السلب: "بالتحريك هو ما على القتيل ومعه من سلاح وثياب ودابة وغيرها١".
وقد ورد في هذا الحكم الأحاديث الآتية:
أ- حديث أبي قتادة عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
قال: "حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن يحيى٢ بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال: "خرجنا مع النبي ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منا ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر فقلت: "ما بال الناس؟ قال: "أمر الله ﷿، ثم رجعوا٣، وجلس النبي ﷺ فقال: "من قتل قتيلا
_________________
(١) ١ انظر ص (٦٥٩) . ٢ يحيى بن سعيد: "هو الأنصاري تقدم التعريف برجال الإسناد في حديث (٦٢) . ٣ وعندي البخاري أيضا من طريق الليث: "ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه، فقمت لألتمس بينة على قتيلي، فلم أر أحدًا يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله ﷺ، فقال رجل من جلسائه: "سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر: "كلا لا يعطيه أصبيغ من قريش، ويدع أسدًا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله". قال: "فقام رسول الله ﷺ فأداه إلي، فاشتريت منه خرافا، فكان أوّل مال تأثلته في الإسلام".
[ ٢ / ٦٤٨ ]
له عليه بينة فله سلبه١، فقلت: "من يشهد لي؟ ثم جلست فقال النبي ﷺ مثله".
قال: "ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت فقلت: "من يشهد لي، ثم جلست، قال ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت، فقال: "مالك يا أبا قتادة؟ فأخبرته٢، فقال رجل: "صدق، وسلبه عندي، فأرضه مني، فقال أبو بكر: "لا ها الله٣ إذا لا يعمد إلى أسد
_________________
(١) ١ وعند ابن إسحاق: "فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم، قال رسول الله ﷺ: "من قتل قتيلا فله سلبه، فقلت: "يا رسول الله، والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب، فأجهضني عنه القتال، فما أدري من استلبه؟ فقال رجل من أهل مكة: "صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر الصديق رضي اله عنه: "لا والله لا يرضيه منه، تعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه أردد عليه سلبه، فقال رسول الله ﷺ: "صدق أردد عليه سلب قتيله، قال أبو قتادة: "فأخذته منه، فبعته فاشتريت بثمنه مخرفا، فإنه لأول مال اعتقدته". (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٨) . ٢ وعند أبي عوانة: "فنهضت ثم جلست، فقال: "مالك يا أبا قتادة؟ فحدثته الذي كان من أمري وأنه ليست لي بينة، فقال رجل من القوم: "أنا سلبت هذا الرجل الذي يقول فأرضه يا رسول الله من سلبه". فسكت رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: "لا ترضه من سلبه أيعمد أحدكم إلى سلب رجل قتله أسد من آساد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فتأخذه ثم تقول: "أرضه يا رسول الله منه؟ لعمري لا ترضه منه، فقال رسول الله ﷺ: "صدق، فأعطه سلبه فأخذت سلبه فاشتريت به مخرطا - أو مخرفا - فإنه أول مال اتخذته من ذلك السلب". وعند البخاري أيضا ومالك وأبي داود: "فاقتصصت عليه القصة". وعند الواقدي: "فقام عبد الله بن أنيس فشهد لي، ثم لقيت الأسود بن الخزاعي فشهد لي، وإذا صاحبي الذي أخذ السلب لا ينكر أني قتلته - وقد قصصت على النبي ﷺ القصة- فقال: "يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فأرضه مني". الخ (مغازي الواقدي ٣/٩٠٨) . ٣ قوله: "لا ها الله إذا". قال ابن حجر: "هكذا ضبطناه في الأصول المعتمدة من الصحيحين وغيرهما بهذه الأحرف "لا ها الله إذا" فأما (لا ها الله) فقال الجوهري: " (ها) للتنبيه وقد يقسم بها يقال: "لا ها الله ما فعلت كذا". قال ابن مالك: "فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قالك ولا يكون ذلك إلا مع الله أي لم يسمع لا ها الرحمن كما سمع لا والرحمن". وفي النطق بها أربعة أوجه: أحدها: " (ها الله) باللام بعد الهاء بغير إظهار شيء من الألفين". ثانيهما: "مثله لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز، كقولهم التقت حلقتا البطان". ثالثها: "ثبوت الألفين بهمزة قطع". رابعها: "بحذف الألف وثبوت همزة القطع، انتهى كلام ابن مالك". ثم قال ابن حجر: "والمشهور في الرواية من هذه الأوجه الثالث ثم الأول". وأما (إذا) فقد أطال ابن حجر أيضًا القول في توجيهها، وذكر أن هذا اللفظ ورد عن عدة من الصحابة ثم قال في نهاية كلامه والذي يظهر من تقدير الكلام بعد أن تقرر أن "إذا" حرف جواب وجزاء أنه كأنه قال: "إذًا والله أقول لك نعم، وكذا في النفي كأنه أجابه بقوله: "إذًا والله لا نعطيك، إذًا والله لا أشترط، إذًا والله لا ألبس، وأخر حرف الجواب في الأمثلة كلها". (فتح الباري ٨/٣٧-٤٠) .
[ ٢ / ٦٤٩ ]
من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ فيعطيك سلبه، فقال النبي ﷺ: "صدق فأعطه، فأعطانيه١، فابتعت٢ به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام٣".
وهذا الحديث رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وهشيم بن بشير والليث بن سعد".
ووقع في حديث الليث وحده، فقال أبو بكر: "كلا لا يعطه أصبيغ٤ من قريش ويدع أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فقام رسول الله فأداه إلى،
_________________
(١) ١ وعند الواقدي: "قال أبو قتادة: "فأعطانيه، فقال لي حاطب بن أبي بلتعة يا أبا قتادة، أتبيع السلاح؟ فبعته منه بسبع أواق، فأتيت المدينة فاشتريت به مخرفًا في بني سلمة يقال له الرّديني، فإنه لأول مال لي نلته في الإسلام، فلم نزل نعيش منه إلى يومنا هذا". (مغازي الواقدي ٣/٩٠٩) . وعند أحمد في مسنده ٥/٣٠٧ عن إسحاق بن عيسى بن نجيح أبي يعقوب بن الطباع، ثنا عبد الله بن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر المصري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي قتادة الأنصاري أنه قتل رجلا من الكفار فنفله رسول الله ﷺ سلبه ودرعه فباعه بخمس أواق". قال الألباني: "وابن لهيعة سيء الحفظ، فلا يحتج بزيادته، ثم رأيت الحديث عند الطحاوي من طريق عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة، وحديثه عنه صحيح". (إرواء الغليل ٥/٥٣ وانظر شرح معاني الآثار ٣/٢٢٧) . ٢ قوله: "فابتعت به مخرفًا"، ابتعت اشتريت، والمخرف: "بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء أي بستانا، وسمى بذلك لأنه يخترف منه الثمر أي يجتني". وأما بكسر الميم فهو اسم الآلة التي يخترف بها". وفي رواية "خرافا" وهو بكسر أوله وهو الثمر الذي يخترف أي يجتنى وأطلق على البستان مجازا فكأنه قال بستان خراف". وقوله: "في بني سلمة" بكسر اللام هم بطن من الأنصار وهم قوم أبي قتادة". وقوله: "تأثلته" بمثناة ثم مثلثة أي أصلته، وأثلة كل شيء أصله". وفي رواية ابن إسحاق "أول مال أعتقدته" أي جعلته عقدة، والأصل فيه من العقد لأن من ملك شيئا عقد عليه". (فتح الباري ٨/٤٠-٤١ وانظر سيرة ابن هشام ٢/٤٤٨-٤٤٩ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٣ وجامع الأصول لابن الأثير ٨/٤٠٢-٤٠٣) . ٣ تقدم تخريج الحديث برقم (٦٢) . ٤ قوله: "أصبيغ" قال ابن حجر: "هو بمهملة ثم معجمة عند القابسي". وبمعجمة ثم مهملة عند أبي ذر". وقال ابن التين: "وصفه بالضعف والمهانة، والأصبيغ نوع من الطير، أو شبهه بنبات ضعيف، يقال له الصبغاء إذا طلع من الأرض يكون أول ما يلي الشمس منه أصفر، ذكر ذلك الخطابي". وعلى هذه الرواية القابسي". وعلى الثاني تصغير الضبع على غير قياس، كأنه لما عظم أبا قتادة بأنه أسد صغر خصمه وشبهه بالضبع لضعف افتراسه وما يوصف به من العجز". وقال ابن مالك: "أضيبع بمعجمة وعين مهملة تصغير أضبع ويكنى به عن الضعف". (فتح الباري ٨/٤١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٣-٣٥٤ وجامع الأصول لابن الأثير ٨/٤٠٣) .
[ ٢ / ٦٥٠ ]
فاشترت منه خرافا، فكان أوّل مال تأثلته في الإسلام١".
ب- حديث أنس بن مالك عند أبي داود الطيالسي وأحمد وأبي داود وغيرهم وهذا سياقه عند أبي داود الطيالسي:
قال: "حماد بن سلمة عن إسحاق٢ بن عبد الله بن أنس قال: "جاءت هوزان يوم حنين تكثر على رسول الله ﷺ بالنساء والصبيان والإبل والغنم فانهزم المسلمون يومئذ فجعل يقول: "يا معشر المهاجرين والأنصار إني عبد الله ورسوله، يا معشر المسلمين إليّ أنا عبد الله ورسوله، فهزم المشركون من غير أن يطعن برمح أو يرمي بسهم، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "من قتل مسلما فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم". قال أبو قتادة: "إني حملت على رجل فضربته على حبل العاتق فأجهضت عنه وعليه درع فانظر من أخذها فقال رجل: "أنا أخذتها يا رسول الله، فأعطينيها وأرضه منها، وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو يسكت، فقال عمر٣: "لا والله لا يفيئها الله على أسد من أسده، ثم يعطيكها فقال رسول الله ﷺ: "صدق عمر" ٤.
قال: "ورأى أبو طلحة مع أم سليم خنجرا فقال: "ما تصنعين بهذا؟ قالت: "أريد إن دنا أحد من المشركين أن أبعج بطنه، فذكر ذلك أبو طلحة
_________________
(١) ١ وانظر ص ٦٣٦ تعليقة (٣) . ٢ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة". ٣ قوله: "في هذا الحديث فقال عمر الخ". وقد تقدم في حديث أبي قتادة في الصحيحين: "أن القائل أبو بكر الصديق - ﵁ -". انظر: "حديث رقم (٦٢) . قال ابن كثير: "وقول عمر في هذا مستغرب والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق". وقال في موضع آخر: "وقع من رواية نافع أبي غالب عن أنس أن القائل لذلك عمر ابن الخطاب فلعله قاله متابعة لأبي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له، أو قد اشتبه على الراوي والله أعلم". (البداية والنهاية ٤/٣٢٧ و٣٢٩) . وقوله: "من رواية نافع أبي غالب" خطأ". والصواب: "من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس كما هو عند ابن كثير نفسه". وقال ابن حجر تنبيه: "وقع في حديث أنس أن الذي خاطب النبي ﷺ بذلك عمر أخرجه احمد من طريق حماد بن سلمة عن إسحاق بن أبي طلحة عنه،" وهذا الإسناد قد أخرج به مسلم بعض هذا الحديث وكذلك أبو داود، لكن الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة وهو صاحب القصة فهو أتقن لما وقع فيها من غيره، ويحتمل الجمع بأن يكون عمر أيضا قال ذلك تقوية لقول أبي بكر". (فتح الباري ٨/٤٠ وأوجز المسالك ٨/٣٠١) . ٤ وعند ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي "فضحك رسول الله ﷺ، وقال: "صدق عمر".
[ ٢ / ٦٥١ ]
لرسول الله ﷺ فضحك رسول الله ﷺ، وقال: " يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن".
قالت: "يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء الذين انهزموا بك" ١.
جـ حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم وأحمد وأبي داود وغيرهم وهذا سياقه عند مسلم قال:
حدثنا زهير بن حرب حدثنا عمر بن يونس الحنفي حدثنا حدثنا عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة، حدّثني أبي سلمة بن الأكوع، قال: "غزونا٢ مع رسول الله ﷺ هوزان، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقًا٣ من حقبة فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة، إذ خرج٤ يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره، فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء".
قال سلمة: "وخرجت٥، أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت
_________________
(١) ١ ما بين القوسين من مسند أحمد، وأما في مسند الطيالسي فجاءت هذه الجملة هكذا "فقالت: "يا رسول الله فأقتل هؤلاء ينهزموا بك". قال الساعاتي: "قال مصححو الكتاب هذه الجملة كلها مصحفة فليحرر". ثم قال الساعاتي: "قلت: "جاء هذا الحديث في مسند أحمد وفيه قال: "وكانت أم سليم معها خنجر فقال أبو طلحة: "ما هذا معك؟ قالت: "اتخذته إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه، فقال أبو طلحة يا رسول الله ألا تسمع ما تقول أم سليم؟ قالت: "يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء الذين انهزموا بك، قال: "إن الله قد كفانا وأحسن يا أم سليم". (مسند أحمد ٣/١٩٠ومنحة المعبود والتعليق المحمود على منحة المعبود ٢/١٠٩) . وتقدم الحديث برقم (٤٧) و(٦٠) انظر ص ١١٦-١١٧ و١٤٩". ٢ وعند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة (قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ هوزان، قال فبينما نحن نتضحى وعامتنا مشاة وفينا ضعفة إذ جاء رجل الخ". ٣ وعند أحمد "فانتزع شيئًا من حقب البعير فقيد به البعير، ثم جاء يمشي حتى قعد معنا يتغدى قال: "فنظر في القوم فإذا ظهرهم فيه قلة وأكثرهم مشاة". وعند أحمد أيضًا". "فبينما نحن نتضحى وعامتنا مشاة، فينا ضعفة، إذ جاء رجل على جمل أحمر فانتزع طلقا على حقبه فقيد به جمله رجل شاب ثم جاء يتغدى مع القوم". ٤ وعند أبي داود: "فلما رأى ضعفتهم ورقة ظهرهم خرج يعدو إلى جمله فأطلقه ثم أناخه فقعد عليه ثم خرج يركضه واتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء هي أمثل ظهر القوم". وعند أحمد: "فلما نظر إلى القوم خرج يعدو، قال فأتى بعيره فقعد عليه، قال: "فخرج يركضه، وهو طليعة للكفار فاتبعه رجل منا من أسلم على ناقة له ورقاء، قال إياس: "قال أبى فاتبعته أعدو على رجلي" وعند ابن أبي شيبة وأحمد:"وتبعه رجل من أسلم من صحابة النبي ﷺ على ناقة ورقاء". ٥ وعند أبي داود: "فخرجت أعدو فأدركته ورأس الناقة عند ورك الجمل، وكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل الخ".
[ ٢ / ٦٥٢ ]
عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل١ فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت٢ سيفي فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه٣، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟ " قالوا: "ابن الأكوع، قال: "له سلبه ٤ أجمع" ٥.
والحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود وأبو عوانة والطبراني والبيهقي الجميع من طريق عكرمة بن عمار به ٦".
٢٨١- حديث سلمة بن الأكوع أيضا عند البخاري وأبي داود وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري قال: "حدثنا أبو نعيم٧ حدثنا أبو العميس٨ عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: "أتى النبي ﷺ عين من المشركين٩ - وهو في سفر -
_________________
(١) ١ وعند أحمد "حتى أخذت بخطام الجمل فقلت له أخ فلما وضع الجمل ركبته إلى الأرض اخترطت سيفي فضربت رأسه". وعند أبي عوانة "فأخذت بخطام الجمل فقلت: "أخ! أخ فما عدا أن وضع ركبته إلى الأرض فأضرب رأس الطليعة فندر". ٢ اخترط سيفه: "أي سله وأخرجه من غمده". وقوله: "فندر" أي طار عن بدنه وسقط على الأرض". (النهاية لابن الاثير ٢/٢٣و٥/٣٥ وجامع البيان ٨/٣٩٩) . ٣ وعند أبي داود: "فجئت براحلته وما عليها أقودها فاستقبلني رسول الله ﷺ في الناس مقبلا فقال: "من قتل الرجل؟ ". وعند أبي عوانة: "ثم جئت بالجمل ورحله وأداته وسيفه أقوده". ٤ وعند أبي عوانة: "له السلب كله". وعند البيهقي: "له السلب أجمع". وعند ابن أبي شيبة: "فنفله سلبه" ٥ صحيح مسلم ٣/١٣٧٤-١٣٧٥ كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل. ٦ مسند أحمد ٤/٤٦، و٤٩، و٥١، وتاريخ ابن أبي شيبة ص ٩٤ أ، وكنز العمال ١٠/٣٥٤-٣٥٥، ومنتخب كنز العمال ٤/١٦٨ مع (مسند أحمد)، وسنن أبي داود ٢/٤٥-٤٦، كتاب الجهاد ن باب في الجاسوس المستأمن، ومسند أبي عوانة ٤/١١٩، و١٢٠، و١٢٤، والمعجم الكبير للطبراني ٧/١٧، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٠٧". وتقدم هذا الحديث برقم (١٠٢) . ٧ أبو نعيم هو الفضل بن دكين". ٨ أبو العميس: "بمهملتين مصغرا هو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي". ٩ وعند أحمد: "جاء عين للمشركين إلى رسول الله ﷺ". قال ابن حجر: "لم أقف على اسمه ووقع في رواية عكرمة ابن عمار عن إياس، عند مسلم أن ذلك كان في غزوة هوزان، ثم قال: "وسمي الجاسوس عينًا؛ لأن جل عمله بعينه، أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عينا". (فتح الباري ٦/١٦٨) .
[ ٢ / ٦٥٣ ]
فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل١ فقال النبي - ﷺ - "اطلبوه واقتلوه٢، فقتلته، فنفله٣ سلبه" ٤.
والحديث رواه أبو داود عن الحسن بن علي الحلواني حدثنا أو نعيم قال حدثنا أبو العميس به٥".
ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان أبو الحسين الجزري عن جعفر بن عون عن أبي العميس٦".
_________________
(١) ١ وعند النسائي وأحمد وأبي عوانة من طريق جعفر بن عون عن أبي العميس "فلما طعم انسل". وفي رواية عكرمة بن عمار عند مسلم "فقيد الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر إذ خرج يشتد". (فتح الباري ٦/١٦٨) . ٢ قوله: "اطلبوه واقتلوه"، قال ابن حجر: "زاد أبو نعيم في المستخرج من طريق يحيى الحماني عن أبي العميس "أدركوه فإنه عين". وزاد أبو داود عن الحسن بن علي عن أبي نعيم فيه "فسبقتهم إليه فقتلته". (فتح الباري ٦/١٦٩) . قلت: "وعند أحمد وأبي عوانة"من طريق جعفر بن عون عن أبي عميس فقال رسول الله ﷺ علي بالرجل اقتلوه فابتدره القوم وكان أبي يسبق الفرس شدًا فسبقهم إليه فأخذ بخطام ناقته ثم قتله". ٣ قوله: "فنفله سلبه"، قال ابن حجر: "كذا فيه، وفيه، التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة، وكان السياق يقتضي أن يقول فنفلني، وهي رواية أبي داود وزاد هو ومسلم من طريق عكرمة بن عمار "فاتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء، فخرجت أعدو حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته فلما وضع ركبته بالأرض اخترطت سيفي، فأضرب رأسه فندر، فجئت براحلته وما عليها أقودها فاستقبلني رسول الله ﷺ فقال: "من قتل الرجل؟ قالوا: "ابن الأكوع قال: "له أسلبه أجمع". وترجم عليه النسائي "قتل عيون المشركين". وقد ظهر من رواية عكرمة بن عمار الباعث على قتله وأنه اطلع على عورة المسلمين وبادر ليعلم أصحابه فيغتنموا غرتهم، وكان في قتله مصلحة للمسلمين". قال النووي: "فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق". وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: "ينتقض عهده بذلك". وعند الشافعية خلاف أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقا". (فتح الباري ٦/١٦٩ وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٩) . ٤ صحيح البخاري٤/٥٥ كتاب الجهاد، باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان". ٥ سنن أبي داود ٢/٤٥، كتاب: "الجهاد، باب في الجاسوس المستأمن". ٦ السنن الكبرى، تحفة الاشراف ٤/٣٧ (٤٥١٤) . وهذا الحديث أفرده البيهقي وكذا المزي في الأطراف والنابلسي في الذخائر عن الحديث المروي عن سلمة ابن الأكوع من طريق عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن سلمة ابن الأكوع". (انظر السنن الكبرى ٦/٣٠٧، ٩/١٤٧، والأطراف للمزي ٤/٣٧ (حديث ٤٥١٤) وذخائر المواريث ٢/٢٤٤ حديث ٢١٩٥) .
[ ٢ / ٦٥٤ ]
ورواه أحمد وأبو عوانة كلاهما من طريق جعفر بن عون قال حدثنا أبو عميس به١".
ورواه أبو عوانة والطحاوي والطبراني والبيهقي كلهم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا أبو العميس به٢".
هـ- حديث سلمة بن الأكوع أيضا عند ابن ماجة وأحمد وهذا سياقه عند ابن ماجة قال: حدثنا علي٣ بن محمد ثنا وكيع ثنا أبو العميس وعكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: "بارزت رجلا فقتلته فنفلني رسول الله ﷺ سلبه" ٤.
وفي الزوائد: "إسناده صحيح ورجاله ثقات٥".
ورواه أحمد عن وكيع ثنا أبو عميس به٦".
وهذه الأحاديث تدل بظاهرها على أن من قتل كافرا له عليه بينة استحق سلبه، سواء أكان ذلك السلب قليلا أم كثيرا، وسواء أذن الإمام أو لم يأذن، كما تدل على أن السلب من أصل الغنيمة وعلى أنه لا يخمس، هذا هو الظاهر من هذه النصوص٧".
وقد اختلف العلماء من هذا الحكم في مسائل أقتصر على أهمها:
الأولى: "هل القاتل يستحق سلب القتيل سواء أذن أمير الجيش أم لم يأذن وبهذا قال جمهور العلماء.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٥٠ ومسند أبي عوانة ٤/١٢٣". ٢ المصدر السابق ٤/١٢٢ وشرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٢٧ والمعجم الكبير للطبراني ٧/٢٩ والسنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٠٧ و٩/١٤٧". ٣ علي بن محمد يحتمل أن يكون هو الطنافسي، وهو ثقة، ويحتمل أن يكون ابن أبي الخصيب القرشي الكوفي وهو "صدوق ربما أخطأ" فإن كل واحد منهما شيخه وكيع وتلميذه ابن ماجة (انظر تهذيب التهذيب ٧/٣٧٨و٣٧٩ والتقريب ٢/٤٣) وعلى كل حال فإن الحديث صحيح فقد رواه أحمد عن وكيع ثنا أبو عميس الخ". ٤ سنن أبن ماجة ٢/٩٤٦ كتاب الجهاد، باب المبارزة والسلب". ٥ هذا الحديث أفرده أيضا المزي في الأطراف ٤/٤١ (حديث ٤٥٢٩) فنسبه لابن ماجة وحده". وقال الألباني في إرواء الغليل ٥/٥٥ وأورده البوصيري في (زوائد سنن ابن ماجة) وقال:"هذه إسناد صحيح رجاله ثقات" واسم أبي العميس عتبة بن عبد الله"، فخفي عليه أنه على شرط كل من الشيخين، وأنهما أخرجاه بأتم منه، ولولا ذلك لما أورده". ٦ مسند أحمد ٤/٤٥ ٧ انظر: "زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/١٠٠و٤٩٤ و٥/٧٢".
[ ٢ / ٦٥٥ ]
قال النووي: "عند شرحه لحديث أبي قتادة:
اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال الشافعي والأوزاعي والليث والثوري١ وأبو ثور وأحمد وإسحاق وابن جرير وغيرهم: "يستحق القاتل سلب القتيل في جميع الحروب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل ذلك قالوا وهذه فتوى من النبي ﷺ وإخبار عن حكم الشرع فلا يتوقف على أحد٢".
وبوب البخاري بقوله: "باب من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلا فله سلبه من غير أن يخمس، وحكم الإمام فيه".
ثم ساق تحت هذا الباب حديث أبي قتادة وفيه "فقال رسول الله ﷺ من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه"٣".
قال ابن حجر: "وإلى ما تضمنته الترجمة ذهب الجمهور، وهو أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أو لم يقل ذلك، وهو ظاهر حديث أبي قتادة".
وقالوا: "إنه فتوى من النبي ﷺ وإخبار عن الحكم الشرعي٤".اهـ
وساق أبو عبيد حديث أبي قتادة ثم قال: "قال أبو عبيد: فقد تبين لنا أن النبي ﷺ حكم لأبي قتادة بالسلب،من غير أن يكون نفله إياه قبل ذلك، ألا ترى أن رسول الله ﷺ إنما قال: "قال بعد قتل أبي قتادة صاحبه، فهذا عندنا بين واضح: أن السلب مقضي به للقاتل بسنة ماضية من رسول الله ﷺ، جعله له الإمام قبل ذلك أم لم يجعله له٥".اهـ.
_________________
(١) ١ في المغني لابن قدامة ٨/٣٩٢ وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٠، أن الثوري معدود مع القائلين بأن القاتل لا يستحق السلب إلا أن يقول الإمام ذلك، وهو كذلك عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨/٥". ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥١ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٥ وزاد: "ابن المنذر وأبا عبيد". ٣صحيح البخاري ٤/٧٣ كتاب فرض الخمس". ٤ فتح الباري ٦/٢٤٧ ٥ كتاب الأموال ص: "٤٣٧-٤٣٨".
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وقال الخرقي: "ومن قتل منا أحدًا منهم مقبلًا١ على القتال فله سلبه غير مخموس، قال ذلك الإمام أو لم يقل".
قال ابن قدامة: "في هذه المسألة فصول ستة:
أحدها: "أن القاتل يستحق السلب في الجملة ولا نعلم فيه خلافا، والأصل فيه قول النبي ﷺ "من قتل كافرا فله سلبه".
ثم أورد حديث أبي قتادة، حديث أنس بن مالك٢، أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "من قتل قتيلا فله سلبه" قال: "فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا فاخذ أسلابهم".
وقال أيضًا الفصل السادس: "أن القاتل يستحق السلب قال ذلك الإمام أو لم يقل، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور٣".
وقال محمد الأمين الشنقيطي: "واحتج من قال: "باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقا بعموم الأدلة لأن النبي ﷺ، صرح بان من قتل قتيلا فله سلبه، ولم يخصص بشيء، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، كما علم في الأصول٤".
وقال الصنعاني: "عند شرحه لحديث عوف بن مالك الأشجعي أن النبي ﷺ "قضى بالسلب للقاتل" ٥.
_________________
(١) ١ قال محمد الأمين الشنقيطي: "والحق أنه لا يشترط في ذاك أن يكون القتل في مبارزة، ولا يكون الكافر المقتول مقبلا". أما الدليل على عدم اشتراط كونه قتله مقبلا إليه: "فحديث سلمة بن الأكوع ثم أورد حديث سلمة في قصة قتل عين المشركين وفيه "قال سلمة: "فاتَّبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء، قال سلمة: "وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته على الأرض اخترطت سيفي، فضربت به رأس الرجل فندر". الحديث ثم قال: "وهو صريح في عدم اشتراط المبارزة، وعدم اشتراط قتله مقبلا، لا مدبرًا كما ترى وكذلك حديث أبي قتادة يدل على عدم اشتراط المبارزة أيضًا". (أضواء البيان ٢/٣٨٨ وانظر سياق حديث أبي قتادة ص ٦٣٦ وحديث سلمة ص ٦٤٠-٦٤٢، وانظر حديث (٢٨١) . ٢ انظر حديث أبي قتادة ص ٦٣٦ وحديث أنس ص ٦٣٩". ٣ المغني ٨/٣٨٦-٣٨٧و ٣٩٢". ٤ أضواء البيان ٢/٣٩٠". ٥ الحديث رواه مسلم وأبو داود وأحمد".انظر حديث رقم (٢٨٣)،وص٦٥٣-٦٥٥".
[ ٢ / ٦٥٧ ]
قال: "فيه دليل على أن السلب الذي يؤخذ من العدو الكافر يستحقه قاتله سواء قال الإمام قبل القتال: "من قتل قتيلا فله سلبه أو لا، وسواء كان القاتل مقبلا أو منهزما، وسواء كان ممن يستحق السهم في المغنم أو لا١، إذ قوله "قضى بالسلب للقاتل" حكم مطلق غير مقيد بشيء من الأشياء".
قال الشافعي: "وقد حفظ هذا الحكم عن رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة:
منها يوم بدر، فإنه ﷺ حكم بسلب أبي جهل٢ لمعاذ بن الجموح لما كان هو المؤثر في قتل أبي جهل وكذا في قتل حاطب بن أبي بلتعة لرجل يوم أحد أعطاه سلبه ٣".
والأحاديث في هذا الحكم كثيرة:
وقوله ﷺ في يوم حنين "من قتل قتيلا فله سلبه" بعد القتال لا ينافي هذا بل هو مقرر للحكم السابق، فإن هذا كان معلوما عند الصحابة من قبل حنين، ولذا قال عبد الله بن جحش٤: "اللهم ارزقني رجلا شديدا إلى قوله: "أقتله وآخذ سلبه"٥.إهـ.
وقال أبو حنيفة ومالك ومَن تابعهما لا يستحق القاتل سلب القتيل بمجرد القتل، بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة إلا أن يقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه".
_________________
(١) ١ كالمرأة والصبي والعبد". ٢ انظر: "الحديث رقم (٢٨٢) . ٣ رواه الحاكم من حديث أنس بن مالك ومن طريقه أخرجه البيهقي، وفيه "أن المقتول عتبة بن أبي وقاص وأن حاطب قتله وأخذ رأسه وسلبه وفرسه وجاء بها إلى النبي ﷺ فأعطاه رسول الله ﷺ سلبه ودعا له". (المستدرك ٣/٣٠٠-٣٠١ والسنن الكبرى ٦/٣٠٨) . ٤ الحديث رواه البيهقي من طريق إسحاق بن سعد بن أبي وقاص قال: "حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد ألا تأتي ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا سعد قال: "يا رب إذا لقينا القوم غدا فلقني رجلًا شديدًا بأسه شديدًا حرده فأقاتله فيك ويقاتلني ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: "اللهم ارزقني غدًا رجلًا شديدًا حرده شديدًا بأسه أقاتله فيك ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي فإذا لقيتك غدًا". قلت: "يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذنك؟ ". فأقول فيك وفي رسولك ﷺ فتقول صدقت".، قال سعد بن أبي وقاص: "يا بني كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرا من دعوتي لقد رأيته آخر النهار وإن أذنه وأنفه معلقتان في خيط". (السنن الكبرى ٦/٣٠٧-٣٠٨) وقال ابن حجر في الفتح ٦/٢٤٨: "روه الحاكم والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص بإسناد صحيح". ٥ سبل السلام ٤/٥٢-٥٣".
[ ٢ / ٦٥٨ ]
إلا أنه عند مالك يكون قول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه بعد انقضاء الحرب لأنه جعل السلب من جملة الأنفال".
ويكره للإمام أن يقول ذلك قبل انقضاء القتال لأنه يؤدي ذلك إلى صرف نيات المجاهدين لقتال الدنيا، ويجوز بعد القدرة على العدو لأنه لا محذور فيه عندئذ ١".
واستدل الحنفية والمالكية بأدلة منها:
- حديث أبي قتادة الوارد فيه "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" ٢ قالوا: "وقد دفع رسول الله ﷺ السلب لأبي قتادة، وغير بينة ولا يمين ولو كان يستحق السلب بمجرد القتل لطولب بالبينة على أنه قتله".
٢٨٢- حديث عبد الرحمن بن عوف المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر، فإن فيه ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: "أيكما قتله؟ ".
فقال كل واحد منها: "أنا قتلته، فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: "لا، فنظر في السيفين، فقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" ٣.
قالوا: "فتصريحه ﷺ في هذا الحديث المتفق عليه، بأن كليهما قتله، ثم تخصيص أحدهما بسلبه، دون الآخر، صريح في أن القاتل لا يستحق السلب، إلا بقول الإمام: "أنه له، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ بن العفراء وجه، مع النبي ﷺ صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو، ولجعله بينهما بالسوية لاشتراكهما في قتله".
- حديث عوف بن مالك الأشجعي عند أحمد ومسلم وأبي داود وهذا سياقه عند مسلم:
_________________
(١) ١ حاشية الدسوقي ٢/١٩٠-١٩١ وأوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٢٨٥، والهداية لبرهان الدين المرغيناني ٢/١٤٩ وشرح معاني الآثار٣/٢٢٧، والمغني لابن قدامة ٨/٣٩٢ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥١، وزاد المعاد ٣/٤٨٩ وفتح الباري ٦/٢٤٧ والمحلى لابن حزم ٧/٥٤٧ وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٠". ٢ الحديث تقدم في ص ٦٣٦". ٣ البخاري: "الصحيح ٤/٧٣ كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب الخ". ومسلم: الصحيح٣/١٣٧٢كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل".
[ ٢ / ٦٥٩ ]
٢٨٣- عن عوف بن مالك قال: "قتل رجل من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال لخالد "ما منعك أن تعطيه سلبه؟ ". قال: "استكثرته يا رسول الله! قال: "ادفعه إليه" فمر خالد بن بعوف فجر بردائه١ ثم قال: "هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ؟ فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب٢، فقال: "لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد! هل أنتم تاركون لي أمرائي" الحديث.
وفي رواية عند مسلم أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة، في غزوة مؤتة، ورافقني مددي٣ من اليمن وساق الحديث عن النبي ﷺ بنحوه غير أنه قال في الحديث: "قال عوف: "فقلت: "يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: "بلى، ولكني استكثرته٤".
قالوا: "فقول النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "لا تعطه يا خالد" دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل، إذ لو استحقه به، لما منعه منه النبي ﷺ".
٢٨٤- ما واه ابن أبي شيبة قال: "حدثنا أبو الأحوص٥ عن الأسود٦ بن قيس عن شبر٧ بن علقمة قال: "بارزت رجلا يوم القادسية، فقتلته، وأخذت سلبه
_________________
(١) ١ فجر بردائه: "أي جذب عوف برداء خالد وتكلم عليه لمنعه من السلب". ٢ فاستغضب: "بالبناء للمجهول: "أي صار رسول الله ﷺ مغضبا". ٣ مددى: "يعني رجلا من المدد الذين جاؤا يمدون مؤتة ويساعدونهم". ٤ صحيح مسلم ٣/١٣٧٣-١٣٧٤ كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، وانظر تخريج الحديث عند أبي داود وأحمد ص ٦٥٣-٦٥٥". ٥ أبو الأحوص: "هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي "ثقة متقن" تقدم في حديث (٢٧) . ٦ الأسود بن قيس العبدي، ويقال العجلي الكوفي، يكنى أبا قيس، ثقة من الرابعة". /ع". (التقريب ١/٧٦ وتهذيب التهذيب ١/٣٤١) . ٧ شبر بن علقمة العبدي الكوفي. ذكره ابن حجر في الإصابة ١/١٦٣ في القسم الثالث من حرف الشين وقال: "له إدراك وشهد القادسية له رواية عن ابن مسعود، ثم أورد له هذا الحديث من طريق الأسود بن قيس وقال: "رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة". ووقع في أضواء البيان الشنقيطي ٢/٣٩٢: "بشر بن علقمة" بتقديم الموحدة على المعجمة وهو خطأ، وكذا وقع في المحلى لابن حزم ٣/٥٤٥".
[ ٢ / ٦٦٠ ]
فأتيت به سعدًا فخطب سعد أصحابه ثم قال: "هذا سلب شبر بن علقمة فهو خير من أثنى عشر ألف درهم، وإنا قد نفلناه إياه" قالوا: "فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي ﷺ، لما أضاف الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم ولأخذه القاتل دون أمرهم".
٢٨٥- ما ذكره مالك في الموطأ قال: "لم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل قتيلا فله سلبه" إلا يوم حنين١.
هذا أهم ما استدل به المالكية والحنفية على ما ذهبوا إليه من أن القاتل لا يستحق سلب قتيله إلا إذا قال الإمام قبل القتال من قتل قتيلا فله سلبه٢.
ورد القائلون - باستحقاق السلب للقاتل مطلقا- على هذه الأدلة بما يأتي:
أ- حديث أبي قتادة، أجاب عنه ابن قدامة بقوله: "وأما أبو قتادة؛ فإن خصمه اعترف له به وصدقه فجرى مجرى البينة ولأن السلب مأخوذ من الغنيمة بغير تقدير الإمام واجتهاده فلم يفتقر إلى شرطه كالسهم٣".
وأجاب القرطبي عنه بقوله: "سمعت شيخنا عبد العظيم المنذري يقول: "إنما أعطى النبي ﷺ أبا قتادة سلب قتيله بشهادة الأسود٤ بن خزاعى وعبد الله٥ بن أنيس، وعلى هذا يندفع النزاع، ويزول الإشكال ويطرد الحكم٦".إهـ.
_________________
(١) ١ موطّأ مالك ٢/٤٥٥ كتاب الجهاد، باب ما جاء في السلب في النفل". وانظر: "هذه الأدلة في شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٢٧ والمغني لابن قدامة ٨/٣٩٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٦-٧، ونصب الراية للزيلعي ٣/٤٣١-٤٣٤، وفتح الباري لابن حجر٦/٢٤٧-٢٤٨، وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٠-٣٩٣، والمحلى لابن حزم ٣/٥٤٧-٥٥٣، والأم ٤/٦٧-٦٨". ٢ إلا أن هذا القول عند مالك ﵀ يكون بعد انقضاء الحرب، كما تقدم في ص ٦٤٧". ٣ المغني ٨/٣٩٣و٣٩٦". ٤ الأسود بن خزاعى الأسلمي حليف بني سلمة من الأنصار". قال ابن حجر: "ذكره موسى بن عقبة عن الزهري فيمن قتل ابن أبي الحقيق، وسماه ابن إسحاق: "خزاعي بن الأسود وكذلك معمر عن الزهري، وذكر الواقدي أنه شهد لأبي قتادة بسلب قتيله يوم حنين". (الإصابة ١/٤٢-٤٣) . ٥ عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحيى المدني حليف بني سلمة من الأنصار بعثه رسول الله ﷺ إلى خالد بن نبيح الهذلي فقتله". (الإصابة ١/٤٢-٤٣ و٢/٢٧٨-٢٧٩ ومغازي الواقدي ٣/٩٠٨) . ٦ الجامع لأحكام القرآن ٨/٩ وقال: "وأما المالكية؛ فيخرج على قولهم أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة، لأنه من الإمام ابتداء عطية فإن شرط الشهادة كان له، وإن لم يشترط جاز أن يعطيه من غير شهادة، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي٢/٣٩٧".
[ ٢ / ٦٦١ ]
ب- حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة قتل أبي جهل".
قال الزيلعي: "أجاب عنه البيهقي في "المعرفة" بقوله: "وهذا حجة لهم فيه، فإن غنيمة بدر كانت للنبي ﷺ بنص الكتاب يعطي منها من يشاء، وقد قسم لجماعة لم يشهدوا، ثم نزلت الآية في الغنيمة بعد بدر، وقضى - ﵇ - بالسلب للقاتل، واستقر الأمر على ذلك، ويجوز أن يكون أحدهما أثخنه، والثاني جرحه بعد، فقضى بسلبه للأوّل١".إهـ".
وأجاب ابن حزم بقوله: "قال: "أبو محمد: "ولا حجة لهم في هذا كله، وأين يوم بدر من يوم حنين وبينهما أعوام؟ وما نزل حكم الغنائم إلا بعد يوم بدر فكيف يكون السلب للقاتل٢".
وقال ابن حجر: "أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن في سياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن".
قال المهلب٣: "نظره ﷺ في السيفين واستلاله لهما هو ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار العمق دخولهما في جسم المقتول ليحكم بالسلب لمن كان في ذلك أبلغ، ولذلك سألهما أولا هل مسحتما سيفيكما أم لا؟ لأنهما لو مسحاهما لما تبين المراد من ذلك وإنما قال: "كلاكما قتله" وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه ليطيب نفس الآخر".
وقال الإسماعيلي ٤: "أقول إن الأنصاريين ضرباه فأثخناه٥ وبلغا به المبلغ الذي يعلم معه أنه لا يجوز بقاؤه على تلك الحال إلا قدر ما يطفأ، وقد دل قوله: "كلاكما قتله" على أن كلا منهما وصل إلى قطع الحشوة٦ إبانتها أو بما يعلم أن عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر، غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار في حكم المثبت
_________________
(١) ١ نصب الراية ٣/٤٣٢". ٢ المحلى ٧/٥٥٠". ٣ هو القاضي أبو القاسم المهلب بن أحمد بن أبي صفرة التميمي الفقيه الحافظ المحدث العالم المتفنن، شرح البخاري واختصره اختصارا مشهورا وله تعليق على البخاري حسن، (مات سنة ٤٣٥أو ٤٣٦) . (شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص ١١٤ ومقدمة البخاري ١/١٢٧) . ٤ هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني، له تخريج على صحيح البخاري، ولد عام ٢٧٧ ومات سنة ٣٧١هـ". (تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/٩٤٧-٩٥١) . ٥ أثخناه: "أي أثقلاه بالجراح". (النهاية ١/٢٠٨) . ٦ الحشوة: "بالضم والكسر: "الأمعاء". (المصدر السابق ١/٣٩٢) .
[ ٢ / ٦٦٢ ]
لجراحه حتى وقعت به ضربة الثاني فاشتركا في االقتل، إلا أن أحدهما قتله وهو ممتنع والآخر قتله وهو مثبت فلذلك قضى بالسلب للسابق إلى إثخانه١".
جـ وأما حديث عوف بن مالك الأشجعي في قصته مع خالد بن الوليد، فأجاب الخطابي عنه بقوله: "إنما منع ﵇ خالدا في الثانية أن يرد على عوف سلبه زجرا لعوف، لئلا يتجرأ الناس على الأئمة، لأن خالدا كان مجتهدا في صنعه، لما رأى فيه من المصلحة، فأمضى ﵇ اجتهاده، واليسير من الضرر يحتمل الكثير من النفع، قال: "ويشبه أن يكون النبي ﷺ قد عوض المددى من الخمس الذي هو له وترضى خالدا بالنصح له والتسليم الحكم له في السلب ٢".
وأجاب عنه ابن حزم بقوله:
قال أبو محمد: "لا حجة لهم في هذا، بل هو حجة عليهم لوجوه:
أوّلها: "أن فيه نصا جليا أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل وهذا قولنا".
وثانيها: "أنه ﵇ أمر خالدا بالرد عليه".
وثالثها: "أن في نصه أن النبي ﷺ إنما أمره بأن لا يرد عليه، لأنه علم أن القاتل صاحب السلب أعطاه بطيب نفس ولم يطلب خالدا به، وأن عوفًا يتكلم فيما لا حق له فيه وهذا هو نص الخبر".
ورابعها: "أنه لو كان كما يوهمون لما كان لهم فيه حجة، لأن يوم حنين الذي قال فيه ﵇ "من قتل كافرا فله سلبه" كان بعد يوم مؤتة٣ بلا خلاف". ويوم حنين كان بعد فتح مكة" فيوم حنين حكمه ناسخ لما تقدم لو كان خلافه٤".
د- وأما حديث شبر بن علقمة وقول سعد بن أبي وقاص إنا قد نفلناه إياه فأجاب عنه ابن قدامة بقوله: "أما خبر شبر فإنما أنفذ له سعد ما قضى له به رسول الله ﷺ وسماه نفلا لأنه في الحقيقة نفل لأنه زيادة على سهمه٥".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٦/٢٤٨ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٥". ٢ الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص٢٢٥ ونصب الراية للزيلعي ٣/٤٣٢". ٣ كانت غزوة مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة". (سيرة ابن هشام ٢/٣٧٣) . ٤ المحلى ٧/٥٤٩، ومعنى قوله (لو كان خلافه) يعني أنه لو سلم لهم بأن رسول الله ﷺ منع القاتل سلب قتيله، لكان ما قاله ﵇ يوم حنين ناسخا لما كان في غزوة مؤتة". ٥ المغني ٨/٣٩٣".
[ ٢ / ٦٦٣ ]
هـ- وأما قول مالك: "بم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين".
فأجاب عنه ابن حجر بقوله: "وأجاب الشافعي وغيره بأن ذلك حفظ عن النبي ﷺ في مواطن:
منها: "يوم بدر، كما في قصة أبي جهل".
ومنها: "حديث حاطب بن أبي بلتعة في قتله رجلا يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ سلبه".
ومنها: "حديث عوف بن مالك في قصة قتل المددي رجلا من العدو".
ومنها: "قصة عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص في دعائهما يوم أحد وقول سعد: "اللهم ارزقني رجلا شديدا أقتله وآخذ سلبه، وغير ذلك من المواطن التي ورد فيها لفظ السلب قبل غزوة حنين".
وأجاب ابن حجر أيضا بقوله: فإن أراد مالك أن ابتداء هذا الحكم كان يوم حنين فهو مردود، لكن على غير مالك ممن منعه فإن مالكا إنما نفى البلاغ، وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة: "إن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل" وكانت مؤتة قبل حنين بالاتفاق١.اهـ.
وقال بن حزم: "وقال بعضهم: "لم يقل ذلك٢ رسول الله ﷺ إلاّ يوم حنين".
قال أبو محمد: "فكان هذا عجبا، نعم، فهبك أنه لم يقله - ﵇ - قط إلا مرة يومئذ، أو قاله قبل وبعد، أترى أنهم يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى به مرة أو يرونه باطلا حتى يكرر القضاء به؟..".
فلا فرق بين ما قاله مرة، أو ألف ألف مرة، كله دين وكله حق، كله حكم الله تعالى، وكله لا يحل لأحد خلافه"٣.
المسألة الثانية: "من مسائل هذا الحكم: تخميس السلب، وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال: "
القول الأول: "أن السلب لا يخمس قلَّ أم كثر".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٦/١٦٩ و٢٤٧-٢٤٨، والأم للشافعي ٤/٦٦/٦٨ وسبل السلام للصنعاني ٤/٥٢-٥٣ وانظر ص (٦٤٦) وحديث (٢٨٢) و(٢٨٣) . ٢ يعني (من قتل قتيلا فله سلبه) . ٣ المحلى ٧/٥٤٧".
[ ٢ / ٦٦٤ ]
قال ابن قدامة: "روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير١".اهـ.
وقال النووي: "واختلفوا في تخميس السلب، وللشافعي فيه قولان:
الصحيح منها عند أصحابه، لا يخمس وهو ظاهر الأحاديث وبه قال: أحمد وابن جرير وابن المنذر وآخرون٢".اهـ".
وقال أبو عبيد: "وفي النفل٣ الذي ينفله الإمام سنن أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى".
فإحداهن: "في النفل الذي لا خمس فيه".
والثانية: "في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس".
والثالثة: "في النفل الذي يكون من الخمس نفسه".
والرابعة: "في النفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء".
فأما الذي لا خمس فيه فإنه السلب، وذلك أن ينفرد الرجل بقتل المشرك فيكون له سلبه مسلما من غير أن يخمس أو يشركه فيه أحد من أهل العسكر٤".
وقال ابن حزم: "وكل من قتل قتيلا من المشركين فله سلبه قال ذلك الإمام أو لم يقله، كيف ما قتله صبرًا، أو في القتال، ولا يخمس السلب قلّ أو كثر"٥.
وقال ابن قيم الجوزية: حكم النبي ﷺ بالسلب كله للقاتل ولم يخمسه، ولم يحعله من الخمس، بل من أصل الغنيمة، وهذا حكمه وقضاؤه"٦".اهـ.
وأدلة هذا القول الأحاديث المتقدمة مثل حديث أبي قتادة: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه".
وحديث سلمة بن الأكوع في قتله طليعة المشركين، وقول الرسول ﷺ من قتل الرجل فقالوا: "سلمة بن الأكوع، فقال ﷺ: "له سلبه أجمع".
_________________
(١) ١ المغني لابن قدامة ٨/٣٩١". ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٢". ٣ تقدم بيان النفل في ص ٣٥٣". ٤ كتاب الأموال ص ٤٣٠". ٥ المحلى ٧/٥٤٤ ٦ زاد المعاد ٥/٧٢و٣/٤٩٣-٤٩٤".
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وحديث أنس بن مالك "أن أبا طلحة قتل عشرين رجلا يوم حنين وأخد أسلابهم"١ ".
وساق القرطبي في تفسيره حديث عوف بن مالك الذي رواه مسلم، ثم قال: "وأخرجه أبو بكر٢ البرقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم، وزاد بيانا أن عوف بن مالك، قال: "إن رسول الله ﷺ لم يكن يخمس السلب"٣.
وروى الإمام أحمد فقال: "حدثنا أبو المغيرة٤ قال ثنا صفوان٥ بن عمرو قال: "حدثني عبد الرحمن٦ بن جبير بن نفير عن أبيه٧ عن عوف ابن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن النبي ﷺ لم يخمس السلب".
ورواه من هذه الطريق أيضا مطولا".
ورواه أيضا عن الوليد بن مسلم قال حدثني صفوان بن عمرو به مطولا أيضا ٨".
وأخرجه أبو داود من طريق أحمد الأخيرة".
_________________
(١) ١ تقدم هذه الأحاديث في ص ٦٣٦-٦٣٧ و٦٤٠-٦٤٢". ٢ هو الإمام الحافظ شيخ الفقهاء والمحدثين أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني الشافعي شيخ بغداد، صنف التصانيف وخرج على الصحيحين، حدث عنه البيهقي والخطيب البغدادي وغيرهم". قال الخطيب: "كان ثقة ورعًا ثبتا لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه له حظ من علم العربية كثير، صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم، ولد سنة ٣٣٦ ومات ببغداد سنة٤٢٥ هـ". (تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١٠٧٤-١٠٧٦ وتاريخ بغداد ٤/٣٧٣-٣٧٦) . ٣ الجامع لأحكام القرآن ٨/٧-٨، وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٤-٣٩٥". ٤ هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، أبو المغيرة الحمصي، ثقة، من التاسعة (ت ٢١٢) ./ع". (التقريب ١/٥١٥ وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٩) . ٥ صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي، أبو عمرو الحمصي، ثقة من الخامسة (ت١٥٥أو بعدها) .بخ م عم (التقريب١/٣٦٨،وتهذيب التهذيب٤/٢٢٨-٢٢٩) . ٦ عبد الرحمن بن جبير بجيم وموحدة مصغرا ابن نفير بنون وفاء مصغرا الحضرمي الحمصي، ثقة من الرابعة (ت ١١٨) . بخ م عم". (التقريب ١/٤٧٥ وتهذيب التهذيب ٦/١٥٤ وقد سقط من تهذيب التهذيب علامة من أخرج له) . ٧ هو جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، الحمصي، ثقة جليل، من الثانية مخضرم، ولأبيه صحبة فكأنه هو ما وفد إلا في عهد عمر (ت٨٠ وقيل بعدها) . بخ م". عم". (التقريب ١/١٢٦ وتهذيب التهذيب ٢/٦٤-٦٥) . ٨ المسند ٦/٢٦و٢٧-٢٨".
[ ٢ / ٦٦٦ ]
ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي ١".
وأخرجه أبو داود أيضا مختصرا من طريق إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف ن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب" ٢.
ورواه ابن الجارود من طريق أبي المغيرة قال ثنا صفوان بن عمرو به ولفظه "عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد - ﵄ - أن النبي ﷺ لم يخمس السلب" ٣.
رواه الطحاوي من طريق الوليد بن مسلم قال: "ثنا صفوان بن عمرو به ولفظه "عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "قلت لخالد بن الوليد يوم مؤتة ألم تعلم أن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب؟ قال: "بلى" ٤.
ورواه البيهقي أيضا من طريق الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو به٥".
ولمسلم من طريق الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو به بلفظ "قال عوف: "فقلت: "يا خالد! أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: "بلى، ولكني استكثرته" ٦.
والحديث صحيح وهو نص في أن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب".
القول الثاني: "أن السلب يخمس مطلقًا".
قال ابن قدامة: "وهو قول ابن عباس والأوزاعي ومكحول٧".
ونسبه النووي أيضا لمالك وقال: "وهو قول ضعيف للشافعي".
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٦/٣١٠". ٢ سنن أبي داود ٢/٦٥و٦٦ كتاب الجهاد، باب في السلب لا يخمس". ٣ المنتقى ص ٣٦١". ٤ شرح معاني الآثار ٣/٢٢٦". ٥ السنن الكبرى ٦/٣١٠ وانظر إرواء الغليل ٥/٥٥-٥٧". ٦ تقدم الحديث برقم (٢٨٣) . ٧ المغني ٨/٣٩١.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
ثم قال: "وعن مالك رواية اختارها إسماعيل القاضي١ أن الإمام بالخيار إن شاء خمسه وإلا فلا٢".
واستدل من قال بأن السلب يخمس بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [سورة الأنفال، من الآية:٤١] .ولم يستثن شيئا".
ورد الجمهور على هذا الدليل بقوله ﷺ "من قتل قتيلا فله سلبه" وبغير ذلك من الأحاديث القاضية بأن السلب للقاتل، وهي مخصصة لعموم الآية ٣".
القول الثالث: "أن السلب إن كان كثيرا خمس، وإلا فلا".
وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ وإسحاق بن راهويه ودليل هذا القول هو ما رواه سعيد بن منصور في "سننه".
٢٨٦- عن ابن سيرين٤ أن البراء بن مالك٥ بارز مرزبان٦ الزارة٧
_________________
(١) ١ هو أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البصري، ثم البغدادي المالكي، الحافظ شيخ الإسلام صاحب التصانيف وشيخ مالكية العراق وعالمهم". قال الخطيب: "كان عالما متقنا فقيها شرح مذهب مالك واحتج له، وصنف المسند، وصنف في علوم القرآن، وجمع حديث أيوب وحديث مالك". قال الذهبي: "وصنف الموطأ، وصنف كتابا حافلا نحو مائتي جزء في الرد على محمد تبن الحسن لم يتمه، (ولد سنة ١٧٩ ومات سنة ٢٨٢) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦٢٥-٦٢٦ وتاريخ بغداد ٦/٢٨٤) . ٢ المغني لابن قدامة ٨/٣٩٠-٣٩١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٢ وفتح الباري ٦/٢٤٧ وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٤و٣٩٥، وزاد المعاد ٣/٤٩٤". ٣ المغني لابن قدامة ٨/٣٩٠-٣٩١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٢ وفتح الباري ٦/٢٤٧ وأضواء البيان الشنقيطي ٢/٣٩٤و٣٩٥، وزاد المعاد ٣/٤٩٤". ٤ هو محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة (ت ١١٠) . /ع". (التقريب ٢/١٦٩ وتهذيب التهذيب ٩/٢١٤) . ٥ البراء بن مالك بن النضر، الأنصاري، أخو أنس بن مالك لأبيه وأمه، وأمهما أم سليم، قال أبو حاتم: "أخوه لأبيه، كان شجاعا مقداما شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ إلا بدرا، وهو الذي فتح حديقة مسيلمة التي تحصن فيها هو وجنده يوم اليمامة، واستشهد البراء يوم حصن تستر في خلافة عمر بن الخطاب سنة عشرين وقيل توفي سنة ٢٣". (أسد الغابة ١/٢٠٦ والإصابة ١/١٤٣ والاستيعاب ١/١٣٧ مع الإصابة) . ٦ في القاموس المحيط١/٧٣:والمرزبة كمرحلة رياسة الفرس وهو مرزبانهم بضم الزاي". ٧ الزارة: "بالزاي وفتح الراء المخففة، وقال أبو منصور: "عين الزارة بالبحرين معروفة، والزارة قرية كبيرة بها، ومنها مرزبان الزارة، وله ذكر في الفتوح، وفتحت الزارة في سنة ١٢هـ في أيام أبي بكر الصديق - ﵁ - وصولحوا". قال أبو أحمد العسكري: "الخط والزارة والقطيف قرى بالبحرين وهجر". (معجم البلدان لياقوت ٣/١٢٦) .
[ ٢ / ٦٦٨ ]
بالبحرين، فطعنه فدق صلبه، وأخذسواريه١ وسلبه، فلما صلى عمر الظهر، أتى أبا طلحة في داره، فقال: "إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسه فكان أوّل سلب خمس في الإسلام، سلب البراء، وبلغ ثلاثين ألفا"٢.
والحديث نسبه ابن حزم أيضًا لابن أبي شيبة قال: "حدثنا عبد الرحيم٣ بن سليمان عن هشام٤ بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس ابن مالك قال: "كان السلب لا يخمس وكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء بن مالك، وكان قتل مرزبان الزارة وقطع منطقته وسواريه، فلما قدمن المدينة صلى عمر الصبح، ثم أتانا فقال: "السلام عليكم أثم أبو طلحة؟ فقالوا: "نعم، فخرج إليه فقال عمر: "إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء مال وغني خامسه، فدعا المقومين فقوموا ثلاثين ألفا، فأخذ منها ستة آلاف٥".
والحديث أخرجه الطحاوي من طريق سفيان عن أيوب عن ابن سيرين عن أنس بن مالك به٦".
ورواه البيهقي من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك به".
ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس ابن مالك به٧".
_________________
(١) ١ السوار: "بكسر السين وضمها هو ما يتحلى به النساء في أيديهن". (النهاية ٢/٤٢٠ والقاموس ٢/٥٣ وهدي الساري مقدمة فتح الباري ص ١٣٥) . ٢ المغني لابن قدامة ٨/٣٩١-٣٩٢ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٣٩٤". ٣ عبد الرحيم بن سليمان الكناني، أبو الطائي، أبو علي الأشل، المروزي نزيل الكوفة ثقة له تصانيف، من صغار الثامنة، (ت ١٨٧) . /ع". (التقريب ١/٥٠٤ وتهذيب التهذيب ٦/٣٠٦) . ٤ هشام بن حسان الأزدي القردوسي - بضم القاف والدال- أبو عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، في روايته عن الحسن وعطاء مقال، لأنه قيل كان يرسل عنهما، من السادسة (ت١٤٧-١٤٨) . /ع". (التقريب٢/٣١٨ وتهذيب التهذيب ١١/٣٤) . ٥ المحلى لابن حزم ٧/٥٤٥-٥٤٦". ٦ شرح معاني الآثار ٣/٢٢٩". ٧ السنن الكبرى ٦/٣١٠-٣١١، وانظر إرواء الغليل ٥/٥٧-٥٨".
[ ٢ / ٦٦٩ ]
ورد هذا الحديث ابن قدامة بقوله: "ولنا ما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب".
وعموم الأخبار التي ذكرناها، وخبر عمر بن الخطاب حجة لنا فإنه قال: "إنا كنا لا نخمس، وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام، يعني أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر صدرا من خلافته لم يخمسوا سلبا واتباع ذلك أولى".
قال الجوزجاني١: "لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول ﷺ شيء إلا اتباعه ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم٢".
ثم قال ابن قدامة: "وما ذكرناه يصلح أن يخصص به عموم الآية".
وإذا ثبت هذا: "فإن السلب من أصل الغنيمة، وقال مالك: "هو من خمس الخمس".
ولنا: "أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل مطلقا ولم ينقل عنه أنه احتسب به من الخمس، ولأنه لو احتسب به من خمس الخمس احتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك، ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام فلم يكن من خمس الخمس كسهم الفارس والراجل ٣".إهـ.
وقال ابن قيم الجوزية: "قوله ﷺ "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" دليل على أن له سلبه كله غير مخمس، وقد صرح بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلا: "له سلبه أجمع".
وفي المسألة ثلاثة مذاهب، هذا أحدها.
_________________
(١) ١ الجوزجاني: "هو إبراهيم بن يعقوب السعدي "ثقة حافظ". ٢ أقول إن ما عمله عمر بن الخطاب - ﵁ - من تخميس سلب البراء بن مالك يمكن القول به لأنه راعى فيه المصلحة العامة، وليس فيه مخالفة لما قاله الرسول ﷺ ولم يكن خافيا على عمر ﵁، لأنه قال: "إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ ما لا وأنا خامسه". فعمر - ﵁ - نظر هنا إلى كثرة هذا السلب، ورأى بفهمه الثاقب وفقهه العميق لمقاصد الشريعة أن فيه حقا لبيت مال المسلمين، فلو ذهب إلى هذا النظر إمام من أئمة المسلمين لكان له فيه سند وسلف من عمر - ﵁". والله أعلم. ٣ المغني لابن قدامة ٨/٣٩١-٣٩٢ وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٦".
[ ٢ / ٦٧٠ ]
والثاني: "أنه يخمس كالغنيمة، وهذا قول الأوزاعي وأهل الشام، وهو مذهب ابن عباس لدخوله في آية الغنيمة".
والثالث: "أن الإمام إن استكثره خمسه، وإن استقله لم يخمسه وهو قول إسحاق وفعله عمر بن الخطاب".
ثم أورد حديث ابن سيرين في قصة تخميس عمر بن الخطاب سلب البراء بن مالك".
ثم قال: "والأوّل: "أصح، فإن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب وقال: "هو له أجمع، ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق بعده، وما رآه عمر اجتهاد منه أداه إليه رأيه، ثم قال: "والحديث يدل على أنه من أصل الغنيمة فإن النبي ﷺ قضى به للقاتل، ولم ينظر في قيمته، وقدره، واعتبار خروجه من خمس الخمس١".إهـ.
المسألة الثالثة: من مسائل هذا الحكم ما هو سلب؟
قال ابن قدامة: "السلب هو ما كان القتيل لابسا له من ثياب وعمامة وقلنسوة٢ ومنطقة٣ ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورةوران٤ وخف بما في ذلك من حلية ونحو ذلك؛ لأن المفهوم من السلب اللباس، وكذلك السلاح من السيف والرمح والسكين ونحوه؛ لأنه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللباس، وكذلك الدابة لأنه يستعين بها فهي كالسلاح وأبلغ منه، ولذلك استحق بها زيادة السهمان بخلاف السلاح، فأما المال الذي معه في كمراته وخريطته فليس بسلب؛ لأنه ليس من الملبوس ولا مما يستعين به الحرب، وكذلك رحله وأثاثه وما ليست يده عليه من ماله ليس من سلبه، وبهذا قال الأوزاعي ومكحول والشافعي".
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٤٩٣-٤٩٤ و٥/٧٢". ٢ قلنسوة: "بفتح أوله وضم السين المفتوحة: "ما يوضع على الرأس". (القاموس المحيط ٢/٢٤٢، وهدي الساري مقدمة فتح الباري ص ١٧٥". ٣ منطقة: "بكسر أوله ما يشد به الرجل على وسطه". المغفر: "كمنبر: "يلبس في الرأس تحت القلنسوة". والبيضة: "من حديد تلبس في الرأس في الحرب". (القاموس المحيط ٢/١٠٣و٣٢٥و٣/٢٨٥ وهدي الساري ص ٩١) . ٤ الران: "كالخف إلا أنه لا قدم له وهو أطول من الخلف". (القاموس ٤/٢٣٠) .
[ ٢ / ٦٧١ ]
إلا أن الشافعي قال: "ما لا يحتاج إليه في الحرب كالتاج والسوار والطوق والهيمان١ الذي للنفقة ليس من السلب في أحد القولين لأنه مما لا يستعان به في الحرب فأشبه المال الذي في خريطته".
ثم قال ابن قدامة أيضا: "وإذا ثبت هذا فإن الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتجفيفها٢ وحلية إن كانت عليها وجميع آلاتها من السلب لأنه تابع لها ويستعان به في الحرب".
وإنما يكون السلب إذا كان راكبا عليها، وإن كانت في منزله أو مع غيره أو منفلتة لم يكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه وإن كان راكبا عليها فصرعه عنها أو أشعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب، وهكذا قول الأوزاعي".
وإن كان ممسكا بعنانها غير راكب عليها فعن أحمد فيها روايتان:
إحداهما: "من السلب وهو قول الشافعي لأنه متمكن من القتال عليها فأشبهت سيفه أو رمحه في يده".
والثانية: "ليست من السلب وهو ظاهر كلام الخرقي٣ واختيار الخلال٤؛ لأنه ليس براكب عليها فأشبه ما لو كانت مع غلامه٥".
وقال برهان الدين المرغيناني: "والسلب ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه، وكذا ما كان على مركبه من السرج والآلة، وكذا ما معه على الدابة من ماله في حقيبته أو على وسطه، وما عدا ذلك فليس بسلب٦".
وقال الدسوقي: "والسلب هو ما اعتيد وجوده مع المقتول حال الحرب كدابته المركوبة له أو الممسوكة بيده أو يد غلامه للقتال وسرجه ودرعه وسلاحه ومنطقته
_________________
(١) ١ الهيمان: "بكسر شداد السراويل ووعاء الدراهم". (القاموس المحيط ٤/٤٠٤) . ٢ التجفاف: "آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه في الحرب". (القاموس المحيط ٣/١٢٤) . ٣ هو عمر بن الحسين أبو القاسم الخرقي تقدم في حديث (٢٦٢) . ٤ الخلال: "هو أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر المعروف بالخلال له التصانيف الدائرة، والكتب السائرة، من ذلك الجامع في الفقه الحنبلي والعلل والسنة والطبقات وغير ذلك، مات سنة ٣١١هـ". (طبقات الحنابلة للقاضي أبي يعلى ٢/١٢-١٥ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٣/٧٨٥-٧٨٦) . ٥ المغني لابن قدامة ٨/٣٩٤و٣٩٥-٣٩٦ والأم للشافعي ٤/٦٧". ٦ الهداية ٢/١٤٩".
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وما فيها من حلي وثيابه التي عليه". لا سوار وصليب وعين ذهب أو فضة ودابة غير مركوبة ولا ممسوكة للقتال بل جنيب أمامه بيد غلامه للافتخار فلا يكون للقتال لأنها من غير المعتاد، وله المعتاد١".
وقال ابن حزم: "والسلب: "فرس المقتول وسرجه، ولجامه، وكل ما عليه من لباس، وحلية، ومهاميز٢، وكل ما معه من سلاح، وكل ما معه من مال في نطاقه أو في يده، أو كيفما كان معه٣".
وبعد عرض مذاهب العلماء فيما هو المراد بالسلب، فإن الظاهر في هذا هو ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله تعالى، لأن الأحاديث الواردة في ذلك عامة ولم تخصص شيئا دون شيء، ففي حديث أبي قتادة "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه".
وفي حديث سلمة بن الأكوع "من قتل الرجل قالوا: "سلمة بن الأكوع، فقال رسول الله ﷺ "له سلبه أجمع".
وفي لفظ: "فنفلني رسول الله ﷺ سلبه".
وفي حديث أنس بن مالك: "أن أبا طلحة قتل عشرين رجلا يوم حنين وأخذ أسلابهم".
وهذه النصوص عامة كما ترى".
وفي حديث البراء بن مالك: "أنه بارز مرزبان الزارة بالبحرين، فطعنه فدق صلبه وأخذ سواريه وسلبه" الحديث".
وفيه أن عمر بن الخطاب خمسه وكان قد بلغ ثلاثين ألفا دفع بقيته إلى البراء٤".
وفي حديث عوف بن مالك الأشجعي في قصته قتل المددي لرجل من الروم
_________________
(١) ١ حاشية الدسوقي ٢/١٩١". ٢ المهاميز: "عصى، واحدتها مهمزة وهي عصا في رأسها حديدة ينخس بها الحمار، والمهمزة أيضا: "المقرعة". (لسان العرب ٧/٢٩٢، والقاموس المحيط ٢/١٩٦) . ٣ المحلى لابن حزم ٧/٥٤٦". ٤ تقدم الحديث برقم (٢٨٦) .
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وكان الرومي على فرس له عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يفري بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعقرب فرسه فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله ﷿ للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب".
قال عوف فأتيته فقلت: "يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟
قال: "بلى، ولكنني استكثرته" الحديث١.
المسألة الرابعة: من مسائل هذا الحكم من هو المقتول الذي يستحق قاتله أخذ سلبه.
قال ابن قدامة: "الفصل الرابع: "أنه إنما يستحق السلب بشروط:
أحدها: "أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم فأما إن قتل امرأة أو صبيا أو شيخا فانيا أو ضعيف مهينا ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سلبه لا نعلم فيه خلافا، وإن كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه لأنه يجوز قتله، ومن قتل أسيرا له أو لغيره لم يستحق سلبه لذلك".
الثاني: "أن يكون المقتول فيه منفعة غير مثخن بالجراح، فإن كان مثخن بالجراح فليس لقاتله شيء من سلبه..".وإن قطع يدي رجل ورجليه وقتله آخر فالسلب للقاطع دون القاتل لأن القاطع هو الذي كفى المسلمين شره".
الثالث: "أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول ٢".
وقال القرطبي: "قال أبو العباس٣ بن سريج من أصحاب الشافعي ليس الحديث "من قتل قتيلا فله سلبه" على عمومه لإجماع العلماء على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ليس له سلب واحد منهم".
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (٢٨٣) . وانظر ص ٦٥٣-٦٥٥".) . ٢ المغني ٨/٣٨٩-٣٩٠ وقد اشترط بعض العلماء أن يكون القتل في مبارزة وأن يكون المقتول مقبلا غير مدبر، وقد تقدم في حاشية ص ٦٤٥ قول الشنقيطي: "أن الحق في هذا انه لا يشترط شيء من ذلك". ٣ هو الإمام العلامة شيخ الإسلام القاضي أبوالعباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي قدوة الشافعية، (مات سنة ٣٠٣هـ) . (تذكرة الحفاظ للذهبي٣/٨١١-٨١٣) .
[ ٢ / ٦٧٤ ]
وكذلك من ذفف على جريح، ومن قتل من قطعت يداه ورجلاه١.إهـ.
وقال الأمين الشنقيطي: "ولا يستحق القاتل سلب المقتول، إلا أن يكون المقتول من المقاتلة الذي يجوز قتالهم، فأما إن قتل امرأة أو صبيا أو شيخا فانيا، أو ضعيفا مهينا، أو مثخنا بالجراح لم تبقى فيه منفعة، فليس له سلبه".
ثم قال: "ولا خلاف بين العلماء: "في أن من قتل صبيا أو امرأة أو شيخا فانيا لا يستحق سلبهم، إلا قولًا ضَعِيفًا جدا يروى عن أبي ثور، وابن المنذر، في استحقاق سلب المرأة، ثم قال: "والدليل على أن من قتل مثخن بالجراح لا يستحق سلبه، أن عبد الله بن مسعود، هو الذي ذفف على أبي جهل يوم بدر وحز رأسه٢، وقد قضى النبي ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح الذي أثبته، ولم يعط ابن مسعود شيئا ثم قال: "وهذا هو الحق الذي جاء به الحديث المتفق عليه فلا يعارض بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن ابن مسعود "أن رسول الله ﷺ نفله سيف أبي جهل يوم بدر" ٣؛ لأنه من رواية ابنه أبي عبيدة ولم يسمع منه".
وكذلك المقدم للقتل صبرا لا يستحق قاتله سلبه، لأن النبي ﷺ أمر بقتل النضر بن الحارث العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي صبرا يوم بدر، ولم يعطي من قتلهما شيئا من سلبهما".
واختلفوا فيمن أسر أسيرا: "هل يستحق سلبه إلحاقا للأسر بالقتل أو لا؟
والظاهر أنه لا يستحقه، لعدم الدليل فيجب استصحاب عموم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، [سورة الأنفال، من الآية: ٤١]، الآية.
حتى يرد مخصص من كتاب أو سنة صحيحة، وقد أسر النبي ﷺ والمسلمون، أسارى بدر، وقتل بعضهم صبرا كما ذكرنا، ولم يعطي أحد من الذين أسروهم شيئا من أسلابهم، ولا من فدائهم بل جعل فداءهم غنيمة.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٨/٥-٦". ٢ انظر: "الحديث في سيرة ابن هشام ١/٦٣٣". ٣ انظر: "الحديث سنن أبي داود ٢/٦٦ كتاب الجهاد، باب من أجاز على جريح مثخن ينفل من سلبه، ومسند أحمد١/٤٤٤، قال المنذري: "أبو عبيدة لم يسمع من أبيه (عون المعبود٧/٣٩٣) وقال ابن حجر في التقريب٢/٤٤٨أبو عبيدة بن عبد الله ابن مسعود، مشهور بكنيته والأشهر أن لا اسم له غيرها ويقال اسمه عامر، كوفي ثقة، من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه (ت بعد سنة٨٠) ./ عم".
[ ٢ / ٦٧٥ ]
أما إذا قاتلت المرأة أو الصبي المسلمين: "فالظاهر أن لمن قتل أحدهما سلبه، لأنه حينئذ ممن يجوز قتله، فيدخل في عموم "من قتل قتيلا فله سلبه" الحديث، وبهذا جزم غير واحد". والعلم عند الله تعالى ١ إهـ.
وأقول: "اختلف العلماء في مسائل هذا الحكم كعادتهم في كثير من المسائل الفقهية والناظر في مسائل هذا الحكم بالذات يجد أن مسائله متداخلة غير متميز بعضها عن بعض، حتى يكاد الطالب يقف أمامها واجما لا يستطيع أن يخرج بنتيجة مرضية لتشابكها وتداخلها.
وقد حاولت إبراز بعض هذه الجوانب وترتيبها ترتيبا متناسبا وذلك بجعل كل مسألة على حدى مع ذكر القائلين بها والمخالفين لها ثم إيراد دليل كل قول مع مناقشة الأدلة، حتى تكون مسائل هذا الحكم قريبة التناول سهلة المأخذ.
وقد ظهر لي من خلال ذلك أن الظاهر في هذا القول باستحقاق القاتل سلب قتيله، سواء قال الإمام من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل ذلك، وأن السلب هو كل ما على القتيل ومعه من ثياب وسلاح وحلية ودابة وغير ذلك، وأن هذا السلب للقاتل قل أو كثر بدون تخميس، وأنه من أصل الغنيمة".
وسواء أكان القتل مبارزة أم غير مبارزة، مقبلا أو مدبرا بشرط أن يقيم بنية على أنه قتله أو أثخنه بالجراح حتى جعله في حكم المقتول".
وهذا هو الذي تؤيده الأدلة الواردة في هذا الحكم". والله أعلم".
_________________
(١) ١أضواء البيان ٢/٣٨٩-٣٩٠".
[ ٢ / ٦٧٦ ]