المبحث الأول: التوجه إلى النخلة
لما انهزم المشركون في موقعة حنين وباءوا بالفشل انسحبوا على إثر ذلك وتفرقوا في الجبال والأودية يجرون ذيل الخزي والندامة، تاركين وراءهم كثيرا من أطفالهم ونسائهم وأموالهم، وعند ذلك أمر رسول الله ﷺ بمطاردتهم وتعقبهم تأديبا لهم حتى لا تسول لهم أنفسهم أن يتكتلوا أو ينقضوا على المسلمين مرة أخرى.
١١٦- قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون، أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس١ وتوجه بعضهم نحو نخلة٢، ولم يكن فيمن توجه نحو النخلة إلا بنو غيرة٣ من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك في نخلة
_________________
(١) ١ أوطاس: بفتح الهمزة وسكون الواو وطاء وسين مهملتين. قال أبو عبيد: "هو واد في ديار هوازن، وهناك عسكروا هم وثقيف ثم التقوا بحنين". وقال الديار بكري: "أوطاس واد معروف في ديار هوازن بين حنين والطائف". وقال القاضي عياض: "هو واد في دار هوازن وهو موضع خرب حنين. قال ابن حجر: وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير". والراجح: أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، طائفة إلى نخلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكرا مقدمهم أبوعامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس كما يدل عليه حديث الباب: يعني بحديث الباب، حديث البخاري لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على الجيش إلى أوطاس وسيأتي الحديث برقم (١١٨) . (فتح الباري٨/٤٢ وتاريخ الخميس ٢/١٠٧ وشرح المواهب اللدنية٣/٢٥ والقاموس المحيط ٢/٢٥٧، ومعجم ما استعجم لأبي عبيد ١/٢١٢ قلت: ويدل على الفرق بين حنين وأوطاس: الآن يسمى (أم خرمان) وحنين يسمى (الشرائع) انظر التعليق على كتاب المناسك للحربي ص ٣٤٦و٤٧١و٦٥٤) وقد حصل في فتح الباري خطأ مطبعي فقال (أبو عبيدة) والصواب أبو عبيد، وقال: (بجيلة) والصواب نخلة. ٢ هي نخلة يمانية، وهو واد يصب فيه يدعان، وبه مسجد لرسول الله ﷺ، وبه عسكرت هوازن يوم حنين (معجم البلدان لياقوت ٥/٢٧٧) ويدعان: يسمى الآن (جدعان) وهو بين سبوحة والشرائع، وسبوحة: بفتح السين المهملة وضم الموحدة – واد لهذيل يصب في نخلة اليمانية من الجنوب بطرف الزيمة من مغيب الشمس، يأتي سيله من جبلي كنثيل والأشعر، تبعد عن مكة (٤٣) كيلا على طريق البمانية حيث يطؤها الطريق هنالك، وعن الزيمة كيلين فقط (المجازيين اليمامة والحجاز لابن خميس ص ٢٦٨) . والتعليق على كتاب مناسك الحج للحربي لحمد الجاسر ص ٣٥٣، ومعالم مكة المكرمة التاريخية لعاتق بن غيث البلادي ص ١٢٩. ٣ في مغازي الواقدي بنو (عنزة) وهو خطأ.
[ ٢٥٢ ]
من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا١، فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ القيس - وكان يقال له ابن الدغنة٢ وهي أمه، فأناخ به، فإذا شيخ كبير٣، وإذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد؟
قال: أقتلك.
قال: ومن أنت؟
قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه فلم يغن شيئا فقال: بئس ما أسلحتك أمك!.
خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل، وكان الرحل في الشجار، ثم اضرب به، وارفع عن العظام ٤، واخفض عن الدماغ، فإني كنت كذلك أضرب الرجال ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب - والله - يوم قد منعت فيه نساءك.
فزعم بنو سليم أن ربيعة لما ضربه تكشف، فإذا عجانه ٥ وبطون فخذيه مثل القرطاس٦ من ركوب الخيل أعراء ٧، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه.
_________________
(١) ١ الثنايا: العقاب، والعقاب: جبال طوال بعرض الطريق، فالطريق تأخذ فيها، وكل عقبة مسلوكة ثنية وجمعها ثنايا (لسان العرب ١٨/١٣٤) وقال البلادي: هذه الثنايا: تخرج أولاها من رأس حنين على قرابة (٥٠) كيلا شرق مكة ثم تقابلها أخرى قرب الخليصة، ثم أخرى تخرجك على وادي قرن المنازل قرب دحنا، ثم يأتي طريقها الطائف من الشمال من جهة المليساء، (معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية ص ٧١-٧٢) . ٢ الدغنة: بفتح الدال المهملة، وكسر الغين المعجمة ونون خفيفة، ويقال بضم الدال والغين. ويقال: الذعنة: بالذال المعجمة، وفتح عين مهملة وسكونها، وهي أمه، وليس هوابن الدغنة المذكور في قصة أبي بكر في الهجرة (فتح الباري:٨/٤٢ وكتاب المغني لابن طاهر الهندي ص ٣٠، وقال ابن هشام: ويقال اسم الذي قتل دريد: عبد الله بن قنيع ابن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة، ويقال له: (ابن لذعة) (سيرة ابن هشام ٢/٢٥٣، وأسد الغابة لابن الأثير ٢/١١ ابن لدغة) . ٣ وعند الواقدي في المغازي ٣/٩١٥: وهو شيخ كبير ابن ستين ومائة. ويروى هذا أيضا عن ابن إسحاق (انظر الروض الأنف ٧/٢٠١) . ٤ عند الواقدي ٣/٩١٥:وارفع عن «الطعام» . ٥ عجانة: ما بين فرجيه (ابن منظور: لسان العرب ١٧/١٤٩) ٦ عند الواقدي: مثل القراطيس. ٧ أعراء: جمع عرى بوزن (قفل) وهو الفرس الذي لا سرج له، (لسان العرب لابن منظور ١٩/٢٢٦) .
[ ٢٥٣ ]
فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات١ لك ثلاثا٢.
هكذا ذكر ابن إسحاق بدون إسناد.
والحديث أخرجه الطبري من طريق سلمة٣ بن الفضل الأبرش، والطحاوي من طريق عبد الله٤ بن إدريس، والبيهقي من طريق يونس٥ ابن بكير الجميع من طريق ابن إسحاق٦.
والحديث يدل على أن قاتل دريد بن الصمة هوربيعة بن رفيع ٧، وقد أخذ الشافعي - ﵀ - من هذا جواز قتل الشيخ الكبير الذي لا يستطيع القتال، فقد جاء في الأم للشافعي ما نصه:
١١٧- قال الربيع ٨ بن سليمان قال: قال الشافعي قتل يوم حنين دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس فذكر للنبي ﷺ فلم ينكر قتله.
ثم قال الشافعي: "وقتل أعمى من بني قريظة بعد الإسار وهذا يدل على قتل من لا يقاتل من الرجال البالغين إذا أبى الإسلام والجزية".
_________________
(١) ١ وعند الواقدي: "في غداة واحدة، وجز ناصية أبيك قال الفتى: لم أشعر وفي الإصابة:٢/٥٠٧ فقالت له أمه: ألا تكرمت عن قتله لما أخبرك بمنه علينا، فقال: "ما كنت لأتكرم عن رضا الله ورسوله". ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٣-٤٥٤. ٣ صدوق كثير الخطأ تقدم في حديث (٣٢) . ٤ ثقة فقيه عابد تقدم في حديث (٣٢) . ٥ صدوق يخطئ تقدم في حديث (٢٣) . ٦ الطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٨-٧٩. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٤. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٧أ. وانظر مغازي الواقدي ٣/٩١٤-٩١٥، وجوامع السيرة لابن حزم ٢٤٠ والروض الأنف للسهيلي ٧/١٧٧ وأسد الغابة ٢/٢١١. والكامل في التاريخ ٢/١٧٩ كلاهما لابن الأثير. والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٣٧ وفتح الباري ٨/٤٢. والإصابة ٢/٥٠٧ كلاهما لابن حجر. ٧ تقدم الخلاف في قاتل دريد تحت حديث (٩٧) . ٨ الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي، أبو محمد المصري المؤذن صاحب الشافعي ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٧٠) / د س ق (التقريب ١/٢٤٥، تهذيب التهذيب ٣/٢٤٥-٢٤٦ والخلاصة للخزرجي ١/٣١٩ ورمز له في تهذيب التهذيب / ٤ د س ق والصواب أخرج له الأربعة كما في تهذيب التهذيب ٣/٢٤٦ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٨٦ ومقدمة تحفة الأحوذي ٢/٥٣.
[ ٢٥٤ ]
قال البيهقي: "الأعمى هو الزَّبِيْر بن باطا القرظي"١.
وأورد الطحاوي حديث أبي موسى الأشعري في بعث أبي عامر إلى أوطاس وفيه "فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه".
ثم قال: قال أبو جعفر: "فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا بأس بقتل الشيخ الكبير في الحرب، فاستدلوا على ذلك بحديث ابن إسحاق في قتل ربيعة بن رفيع دريدا، ثم قال: قالوا: فلما قتل دريد، وهو شيخ كبير فانٍ لا يدافع عن نفسه، فلم يعب رسول الله ﷺ عليهم، دل ذلك أن الشيخ الفاني يقتل في دار الحرب، وأن حكمه في ذلك حكم الشبان لا حكم النسوان.
ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا ينبغي قتل الشيوخ في دار الحرب، وهم في ذلك، كالنساء والذرية، ثم أورد ما استدلوا به من أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الشيوخ والنساء، ثم قال: فدل ذلك أن من أبيح قتله هو الذي يقاتل، ولكن لما روى حديث دريدا هذا، وهذه الأحاديث الأخر، وجب أن تصحح، ولا يدفع بعضها ببعض".
فالنهي من رسول الله ﷺ في قتل الشيوخ في دار الحرب ثابت في الشيوخ الذين لا معونة لهم على شيء من أمر الحرب، من قتال ولا رأي.
وحديث دريد على الشيوخ الذين لهم معونة في الحرب، كما كان لدريد فلا بأس بقتلهم وإن لم يكونوا يقاتلون لأن تلك المعونة التي تكون منهم أشد من كثير من القتال، ولعل القتال لا يلتئم لمن يقاتل إلا بها، فإذا كان ذلك كذلك قتلوا.
ثم أورد حديث أن رسول الله ﷺ رأى امرأة مقتولة فقال: "ما كانت هذه تقاتل" ٢.
أي فلا تقتل، فإنها لا تقاتل، فإذا قاتلت قتلت، وارتفعت العلة التي لها منع من قتلها.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٩٢ وانظر قصة الزبير بن باطا مفصلة في سيرة ابن هشام ٢/٢٤٢-٢٤٣. ٢ انظر: الحديث في أبي داود ٢/٤٩و٥٠ كتاب الجهاد باب في قتل النساء.
[ ٢٥٥ ]
وفي قتلهم دريد بن الصمة للعلة التي ذكرنا، دليل على أنه لا بأس بقتل المرأة، إذا كانت أيضا ذات تدبير في الحرب، كالشيخ الكبير ذي الرأي في أمور الحرب.
ثم قال: فهذا الذي ذكرنا هو الذي يوجبه تصحيح معاني هذه الآثار١.
قلت: وما قال الطحاوي هو الصواب جمعا بين الأدلة وإذا أمكن الجمع تعين المصير إليه إذ إن العمل بجميع الأدلة أولى من ترك بعضها.
وقد ذكر أهل المغازي أن هوازن خرجت بدريد بن الصمة معها للتيمن برأيه ومعرفته بالحرب فدل على أن قتله كان لما له رأي في الحرب والمشورة.
_________________
(١) ١ الطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٤-٢٢٥. وانظر: ابن التركماني: الجوهر النقي ٩/٩٢-٩٣ مع سنن البيهقي وعون المعبود ٧/٣٢٩-٣٣٠.
[ ٢٥٦ ]