إن الأحاديث الواردة في ذلك من الكثرة والشهرة بمكان، وهو أمر معلوم في عهد رسول الله ﷺ وصحابته من بعده.
وسأقتصر على إيراد الأحاديث الواردة في غزوة بني المصطلق وهي:
أولًا: حديث عبد الله بن عمر عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياق مسلم قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي حدثنا سليم بن أخضر عن ابن عون
[ ٣٢٣ ]
قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ" قال يحيى: أحسبه قال (جويرية) أو قال البتة١ ابنة الحارث. وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش ثم قال مسلم: وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون بهذا الإسناد مثله وقال: "جويرية بنت الحارث ولم يشك"٢.
ثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل". الحديث٣
ثالثًا: حديث عائشة ﵂ قالت: "لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها" الحديث
وفيه "فلقد أعتق بتزويجه مائة من أهل بيت بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها"٤.
وبهذه الأحاديث وغيرها قال جمهور العلماء بجواز استرقاق العرب كغيرهم من سائر الكفار من الأعاجم من يهود ونصارى وغير ذلك.
وقد بوب البخاري بقوله: "باب من ملك من العرب رقيقا فوهب وباع
_________________
(١) ١ قال النووي في شرحه على صحيح مسلم ٤/٣٣٠: أما قوله أو البتة فمعناه: أن يحيى بن يحيى قال: "أصاب يومئذ بنت الحارث، وأظن شيخي سليم بن أخضر سماها في روايته: جويرية، أو أعلم ذلك، وأجزم به، وأقول ألبتة، وحاصله أنها جويرية فيما أحفظه إما ظنا وإما علما". ٢ تقدم تخريج الحديث في حكم الدعوة قبل القتال ص ٧٨. ٣ سيأتي تخريجه في حكم العزل ص ٣٣١. ٤ أبو داود٢/٣٤٧ كتاب العتق وأحمد٦/٢٧٧ والبيهقي٩/٧٤ وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وتقدم الحديث ص ١١٣ وما بعدها.
[ ٣٢٤ ]
وجامع وفدى وسبى الذرية"، ثم أورد جملة أحاديث منها حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي سعيد١ قال ابن حجر: "هذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف في استرقاق العرب، وهي مسألة مشهورة، والجمهور على أن العربي إذا سبى جاز أن يسترق، وإذا تزوج أمة بشرطه كان ولدها رقيقا".
وذهب الأوزاعي٢ والثوري٣ وأبو ثور إلى أن على سيد الأمة تقويم الولد ويلزم أبوه بأداء القيمة ولا يسترق الولد أصلا. وقد جنح المصنف إلى الجواز، وأورده الأحاديث الدالة على ذلك. الخ٤.
وقال الشافعي: "وإذا قوتل أهل الحرب من العجم جرى السبا على ذراريهم ونسائهم ورجالهم لا اختلاف في ذلك وإذا قوتلوا وهم من العرب، فقد سبا رسول الله ﷺ بني المصطلق وهوازن وقبائل من العرب، وأجرى عليهم الرق، حتى من عليهم بعد. فاختلف أهل العلم بالمغازي، فزعم بعضهم أن النبي ﷺ لما أطلق سبي هوازن قال: "لو كان تاما على أحد من العرب سبي لتم على هؤلاء، ولكنه أسار وفداء"، فمن أثبت هذا الحديث زعم أن الرق لا يجري على عربي بحال، وهذا قول الزهري وسعيد٥ بن المسيب والشعبي ويروى عن عمر بن الخطاب، وعمر٦ بن
_________________
(١) ١ البخاري ٣/١٢٩ كتاب العتق. وانظر ص ٢٢٣. ٢ هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل من السابعة (ت ١٥٧) /ع. التقريب. ١/٤٩٣. ٣ هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان أبو ثور الفقيه صاحب الشافعي ثقة من العاشرة، (ت ٢٤٠) / م د ق. المصدر السابق ١/٣٥. الضمير يعود على جواز تزوج الأمة وذلك أنه لا يجوز للحر تزوج الأمة إلا إذا عجز عن مهر حرة وخشي العنت وهو الوقوع في الزنا. كما صرحت بذلك آية سورة النساء: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، [سورة النساء، من الآية: ٢٥] . ٤ فتح الباري ٥/١٧٠. ٥ سعيد بن المسيب بن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون لزاي تقدمت ترجمته. ٦ عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت ابن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعد مع الخلفاء الراشدين، من الرابعة (ت ١٠١) وله ٤٠ سنة ومدة خلافته سنتان ونصف. / ع. التقريب ٢/٥٩.
[ ٣٢٥ ]
عبد العزيز، ثم قال: أخبرنا سفيان١ عن يحيى٢ بن يحيى الغساني عن عمر بن عبد العزيز، قال: وأخبرنا سفيان عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: "لا يسترق عربي".
قال الربيع٣: "قال الشافعي ولولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هذا هكذا" ثم قال: "وأخبرنا ابن أبي ذئب٤ عن الزهري عن ابن المسيب أنه قال في المولى ينكح الأمة يسترق ولده، وفي العرب ينكحها لا يسترق ولده، وعليه قيمتهم".
قال الربيع: "رأى الشافعي أن يأخذ منهم الجزية وولدهم رقيق ممن دان دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان" ثم قال الشافعي: "ومن لم يثبت الحديث عن النبي ﷺ ذهب إلى أن العرب والعجم سواء، وأنه يجري عليهم الرق حيث جرى على العجم".انتهى كلام الشافعي٥.
قلت: الحديث لم يثبت كما بين ذلك البيهقي والشوكاني قال البيهقي: بعد أن أورد كلام الشافعي هذا: "وأما الرواية فيه عن النبي ﷺ، فإنما ذكرها الشافعي - في القديم عن محمد بن عمر الواقدي٦، عن موسى بن
_________________
(١) ١ سفيان: هو ابن عيينة. ٢ هو ابن قيس بن حارثة الغساني، أبو عثمان الشامي، ثقة من السادسة، (ت ١٣٣) /د. المصدر السابق ٢/٣٦٠. ٣ الربيع بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، أبو محمد المصري المؤذن صاحب الشافعي ورواية كتبه عنه. ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٧٠) . /د س ق. المصدر السابق ١/٢٤٥. ٤ هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي، العامري أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة (ت ١٥٨) /ع. التقريب ٢/١٨٤. ٥ كتاب الأم ٤/١٨٦ كتاب الجهاد. ٦ قال فيه البخاري: "محمد بن عمر الواقدي، قاضي بغداد، عن مالك ومعمر، متروك الحديث". انظر كتاب الضعفاء الصغير للبخاري ص٢٧٥. وفي التاريخ الكبير ١/١٧٨ قال عنه: "سكتوا عنه، تركه أحمد وابن نمير"، وقال فيه النسائي: "متروك الحديث"، وفي موضع آخر قال: "الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله ﷺ أربعة، فذكر منهم الواقدي ببغداد"، انظر كتاب الضعفاء والمتروكين ص ٣٠٣ و٣١٠. وساق ترجمته الذهبي في ميزان الاعتدال٣/٦٦٦ وختمها بقوله: "واستقر الإجماع على وهم الواقدي". وفي تذكرة الحفاظ١/٣٤٨ قال: "محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، مولاهم، أبو عبد الله المدني، الحافظ البحر، لم أسق ترجمته لاتفاقهم على ترك حديثه، وهو من أوعية العلم، لكنه لا يتقن الحديث، وهو رأس في المغازي والسير، ويروي عم كل ضرب". وقال فيه في ديوان الضعفاء والمتروكين ص ٢٨٣ قال النسائي: "يضع الحديث"، وقال ابن عدي: "أحاديثه غير محفوظة، والبلاء منه". وقال ابن حجر في التقريب ٢/١٩٤: "محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، متروك مع سعة علمه، من التاسعة، (ت ٢٠٧) /ق". وانظر تهذيب التهذيب ٩/٣٦٣- ٣٦٨. وقال ناصر الدين الألباني بعد أن نقل قول الذهبي الأخير وقول ابن حجر هذا قلت: "ولذلك فلا ينبغي أن يغتر أحد بما ذهب غليه ابن سيد الناس في مقدمة كتابه عيون الأثر" من توثيق الواقدي، فإنه خلاف ما عليه المحققون من الأئمة قديما وحديثا، ولمنافاته علم المصطلح الذي ينص على وجوب تقديم الجرح المفسر على التعديل، وأي جرح أقوى من الوضع؟! وقد اتهمه به أيضا الشافعي وأبو داود وأبو حاتم وقال أحمد: "كذاب".ا؟ـ انظر دفاع عن الحديث والسيرة في الرد على البوطي ص ٢١.
[ ٣٢٦ ]
محمد بن غبراهيم بن الحارث عن أبيه عن السلولي١ عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "لو كان ثابتا ٢ على أحد من العرب سباء بعد اليوم لثبت على هؤلاء، ولكن إنما هو أسار وفداء".
وهذا إسناد ضعيف لا يحتج بمثله.
وأما الرواية فيه عن عمر بن الخطاب ﵁ فهي رواية منقطعة٣.
ثم قال: وجريان الرق على سبايا بني المصطلق وهوازن صحيح ثابت، والمن عليهم بإطلاق السبايا تفضل.
ثم أورد حديث أبي سعيد الخدري وحديث عائشة٤، وأحاديث أخرى تؤيد القول بجواز استرقاق العرب٥.
_________________
(١) ١ السلولي: بفتح المهملة وتخفيف اللام. اثنان في التقريب بهذا النسب أحدهما عبد الله ابن ضمرة وهو من الثالثة، والثاني أبو كبشة السلولي الشامي من الثانية وكلاهما ثقة، ولم أهتد إلى الراوي عن معاذ منهما بعد البحث. انظر المصدر السابق ١/٤٢٤ و٢/٤٦٥. ٢ في الحديث عند الشافعي "لو كان تاما". انظر ص ٣٢٥. ٣ لأنها من رواية عامر بن شراحيل الشعبي عن عمر بن الخطاب، قال ابن حجر: وروايته عنه مرسلة. انظر تهذيب التهذيب ٥/٦٦. ٤ انظر حديث أبي سعيد وعائشة ص ٣٢٤. ٥ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٧٣.
[ ٣٢٧ ]
قلت: وفي الحديث علة أخرى غير الواقدي، وهو موسى بن محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي وهو منكر الحديث١.
وأورد الشوكاني حديث معاذ الآنف الذكر ثم قال: فيه الواقدي وهو ضعيف جدا ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد٢ بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدي. ومثل هذا لا تقوم به حجة٣.ا؟ـ.
قلت: وأورد مجد الدين ابن تيمية٤ حديث ابن عمر في الإغارة على بني المصطلق وسبي ذراريهم، ثم قال عقبه: وهو دليل على استرقاق العرب٥. وبوب في موضع آخر من المنتقى بقوله: "باب جواز استرقاق العرب".
ثم أورد أحاديث تؤيد ما بوب عنه، ومنها حديث عائشة ﵂ في وقوع جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس أو ابن عم له.
وقال عقبه: "رواه أحمد٦ واحتج به في رواية محمد بن الحكم"٧، وقال: "لا أذهب إلى قول عمر: ليس على عربي ملك، قد سبى النبي ﷺ العرب في غير حديث وأبو بكر وعلي حين سبى بني ناجية"٨.
قال الشوكاني: "استدل المصنف بأحاديث الباب على جواز استرقاق
_________________
(١) ١ انظر التقريب٢/٢٨٧وتهذيب التهذيب١٠/٣٦٨-٣٦٩،وميزان الاعتدال٤/٢٢٠. ٢ هو يزيد بن عياض بن جعدية بضم الجيم والمهملة بينهما ساكنة. الليثي أبو الحكم المدني، نزيل البصرة، وقد ينسب لجده، كذبه مالك وغيره، من السادسة. /ت ق. التقريب ٢/٣٦٩ وانظر ميزان الاعتدال ٤/٤٣٦- ٤٣٧. ٣ نيل الأوطار ٨/٧- ٨. ٤ هو الشيخ الإمام علامة عصره المجتهد المطلق أبو البركات شيخ الحنابلة، مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني، المعروف بابن تيمية (ت ٦٥٢) مقدمة نيل الأوطار للشوكاني ١/١٣- ١٤. ٥ منتقى الأخبار ٧/٢٤٥ و٨/٤ مع نيل الأوطار. ٦ انظر مسند أحمد ٦/٢٧٧ وانظر ص ١١٣ وما بعدها من هذه الرسالة مما تقدم. ٧ هو محمد بن الحكم المروزي، الأحول، ابن عم أبي طالب، صاحب أحمد. ثقة فاضل، من الحادية عشرة (ت ٢٢٣) /خ. التقريب ٢/١٥٥. ٨ منتقى الاخبار ٧/٢٤٥ و٨/٤ مع نيل الأوطار.
[ ٣٢٨ ]
العرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور، كما حكاه الحافظ في كتاب العتق من فتح الباري. ثم قال الشوكاني: وبنو ناجية من قريش"١.
وخلاصة القول في هذا هو جواز استرقاق العرب لا فرق بين ذكورهم وإناثهم وهو قول جمهور العلماء٢.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ٨/٧- ٨. ٢ انظر شرح النووي على مسلم ٣/٦١٤ و٤/٣٣١ وفتح الباري ٥/١٧٠- ١٧٣ وسبل السلام للصنعاني ٤/٤٥ ونيل الأوطار ٧/٢٤٦ و٨/٧- ٨.
[ ٣٢٩ ]