العارية: "بتشديد التحتية وتخفيفها، ويقال عارة، وهي مأخذوة من عار الفرس إذا ذهب، لأن العارية تذهب من يد المعير".
وهي في الشرع: "عبارة عن تمليك المنافع بغير عوض١".
وجاء في هذا:
حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - وفيه "ثم بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعا مائة درع، وما يصلحها من عدتها، فقال: "أغصبا يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك"٢
حديث ابن عباس - ﵄ - أنّ رسول الله ﷺ استعار من صفوان بن أمية أدراعًا وسنانا في غزوة حنين". فقال: "يا رسول الله أعارية مؤداة؟ قال: "عارية مؤداة" ٣.
٢٦٣- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "استعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية سلاحا، فقال صفوان: "أمؤداة يا رسول الله؟ قال: "نعم" ٤.
وفي بعض ألفاظ حديث صفوان بن أمية أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعا فقال: "أغصبا يا محمد؟
_________________
(١) ١ القاموس المحيط ٢/٩٧، وكتاب المغني لابن قدامة ٥/٢٢٠، وكتاب الهداية للمرغيناني ٣/٢٢٠، وفتح الباري ٥/٢٤١، كفاية الأخيار لتقي الدين الحسيني ١/١٨٠، وحاشية الدسوقي ٣/٤٣٣". ٢ تقدم برقم (٢٣) . ٣ تقدم برقم (٢٧) . ٤ سنن الدارقطني ٣/٣٨".
[ ٢ / ٦١٠ ]
قال: "بل عارية مضمونة" قال: "فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله أن يضمنها له، قال: "أنا اليوم في الإسلام أرغب". وفي لفظ "إنا قد فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك؟ قال: "لا يا رسول الله، لأن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ".
قال أبو داود: "وكان أعاره قبل أن يسلم، ثم أسلم"١.
ومن خلال هذه النصوص وغيرها اختلف العلماء في ضمان العارية وعدمه".
ومنشأ الخلاف من قوله "عارية مضمونة".
قال ابن قيم الجوزية: "وفيها٢ أن رسول الله ﷺ شرط لصفوان في العارية الضمان، فقال: "عارية مضمونة".
فهل هذا إخبار عن شرعه في العارية، ووصف لها بوصف شرعه الله فيها، وأن حكمها الضمان كما يضمن المغصوب، أو إخبار عن ضمانها بالأداء بعينها ومعناه: "أني ضامن لك تأديتها، أنها لا تذهب، بل أردها إليك بعينها؟ هذا مما اختلف فيه الفقهاء".
فقال الشافعي وأحمد بالأول: "وأنها مضمونة بالتلف"٣.
وقال أبو حنيفة ومالك بالثاني: "وأنها مضمونة بالرد على تفصيل في مذهب مالك وهو أن العين إن كانت مما لا يغاب عليه٤، كالحيوان والعقار، لم تضمن بالتلف إلا أن يظهر كذبه، وإن كانت مما يغاب عليه كالحلي ونحوه، ضمنت بالتلف".
إلا أن يأتي ببينة تشهد على التلف.
_________________
(١) ١ تقدم تخريج الحديث برقم (٢٦) . ٢ أي في غزوة حنين من الأحكام". ٣يعني إذا تلف في غير الاستعمال المأذون فيه، ضمنها المستعير وإن لم يفرط". (انظر: كفاية الأخيار١/١٨١والفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري٣/٢٨٦ و٢٨٨) . ٤ يعني الذي لا يمكن إخفاؤه وستره عن الأعين في العادة كالعقار والحيوان". والذي يغاب عليه: "الذي يمكن اخفاؤه في صندوق أو دولاب، كالثياب، والحلي فهذا يضمنه المستعير دون الأوّل". (الفقه على المذاهب الأربعة ٣/٢٨٥-٢٨٦ والشرح الكبير لأبي البركات أحمد الدردير ٣/٤٣٦ على هامش حاشية الدسوقي". وقال الشوكاني: "واستدل من فرق بين الحيوان وغيره بحديث صفوان، ولا يخفى أن دلالته على أن غير الحيوان مضمون لا يستفاد منها أن حكم الحيوان بخلافه". (نيل الأوطار ٥/٣٣٤) .
[ ٢ / ٦١١ ]
وسر مذهبه أن العارية أمانة غير مضمونة - كما قال أبو حنيفة - إلا أنه لا يقبل قوله فيما يخالف الظاهر، فلذلك فرق بين ما يغاب عليه، وما لا يغاب عليه".
ومأخذ المسألة أن قوله ﷺ لصفوان بن أمية: "بل عارية مضمونة" هل أراد به أنها مضمونة بالرد أو بالتلف؟
أي أضمنها إن تلفت، أو أضمن لك ردها، وهو يحتمل الأمرين، وهو في ضمان الرد أظهر لثلاثة أوجه:
أحدها: "أن في اللفظ الآخر: "بل عارية مؤداة" فهذا يبين أن قوله "مضمونة" المراد به: "المضمونة بالأداء".
الثّاني: "إنه لم يسأله عن تلفها، وإنما سأله هل تأخذها مني أخذ غصب تحول بيني وبينها؟ فقال: "لا، بل أخذ عارية أؤديها إليك".
ولو كان سأله عن تلفها وقال: "أخاف أن تذهب، لناسب أن يقول: "أنا ضامن لها إن تلفت".
الثالث: "أنه جعل الضمان صفة لها نفسها، ولو كان ضمان تلف، لكان الضمان لبدلها، فلما وقع الضمان على ذاتها، دل على أنه ضمان أداء".
ثم قال: "فإن قيل: "ففي القصة أن بعض الدروع ضاع، فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها، فقال: "أنا اليوم في الإسلام أرغب".
قيل: "هل عرض عليه أمرا واجبا أو أمرا جائزا مستحبا الأولى فعله، وهو من مكارم الأخلاق والشيم، ومن محاسن الشريعة؟
وقد يترجح الثاني بأنه عرض عليه الضمان، ولو كان الضمان واجبا، لم يعرضه عليه، بل كان يفي له به".
ويقول: "هذا حقك، كما لو كان الذاهب بعينه موجودا فإنه لم يكن ليعرض عليه رده فتأمله"١". إهـ.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٤٨١-٤٨٣ والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ٦/١١٢".
[ ٢ / ٦١٢ ]
فابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن العارية مضمونة بذاتها، لقوله: "ﷺ "بل عارية مضمونة" وأنها إذا تلفت فلا ضمان عندئذ".
وذهب الصنعاني: "إلى أن العارية تضمن إذا شرط صاحبها الضمان لقوله: "ﷺ "عارية مضمونة" ١".
وذهب جمهور العلماء ومنهم الشافعي وأحمد إلى أن العارية إذا استعملت في غير المأذون فيه فتلفت وجب ضمانها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها يوم تلفها إن لم تكن من ذوات الأمثال، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة وما في معناها".
قال الشافعي: "العارية كلها مضمونة الدواب والرقيق والثياب لا فرق بين شيء منها، فمن استعار شيئا فتلف في يده بفعله أو بغير فعله فهو ضامن له، والأشياء لا تخلو أن تكون مضمونة أو غير مضمونة، فما كان منها مضمونًا مثل الغصب وما أشبهه فسواء ما ظهر منها هلاكه وما خفي فهو مضمون على الغاصب والمستسلف جنيا فيه أو لم يجينا، أو غير مضمونة مثل الوديعة فسواء ما ظهر هلاكه وما خفي فالقول فيها قول المستودع مع يمينه"٢".
وقال ابن قدامة: "ويجب رد العارية إن كانت باقية بغير خلاف، ويجب ضمانها إذا كانت تالفة تعدى فيها المستعير أو لم يتعد، روى ذلك ابن عباس وأبو هريرة ٣".
وإليه ذهب عطاء٤ والشافعي وإسحاق".
لقول النبي ﷺ في حديث صفوان "بل عارية مضمونة".
_________________
(١) ١ سبل السلام ٣/٦٧-٦٩". ٢ الأم ٣/٢١٧-٢١٨ ومختصر المزني ٣/٣٢ مع الأم، وسنن الترمذي ٢/٣٦٩ وكفاية الأخيار لتقي الدين الحسيني ١/١٨٠-١٨٢". ٣ أثرهما في الأم ٣/٢١٨". قال الشافعي: "وقد قال أبو هريرة وابن عباس ﵄ إن العارية مضمونة". وكان قول أبي هريرة في بعير استعير فتلف انه مضمون". ٤ عطاء: "هو ابن أبي رباح، وإسحاق: "هو ابن راهويه".
[ ٢ / ٦١٣ ]
٢٦٤- وروى الحسن١ عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" ٢.
ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفردا بنفعه من غير استحقاق، ولا إذن في الإتلاف فكان مضمونا كالغاصب، والمأخوذ على وجه السوم٣".
وقال علاء الدين المرداوي: "قال الحارثي٤: "نص الإمام أحمد ﵀ على ضمان العارية، وإن لم يتعد فيها كثير متكرر جدًا من جماعات، وقف على رواية اثنين وعشرين رجلًا وذكرها ٥".
وذهب مالك وأبو حنيفة والحسن البصري والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري الأوزاعي وابن شبرمة٦ إلى أن العرية أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي".
٢٦٥- لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "ليس
_________________
(١) ١ الحسن: "هو البصري، وسمرة: "هو ابن جندب، صحابي جليل". ٢ رواه أبو داود في سننه ٢/٢٦٥ كتاب البيوع، باب في تضمين العارية". والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف ٤/٦٦ حديث ٤٥٨٤". والترمذي في سننه ٢/٣٦٨ كتاب البيوع، باب ما جاء أن العارية مؤداة". وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وابن ماجه في سننه ٢/٨٠٢ كتاب الصدقات، باب العارية". والدارمي ٢/١٧٨ كتاب البيوع، باب في العارية مؤداة". وأحمد في المسند ٥/٨و١٢و١٣". والحاكم: "المستدرك ٢/٤٧". والبيهقي: "السنن الكبرى ٦/٩٠و٩٥". الجميع من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب". قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/٥٣: "والحسن مختلف في سماعه من سمرة، وزاد فيه أكثرهم ثم نسي الحسن فقال: "هو أمينك لا ضمان عليه". قال الشوكاني: "واستدل من قال بالضمان بحديث سمرة، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، [سورة النساء، من الآية: ٥٨] . ولا يخفى أن الأمر بتأدية الأمانة لا يستلزم ضمانها إذا تلفت". (نيل الأوطار ٥/٣٣٤) . ٣ المغني ٥/٢٢٠-٢٢٤". ٤ هو مسعود بن أحمد العراقي المصري الحنبلي (٦٥٢-٧١١) (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٩٥) . ٥ الإنصاف ٦/١١٢، و١١٣ وفتح الباري ٥/٢٤١ ونيل الأوطار ٥/٣٣٤ وسبل السلام ٣/٦٧". ٦ هو عبد الله بن شبرمة الكوفي القاضي (ت ١٤٤) . (التقريب ١/٤٢٢) .
[ ٢ / ٦١٤ ]
على المستعير غير المغل١ ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان"٢.
ولأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة".
٢٦٦- قالوا: وقول النبي ﷺ "العارية مؤداة"٣ يدل على أنها أمانة، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، [سورة النساء، من الآية: ٥٨] ٤.
وأجيب عن حديث عمرو بن شعيب بأنه ضعيف، وأن الصحيح أنه من قول شريح القاضي.
وحديث "العارية مؤداة" صحيح إلا أنه قد ورد في حديث جابر ابن عبد الله وابن عباس وصفون بن أمية "بل عارية مضمونة" ٥.
وأما الآية فإنها عامة للعارية وغيرها، وحديث التضمين خاص، والخاص مقدم على العام".
وأيضا فإن العارية تخالف الوديعة، لأن الوديعة الذي يستفيد منها هو المودع، والعارية ييستفيد منها المستعير، فإذا تلفت وجب ضمانها٦".
والذي يبدو في هذه المٍسألة هو قول بضمان العارية حفظا لأموال الناس من الضياع، والتساهل في حفظها، لأن الأصل أن من أخذ شيئا من أموال الناس وجب عليه رده بعينه أو بقيمته إذا تلف إلا ما خصه الدليل من ذلك".
_________________
(١) ١ المغل: "بضم الميم ثم الغين المعجمة، مأخوذ من الإغلال وهو الخيانة، والمعنى: "ليس على المستعير غير المغل ضمان الخ (أي إذا لم يخن في العارية والوديعة فلا ضمان عليه) وقيل: "المغل ها هنا: "المستغل، وأراد به القابض لأنه بالقبض يكون مستغلا والأول الوجه: "يعني أولى". (النهاية ٣/٣٨١، سبل السلام للصنعاني ٣/٦٧) . ٢ رواه الدارقطني في سننه ٣/٤١ والبيهقي في السنن الكبرى ٦/٩١". وقالا: "الصحيح وقفه على شريح القاضي". وأما المرفوع ففيه عمرو بن عبد الجبار السنجاري عن عمه عبيدة بن حسان العنبري السنجاوي وهما ضعيفان". وقال أبو حتبان: "عبيدة بن حسان، منكر الحديث". (الجرح والتعديل ٦/٩٢) . وقال ابن حبان: "عبيدة يروي الموضوعات عن الثقات". (انظر: "كتاب المجروحين ٢/١٨٩ وميزان الاعتدال ٣/٢٦ و٢٧١) . ٣ رواه ابن ماجه في سننه ٢/٨٠٢ كتاب الصدقات، باب العارية من حديث أنس بن مالك ولفظه: "العارية مؤداة والمنيحة مردودة" وهو صحيح من زوائد ابن ماجه". ٤ الهداية للمرغيناني ٣/٢٢٠، والمغني لابن قدامة ٥/٢٢١، وفتح الباري ٥/٢٤١، وسبل السلام ٣/٦٧-٦٨، ونيل الأوطار ٥/٣٣٤". ٥ تقدم حديث جابر برقم "٢٣"، وحديث ابن عباس برقم (٢٧) وحديث صفوان برقم (٢٦) . ٦ بداية المجتهد لابن رشد ٢/٣١٤".
[ ٢ / ٦١٥ ]