١- مرَّ بنا في هذا حديث أحمد في قدوم الحارث بن أبي ضرار إلى المدينة متبرئًا مما نسبه إليه الوليد بن عقبة من منع الزكاة وإرادتهم قتله١.
٢- ما رواه ابن إسحاق: حدثني يزيد٢ بن رومان: أن رسول الله ﷺ، بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم الوليد٣ بن عقبة أبي معيط، فلمَّا سمعوا به، ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى همَّ رسول الله ﷺ، بأن يغزوهم، فبينا هم على ذلك، قدم وفدهم على رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعًا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله ﷺ أنا خرجنا إليه لنقتله، ووالله ما جئنا لذلك، فأنزل الله تعالى فيه وفيهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، [سورة الحجرات، من الآيات: ٦-٨]، إلى آخر الآية٤.
والحديث مرسل.
وأورده الطبري من هذه الطريق في تفسيره٥.
_________________
(١) ١ تقدم الحديث، ص ١٢٣. ٢ يزيد بن رومان المدني، مولى آل الزبير، ثقة، من الخامسة، (ت١٣٠)، وروايته عن أبي هريرة مرسلة. ع، التقريب ٢/٣٦٤. ٣ الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية القرشي، الأموي، أخو عثمان بن عفان لأمه، له صحبة، وعاش إلى خلافة معاوية، د. المصدر السابق ٢/٣٣٤. ٤ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٦. ٥ ٢٦/١٢٤-١٢٥.
[ ١٣٠ ]
كما أورده أيضًا من طرق أخرى غير طريق ابن إسحاق، منها:
١- من حديث أم سلمة، وهذا نصه: حدثنا أبو كريب١ قال: ثنا جعفر بن عون٢ عن موسى٣ بن عبيدة، عن ثابت٤ مولى أم سلمة، عن أم سلمة٥ قالت: بعث رسول الله ﷺ رجلًا في صدقات بني المصطلق، بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظّمون أمر رسول الله ﷺ، قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ والمسلمون، قال فبلغ القوم رجوعه، قال: فأتوا رسول الله ﷺ فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلًا مصدقًا، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون غضبًا من الله ورسوله، فلم يزالوا يكلّمونه حتى جاء بلال، وأذّن العصر، قال: ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦.
٢- من حديث ابن عباس ﵄ وهذا نصه:
_________________
(١) ١ هو محمد بن العلاء بن كريب مصغرًا، الهمداني، الكوفي، ثقة حافظ، مشهور بكنيته من العاشرة، (ت١٤٧ هـ)، ع: التقريب ٢/١٩٧. ٢ جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث، بمهملتين، ثم تحتانية بعدها مثلثة. مصغرًا، المخزومي، صدوق، من التاسعة، (ت٢٠٦) وقيل: ٢٠٧، ع: المصدر السابق ١/١٣١. ٣ موسى بن عبيدة. مصغرًا، ابن نشيط: بفتح النون وكسر المعجمة، بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة، الربذي: بفتح الراء والموحّدة، ثم معجمة، أبو عبد العزيز، ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، من صغار السادسة، (ت ١٥٣ هـ) تق: المصدر السابق ٢/٢٨٦. ٤ ثابت مولى أم سلمة: روى عن أم سلمة، وعنه موعس بن عبيدة الربذي. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/٤٦١. ٥ أم سلمة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن المغيرة بن المخزوم المخزومية أم المؤمنين تزوجها رسول الله ﷺ، بعد أبي سلمة سنة أربع وقيل سنة ثلاث من الهجرة، وعاشت بعد ذلك ستين سنة. (ت ٦٢ هـ) على الأصح/ ع: التقريب ٢/٦١. ٦ تفسير الطبري ٢٦/١٢٣.
[ ١٣١ ]
حدثني محمد١ بن سعد، قال: ثني أبي٢، قال: ثني عمي٣ قال: ثني أبي٤، عن أبيه٥، عن ابن عباس: في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، [سورة الحجرات، الآية: ٦] .
قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم أحد بني عمرو بن أمية، ثم أحد بني معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ منهم الصدقات، وأنه أتاهم الخبر فرحوا، وخرجوا ليتلقّوا رسولَ رسولِ الله ﷺ، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة. الحديث٦
٣- من مرسل ابن أبي ليلى، هذا لفظه:
حدثنا محمد٧ بن بشار، قال ثنا عبد الرحمن٨، قال: ثنا سفيان٩ عن
_________________
(١) ١ هو ابن عطية العوفي. ميزان الاعتدال ٣/٥٦٠. ٢ هو سعد بن محمد بن الحسن بن عطية. لسان الميزان لابن حجر ٣/١٨. ٣ هو الحسين بن الحسن بن عطية. ميزان الاعتدال ١/٥٣٢. ٤ هو الحسن بن عطية. المصدر السابق ١/٥٠٣. والتقريب ١/١٦٨. ٥ هو عطية بن سعد بن جنادة العوفي، المصدريين السابقين ٣/٧٩و٢/٢٤. وانظر الحديث في السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٤، ولم أترجم لهؤلاء لأن كل واحد منهم لا يخلو عن ضعف وإنما عرفت بهم لأنهم وردوا في السند مثل الرموز فذكرت ذلك توضيحًا لهم. ٦ تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٤. ٧ محمد بن بشار بن عثمان العبدي، البصري، أبو بكر، بندار: بضم الموحدة وسكون النون. ثقة، من العاشرة، (٢٥٢هـ ع: التقريب ٢/١٤٧. ٨ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة، ثبت حافظ، عارف بالرجال والحديث. قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه. من التاسعة، (ت ١٩٨هـ، ع: المصدر السابق ١/٤٩٩. ٩ سفيان هنا: هو ابن عينية لأن هلالا الوزان لم يذكر في تلاميذه غير ابن عينية (انظر: تهذيب التهذيب ١١/٧٧، والتاريخ الكبير للبخاري ٨/٢٠٧، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٩/٧٥) .
[ ١٣٢ ]
هلال الوزان١ عن ابن أبي ليلى٢، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: نزلت في الوليد ابن عقبة بن أبي معيط٣.
٤- من مرسل قتادة، ولفظه:
حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، في قوله، تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: هو ابن أبي معيط الوليد ابن عقبة، بعثه النبي ﷺ مصدّقًا إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام. الحديث٤. وقد تقدّم٥.
الحكم على هذه الأحاديث:
هذه الأحاديث الواردة في إرسال الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق مصدقًا، ونزول الآية المذكورة من سورة الحجرات، لا يخلو كل حديث منها عن ضعف وذلك لما يأتي:
أ- حديث أم سلمة فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وفيه ثابت مولى أم سلمة وهو مجهول، لأنني لم أجد من ترجم له غير
_________________
(١) ١ هلال بن أبي حميد أو ابن مقلاص: بكسر الميم وسكون القاف. أو ابن عبد الله الجهني، مولاهم، أبو الجهم، ويقال غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفي الوزان الكوفي، ثقة، من السادسة، / خ، م،د، ت،س. التقريب ٢/٣٢٣. ٢ هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، المدني، ثم الكوفي، ثقة، من الثانية. اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم، سنة ٨٦هـ/ع. المصدر السابق ١/٤٩٦. وكانت وقعة الجماجم بين ابن الأشعث ومعه أهل العراق، وبين الحجاج ومعه أهل الشام، وكانت في عهد عبد الملك بن مروان، وكانت سنة ٨٢هـ، ودامت أكثر من سنة. البداية والنهاية ٩/٤٠. ٣ تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٤. ٤ وذكر ابن سعد أنه بعد أن قدم وفد بني المصطلق ونزلت الآية بتكذيب الوليد، وتصديقهم، يعث رسول الله ﷺ، معهم عباد بن بشر، يأخذ صدقاتهم، ويعلّمهم شرائع الإسلام، فأقام عندهم عشرًا، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ، راضيًا. انظر طبقات ابن سعد ٢/١٦١-١٦٢. ٥ تقدم الحديث مع تراجم رجاله، ص ١٢٨.
[ ١٣٣ ]
ابن أبي حاتم، ولم يزد في ترجمته على قوله: روى عن أم سلمة وروى عنه موسى بن عبيدة الربذي.
ب- وحديث ابن عباس مسلسل بالضعفاء.
ج- والأحاديث الباقية مراسيل، وعلى هذا فهذه الأحاديث لا يسلم واحد منها عن قدح، غير أن اختلاف مخرج المرسل يدل على أن للحديث أصلًا، فإذا انضم بعضها إلى بعض تقّوت وارتقت إلى درجة الحسن لغيره.
وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح في مقدمته بقوله:
ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه من وجه آخر١.
وهنا قد وجد هذا الشرط الذي أوضحه ابن الصلاح، إذ أن ابن إسحاق أورده من مرسل يزيد بن رومان. وأورده ابن جرير الطبري من مرسل ابن أبي ليلى، وقتادة ومجاهد٢.
وقال ابن كثير: "ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضّحاك٣ ومقاتل٤ بن حيان وغيرهم، في هذه الآية، أنها نزلت في الوليد ابن عقبة"٥.
فهذا الحديث قد ورد من ثلاثة طرق مرفوعة، وهي حديث أحمد في قدوم الحارث ابن أبي ضرار المدينة، وإسلامه، وحديث أم سلمة وابن عباس.
_________________
(١) ١ مقدّمة ابن صلاح، ص ٧٣. مع (التقييد والإيضاح) . ٢ تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٥. ٣ الضّحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم، أبو محمد الخراساني، صدوق كثير الإرسال، من الخامسة، (ت بعد المائة) / عم التقريب ١/٣٧٣. ٤ مقاتل بن حيان النبطي، بفتح النون الموحدة، أبو سطام، الخزاز منقوطتين، صدوق فاضل، من السادسة / م عم التقريب ٢/٢٧٢. ٥ تفسير ابن كثير ٤/٢٠٨-٢١٠.
[ ١٣٤ ]
كما ورد من خمس طرق مرسلة. ولذلك قال الشوكاني: بعد إيراده حديث أحمد في قدوم الحارث المدينة، "قال ابن كثير: هذا من أحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية". ثم قال الشوكاني: "وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أن سبب نزول هذه الآية. الوليد بن عقبة، وأنه المراد بها، وإن اختلفت القصص"١ قلت: ويؤيد ما تقدّم، ما ذكر ابن عبد البر من اتفاق العلماء بالتأويل على أن هذه الآية نزلت في الوليد٢.
وبهذا نكون قد انتهينا إلى أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن لغيره.
_________________
(١) ١ فتح القدير ٥/٦٠-٦٢. ٢ انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٣٢. (مع الإصابة) وأسد الغابة ٥/٤٥١ لابن الأثير. وتهذيب التهذيب ١١/١٤٣. والإصابة لابن حجر ٣/٦٣٧، وأضواء البيان لمحمد الأمين الشنقطي ٧/٦٢٦. وروائع البيان، تفسير آيات الأحكام للصابوني ٢/٤٧٥-٤٧٦.
[ ١٣٥ ]