قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر١ بن الزبير عن عروة٢ ابن الزبير، عن عائشة٣، قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له٤، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة
_________________
(١) ١ محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من السادسة (ت بضع عشرة ومائة) / ع. انظر التقريب ٢/١٥٠. ٢ عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثانية، (ت ٩٤) على الصحيح، ومولده في خلافة عمر الفاروق/ع المصدر السابق ٢/١٩. ٣ عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي ﷺ، إلاَّ خديجة ففيها خلاف شهير (ت ٥٧) على الصحيح/ ع. المصدر السابق ٢/٦٠٦. ٤ وفي مغازي الواقدي ١/٤١٠ وقعت في السهم لثابت بن قيس وابن عم له – بالواو المشركة – وأن ثابتًا خلصها من ابن عمه بنخلات له بالمدينة.
[ ١١٣ ]
ملاَّحة١، لا يراها أحد إلاَّ أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ﷺ ما رأيت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سيد قومه، وقد أصابني من البلاء، ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينُك على كتابتي، قال: "فهل لك في خير من ذلك؟ ".
قالت: وما هو يا رسول الله؟.
قال: "أقضي عنك كتابتك وأتزوجك"، قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ قد
_________________
(١) ١ ملاحة: بضم الميم وتشديد اللام أي شديدة الملاحة، وهو من أبنية المبالغة، انظر غريب الحديث لابن الأثير ٤/٣٥٥. وكنّت به عائشة عن جمالها، وكانت جويرية قبل رسول الله ﷺ تحت مسافع بن صفوان المصطلق ذي الشفر بن سرح بن مالك ابن جذيمة، فقتل يوم المريسيع. انظر طبقات ابن سعد ٨/١١٦، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/٥٦، والإصابة لابن حجر ٤/٢٦٥. وعند ابن إسجاق كانت تحت ابن عم لها يقال له: ابن ذي الشفر انظر سيرة ابن إسحاق المسماة المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٤٥، والإصابة لابن حجر ٤/٢٦٦. وكانت وفاتها سنة ٥٦ المصادر السابقة. وهي التي روت حديث أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها" قالت: نعم، يا رسول ﷺ: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم، لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلمات" انظر صحيح مسلم ٨/٨٣، كتاب الذكر والدعاء وهو من رواية عبد الله بن عباس عنها. قال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة ٢/٢٧١ جويرية التي قال لها النبي ﷺ: "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت" الخ. قال ابن حبان في الأنواع: "هي ابنة الحارث بن عبد المطلب عم النبي ﷺ كذا قال، وإنما هي أم المؤمنين وقد رواه ابن عباس عنها". انظر الإصابة لابن حجر ٤/٢٦٧-٢٦٨ قلت: "وقد وقع في الخطأ أيضًا الدكتور وهبة الزحيلي، فقد قال بأنها: جويرية بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ابنة عم النبي ﷺ وأم المؤمنين، تزوجها قبله مسافع بن صفوان، وقتل يوم المريسيع وكان أبوها سيد قومه في الجاهلية". انظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، حاشية ص ٤٤٦.
[ ١١٤ ]
تزوج جويرية ابنة الحارث بن ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة١ أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها٢.
وأورده أبو داود في كتاب العتق من هذه الطريق: حدثنا عبد العزيز٣ بن يحيى أبو الأصبغ الحراني، قال حدثني محمد٤ - يعني ابن سلمة عن ابن إسحاق٥ عن محمد بن جعفر بن الزبير٦ عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: "وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو ابن عم له، فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة ملاحة تأخذها العين"، الحديث ثم قال عقبة قال أبو داود: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه"٧.
قال صاحب عون المعبود: "قال المنذري: وفيه محمد بن إسحاق بن يسار"، ثم قال صاحب العون: "قلت: وقد صرح بالتحديث في رواية يونس ابن بكير عنه. وأخرجه أحمد في مسنده"٨.
_________________
(١) (مئة أهل بيت) قال صاحب عون المعبود: "كذا بالإضافة أي مئة طائفة كل واحدة منهن أهل بيت، ولم تقل مائة هم أهل بيت لإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مرادًا، وقد روى أنهم كانوا أكثر من سبعمائة قاله الزرقاني". عون المعبود ١٠/٤٤٤، وانظر شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٤٥. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٤ و٦٤٥ وانظر سيرة ابن إسحاق المسمي المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٤٥. ٣ عبد العزيز بن يحيى بن يوسف البكائي بفتح الباء وتشديد الكاف الممدودة أبو الأصبغ الحراني، صدوق ربما وهم. (ت ٢٣٥) د س، التقريب ١/٥١٣. ٤ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي، مولاهم، الحراني ثقة (ت ١٩١) على الصحيح/ زم ٤ المصدر السابق ٢/١٦٦. ٥ محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، مولاهم، المدني، نزيل العراق إمام في المغازي، صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، (ت ١٥٠) ويقال بعدها/ خت م ٤. التقريب ٢/١٤٤. ٦ تقدمت تراجم بقية رجال السند. ٧ سنن أبي داود ٢/٣٤٧. ٨ عون المعبود ١٠/٤٤١.
[ ١١٥ ]
قلت: رواية يونس المشار إليها هي عند البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله١الحافظ وأبو بكر٢ أحمد بن الحسن القاضي، قالا ثنا أبو العباس٣ محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار٤، ثنا يونس بن بكير٥ عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له. الحديث٦.
ومن هذه الطريق أورده الحاكم مختصرًا بطريق العنعنة٧.
وهذا حديث أحمد المشار إليه فيما تقدم٨:
حدثنا يعقوب٩ قال حدثنا أبي١٠ عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن
_________________
(١) ١ هو الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك، (ت٤٠٥) . ٢ أحمد بن الحسن بن عمران بن موسى أبو بكر القاضي عن أحمد بن منصور والرمادي، وعنه أحمد بن الفرج بن الحجاج. انظر تاريخ بغداد ٤/٩٠. ٣ هو المعروف بالأصم قال فيه الذهبي: "الإمام المفيد الثقة محدث المشرق أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم النيسابوري، حدث عن جماعة كثيرة منهم هارون بن هارون بن سليمان وأحمد بن شيبان الرملي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وعنه الحاكم وابن مندة وأبو عبد الله بن الأخرم وغيرهم، قال الحاكم كان محدث عصره بلا مدافعة، وقال أيضًا حدث ٧٦ سنة، ولم يختلف في صدقه وسماعه، (ت ٣٤٦) " تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠-٨٦٤. ٤ أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي بضم العين المهملة والطاء المخففة. أبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، (ت٢٧٢/ د. التقريب ١/١٩. ٥ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي صدوق يخطئ من التاسعة، (ت ١٩٩) / خت م د ت ز ق/ المصدر السابق ٢/٣٨٤. قلت: وقد تابعه محمد بن سلمة. كما عند أبي داود. ٦ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٧٤. ٧ المستدرك ٤/٢٦. ٨ انظر، ص١١٥. ٩ يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار التاسعة (ت ٢٠٨) / ع المصدر السابق ٢/٤. ١٠ هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، من الثامنة (ت ١٨٥) / ع. المصدر السابق ١/٣٥.
[ ١١٦ ]
جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين قالت: "لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له وكاتبته على نفسها الحديث"١
ورواه أيضًا خليفة بن خياط، وأبو يعلى الموصلي، وابن جرير الطبري، وابن الأثير، وابن كثير وابن حجر، جميعهم من طريق ابن إسحاق٢.
وعلى هذا فالحديث بجميع طرقه يدور على ابن إسحاق.
وقد صرح بالتحديث عند البيهقي وأحمد والسيرة الهشامية، وكذا عند ابن كثير وابن حجر. فأمن تدليسه.
قال ابن حجر: "ابن إسحاق حسن الحديث إلاَّ أنه لا يحتج به إذا خولف"٣.
وقال الألباني: "الذي استقر عليه رأي العلماء المحققين أن حديث ابن إسحاق في مرتبة الحسن بشرطين:
أن يصرح بالتحديث وأن لا يخالف من هو أوثق منه"٤.
وبهذا التقرير يكون الحديث حسنًا لذاته، وهو ظاهر في أن رسول الله ﷺ أدى عن جويرية كتابتها وكان ذلك صداقًا لها.
وقد ورد عند ابن سعد ما يخالف هذا وهو:
_________________
(١) أخبرنا محمد بن عمر٥، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح٦، ١ مسند أحمد ٦/٢٧٧. ٢ انظر تاريخ خليفة، ص ٨٠، ومسند أبي يعلى ٤/ق ٤٥٥ أ، وتاريخ الطبري ٢/٦١٠، أسد الغابة ٧/٥٦، والبداية والنهاية ٤/١٥٩، والإصابة ٤/٢٦٥. ٣ فتح الباري ٤/٣٢. ٤ دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ص ٨٢. ٥ محمد بن عمر هو الواقدي. ٦ عبد الله بن أبي نجيح، يسار، أبو يسار، الثقفي، مولاهم، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة (ت ١٣١) أو بعدها/ ع. التقريب ١/٤٥٦.
[ ١١٧ ]
عن مجاهد١، قال: قالت جويرية: يا رسول الله إن نساءك يفخرن علي، يقلن لم يتزوجك رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "ألم أعظم صداقك، ألم أعتق أربعين من قومك" ٢.
والحديث عند الحاكم من هذه الطريق وليس فيه الواقدي٣:
٢- أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير والفضل بن دكين عن زكريا٤ عن عامر٥ قال: أعتق رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث، وجعل صداقها عتق كل مملوك من بني المصطلق، وكانت من ملك يمين النبي صلى الله عليه وسلم٦.
والحديثان ضعيفان ففي الحديث الأول عنعنة ابن أبي نجيح٧.
وفي الحديث الثاني علتان:
الأولى: عنعنة زكرياء بن أبي زائدة٨.
والثانية: الإرسال٩.
_________________
(١) ١ مجاهد بن جبر أبو الحجاج، المخزومي، مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، (ت ١٠٢أو ١٠٤) / ع. التقريب ٢/٢٢٩. ٢ طبقات ابن سعد ٨/١١٧. ٣ المستدرك ٤/٢٥. ٤ زكرياء بن أبي زائدة خالد، ويقال هبيرة بن ميمون بن فيروز، الهمداني، الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، وكان يدلس، من السادسة، (ت ١٤٧أو ١٤٨أو ١٤٩) /ع. التقريب ١/٢٦١. ٥ هو ابن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة، مشهور، فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: "ما رأيت أفقه منه"، (ت بعد المائة) / ع. المصدر السابق ١/٣٨٧. ٦ طبقات ابن سعد ٨/١١٨. ٧ وضعه ابن حجر في الطبقة الثالثة من أقسام الموصوفين بالتدليس وهي الطبقة التي لا يحتج الأئمة من أحاديثهم إلاَّ بما صرحوا فيه بالسماع، وقال: "أكثر عن مجاهد وكان يدلس عنه. وصفه بذلك النسائي".انظر ص٢٨من طبقات المدلسين لابن حجر. ٨ وخاصة عن الشعبي فقد قال فيه أبو زرعة: "زكرياء صويلح يدلس كثيرًا عن الشعبي". وكذلك وصفه بذلك أبو حاتم، وفي التقريب قال عنه ابن حجر: ثقة وكان يدلس. انظر تهذيب التهذيب ٣/٣٣٠. والتقريب ١/٢٦١. ٩ والمرسل ضعيف عند جمهور المحدثين، قال ابن أبي حاتم: سمعت «أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلاَّ بالأسانيد الصحاح المتصلة. انظر كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، ص ١٣. وانظر ص ٨٥-٨٦ من هذه الرسالة.
[ ١١٨ ]