤/ ٩٧ و٧/ ٣٥٦. ٤ البخاري ٥/ ٨٠ كتاب المغازي باب غزوة أحد و٣/ ٢٠ كتاب الحج (باب المدينة تنفي الخبث) و٣/ ١٩ (باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس) و٦/ ٣٩ كتاب التفسير وأخرجه مسلم ٨/ ١٢١ (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم) و٤/ ١٢٠ كتاب الحج في صيانة المدينة من دخول الطاعون، والترمذي ٤/ ٣٠٦ التفسير. والنسائي في السنن الكبرى عن محمد بن بشار عن غندر به، انظر تحفة الأشراف للمزي ٣/ ٢١٩- ٢٢٠. وأحمد ٥/ ١٨٤ والطبري في التفسير ٥/ ١٩٢.
[ ١٦٠ ]
وأصحابه"، وقد ورد ذلك صريحا في رواية موسى بن عقبة في المغازي، وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي ﷺ على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي ﷺ فخرج، قال: عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني علام نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس.
قال ابن إسحاق في روايته: "فاتبعهم عبد الله بن عمورو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجيا كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا، فقال: أبعدكم الله"١.
قلت: رواية ابن إسحاق المشار إليها خلاصتها: أن رسول الله ﷺ لما سمع بوصول قريش ونزولها في أطراف المدينة قال للمسلمين: "إني قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا٢ ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها بالمدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها"، وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله ﷺ يرى رأيه في ذلك، وألا يخرج إليهم، وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته بدر يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: "يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدونا قط، إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا" فلم يزل الناس برسول الله ﷺ حتى خرج في ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس وقال: "أطاعهم
_________________
(١) ١ فتح الباري ٤/ ٩٧ و٧/ ٣٥٦ و٨/ ٢٥٧. ٢ وعند أحمد في مسنده ٣/ ٣٥١ "ورأيت بقرا منحرة" وفي المستدرك ٢/ ١٢٩ "ورأيت بقرا تذبح".
[ ١٦١ ]
وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس"، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: "يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عند من حضر عن عدوهم" فقالوا: "لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال"، قال: "فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم"، قال: "أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه"١.
قلت: الحديث مرسل لأنه من رواية الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة وحصين بن عبد الرحمن وهؤلاء لم يحضروا القصة، وهو من هذه الطريق عند الطبري وابن كثير٢.
ووصله أحمد من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله نحوه٣.
وله شاهد عند الحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن عباس ﵄، وقال الحاكم عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي٤.
قال ناصر الدين الألباني: "حديث أحمد على شرط مسلم، غير أن فيه أبا الزبير، مدلس وقد عنعنه. وحديث البيهقي إسناده حسن، وأشار إلى حديث الحاكم وتصحيحه له، وموافقة الذهبي له، ثم قال: الحديث صحيح"٥.
وهكذا فقد صح أن المنافقين خذلوا المسلمين في أحرج المواقف، بتأثيرهم على الضعفاء، وسحبهم ثلث جيش المسلمين، الذي خرج للتصدي للمشركين، واحتجوا لأنفسهم بأوهى الأسباب، وهو زعمهم أن القتال لن يقع - وكأن المسلمين خرجوا للنزهة - مع أنهم يعتقدون أن القتال حاصل لا محالة،
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠- ٦٤. ٢ تاريخ الطبري ٢/ ٤٩٩- ٥٠٣ وتفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥. ٣ مسند أحمد ٣/ ٣٥١. ٤ المستدرك ٢/ ١٢٨- ١٢٩ وحديث البيهقي أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ١١. ٥ حاشية فقه السيرة للغزالي، ص ٢٦٩.
[ ١٦٢ ]
وهو صريح قول ابن أبي "أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس" ولكنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وإنما الذي صدهم عن الانضمام مع كتائب المسلمين هو كفرهم ونفاقهم كما أوضح الله ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾، [سورة آل عمران، الآية: ١٦٧] .
قال ابن كثير: "في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم﴾، يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا ﴿لَو نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُم﴾، فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة"١.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥.
[ ١٦٣ ]