المبحث الأول: الفرق بين الغنيمة والفيء والنفل
ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الألفاظ الثلاثة لا فرق بينها في أصل اللغة وأنها تلتقي وتجتمع في مطلق الزيادة والرجوع، وذلك أن الغنيمة في أصل اللغة: زيادة وعطية من الله ﷿ لهذه الأمة على ما هو أصل الأجر والثواب للمجاهد، أو أنها زيادة لهذه الأمة بعد أن كانت الغنائم محرمة على غيرها من الأمم الماضية".
ويشهد لهذا ما رواه جابر بن عبد الله ﵄:
١٧٦- أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي" الحديث.
وفيه: "وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي" ١.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ١/٦٢-٦٣ كتاب التيمم، باب قول الله تعالى (فلم تجدوا ماء، الخ) و٧٩-٨٠ باب وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورًا. ومسلم: الصحيح ١/٣٧٠ كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
[ ٣٥٣ ]
والفيء: مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع كأنه في الأصل للمسلمين فرجع إليهم، وهو الغنيمة شيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان يسمى غنيمة وفيئا.
والنفل: بالتحريك - الغنيمة والهبة والتطوع، وجمعه أنفال، ونفال، والنفل - بالسكون وقد تحرك - معناه الزيادة. وهي زيادة عما فرضه الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، [سورة الإسراء، الآية: ٧٩] .
فسمى سبحانه صلاة التطوع نافلة، لأنها زيادة أجر لهم على ما كتب لهم من ثواب ما فرض عليهم١.
والفرق بين هذه الألفاظ الثلاثة إنما هو في الاصطلاح الشرعي ذلك أن الغنيمة في الاصطلاح هي المال المأخوذ من الكفار بايجاف ٢ الخيل والركاب.
قال القرطبي: "واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، [سورة الأنفال، من الآية:٤١] .
مال الكفار: إذا ظفر المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا يقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد بهذا اللفظ النوع".
ثم قال: "وقد سمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة، وفيئا.
فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة، لزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا.
_________________
(١) ١ كتاب الأموال لأبي عبيد ص ٤٢٨ و٤٣٠ والنهاية لابن الأثير ٣/٣٨٩-٣٩٠ و٤٨٢ و٥/٩٩، ولسان العرب لابن منظور١/١١٩ و١٢١ و١٢٢ و١٤/١٩٤-١٩٦ و١٥/٣٤٢ والقاموس المحيط، للفيروزآبادي١/٢٤ و٤/٥٩ و١٥٨ والمصباح المنير للفيومي ٢/٥٤٥ و٧٥٧ ومختار الصحاح لأبي بكر الرازي ص: ٤٨٢ و٥١٦ و٦٧٤، وفتح الباري: ٦/٢٣٩ و٨/٤٧-٤٨، وهدي الساري ص ١٩٦ و١٩٧ كلاهما لابن حجر. ٢ الإيجاف: سرعة السير، والركاب: ككتاب: الإبل التي يسار عليها، واحدها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وجمعها: ركب بضم الكاف، ككتب وركا بات وركائب. (لسان العرب لابن منظور١/٤١٤ و١١/٢٦٧-٣٦٨) والقاموس المحيط للفيروز آبادي ١/٧٥ و٣/٣٠٣.
[ ٣٥٤ ]
والفيء: مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف"١.
وقال محمد الأمين الشنقيطي: "اعلم أن أكثر العلماء: فرقوا بين الفيء والغنيمة. فقالوا: الفيء ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر، كفيء بني النضير.
وأما الغنيمة: فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية مع قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾، [سورة الحشر، الآية: ٦] .
فإن قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية. ظاهر في أنه يراد به بيان ما أوجفوا عليه، وما لم يوجفوا عليه كما ترى.
ثم قال ﵀: وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات، لأن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه﴾ ذكر فيها حكم الفيء.
وأشير لوجه الفرق بين المسألتين بقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه، ثم قال: وقال بعض العلماء، إن الغنيمة والفيء شيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيئا، وهذا قول قتادة ﵀، وهو المعروف في اللغة والعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة٢.
ثم قال: ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما وتدل له آية الحشر المتقدمة.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٨/١-٢ والفتاوى لابن تيمية ٢٨/٢٦٩ و٥٦٢، وتفسير ابن كثير ٢/٢٨٤ و٣١٠ وتكملة المجموع ١٨/١٣٦ لمحمد حسين العقبي وأضواء البيان للشنقيطي٢/٣٥٢، وروائع البيان للصابوني١/٥٨٨ وفتح القدير للشوكاني: ٢/٣٠٩، وجامع البيان للطبري ٩/١٧١ و١٠/٢. ٢ ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي: فلا وأبي جليلة ما أفأنا من النعم المؤبل من بعير ولكنا نهكنا القوم ضربا على الأثباج منهم والنحور يعني أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم ولكن بقتل الرجال، فقوله: أفأنا يعني غنمنا. (أضواء البيان ٢/٣٥٣) .
[ ٣٥٥ ]
وعلى القول قتادة: فآية الحشر مشكلة مع آية الأنفال، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة: إن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ناسخة لآية ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه﴾ وهذا القول الذي ذهب إليه باطل بلا شكّ، ولم يلجئ قتادة إلى هذا القول إلاّ دعواه اتحاد الفيء والغنيمة، فلو فرق بينهما كما فعل غيره، لعلم أن آية الأنفال في (الغنيمة) وآية الحشر في (الفيء) ولا إشكال.
ووجه بطلان قول قتادة المذكور:
أن آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ نزلت بعد وقعة بدر، قبل قسم غنيمة بدر، بدليل حديث علي - ﵁ - الثابت في صحيح مسلم١ الدال على أن غنائم بدر خمست، وآية التخميس التي شرعه الله بها هذه.
وإما آية الحشر فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء، وغزوة بني النضير بعد غزوة بدر بإجماع المسلمين.
ولا منازعة فيه البتة، فظهر من هذا عدم صحة قول قتادة - ﵀ - تعالى وقد ظهر لك أنه على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء لا إشكال في الآية، وكذلك على قول من يرى أمر الغنائم والفيء راجعا إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر، وآية التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم٢.
الفيء في الاصطلاح: "هو كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب".
أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل استسلم بنو النضير وصارت أموالهم فيئا أفاءه الله على رسوله ﷺ فتصرف فيه كما أمره الله سبحانه فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح العامة التي ذكرها الله في آيات سورة الحشر٣.
_________________
(١) ١ انظر الحديث في صحيح مسلم ٣/١٥٦٨-١٥٧٠ كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر الحديث مطول وفيه "أن عليا قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم، يوم بدر، وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفا أخرى من الخمس يومئذ" والحديث أخرجه البخاري أيضا في ٤/٦٢ كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس. ٢ أضواء البيان٢/٣٤٥و٣٥٢-٣٥٤ وانظر: فتح الباري٦/١٩٨،وجامع بيان للطبري ١٠/١ و٢. ٣ انظر تفسير ابن كثير ٤/٣٣٥ ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٨/٥٦٢ وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٦٩. وأوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢١.
[ ٣٥٦ ]
وقد تقدم أن أكثر العلماء فرقوا بين الفيء والغنيمة، وأن الفيء: هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر.
ومن العلماء من قال: إن الغنيمة والفيء شيء واحد، فجميع ما وصل إلينا من أموال الكفار على أي وجه كان يسمى فيئا وغنيمة.
والمشهور عند العلماء الفرق بينهما كما تقدم١.
والنفل في الاصطلاح هو: ما يعطيه الإمام لبعض الجيش دون بعض سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء٢ عن الإسلام والنكاية في العدو٣.
١٧٧- وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد فخرجت فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا، اثني عشر بعيرا ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا" ٤.
وعنه - ﵄ - "أن رسول الله ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش".
زاد مسلم: والخمس في ذلك واجب كله٥.
قال أبو عبيد: "وفي هذا النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى:
فإحداهن: في النفل الذي لا خمس فيه.
_________________
(١) ١ انظر ص ٣٥٥-٣٥٧. ٢ الغناء: بفتح الغين المعجمة، ممدودا، معناه النفع والكفاية (لسان العرب لابن منظور ١٩/٣٧٦ وهدي الساري لابن حجر ص ١٦٤. ٣ النكاية: هي كثرة القتل والجراح في العدو. (النهاية لابن الأثير ٥/١١٧ ولسان العرب لابن منظور ٢٠/٢١٥ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٤/٣٩٧) . ٤ البخاري: الصحيح ٤/٧١ كتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين إلخ. و٥/١٣١ كتاب المغازي، باب السرية التي قبل نجد. ومسلم: الصحيح ٣/١٣٦٨-١٣٦٩ كتاب الجهاد والسير، باب الأنفال. قال النووي: "قوله (والخمس في ذلك واجب كله) . (كله) مجرور تأكيد لقوله (في ذلك) وهذا تصريح بوجوب الخمس في كل الغنائم ورد على من جهل فزعم أنه لا يجب، فاغتر به بعض الناس، وهذا مخالف للإجماع، وقد أوضحت ذلك في جزء جمعته في قسمة الغنائم إهـ.. (شرح النووي لصحيح مسلم ٤/٣٥٠) . ٥ انظر: الحاشية السابقة.
[ ٣٥٧ ]
والثانية: في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس.
والثالثة: في النفل الذي يكون من الخمس نفسه.
والرابعة: في النفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء.
فأما الذي لا خمس فيه فإنه السلب، وذلك أن ينفرد الرجل بقتل المشرك فيكون له سلبه خالصا من غير أن يخمس أو يشركه فيه أحد من أهل العسكر.
وأما الذي يكون من الغنيمة بعد الخمس، فهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس.
وأما الثالث فأن تحاز الغنيمة كلها ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإمام نفل منه على قدر ما يرى.
وأما الذي يكون من جملة الغنيمة، فما يعطي الأدلاء على عورة العدو١ ورعاء الماشية والسوق لها، وذلك أن هذا منفعة لأهل العسكر جميعا.
ثم قال: وفي كل ذلك أحاديث واختلاف.
ثم أورد الأدلة على كل مسألة من هذه المسائل المتقدمة"٢.
وقال الطبري - بعد أن ذكر اختلاف العلماء في المعنى المراد من الأنفال في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ودليل كل - وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال من قال: هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم، إما من سلبه على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنفل، أو ببعض أسبابه، ترغيبا له، وتحريضا لمن معه من جيشه، على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين، وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس أنه الفرس والدرع ونحو ذلك ٣.
_________________
(١) ١ يعني على كشف مواطن الضعف في العدو والأماكن التي يسهل الدخول عليه منها. ٢ كتاب الأموال لأبي عبيد ص ٤٣٠-٤٣١ و٤٣٨ و٤٤٤ و٤٤٩. ٣ انظر قول ابن عباس عند مالك في الموطأ ٢/٤٥٥ كتاب الجهاد، باب ما جاء في سلب في النفل والطبري في الجامع البيان ٩/١٧٠ ولفظه عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلا سأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل، ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: "فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب ﵁".
[ ٣٥٨ ]
ويدخل ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس١.
لأن ذلك أمره إلى الإمام إذا لم يكن ما وصلوا إليه لغلبة وقهر، يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام.
وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر.
ثم قال: وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، لأن النفل في كلام العرب، إنما هو الزيادة على الشيء، يقال منه نفلتك كذا وأنفلتك: إذا زدتك فإذا كان معناه ما ذكرنا، فكل من زيد من مقاتلة الجيش على سهمه من الغنيمة إن كان ذلك لبلاء أبلاه، أو لغناء كان منه عن المسلمين، بتنفيل الوالي ذلك إياه، فيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل، فهو منفل ما زيد من ذلك لأن الزيادة وإن كانت مستوجبة في بعض الأحوال بحق، فليست من الغنيمة التي تقع فيها القسمة.
وكذلك كل ما رضخ لمن لا سهم له في الغنيمة فهو نفل، لأنه وإن كان مغلوبا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمة، فالفصل إذا كان الأمر على ما وصفنا بين الغنيمة والنفل: أن الغنيمة هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر نفل منه منفل، أو لم ينفل.
والنفل: هو ما أعطيه الرجل على البلاء والغناء عن الجيش على غير قسمة٢.
وبعد أن ذكرنا الفرق بين الغنيمة والفيء والنفل في الاصطلاح الشرعي يحسن بنا أن نذكر حكم كل من الغنيمة والفيء والنفل تكميلا للغرض المقصود من هذا المبحث.
فأقول: الغنائم قسمان: ثابت ومنقول ولكل منهما حكمه الخاص به.
فحكم الثابت كالأرض المفتوحة عنوة والعقار راجع إلى الإمام فهو بالخيار بين قسمها بين الغانمين وبين وقفها في مصالح المسلمين، أو قسم بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله ﷺ الأنواع الثلاثة، فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم
_________________
(١) ١ انظر: قول عطاء: في المصدر السابق ٩/١٦٩-١٧٠ ولفظه عن عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال من دابة أو عبد، فهو نفل للنبي ﷺ. ٢ الطبري: جامع البيان ٩/١٧١.
[ ٣٥٩ ]
مكة، وقسم شطر خيبر وترك شطرها الآخر وهذا هو المشهور من أقوال العلماء أن الإمام مخير بين قسم الأراضي وبين وقفها إن رأى المصلحة في ذلك١.
وإن كانت منقولة فإن جمهور العلماء على أن للغانمين فيها أربعة أخماس وأنها ملك لهم تقسم بينهم للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم سهم له، وسهمان لفرسه.
وأن أصل الغنائم كانت لرسول الله ﷺ خاصة بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ وأن هذه الآية منسوخة بآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ . الآية.
قال القرطبي: "لما بين الله تعالى حكم الخمس وسكت عن الباقي، دل ذلك على أنه ملك للغانمين"٢.
وقال ابن تيمية: "فالواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى، وقسمة الباقي بين الغانمين".
قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة، وهم الذين شهدوها للقتال، قاتلوا أولم يقاتلوا، ويجب قسمتها بينهم بالعدل، فلا يحابي أحد، لا لرياسته، ولا لنسبه، ولا لفضله، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يقسمونها، وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية، ودولة بني العباس، لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر، ولكن يجوز للإمام أن ينفل من ظهر منه زيادة نكاية: كسرية تسرت من الجيش أو رجل صعد حصنًا عاليًا ففتحه، أو حمل على مقدم العدو فقتله، فهزم العدو ونحو ذلك لأن النبي ﷺ وخلفاؤه كانوا ينفلون لذلك"٣.
وقال الشوكاني: "وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى لابن تيمية ١٧/٤٩٢ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٣٢٨و٣٢٩ ونيل الأوطار للشوكاني ٨/١٦-١٧. ٢ تفسير أبي السعود ٥/٢٣ وفتح الباري ٦/١٩٨، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٣. ٣ الفتاوى ٢٨/٢٨٠-٢٧١و ٢٩/٣١٦.
[ ٣٦٠ ]
وأن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر".
ثم قال الشوكاني: "وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وممن حكى ذلك ابن المنذر١ وابن عبد البر والداودي٢ والمازري٣ والقاضي عياض وابن العربي"٤.
والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين، وكيفيتها كثيرة جدا وقال القرطبي: ولم يقل أحد فيما أعلم - أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، وناسخ لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. بل قال الجمهور: إن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، ناسخ وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا تبديل لكتاب الله ٥.
وقال محمد الأمين الشنقيطي: إعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم.
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ فهو يدل على أنها غنيمة لهم، فلما قال: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي: ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعا، فكذلك قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ أي: للغانمين ما بقي، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، ثم أشار إلى الإجماع الذي ذكره الشوكاني ثم قال: وخالف في ذلك بعض أهل العلم وهو قول كثير من المالكية، ونقله عنهم المازري أيضا قالوا: للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من مصالح المسلمين ويمنع منها الغزاة الغانمين، واحتجوا
_________________
(١) ١ ابن المنذر: هو أبو بكر محمد بن إبراهيم تقدمت ترجمته في حديث (٥٦) . ٢ هو أبو الحسين عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي (٣٧٤-٤٦٧) هـ (فتح الباري ١/٦ ومعجم المؤلفين لكحالة ٥/١٩٢. ٣ المازري هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري الفقيه المالكي كان ثقة متقنا، شرح صحيح مسلم بكتاب سماه "المعلم بفوائد كتاب مسلم" (ت ٥٣٦) (ابن خلكان: وفيات الأعيان ٤/٢٨٥) . ٤ هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الأشبيلي ابن العربي، العلامة الحافظ القاضي (٤٦٨-٥٤٣) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/١٢٩٤-١٢٩٨) . ٥ فتح القدير للشوكاني ٢/٣٠٩ وانظر أوجز المسالك إلى موطأ مالك للكندهلوي ٨/٣٠٨، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٢ و٣.
[ ٣٦١ ]
لذلك بأدلة منها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ الآية.
قالوا: الأنفال: الغنائم كلها، والآية محكمة لا منسوخة، احتجوا أيضا بما وقع في فتح مكة، وقصة حنين، قالوا: إنه ﷺ فتح مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم، ولم يجعلها غنيمة ولم يقسمها على الجيش، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجبا لفعله ﷺ لما فتح مكة.
وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدا، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين، الغانمين معه ﷺ، فلو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها لما وزعت الغنائم على غير الغانمين، ثم قال: وأجاب الجمهور عن هذه الاحتياجات بأن آية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ منسوخة بآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
وأما الجواب عما وقع في فتح مكة، فإن مكة وإن كانت فتحت عنوة على المشهور، فإنها ليست كغيرها من البلاد التي ليست لها هذه الحرمة.
وأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر، وهو أن النبي ﷺ استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين وقد عوضهم نفسه ﷺ فإن الأنصار لما قالوا يمنعنا ويعطي قريشا وسيوفنا تقطر من دمائهم فجمعهم وكلمهم بقوله: "يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم" فرضي القوم وطابت نفوسهم، وقالوا: "رضينا برسول الله ﷺ قسما وحظا" ١
قال الشوكاني: "وليس لغيره ﷺ أن يقول هذا القول"٢. وأجاب ابن تيمية عن هذا أيضا فقال: "ولو فتح الإمام بلدا وغلب على ظنه أن أهله يسلمون ويجاهدون جاز أن يمن عليهم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم كما فعل ﷺ بأهل مكة، فإنهم أسلموا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٥٤، و٣٥٦، و٣٥٧، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٣-٤. ٢ فتح القدير ٢/٣٠٩.
[ ٣٦٢ ]
كلهم بلا خلاف، بخلاف أهل خيبر فإنه لم يسلم أحد، فأولئك قسم أرضهم لنهم كانوا كفارا مصرين على الكفر، وهؤلاء تركها لهم لأنهم كلهم صاروا مسلمين، والمقصود بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وقد كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم ليتألفهم على الإسلام، فكيف لا يتألفهم بإبقاء ديارهم وأموالهم"١.
والخلاصة أن القول الأرجح في هذا أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين الذين شهدوا الوقعة هذا إذا كانت الغنائم منقولة وأما غير المنقول، فيخير الإمام بين قسمها ووقفها، وهذا هو الظاهر من نصوص الشريعة، والله أعلم.
وأما الفيء:
فقد بين الله ﷿ حكمه ومصارفه في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . [سورة الحشر، الآيتان: ٦و٧] .
قال ابن كثير في شرح هذه الآيات: "يقول تعالى: مبينا ما الفيء وما صفته وما حكمه، فالفيء كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ، فأفاء هـ الله على رسوله، ولهذا تصرف فيه كما يشاء فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله - ﷿ - في هذه الآيات، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي: من بني النضير، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يعني: الإبل ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو قادر لا يغالب ولا يمانع بل هو القاهر لكل شيء ثم قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي: جميع البلدان التي تفتح هكذا فحكمها حكم أموال بني النضير ولهذا
_________________
(١) ١ الفتاوى ١٧/٤٩٣.
[ ٣٦٣ ]
قال تعالى ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ إلى آخرها والتي بعدها فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه.
١٧٨- ثم قال: روى الإمام أحمد فقال: حدثنا سفيان عن عمرو ومعمر عن الزهري عن مالك١ بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون بخيل أو ركاب، وكانت لرسول الله ﷺ خالصة، وكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، وقال مرة قوت سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ﷿"٢.
ثم قال: "هكذا أخرجه أحمد ههنا مختصرا، وقد أخرجه الجماعة٣ في كتبهم إلا ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري به"٤.
وقال ابن حجر: "واختلف العلماء في مصرف الفيء، فقال مالك: الفيء والخمس سواء يجعلان في بيت المال ويعطى الإمام أقارب النبي ﷺ بحسب اجتهاده".
وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء، فقالوا: الخمس موضوع فيما عينه الله فيه من الأصناف المسمين في آية الخمس من سورة الأنفال٥، لا يتعدى به إلى غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الغمام بحسب المصلحة.
ثم قال: "انفرد الشافعي - كما قال ابن المنذر وغيره - بأن الفيء يخمس وأن أربعة أخماسه للنبي ﷺ، وله خمس الخمس كما في الغنيمة وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة".
_________________
(١) ١ مالك بن أوس بن الحدثان - بمهملتين مفتوحتين ومثلثة- النصري- بالنون أبو سعيد المدني، له رؤية، وروى عن عمر، مات سنة ٩٢ وقيل (٩١) /ع ٠ التقريب ٢/٢٢٣) . ٢ انظر الحديث في مسند أحمد ١/٢٥و٤٨، والبخاري ٤/٣١ كتاب الجهاد باب المجن ومن تترس بترس صاحبه، ومسلم ٣/١٣٧٦ كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء، والنسائي ٨/١١٩-١٢٠ كتاب قسم الفيء وأبو داود ٢/١٢٥ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في صفايا رسول الله ﷺ، والترمذي ٣/٨١-٨٢ أبواب السير باب ما جاء في تركة النبي ﷺ. ٣ المراد بالجماعة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٤ تفسير ابن كثير ٤/٣٣٥. ٥ هي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية ٤١ من سورة الأنفال.
[ ٣٦٤ ]
وقال الجمهور: "مصرف الفيء كله إلى رسول الله ﷺ واحتجوا بقول عمر: "فكانت هذه لرسول الله ﷺ خاصة".
وتأول الشافعي قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة١.
وقال النووي: "وقد أوجب الشافعي الخمس في الفيء، كما أوجبوه كلهم في الغنيمة، وقال جميع العلماء سواه: لا خمس في الفيء ثم قال: يؤيد الجمهور بأنه لا خمس في الفيء قوله في حديث الباب "كانت لرسول الله ﷺ خاصة".
وقد ذكرنا أن الشافعي أوجبه، ومذهبه أن النبي ﷺ كان له من الفيء أربعة أخماس وخمس خمس الباقي٢.
وقال ابن تيمية في أثناء كلامه على الفيء، ومن الفيء ما ضربه عمر بن الخطاب - ﵁ - على الأرض التي فتحها عنوة ولم يقسمها، كأرض مصر وأرض العراق - إلا شيئا يسيرا منها - وبر الشام، وغير ذلك، فهذا الفيء لا خمس فيه عند جماهير الأئمة: كأبي حنيفة، ومالك وأحمد، وإنما يرى تخميسه الشافعي وبعض أصحاب أحمد، وذكر ذلك رواية عنه.
قال ابن المنذر: "لا يحفظ عن أحد قبل الشافعي أن في الفيء خمسا كخمس الغنيمة"، ثم قال ابن تيمية: "وهذا الفيء لم يكن ملكا للنبي ﷺ في حياته عند أكثر العلماء".
وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: "كان ملكا له"، ثم قال: "وأما مصرفه بعد موته ﷺ، فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين، الذين يقاتلون الكفار، فإن تقويتهم تذل الكفار، فيؤخذ منهم الفيء، وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين، أم تختص به المقاتلة؟ "
_________________
(١) ١ فتح الباري ٦/٢٠٨ و٢٦٩ وعون المعبود ٨/١٨٦-١٨٧. ٢ شرح مسلم للنووي ٤/٣٦١ وفتاوى ابن تيمية ٢٨/٥٦٤-٥٦٥ وفتح القدير للشوكاني ٥/١٩٨، ومعنى قول الشافعي ﵀ أنّ مال الفيء يقسم خمسة أقسام، فأربعة من هذه الخمسة لرسول الله ﷺ والخمس الباقي يقسم أيضا خمسة أقسام فلرسول الله ﷺ منها خمسا والأربعة الأخماس الباقية تقسم على المذكورين في آية خمس الغنيمة، انظر: الأم، للشافعي: ٤/٦٤-٦٦.
[ ٣٦٥ ]
على القولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك: "أنه لا يختص به المقاتلة، بل يصرف في المصالح كلها. أهـ"١.
وأما النفل فقد تقدم حكمه٢.
والخلاصة في هذا أن الغنيمة والنفل والفيء تلتقي في الأصل اللغوي، وتفترق في المعنى الشرعي.
وأن أربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الوقعة حق ثابت لهم، وأن الفيء يصرف في مصالح المسلمين، حسب المصلحة الراجحة، وأن النفل يرجع فيه إلى رأي الإمام فيعطي كلا على حسب غنائه وبلائه في مصلحة الإسلام والمسلمين.
_________________
(١) ١ ابن تيمية: الفتاوى ٢٨/٥٦٤-٥٦٥. ٢ تحت حديث (١٧٧) .
[ ٣٦٦ ]