ذكر ابن إسحاق في حديثه الطويل الذي يرويه عن مشايخه: عاصم ابن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة بني المصطلق سلك بالناس طريق الحجاز، حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع١ يقال له: نقعاء، فلما راح رسول الله ﷺ هبت ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله ﷺ: "لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار"، فلما قدموا المدينة، وجدوا رفاعة بن زيد ابن التابوت أحد بني قينقاع، وكان عظيما من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين، مات في ذلك اليوم، الحديث٢
والحديث عند ابن جرير الطبري من هذه الطريق٣. وكذا أورده ابن كثير من هذه الطريق أيضا، وزاد: وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي، ثم قال:
_________________
(١) ١ النقيع من ديار مزينة، وكان طريق رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، ونقعاء: موضع فوق النقيع، وبين النقيع والمدينة عشرون فرسخا، معجم البلدان لياقوت ٥/ ٢٩٩ و٣٠١. قلت: وهو يقدر ب ١٠٠ كيلومتر لأن الفرسخ يعادل خمس كيلوات. انظر نسب حرب ص ٣٨٩. ٢ سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٢. ٣ تفسير الطبري ٢٨/ ١١٥- ١١٦، وتاريخه ٢/ ٦٠٤- ٦٠٧.
[ ١٩٥ ]
وروى مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان١ عن جابر، نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم الذي مات من المنافقين، قال: هبت ريح شديدة، والنبي ﷺ في بعض أسفاره، فقال: "هذه لموت منافق"، فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين. انتهى٢.
قلت: حديث مسلم المشار إليه هو: حدثني أبو كريب٣ محمد بن العلاء حدثنا حفص٤ (يعني بن غياث) عن الأعمش٥، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت هذه الريح لموت منافق"، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات٦.
وأورده عبد بن حميد من هذه الطريق وسمى المنافق رافع بن التابوت وهذا نصه: حدثنا إبراهيم٧ بن الأشعث، ثنا فضيل٨ بن عياض عن سليمان٩، عن أبي سفيان، عن جابر - ﵁ - "كنا مع النبي صلى الله
_________________
(١) ١ أبو سفيان: هو طلحة بن نافع، أبو سفيان الإسكاف، نزيل مكة، صدوق من الرابعة /ع. تقريب التذيب ١/ ٣٨٠. ٢ البداية والنهاية ٤/ ١٥٨. ٣ تقدمت ترجمته. ٤ حفص بن غياث بمعجمة مكسورة، وياء ومثلثة، ابن طلق بن معاوية النغعي، أبو عمر الكوفي، القاضي، ثقة فقيه، تغير حفظه قليلا في الآخر، من الثامنة، (ت١٩٤) / ع. التقريب ١/ ١٨٩. ٥ سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءة ورع، لكنه يدلس، من الخامسة، (ت١٤٧أو١٤٨) /ع. المصدر السابق١/ ٣٣١. ٦ مسلم ٨/ ١٢٤، كتاب صفة المنافقين. ٧ إبراهيم بن الأشعث خادم الفضيل، وثقه ابن حبان، والحاكم وضعفه أبو حاتم: لسان الميزان ١/ ٣٦. ٨ فضيل بن عياض بن مسعود أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان وسكن مكة ثقة، عابد إمام ن من الثامنة، (ت١٨٧) وقيل قبلها/ خ م د ت س. المصدر السابق ٢/ ١١٣. ٩ سليمان: هو الأعمش.
[ ١٩٦ ]
عليه وسلم في سفر، فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب، فقال رسول الله ﷺ: "هبت هذه الريح لموت منافق"، فلما رجعنا إلى المدينة وجدنا مات في ذلك اليوم منافق عظيم النفاق، فسمعت بعد يقولون هو رافع بن التابوت١.
وأورده أحمد من ثلاث طرق:
١- من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
٢ و٣- ومن طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، وبين في طريق ابن لهيعة جهة السفر الذي عصفت فيه الريح.
وهذا نص الحديث: حدثنا حسن٢، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير، عن جابر أنهم غزوا فيما بين مكة والمدينة، فهاجت عليهم ريح شديدة حتى دفعت الرجال، فقال رسول الله ﷺ: "هذا لموت المنافق"، فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقا عظيم النفاق قد مات٣.
وأورده الواقدي من ثلاث طرق أيضًا:
أ- من طريق جابر بن عبد الله وهذا نصه: حدثني خارجة بن الحارث، عن عباس٤ بن سهل، عن جابر بن عبد الله قال: كانت الريح يومئذ أشد ما كانت قط، إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار، قال جابر: فسألت حين قدمت قبل أن أدخل بيتي، من مات؟ فقالوا: زيد بن رفاعة بن التابوت.
وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدو الله فسكنت الريح٥.
_________________
(١) ١ مسند عبد بن حميد ٢/ ١٣٥ ق. أ. ٢ الحسن بن موسى الأشيب بمعجمة، ثم تحتانية أبو علي البغدادي، قاضي الموصل وغيرها، ثقة من التاسعة، (ت٢٠٩) /ع. التقريب ١/ ١٧١. ٣ مسند أحمد ٣/ ٣١٥ و٣٤١ و٣٤٦. ٤ عباس بن سهل بن سعد الساعدي، ثقة، من الرابعة، (ت١٢٠)، وقيل قبل ذلك / خ م د ت ق. التقريب ١/ ٣٩٧. ٥ مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٣.
[ ١٩٧ ]
ب- من حديث رافع بن خديج: حدثني عبيد الله١ بن الهرير عن أبيه٢، عن رافع بن خديج، قال: لما رجعنا من المريسيع قبل الزوال كان الجهد بيننا يومنا وليلتنا الحديث طويل وفيه "ثم راح رسول الله ﷺ بالناس مبردًا، فنزل من الغد ماء يقال له نقعاء فوق النقيع، وسرح الناس ظهرهم، فأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها، وسألوا رسول الله ﷺ وخافوا أن يكون عيينة بن حصن خالف إلى المدينة، وقالوا: لم تهج هذه الريح إلا من حدث وإنما بالمدينة الذراري والصبيان، وكانت بين النبي ﷺ وبين عيينة بن حصن مدة، فكان ذلك حين انقضائها، فدخلهم أشد الخوف، فبلغ رسول الله ﷺ خوفهم، فقال: "ليس عليكم بأس منها، ما بالمدينة من نقب ٣ إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة، فلذلك عصفت الريح، وكان موته للمنافقين غيظا شديدا"، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك اليوم٤.
ج- ومن حديث عبادة بن الصامت: حدثني عبد الحميد٥ بن جعفر
_________________
(١) ١ عبيد الله بن الهرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري، الحارثي، المدني، مستور، من السابعة، /د. التقريب ١/ ٥٤٠.وفي تهذيب التهذيب ٧/ ٥٤ روى عن أبيه وعمرو بن عبيد الله بن حنظلة، وعنه ابن أبي فديك والواقدي، قال البخاري: حديثه ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي ميزان الاعتدال: ٣/ ١٦- ١٧، ما رأيت من وثقه. ٢ هرير مصغرا ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري المدني، مقبول من الخامسة، /د. المصدر السابق ٢/ ٣١٧، وفي تهذيب التهذيب ١١/ ٢٩، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال الأزدي يتكلمون في حديثه. ٣ النقب: الطريق بين جبلين. غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٠٢. ٤ مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٢. ٥ عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، من السادسة، (ت١٥٣)، /خت م عم. التقريب ١/ ٤٦٧.
[ ١٩٨ ]
عن أبيه١ قال: قال عبادة بن الصامت٢ يومئذ لابن أبي: "أبا حباب٣، مات خليلك! ". قال: "أي أخلائي؟ "
قال: "من موته فتح للإسلام وأهله"، قال: "من؟ " قال: "زيد بن رفاعة ابن التابوت".
قال: "يا ويلاه، كان والله وكان! " فجعل يذكر٤، فقلت: "اعتصمت بالذنب الأبتر"٥، قال: "من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ " قلت: "رسول الله ﷺ أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة"، قال: "فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا"، قالوا: "وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهورهم"٦.
مناقشة الأحاديث:
حديث ابن إسحاق مرسل ورجاله ثقات.
_________________
(١) ١ هو جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري والد عبد الحميد، ثقة، من الثالثة/ بخ م عم. التقريب ١/ ١٣١. ٢ عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري، الخزرجي أبو الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة سنة ٣٤ وله ٧٢ سنة، وقيل عاش إلى خلافة معاوية /ع. المصدر السابق ١/ ٣٩٥. ٣ أبو حباب: كنية عبد الله بن أبي ابن سلول، بابنه عبد الله بن عبد الله، كان اسمه حبابا فكان يكتني به، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وكان من خيرة الصحابة، انظر الاستعياب لابن عبد البر ٢/ ٣٣٥، والإصابة لابن حجر ٢/ ٣٣٥- ٣٣٦. وأسد الغابة لابن الأثير ٣/ ٢٩٦، وقد ورد النهي عن تسمية حباب، فروى ابن سعد بسند مرسل: أن رسول الله ﷺ قال لعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان اسمه حبابا، فقال: "أنت عبد الله، فإن حبابا اسم شيطان"، وأورد أيضا من مرسل عروة بن الزبير وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعامر الشعبي أن رسول الله ﷺ قال: "الحباب: شيطان"، انظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤١، والبداية والنهاية لابن كثير ٦/٣٣٨. ٤ أي يعدد محاسنه. ٥ الأبتر: المقطوع، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٩٣. ٦ مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٣.
[ ١٩٩ ]
وحديث مسلم وعبد بن حميد فيهما الأعمش وأبو سفيان، والأعمش مدلس وقد عنعن١، وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الثانية من طبقات المدلسين وهي المرتبة التي احتمل الأئمة تدليسهم.
وهذا نص كلامه: "الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة"٢.
وقال النووي في تقريبه: "وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين بعن محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى"٣.
وأما أبو سفيان: "فقال أبو خيثمة٤ عن ابن عيينة ووكيع عن شعبة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة"، وقال أبو حاتم٥: "عن شعبة أيضان لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث، وكذا قال علي ابن المديني".
قال ابن حجر: "ولم يخرج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر وأظنها التي عناها شيخه علي ابن المديني. منها حديثان في الأشربة والثالث في الفضائل حديث اهتز العرش - يعني لموت سعد بن معاذ - مقرونا بأبي صالح٦، والرابع في تفسير سورة الجمعة قرنه
_________________
(١) ١ وقد صرّح الأعمش بالتحديث عند أبي يعلى ٢/٢٣٤. وهذا نصّ الحديث: ثنا ابن نمير - محمّد بن عبد الله - ثنا محاضر - ابن مورع - ثنا الأعمش، ثنا أبو سفيان عن جابر، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في سفر فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب. ثم ساق الحديث كسياق مسلم. ٢ طبقات المدلسين لابن حجر ص (٢٣) . ٣ تقريب النووي ص ١٤ (تدريب الراوي) انظر فتح المغيث للسخاوي١/ ١٧٦. ٤ هو زهير بن حرب بن شداد، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة ثبت من العاشرة، (ت٢٣٤) / خ م د س ق. التقريب ١/ ٢٦٤. ٥ أبو حاتم: هو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي أحد الأئمة الأعلام (ت٢٧٧)، ومقدمة علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٨. ٦ هو ذكوان السمان.
[ ٢٠٠ ]
بسالم بن أبي الجعد". انتهى كلام ابن حجر١.
وعلى هذا فرواية أبي سفيان عن جابر بطريق الوجادة، وهي مختلف في الاحتجاج بها لأنها من قبيل المنقطع٢.
ولكن قد تابعه أبو الزبير في جابر بن عبد الله وصرح بإخبار جابر له عند أحمد في مسنده٣.
وبهذا يكون الحديث قد ورد مرسلا عند ابن إسحاق ورجاله ثقات ووصله مسلم وأحمد وعبد بن حميد والواقدي. فيكون حديث ابن إسحاق عندئذ حسنا لغيره.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ٥/ ٢٧، وانظر الأحاديث الأربعة في البخاري ٥/ ٣٠، كتاب الفضائل (باب مناقب سعد بن معاذ) و٦/ ١٢٦ كتاب التفسير و٧/ ٩٤، كتاب الأشربة باب شرب اللبن. ٢ انظر تقريب النووي ٢٨١- ٢٨٤ (تدريب الراوي) . ٣ مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٤٦.
[ ٢٠١ ]