من محاسن الإسلام أنه دين الرحمة والعدالة، ومن أبرز ما يؤكد هذه الحقيقة موقفه من الضعفاء والنساء والأطفال في حال النّزال والقتال والتقاء الصفين، لأن هؤلاء المستضعفين ليسوا أهل شوكة ولا مكيدة في الحرب، ولا ذنب لهم في الغالب فيما جره عليهم أهلوهم الكفرة من الصد عن سبيل الله ومحاربة الإسلام، فلا يجوز قتلهم ولا التنكيل بهم، إلا إذا كان الشيخ الهرم محاربا للمسلمين برأيه أو بأي وسيلة تمكنه، أو حاولت المرأة قتل أحد من المسلمين فيجوز قتلها دفاعا عن النفس، وأما الطفل فلا يتصور منه ذلك فهذا النمط من الرحمة والعطف في الحروب والمعارك الشديدة لا مثيل له في أي مبدأ من المبادئ قديما وحديثا، تاريخ الحروب البشرية شاهد صدق بذلك".
ولقد أكد رسول الله ﷺ هذا المبدأ وجعله من أهم التوصيات التي يجب أن يجعلها كل أمير جيش أو سرية نصب عينيه، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: "
٢٤٥- كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا" الحديث١.
والشاهد من الحديث قوله "ولا تقتلوا وليدا" وهو نهي والنهي يقتضي التحريم، فيحرم قتل الصبيان والنساء والشيوخ والرهبان، الذين ليس من شأنهم أن يقاتلوا".
وهكذا امتازت الحروب الإسلامية بهذا المبدأ، فلا يقتل إلا من يتأتى منه القتال، أما الذين لا يد لهم في القتال ولا قدرة عليه، فالشريعة الإسلامية تنهى عن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٣/١٣٥٧ كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الأمير على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، وقد ساق البيهقي جملة من النصوص بعدة أسانيد فيها النهي عن قتل الرهبان والشيوخ والمرضى والصبيان والنساء والوصفاء والعسفاء". (السنن الكبرى ٩/٨٩-٩١) .
[ ٢ / ٥٤٨ ]
قتلهم وترويعهم، وقد جاءت جملة صالحة من الأحاديث في هذا الأمر منها: "ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي فزارة١ عن عبد الرحمن٢ بن أبي عمرة قال: "مر النبي ﷺ يوم حنين بامرأة مقتولة، فقال: "ألم أنه عن هذا؟ ".
فقال رجل: "أردفتها فأرادت أن تقتلني، فقتلتها، فأمر النبي ﷺ بدفنها" ٣".
قال ابن حجر: "ورواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري". وهو مرسل"٤". قلت: "رجاله ثقات، رجال الصحيح".
٢٤٦- ما رواه أبو داود في مراسيله عن موسى٥ بن إسماعيل عن وهيب٦ عن أيوب٧ عن عكرمة٨ أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: "ألم أنه عن قتل النساء؟ من صاحب هذه المرأة المقتولة؟ ".
فقال رجل من القوم: "أنا يا رسول الله، أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني، فأمر رسول الله ﷺ أن توارى" ٩.
والحديث مرسل ورجاله ثقات رجال الصحيح".
قال ابن حجر: "ووصله الطبراني في الكبير من حديث مقسم عن ابن عباس وفيه الحجاج بن أرطأة١٠".
قلت: "ورواه أحمد أيضا".
_________________
(١) ١ هو راشد بن كيسان العبس، الكوفي، ثقة". ٢ عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري". ٣ مصنف عبد الرزاق ٥/٢٠١ وتقدم الحديث برقم (١٠٣) مع تراجم رواته". ٤ التلخيص الحبير ٤/١٠٢". ٥ هو المنقري أبو سلمة التبوذكي "ثقة ثبت" تقدم في حديث (٩١) . ٦ وهيب: "هو ابن خالد "ثقة ثبت" تقدم في حديث (٢٣٦) . ٧ أيوب: "هو ابن أبي تميمة السختياني - بفتح المهملة بعدها معجمة، ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون - أبو بكر البصري ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد من الخامسة (ت ١٣١) / ع". (التقريب ١/٨٩ وتهذيب التهذيب ١/٣٩٧) . ٨ عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس "ثقة ثبت"، تقدم في حديث (٦٧) ٩ كتاب المراسيل لأبي داود ص ٣٦-٣٧ والسنن الكبرى للبيهقي ٩/٨٢". ١٠ التلخيص الحبير ٤/١٠٢، والحديث في المعجم الكبير للطبراني ١١/٣٨٨ وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وقد عنعن".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
إلا أن لفظ الطبراني "أن النبي - ﷺ - مر بامرأة يوم الخندق مقتولة" الحديث١".
ما رواه أحمد والبيهقي وغيرهما من حديث الأسود بن سريع وهذا سياقه عند أحمد:
٢٤٧- ثنا يونس٢ ثنا أبان٣ عن قتادة٤ عن الحسن٥ عن الأسود٦ بن سريع أن رسول الله ﷺ بعث سرية يوم حنين، فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية فلما جاؤوا قال رسول الله ﷺ: "ما حملكم إلى قتل الذرية؟ قالوا: "يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين، قال: "أو هل خياركم إلا أولاد المشركين، والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة٧ حتى يعرب عنها لسانها" ٨.
والحديث رواه الحاكم من طريق يونس بن محمد بن المؤدب ثنا أبان بن يزيد عن قتادة عن الحسن عن الأسود بن سريع، إلا أنه قال: "بعث سرية يوم خيبر، بدل يوم حنين"٩".
_________________
(١) ١ مسند أحمد ١/٢٥٦ وانظر مجمع الزوائد ٥/٣١٦". ٢ يونس بن محمد بن مسلم البغدادي، أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، من صغار التاسعة (ت ٢٠٧) /ع (التقريب ٢/٣٨٦ وتهذيب التهذيب١١/٤٤٧) . ٣ أبان بن يزيد العطار البصري، أبو يزيد "ثقة له أفراد" تقدم في حديث (٩) . ٤ قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، تقدم في حديث (٤٨)، وقتادة قد وصفه النسائي وغيره بالتدليس كما في طبقات المدلسين لابن حجر ص ٣١ وقد عنعن، ولكن تابعه يونس بن عبيد والسري بن يحيى ومبارك بن فضالة، الجميع في شيخه الحسن، كما سيأتي ص ٥٣٩". ٥ الحسن هو البصري "ثقة فاضل فقيه" وكان يرسل كثيرا ويدلس، وتقدم في حديث (١٥٦) وقد صرح بالتحديث عند النسائي والحاكم كما سيأتي ص ٥٣٩". وقد وقع عند أحمد في المسند ٤/٢٤ عن السري بن يحيى قال ثنا الحسن بن الأسود ابن سريع، ولفظ "ابن" خطأ والصواب "ثنا الحسن عن الأسود بن سريع". ٦ الأسود بن سريع - بفتح السين - التميمي السعدي، صحابي نزل البصرة، ومات بها في أيام الجمل، وقيل سنة ٤٢/بخ قد س". (التقريب ١/٧٦ وتهذيب التهذيب ١/٣٣٨) . ٧ قوله: "تولد إلا على الفطرة" المعنى أنها تولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيء لقبول الدين، فلوة ترك المولود لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل لآفة من يعدل عن آفات البشر والتقليد، وقوله "حتى يعرب عنها لسانها" يعني يبين ويوضح". (النهاية ٣/٢٠٠و ٤٥٧) والفتح الرباني ١٤/٦٥". ٨ مسند أحمد ٣/٤٣٥". ٩ المستدرك ٢/١٢٣".
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ورواه البيهقي من طريق الحاكم هذه فقال: "يوم حنين"١ مثل رواية أحمد مما يقوي وقوع تصحيف في المستدرك الحاكم".
وقد جاء بدون تقييد عند النسائي وأحمد والدارمي والطبراني والحاكم والبيهقي الجميع من طريق يونس٢ بن عبيد عن الحسن عن الأسود بن سريع به٣".
وكذا عند أحمد والطبراني وابن حبان كلهم كمن طريق السري٤ ابن يحيى أبي الهيثم ثنا الحسن عن الأسود بن سريع به٥".
ورواه الطبراني أيضا من طريق مبارك٦ بن فضالة عن الحسن عن الأسود بن سريع به٧".
وقد صرح الحسن بالتحديث عن الأسود عند النسائي والحاكم٨".
والخلاصة: "أن الحديث جاء من طريق قتادة عن الحسن عن الأسود بن سريع به عند أحمد والبيهقي بلفظ "يوم حنين".
ورواه الحاكم من طريق قتادة هذه فقال "يوم خيبر" وجاء من طريق يونس بن عبيد السري بن يحيى ومبارك بن فضالة كلهم عن الحسن عن الأسود بن سريع به٩".
بدون "تقيد" قال الساعاتي: "والأظهر في هذه الرواية أن الواقعة وفي غزوة حنين١٠".
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٩/١٣٠". ٢ يونس بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة (ت١٣٩) /ع (التقريب ٢/٣٨٥ وتهذيب التهذيب ١١/٤٤٢) . ٣ النسائي: "السنن الكبرى، في السير، (تحفة الأشراف ١/٧٠ حديث "١٤٦") . وأحمد: "المسند٣/٤٣٥". والدارمي: "السنن ٢/١٤١-١٤٢كتاب السير، باب النهي عن قتل النساء والصبيان". والطبراني: "المعجم الكبير١/٢٦٠". والحاكم: "المستدرك ٢/١٢٣". والبيهقي: "السنن الكبرى ٩/٧٧". ٤ السري بن يحيى بن إياس بن حرملة الشيباني البصري، ثقة، أخطأ الأزدي في تضعيفه، من السابعة (ت ١٦٧) /بخ س". (التقريب ١/٢٨٥ وتهذيب التهذيب ٣/٤٦٠-٤٦١)، وميزان الاعتدال ٢/١١٨) . ٥ أحمد: "المسند ٤/٢٤". والطبراني: "المعجم الكبير ١/٢٥٩-٢٦٠". وابن حبان: "موارد الظمآن ص ٣٩٩". ٦ مبارك بن فضالة - بفتح الفاء وتخفيف المعجمة - أبو فضالة البصري، صدوق يدلس ويسوي، من السادسة (ت ١٦٧) على الصحيح". /خت د ت ق". (التقريب ٢/٢٢٧ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٨) . ٧ المعجم الكبير ١/٢٥٩". ٨ انظر تحفة الأشراف ١/٧٠ والمستدرك ٢/١٢٣". ٩ الفتح الرباني ١٤/٦٥". ١٠ الفتح الرباني ١٤/٦٥".
[ ٢ / ٥٥١ ]
والحديث قال الحاكم صحيح على شرط الشيسخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي١".
قال الألباني: "وهو كما قالا فقد صرح الحسن، وهو البصري بالتحديث عند النسائي وهو رواية للحاكم٢".
وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه أحمد بأسانيد، والطبراني في الكبير والأوسط، وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح٣".
٢٤٨- ما رواه ابن إسحاق قال: "حدثني بعض أصحابنا: "أن رسول الله ﷺ مر يومئذ بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون٤ عليها فقال: "ما هذا؟ " فقالوا: "امرأة قتلها خالد بن الوليد، فقال: "رسول الله ﷺ لبعض من معه: "أدرك خالدا، فقل له: "إن رسول الله ﷺ ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا" ٥".
والحديث فيه إبهام وإرسال".
٢٤٩- وأورده ابن كثير ثم قال: "هكذا رواه ابن إسحاق منقطعا، وقد قال الإمام أحمد: "ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ثنا المغيرة٦ بن عبد الرحمن عن أبي الزناد٧ حدثني المرقع٨ بن صيفي عن جده رباح٩ بن ربيع أخي١٠ حنظلة
_________________
(١) ١ المستدرك ٢/١٢٣". ٢ إرواء الغليل ٥/٣٥ و٣٦". ٣ مجمع الزوائد ٥/٣١٦ وانظر الفتح الرباني ١٤/٦٥". ٤ متقصفون: "أي مزدحمون عليها". (النهاية ٤/٧٣) . ٥ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٧-٤٥٨ والروض الأنف ٧/١٨٢". والعسيف: "الأجير، جمعه عسفاء". (النهاية ٣/٢٣٦) . ٦ المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام - بمهملة وزاي - المدني لقبه قصي، ثقة له غرائب، من السابعة". /ع". (التقريب ٢/٢٦٩-٢٧٠ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٦٦) . ٧ عبد الله بن ذكوان القرشي، المدني المعروف بأبي الزناد، ثقة فقيه من الخامسة، (ت١٣٠) . وقيل بعدها"./ع". (التقريب ١/٤١٣ وتهذيب التهذيب ٦/٢٠٣) . ٨ المرقع - بضم أوله وفتح ثانيه وكسر القاف المشددة- ابن صيفي- بمهملة وقيل ابن عبد الله بن صيفي التميمي الحنظلي، صدوق، من الثالثة". /د س ق". (التقريب ٢/٢٣٨ وتهذيب التهذيب ١٠/٨٨) . ٩ رباح - بتخفيف الموحدة - ابن الربيع بن صيفي التميمي، أخو حنظلة التميمي، ويقال فيه "رياح" بالمثناة وهو قول الأكثر". / د س ق". (التقريب ١/٢٤٢و ٢٤٥ وتهذيب التهذيب ٣/٢٣٣ والإصابة ١/٥٠١) . ١٠ وقع في البداية والنهاية "أخي بني حنظلة" والظاهر أن لفظ "بنى" خطا فإن الحديث عند أحمد وغيره بلفظ "أخي حنظلة".
[ ٢ / ٥٥٢ ]
الكاتب أنه أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله ﷺ فقال: "ما كانت هذه لتقاتل" فقال لأحدهم "ألحق خالدا فقل له لا يقتلن ذرية ولا عسيفا" ١".
وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المرقع بن صيفي به نحوه٢. إهـ.
وقال الزرقاني: "روى الواقدي أن سعد بن عبادة جعل يصيح يومئذ٣ بالخزرج ثلاثًا وأسيد بن حضير بالأوس ثلاثا فثابوا٤من كل ناحية كأنهم النحل تأوي إلى يعسوبها٥".
قال أهل المغازي فحنق٦ المسلمون على المشركين فقتلوهم حتى أسرع القتل في ذراري المشكرين فبلغه ذلك ﷺ فقال: "ما بال أقوام بلغ بهم القتل حتى بلغ الذرية ألا لا تقتل الذرية ثلاثا".
فقال أسيد: "يا رسول الله أليس إنما هم أولاد المشركين؟ فقال ﷺ: "أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها".
ثم أورد حديث رباح بن الربيع وقال: "رواه أحمد وأبو داود٧".
قلت: "حديث رباح: "رواه النسائي وابن ماجه وأحمد والطحاوي والطبراني وابن حبان والبيهقي الجميع من طريق المغيرة بن عبد الرحمن قال: "حدثنا أبو الزناد عن المرقع بن صيفي عن جده رباح بن الربيع به٨".
_________________
(١) ١ الحديث في مسند أحمد ٣/٤٨٨". ٢ البداية والنهاية ٤/٣٣٧". ٣ يومئذ يعني يوم حنين". ٤ فثابوا: "أي رجعوا وأخذوا في قتل المشركين (النهاية ١/٢٢٦) . ٥ يعسوبها: "قال ابن الأثير: "اليعسوب السيد والرئيسي والمقدم". وأصله فحل النحل". (المصدر السابق٣/٢٣٤) . ٦ الحنق: "الحقد والغيظ". (المصدر السابق ١/٤٥١) . ٧ شرح المواهب اللدنية ٣/٢١ وانظر مغازي الواقدي ٣/٩٠٤-٩٠٥". ٨ النسائي: "السنن الكبرى في السير (تحفة الأشراف ٣/١٦٦ حديث "٣٦٠٠") وابن ماجه: "السنن ٢/٩٤٨ كتاب الجهاد، باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان". وأحمد: "المسند ٣/٤٨٨". والطحاوي: شرح معاني الآثار٣/٢٢١ و١٢٢". والطبراني: "المعجم الكبير ٥/٧٠". وابن حبان: "موارد الظمآن ص ٣٩٨". والبيهقي: "السنن الكبرى ٩/٩١".
[ ٢ / ٥٥٣ ]
ورواه الطبراني من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن المرقع به".
ورواه أبو داود والنسائي والطبراني كلهم من طريق عمر١ بن المرقع قال حدثني أبي عن جده رباح بن الربيع به".
والبيهقي من طريق أبي داود٢".
ورواه الحاكم من طريق إسماعيل بن أويس ثنا عبد الرحمن٣ بن أبي الزناد عن أبيه قال: "حدّثني المرقع بن صيفي عن جده رباح بن الربيع٤ به".
ورواه الطبراني أيضًا من طريق موسى بن عقبة، قال: "حدثني المرقع ابن صيفي عن جده رباح بن الربيع به٥".
ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد والطحاوي وابن حبان الجميع من طريق سفيان الثوري عن أبي الزناد فقال فيه عن المرقع بن صيفي عن حنظلة٦ الكاتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٧".
والحاصل أن المغيرة بن عبد الرحمن روى هذا الحديث عن أبي الزناد فقال: "عن المرقع بن صيفي عن جده رباح بن الربيع".
وتابع أبا الزناد في ذلك عمر بن المرقع وموسى بن عقبة وعبد الله ابن وهب".
ورواه سفيان الثوري عن أبي الزناد فقال عن المرقع بن صيفي عن حنظلة الكاتب.
_________________
(١) ١ عمر بن المرقع - بقاف ثقيلة مكسورة - ابن صيفي - بفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم فاء مكسورة ثم تحتانية - التميمي الكوفي، صدوق من السابعة / د س". (التقريب ٢/٦٣، وتهذيب التهذيب ٧/٤٩٧) ووقع في عون المعبود ٧/٣٢٩ "عمرو" والصواب عمر بضم أوله، قاله ابن حجر في التقريب ٢/٧٨ وتهذيب التهذيب ٨/١٠٢". ٢ أبو داود: "السنن ٢/٤٩ كتاب الجهاد، باب في قتل النساء". والنسائي: "السنن الكبرى، في السير (تحفة الأشراف ٣/٨٦ حديث "٣٤٤٩") . والطبراني: "المعجم الكبير ٥/٧١". البيهقي: "السنن الكبرى ٩/٨٢". ٣ عبد الرحمن بن أبي الزناد، عبد الله بن ذكوان، المدني، مولى قريش صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيها، من السابعة، ولى خراج المدينة، فحمد (ت ١٧٤) ./خت م عم". (التقريب١/٤٧٩-٤٨٠، و٤٨٦ وتهذيب التهذيب ٦/١٧٠-١٧٣ و٢٠٧) . ٤ الطبراني: "المعجم الكبير ٥/٧٠". الحاكام: "المستدرك ٢/١٢٢". ٥ المعجم الكبير ٥/٧١". ٦ حنظلة بن الربيع بن صيفي التميمي، يعرف بحنظلة الكاتب، تقدم حديث (١٦٣) . ٧ النسائي: "السنن الكبرى (تحفة الأشراف ٣/٨٦) . وابن ماجه: "السنن ٢/٩٤٨ كتاب الجهاد". أحمد: "المسند ٤/١٧٨". والطحاوي: "شرح معاني الآثار ٣/٢٢٢، وابن حبان: "موارد الظمآن ص ٣٩٨".
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وقد خطئ الثوري في ذلك لأن الحديث حديث رباح بن الربيع لا حديث حنظلة".
ولذا فقد ساق ابن ماجه حديث سفيان الثوري عن أبي الزناد عن المرقع بن صيفي عن حنظلة الكاتب".
ثم أتبعه بحديث المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد عن المرقع عن جده رباح بن الربيع".
ثم قال: "قال أبو بكر١ بن أبي شيبة: "يخطئ الثوري فيه". إهـ".
والحديث قال فيه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي٢".
قال الألباني: "حسبه أن يكون حسنا، فإن المرقع بن صيفي لم يوثقه غير ابن حبان، لكن روى عنه جماعة من الثقات".
وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق"٣".
والحديث ليس نصا صريحا في أن قصة هذه المرأة المقتولة كانت في غزوة حنين، إنما فيه أن رباح بن الربيع كان مع رسول الله ﷺ في غزاة وأن مقدمة الجيش أصابت امرأة، فأرسل رسول الله ﷺ إلى خالد بن الوليد يأمره بأن لا يقتل ذرية ولا عسيفا".
وفي لفظ: "فبعث إلى خالد بن الوليد ينهاه عن قتل النساء والولدان".
وفي لفظ: "ثم اتبع رسول الله ﷺ خالدا أن لا يقتل امرأة ولا عسيفا" ٤.
ويمكن أن تفسر هذه الغزوة الواردة في حديث رباح بن الربيع، بغزوة حنين كما جاء ذلك صريحا عند ابن إسحاق والواقدي، بحصول مثل هذه القصة لخالد بن الوليد في غزوة حنين٥".
_________________
(١) ١ أبو بكر بن أبي شيبة: "هو عبد الله بن محمد". ٢ المستدرك: "٢/١٢٢". ٣ إرواء الغليل ٥/٣٥". انظر التقريب ٢/٢٣٨ وتهذيب التهذيب ١٠/٨٨". ٤ شرح معاني الآثار ٣/٢٢١و ٢٢٢". ٥ انظر سيرة ابن هشام ٢/٤٥٧-٤٥٨، ومغازي الواقدي ٣/٩١٢، وانظر حديث رقم (٢٤٨) .
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وقد يلحظ هذا أيضا من صنيع ابن كثير والزرقاني، حيث أوردا حديث رباح بن الربيع في غزوة حنين عند إيرادهما لحديث ابن إسحاق المصرح فيه بقصة خالد بن الوليد مع المرأة المقتولة في غزوة حنين، فكأنهما يشران إلى أن الغزوة المبهة في حديث رباح هي غزوة حنين كما جاء ذلك عند ابن إسحاق الواقدي".
وقد جزم ابن حجر بذلك١".
ما رواه ابن حبان من حديث الصعب بن جثامة الليثي وهذا سياقه:
٢٥٠- أخبرنا جعفر٢ بن أحمد بن سنان القطان بواسط حدثنا العباس٣ بن محمد بن حاتم حدثنا محمد٤ بن عبيد حدثنا محمد٥ بن عمرو عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا حمى إلا لله ولرسوله" وسألته عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: "نعم فإنهم منهم، ثم نهى عن قتلهم يوم حنين" ٦.
قال الهيثمي: "قلت: "هو في الصحيح٧ غير النهي عن قتل الذرية.
_________________
(١) ١ انظر ص ٥٤٥". ٢ قال الذهبي: "جعفر بن أحمد بن سنان بن أسد الحافظ الثقة ابن الحافظ أبي جعفر القطان الواسطي (ت سنة ٣٠٧هـ) . (تذكرة الحفاظ ٢/٧٥٢". انظر مقدمة موارد الظمآن لمحمد عبد الرزاق حمزة ص (٩) . ٣ العباس بن محمد بن حاتم بن واقد أبو الفضل الدوري البغدادي، خوارزمي الأصل، ثقة، حافظ من الحادية عشرة (ت٢٧١) . /عم (التقريب ١/٣٩٩ وتهذيب التهذيب٥/١٢٩".تاريخ بغداد١٢/١٤٤-١٤٦". تذكرة الحفاظ للذهبي٢/٥٧٩) . ٤ محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي الكوفي، الأحدب ثقة يحفظ، من الحادية عشرة (ت ٢٠٤) /ع (التقريب٢/١٨٨وتهذيب التهذيب٩/٣٢٧ وتاريخ بغداد٢/٣٦٥ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٣٣٣". وتهذيب الكمال للمزي ٧/٦١٩-٦٢٦) . ٥ محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص اللثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة (ت ١٤٥) على الصحيح"./ع (التقريب ٢/١٩٢ وتهذيب التهذيب ٩/٣٧٥ وتهذيب الكمال ٧/٦١٩-٦٢٦) . وقال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/٦٧٣: "شيخ مشهور، حسن الحديث، أخرج له الشيخان متابعة". ٦ موارد الظمآن ص ٣٩٩". ٧ الحديث في صحيح البخاري ٣/٩٨ كتاب المساقاة، باب لا حمى إلا لله ولرسوله "من طريق ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس - ﵄ - أن الصعب بن جثمامة قال: "إن رسول الله ﷺ قال: "لا حمى إلا لله ولرسوله" وتمام الحديث: "وقال: "بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف والربذة". قال ابن حجر: "قوله وقال بلغنا"، القائل هو ابن شهاب وهو موصول بالإسناد إليه، وهو مرسل أو معضل". (فتح الباري ٥/٤٥) .إهـ". وهذا النقيع غير نقيع الخضمات (انظر معجم البلدان ٥/٣٠١) .
[ ٢ / ٥٥٦ ]
قال ابن حجر: "هذه الزيادة١ مدرجة في حديث الصعب، وذلك بين في سنن أبي داود فإنه قال في آخره: "قال سفيان٢ قال الزهري: "ثم نهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان" ٣".
ويؤكد كون النهي في غزوة حنين حديث رباح بن الربيع وفيه "فقال رسول الله ﷺ لأحدهم: "الحق خالدا فقل لا تقتل ذرية ولا عسيفا" ٤".
وخالد بن الوليد أول مشاهده مع النبي ﷺ غزوة الفتح وفي ذلك العام كانت غزوة حنين".
ثم أورد مرسل عكرمة المتقدم عند أبي داود٥".
فابن حجر ﵀ يرى أن حديث رباح بن الربيع كان في غزوة حنين كما هو واضح من كلامه".
وهذه الأحاديث تدل على النهي عن قتل الشيوخ والأطفال والنساء والأجراء الذين لا قدرة لهم على القتال ولا يد لهم فيه".
قال ابن حجر: "واتفق الجميع - كما نقل ابن بطال وغيره - على منع القصد إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولما في استبقائهم جميعا من الانتفاع بهم، إما بالرق، أو الفداء فيمن يجوز أن يفادى به"٦.إهـ.
وهذا النهي خاص بما إذا لم يباشر هؤلاء القتال مع الكفار أو كان فيهم ذو رأي، أو تترس بهم العدو بحيث لا يمكن انفصالهم عنه، ففي هذه الحالات يجوز قتلهم وهو قول جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
_________________
(١) ١ يعني زيادة "ثم نهى عن قتلهم يوم حنين". ٢ سفيان: "هو ابن عيينة (تهذيب التهذيب ٤/١١٨و ١/٦٤) . ٣ الحديث في سنن أبي داود ٢/٥٠ كتاب الجهاد، باب في قتل النساء". ٤ الحديث تقدم برقم (٢٤٩) . ٥ فتح الباري ٦/١٤٧-١٤٨ وانظر مرسل عكرمة حديث (٢٤٦) . ٦ فتح الباري ٦/١٤٨".
[ ٢ / ٥٥٧ ]
١- قوله ﷺ "ما كانت هذه لتقاتل" ١ فإن مفهومه أنها لو قاتلت لجاز قتلها".
٢- قوله ﷺ عندما رأى امراة مقتولة "من صاحب هذه المرأة المقتولة؟ فقال رجل منهم: "أنا يا رسول الله أردفتها فأرادت أن تقتلني فقتلتها" فلم ينكر عليه قتله ا٢".
٣- حصاره ﷺ لأهل الطائف ورميهم بالمنجنيق مع علمه ﷺ أن فيهم الأطفال والنساء وغير ذلك".
٤- ما ورد في حديث الصعب بن جثامة الليثي قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: "هم منهم" ٣.
٥- قتل دريد بن الصمة وهو شيخ فان ولم ينكر رسول الله ﷺ على قاتله لما كان لدريد من المشورة والرأي في قومه٤".
وبهذه الأدلة وغيرها أخذ جمهور العلماء".
وذهب مالك والأوزاعي إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال من الاحوال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم"٥".
ودليل هذا المذهب عموم الاحاديث الوارد فيها النهي عن قتل النساء والصبيان٦.
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (٢٤٩) . قال الباجي: "قوله (ما كانت هذه لتقاتل) إنكار رسول الله ﷺ يحتمل أنه علم من حال تلك المرأة أنها لم تقاتل، ويحتمل أن يكون حمل أمرها على المعهود من حال النساء في بعدهن عن القتال". ثم قال: "فيحتمل أن النهي عن قتل النساء والصبيان، لأنهم لا يقاتلون، ويحتمل أنهن من الأمور التي يستعان بها على العدو وينتفع بها دون مخافة منهن، فأما إن قاتلوا، فإنهم يقتلون؛ لأن العلة التي منعت من قتلهن هي عدم القتال منهن، فإذا وجد منهن وجدت علة إباحة قتلهن، لأن الحاجة داعية إلى دفع مضرتهن وإزالة منعهن الموجود في الرجال". (أوجز المسالك إلى موطأ مالك للكندهلوي ٨/٢٢٣ نقلا عن الباجي) . ٢ انظر الحديث ص (٥٣٧) . ٣ البخاري: "الصحيح ٤/٤٨ كتاب الجهاد، باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري". ومسلم: "الصحيح ٣/١٣٦٤-١٣٦٥ كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد". ٤ انظر شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٢٤". ٥ انظر فتح الباري ٦/١٤٧-١٤٨". ٦ ومنها أيضا ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي الرسول ﷺ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان"، وفي لفظ "فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان". (البخاري٤/٤٩كتاب الجهاد، باب قتل الصبيان في الحرب، وباب قتل النساء في الحرب".ومسلم:٣/١٣٦٤ كتاب الجهاد والسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب) .
[ ٢ / ٥٥٨ ]
والراجح في هذه المسألة قول الجمهور وذلك للجمع بين الأحاديث ومتى أمكن الجمع فالمصير إليه أولى للعمل بجميع الأحاديث".
فقد ساق الطحاوي الروايات الواردة فيها النهي عن قتل النساء والصبيان ثم قال: "قال أبو جعفر: "فذهب قوم إلى أنه لا يجوز قتل النساء والولدان في دار الحرب على أي حال، وأنه لا يحل أن يقصد إلى قتل غيرهم، إذا كان لا يؤمن في ذلك تلفهم، من ذلك أن أهل الحرب إذا تترسوا بصبيانهم، فكان المسلمون لا يستطيعون رميهم إلا بإصابة صبيانهم، فحرام عليهم رميهم في قول هؤلاء". وكذلك إن تحصنوا بحصن وجعلوا فيه الولدان، فحرام علينا رمي ذلك الحصن عليهم إذا كنا نخاف من ذلك إصابة صبيانهم ونسائهم، واحتجوا بالآثار، التي روينها في صدر هذا الباب، ووافقهم آخرون على صحة هذه الآثار، وعلى تواترها، وقالوا: "وقع النهي في ذلك إلى القصد إلى قتل النساء والولدان فأما على طلب قتل غيرهم ممن لا يوصل إلى ذلك منه إلا بتلف صبيانهم ونسائهم، فلا بأس بذلك".
ثم ساق حديث الصعب بن جثامة قال: "سئل رسول الله ﷺ عن أهل الدار من المشركين يبيتون ليلا، فيصاب من نسائهم وصبيانهم فقال: "هم منهم".
ثم قال: "قال أبو جعفر: "فلما لم ينههم رسول الله ﷺ عن الغارة، وقد كانوا يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم القصد إلى قتلهم، دل ذلك أن ما أباح في هذه الآثار، لمعنى غير المعنى الذي من أجله حظر ما حظر في الآثار الأول، وأنّ ما حظر في الآثار الأول هو القصد إلى قتل النساء والولدان، والذي أباح هو القصد إلى المشركين، وإن كان في ذلك تلف غيرهم، ممن لا يحل القصد إلى تلفه، حتى تصح هذه الآثار المروية عن رسول الله ﷺ، ولا تتضاد".
وقد أمر رسول الله ﷺ بالغرة على العدو، وأغار على الآخرين في آثار عدد، قد ذكرناها في (باب الدعاء قبل القتال) ١ولم يمنعه من ذلك ما يحيط به، علمنا أنه
_________________
(١) ١ انظر شرح معاني الآثار ٣/٢٠٦ وما بعدها".
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قد كان يعلم أنه لا يؤمن من تلف الولدان والنساء في ذلك ولكنه أباح ذلك لهم، لأن قصدهم كان إلى غير تلفهم، ثم قال:
فهذا يوافق المعنى الذي ذكرت مما في حديث الصعب، والنظر يدل على ذلك أيضا"١.
وقال السهيلي: "قوله ﷺ "أدرك خالدا، فقل له: "إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا".
وهذا منتزع من كتاب الله تعالى". لأنه يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [سورة البقرة: "١٩٠] ٢، فاقتضى دليل الخطاب ألا تقتل المرأة إلا أن تقاتل".
وقد أخطأ من قاس مسألة المرتدة على هذه المسألة، فإن المرتدة لا تسترق ولا تسبى كما تسبى نساء الحرب وذراريهم، فتكون مالا للمسلمين، فنهى عن قتلهن لذلك٣".
وخلاصة ما تقدم من الأحاديث والآثار وأقوال أهل العلم أن من سمو تعاليم الإسلام ومحاسنه العظيمة رعايته للضعفاء والعجزة والنساء والولدان في المعارك الضارية التي تدور رحاها بين جند الله من المسلمين، وبين أعداء الله من الكافرين، ممل يؤكد لكل منصف عظمة هذا الدين وشمول تعاليمه وعالمية رسالته التي أساسها الرحمة والشفقة والهداية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، [سورة الأنبياء الآية: ١٠٧]، وإن قوما يبذلون مهجهم وأرواحهم في سبيل نصرة الحق ورفع رايته وإعلاء كلمته يلزمهم أن يضعوا هذه التعاليم الرحيمة نصب أعينهم خاصة في معترك النزال والتحام القتال، فقد
_________________
(١) ١ شرح معني الآثار ٣/٢٢٠ و٢٢١، و٢٢٢، و٢٢٣". انظر: "شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٤٢-٢٤٣". والسنن الكبرى للبيهقي ٩/٧٨". وفتح الباري ٦/١٤٧-١٤٨". وسبل السلام للصنعاني ٤/٤٩-٥٠ ونيل الأوطار، للشوكاني ٧/٢٦١-٢٦٢". والفتح الرباني للساعاتي ١٤/٦٢-٦٣". عون المعبود ٧/٣٢٩-٣٣٠". وتحفة الأحوذي ٥/١٩٠-١٩١". وأوجز المسالك ٨/٢٢٣-٢٢٤". وفتاوى ابن تيمية ٢٨/٣٥٤". ٢ سورة البقرة: "آية ١٩٠". وتمامها: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . ٣ الروض الأنف ٧/٢١٥-٢١٦. والظاهر من قول السهيلي - ﵀ - إن المرأة إذا قاتلت قتلت وأما إذا لم تباشر القتال فلا يجوز قتلها. بخلاف المرتدة فيجب قتلها مطلقا.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
يغفل الجندي المسلم وهو في غمرة المنازلة وشدة المجالدة عن هذه الإرشادات النبوية وهذه الرحمة الخاصة في وقت يفترض فيه الشدة والقسوة والغلظة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، [سورة التوبة، الآية: ١٢٣] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٧٣، وسورة التحريم، الآية: ٩] .
في هذا الظرف العصيب والموقف الرهيب لا تغيب العدالة الإسلامية التي من مقتضياتها وضع الشدة في موضعها ووضع الرحمة في موضعها اللائق بها، ومن هنا يبادر الرسول ﷺ بإرسال رسله إلى قواده أن يلتزموا بهذه المبادئ السامية التي شرع الجهاد في أصله لإقرارها وتثبيتها بلا تَشَفّ ولا إجحاف، وأول ما يوجه الجنود المسلمون إليه ويذكرون به هو الغزو باسم الله وفي سبيل الله والتحلي بحلية التقوى التي لا تفارق حس المجاهد المسلم ولا ينبغي أن تفرقه، وإذا كانت هذه هي الصفات الأساسية للغزو الإسلامي الراشد فلا عجب أن نجد التنصيص الصريح على منع قتل من لا شوكة له في الحرب من ضعفاء ونساء وأطفال وشيوخ ونحوهم، ولا يتأتى تطبيق هذه المعاني الرفيعة المفعمة١ بالرحمة والإنسانية في أسمى معانيها إلا للجنود المؤمنين بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، أما من عاداهم من الكفار وضعفاء اليقين فلا أحسبهم أهلا لتطبيق ذلك وما أخالهم يخطر في أذهانهم".
_________________
(١) ١ المفعمة: "الممتلئة". (القموس المحيط ٤/١٦٠) .
[ ٢ / ٥٦١ ]