المبحث الأول: حصار الطائف
لثقيف مواقف عدائية ضد المسلمين منذ ظهور الإسلام، ومن أبرزها موقفهم الآثم من رسول الله ﷺ عندما ذهب إليهم يدعوهم إلى الله ﷿ ويطلب منهم نجدته حتى يؤدي رسالة ربه، فردوه ردا قبيحا وأغروا سفهاءهم وصبيانهم بمطاردة رسول الله ﷺ ورميه بالأحجار حتى أدموا قدميه١ ومن تلك المواقف تكتل ثقيف مع قريش في صلح الحديبية٢، ونصرهم لها على المسلمين ولما دانت قريش بالإسلام بفتح مكة المكرمة ثارت ثائرة هوازن فأخذت في حشد قواتها للزحف على المسلمين، فكانت ثقيف أول من لبى دعوتها وانحاز إلى جانبها، فخرجت الأحلاف من ثقيف بقيادة قارب بن الأسود الثقفي، وخرجت بنو مالك بقيادة ذي الخمار سبيع بن الحارث وأخيه أحمر بن الحارث، ووقفت مع هوازن كتلة واحدة في وجه المسلمين.
_________________
(١) ١ انظر سيرة ابن هشام ١/٤١٩ والبداية والنهاية ٣/١٣٥. ٢ تقدم بيان ذلك في حديث (٥) .
[ ٢٧٨ ]
ولما اندحر الفريقان الهوازني والثقفي في موقعة حنين أمام جحافل المسلمين، انسحبوا من ساحة المعركة، فعسكر بعضهم بأوطاس، وبعضهم بنخلة١، وتوجه بعض منهم نحو الطائف ومعه مالك بن عوف النصرى، فدخلوا حصن الطائف وتحصنوا به.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من حنين أمر بالغنائم فحبست في الجعرانة، ثم قرر ﷺ السير بنفسه إلى الطائف٢.
وأمر خالد بن الوليد أن يسير على مقدمته٣.
وكان ذلك في شهر شوال من السنة الثامنة، كما بوب البخاري بقوله: باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، قاله موسى بن عقبة٤.
قال ابن حجر: كذا ذكره موسى بن عقبة في مغازيه، وهو قول جمهور أهل المغازي.
وقيل: بل وصل إليها في أول ذي القعدة٥.
١٣١- وأخرجه البيهقي عن عروة بن الزبير وموسى بن عقبة عن ابن شهاب فقال: أخبرنا أبو الحسين٦ بن الفضل القطان قال ثنا عبد الله٧ بن جعفر قال: ثنا
_________________
(١) ١ تقدم بيان ذلك في حديث (١١٦) . ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٧٨، والروض الأنف ٧/٢٣١، البداية والنهاية ٤/٣٤٥و٣٤٧ وزاد المعاد ٣/٤٧٢ وفتح الباري ٨/٣٣و٣٥. ٣ طبقات ابن سعد ٢/١٥٨، زاد المعاد ٣/٤٩٦. ٤ كتاب المغازي ٥/١٢٨. ٥ فتح الباري ٨/٤٤ وانظر طبقات ابن سعد ٢/١٥٨وزاد المعاد ٣/٤٩٥، شرح المواهب ٣/٢٩. ٦ هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان أبو الحسين الأزرق، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة (٣٣٥-٤١٥هـ) (تاريخ بغداد ٢/٢٤٩ وموارد الخطيب للعمري ص ٤٦٨. ٧ عبد الله بن درستويه الفارسي النحوي، أبو محمد صاحب يعقوب بن سفيان الفسوي وراوية كتبه عنه، وقد رد الخطيب على الذين ضعفوه ونقل عن الحسن بن عثمان الشيرازي أنه قال: ابن درستويه: ثقة ثقة، تاريخ بغداد ٩/٤٢٩ وانظر ميزان الاعتدال٢/٤٠١،ولسان الميزان٣/٢٦٧ومقدمة تاريخ الفسوي للعمري١/٢٠-٢٢.
[ ٢٧٩ ]
يعقوب١ بن سفيان قال ثنا عثمان٢ بن صالح عن ابن لهيعة٣ قال ثنا أبو الأسود٤ عن عروة ٥.
ح - قال٦: وثنا يعقوب قال ثنا إبراهيم٧ بن المنذر قال ثنا محمد ابن فليح٨ عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: "وقاتل رسول الله ﷺ يوم حنين وحاصر الطائف في شوال سنة ثمان" ٩.
١٣٢- وقال ابن إسحاق: ولما قدم فل١٠ ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال، ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة١١ بن
_________________
(١) ١ يعقوب بن سفيان الفارسي، أبو يوسف الفسوي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٧٧) وقيل بعد ذلك، /ت س (التقريب٢/٣٧٥ وتهذيب التهذيب١١/٣٨٥، وتذكرة الحفاظ ٢/٥٨٢ وسير أعلام النبلاء ١٣/١٨٠ كلاهما للذهبي وتهذيب الكمال: للمزي: ٨/٧٧٥ والخلاصة للخزرجي ٣/١٨١ ومقدمة تاريخ الفسوي لمحققّه أكرم العمري ١/١٣ وقد علم لمن أخرج له التقريب الطبعة المصرية. بعلامة (ابن ماجه) بدل (الترمذي) وهو خطأ والصواب أنه أخرج له الترمذي والنسائي دون (ابن ماجه) وانظر: مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ٢/١٣١. ٢ عثمان بن صالح بن صفوان السهمي مولاهم، أبو يحيى البصري، صدوق من كبار العاشرة (ت ٢١٩) /خ س ق (التقريب ٢٥/١٠ وتهذيب التهذيب ٧/١٢٢ وميزان الاعتدال للذهبي ٣/٣٩) . ٣ هو عبد الله بن لهيعة أبو عبد الرحمن المصري، صدوق، تقدمت ترجمته في حديث (٦٤) . ٤ هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي ثقة تقدم في حديث (٦٤) . ٥ عروة بن الزبير ثقة فقيه مشهور تقدم في حديث (٩) . ٦ فاعل قال هو عبد الله بن جعفر درستويه، ويعقوب هو الفسوي. ٧ إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي، الحزامي، صدوق، تكلم فيه أحمد بن حنبل لأجل القرآن، من العاشرة (ت٢٣٦) /خ ت س ق (التقريب١/٤٣ وتهذيب التهذيب ١/١٦٦) . وفي ميزان الاعتدال ١/٦٧ رمز له الذهبي (بصح) إشارة إلى أنه ثقة وقال عنه: حافظ من الشيوخ الأئمة وثقه ابن معين، وكتب عنه وهو من أقرانه وفي تذكرة الحفاظ٢/٤٧٠قال عنه: الإمام المحدث الثقة. وفي سير أعلام النبلاء١٠/٦٨٩ قال عنه: الإمام الحافظ الثقة. وعلى هذا فإن قول ابن حجر فيه: (صدوق) فيه نظر. ٨ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، أو الخزاعي، صدوق يهم، التاسعة، (ت ١٩٧) / خ س ق (التقريب ٢/٢٠١ وتهذيب التهذيب ٩/٤٠٤ وفي هدي الساري ص ٤٤١-٤٤٢ قال ابن حجر روى له البخاري نسخة توبع على أكثرها، وله نسخة أخرى فيها ثمانية أحاديث توبع عليها أيضا. ٩ دلائل النبوة للبيهقي: ٣/٤٧ ب، البداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٤٥. ١٠ قوم فل: منهزمون: جمعها فلول وأفلال. (القاموس المحيط للفيروز آبادي ٤/٣٢ والمعجم الوسيط ٢/٧٠١و٧٠٢١١ انظر حديث (٢١٤) .
[ ٢٨٠ ]
مسعود ولا غيلان١ بن سلمة كانا بجرش٢ يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور٣، ثم سار رسول الله ﷺ حين فرغ من حنين٤، فقال كعب بن مالك حين أجمع رسول الله ﷺ السير إلى الطائف:
قضينا من تهامة كل ريب
وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
تخيرها ولونطقت لقالت
قواطعهن: دوسا أوثقيفا ٥
قال ابن إسحاق: "فسلك رسول الله ﷺ على نخلة اليمانية٦ ثم على قرن٧،
_________________
(١) ١ غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك الثقفي، أسلم بعد فتح الطائف كان أحد وجوه ثقيف، وكان تحته عشرة نسوة في الجاهلية، فلما أسلم أمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، (أسد الغابة لابن الأثير ٤/٣٤٣) ووقع في سيرة ابن هشام٢/٤٧٨ (غيدن) بدل (غيلان) وهو خطأ وانظر الروض الأنف٧/٧٧٠-٧٧١. ٢ جرش: كزفر من مخاليف اليمن من جهة مكة، منه الأديم والإبل، (معجم البلدان ٢/١٢٦ والقاموس المحيط ٢/٣٦٥) . وقال حمد الجاسر: "جرش: المدينة المعروفة قديما، وقد خربت الآن، ولا تزال أطلالها قائمة في أعلى وادي بيشة" (التعليق على كتاب المناسك للحربي ص ٢٨٥) . ٣ الدبابة: مشددة آلة تتخذ للحروب فتدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها. والضبور: جمع ضبر: جلود تغشى خشبا فيها رجال تقرب إلى لحصون للقتال. والمجانيق: جمع منجنيق. آلة ترمى بها الحجارة، كالمنجنوق معريقة. (القاموس المحيط ١/٦٥، و٢/٧٤، ٣/٢١٨، والروض الأنف ٧/٢٦٦-٢٦٧) . وقال محمود شيت خطاب: "يتألف المنجنيق بصورة عامة من عامود طويل قوي موضوع على عربة ذات عجلتين في رأسها حلقة أو بكرة يمر بها حبل متين، في طرفه الأعلى شبكة في هيئة كيس، توضع حجارة أو مواد محترقة في الشبكة، ثم تحرك بواسطة العامود والحبل، فيندفع ما وضع في الشبكة من القذائف ويسقط على الأسوار، فيقتل أو يحرق ما يسقط عليه". وأما الدبابة: فعبارة عن آلة من الخشب الثخين المغلف بالجلود أو اللبود تركب على عجلات مستديرة، فهي عبارة عن قلعة متحركة يستطيع المشاة الاحتماء بها من نبال الأعداء (الرسول القائد ص ٢٥ وانظر صورتها ص ٢٩٨. ٤ في معجم البلدان ٣/٤٦٥ (خيبر) وهو خطأ. ٥ هذه من جملة أبيات قالها كعب بن مالك الخزرجي وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وكان من شعراء رسول الله ﷺ (أسد الغابة ٢/٤٨٧-٤٨٨) . ٦ تقدم تعريف بها في حديث (١١٦) . ٧ قرن: بفتح القاف وسكون الراء المراد به هنا قرن المنازل يعرف الآن بالسيل الكبير، يبعد عن مكة ثمانين كيلا، وعن الطائف (٥٣) كيلا، وهو من مواقيت الحج المكانية، ويقال له أيضا قرن الثعالب، يحرم منه أهل الطائف وأهل نجد - نجد اليمن - ونجد الحجاز، وأهل الكويت، وهذه الطريق هي طريق مكة القديمة إلى الطائف، فأعلاها وادي حنين ثم نخلة اليمانية، وهي معروفة بأسفلها قرية (الزيمة) وبأعلاها (البوباة) (البهيتا) حاليا (انظر معجم البلدان لياقوت ٤/٣٣٢) . والتعليق على كتاب المناسك للحربي للمحقق حمد الجاسر ص ٣٥٣ والمجاز بين اليمامة والحجاز لابن خميس ص ٢٦٨. ومعجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ص ٢٥٤. وتيسير العلام لعبد الله بن عبد الرحمن آل بسام ١/٥٠١.
[ ٢٨١ ]
ثم على المليح١ ثم على بحرة٢ الرغاء من لية٣ فابتني بها مسجدا فصلى فيه.
١٣٣- قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب: أنه أقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام، رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل، فقتله به، وأمر رسول الله ﷺ وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم٤، ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة٥، فلما توجه فيها رسول الله ﷺ سأل عن اسمها، فقال: "ما اسم هذه الطريق؟ فقيل له الضيقة، فقال: بل هي اليسرى٦ ثم خرج علىنخب٧ حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريب من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله ﷺ إما أن تخرج وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن
_________________
(١) ١ المليح: تصغير ملح: واد بالطائف مر به النبي ﷺ عند انصرافه من حنين إلى الطائف. وهو واد يصب في وادي قرن إذا تجاوز السيل الكبير، يصب فيه من ضفتيه اليمنى من الشرق، ما زال معروفا، يسكنه قوم من خزاعة وأعلاه يسمى السيل الصغير، شمال الطائف على (٣٠) كيلا (معجم البلدان لياقوت ٥/١٩٦ ومعجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ٢٥٤. ٢ بحرة الرغاء - بفتح الباء على الصواب، وهي معروفة اليوم بطرف ليّة من الجنوب على (١٥) كيلا جنوب الطائف (معجم البلدان لياقوت ١/٣٤٦ ومعجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ص ٢٥٤) . ٣ ليّة: بتشديد الياء وكسر اللام من نواحي الطائف، مر به رسول الله ﷺ حين انصرافه من حنين يريد الطائف وأمر وهو بليّة بهدم حصن مالك بن عوف (معجم البلدان ٥/٣٠) وفي المجاز بين اليمامة والحجاز ص ٢٦٦: ليّة من أودية الطائف ينحدر من قمة جبال السروات، مشهور ببساتينه النضرة وحدائقه المثمرة ومناظره البهيجة، يلتقي بوادي نخب ويكونان واديا واحدا، سكانه بنونصر وثقيف وعتيبة وعدوان وهويسيل من السراة ويمر جنوب الطائف على (١٥) كيلا (معجم المعالم الجغرافية ص ٢٧٤) . ٤ وعند موسى بن عقبة: وزعموا أن رسول الله ﷺ حين انصرف إلى الطائف أمر بقصر مالك بن عوف فحرق، وأقاد بها رجلا من رجل قتله فيقال: "إنه أوّل قتيل أقيد في الإسلام" (دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٧ ب) . ٥ الضيقة: بالفتح والسكون والقاف: طريق بين الطائف وحنين. (معجم البلدان ٣/٤٦٥) . ٦ فيه استحباب التفاؤل وفسره رسول الله ﷺ بأنه الكلمة الصالحة كما ورد عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ: "لا طيرة وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" (البخاري ٧/١١٧ كتاب الطب، باب الفأل، مسلم ٤/١٧٤٥ كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون من الشؤم. وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة كان النبي ﷺ: "يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة" (سنن ابن ماجه ٢/١١٧٠ كتاب الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة. وعرف الطيرة المنهي عنها بأنها هي التي ترد المسلم عن حاجته، لحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد ٢/٢٢٠ من ردته الطيرة عن حاجة فقد أشرك. ٧ نَخِبَ- بالفتح ثم الكسرة ثم الموحدة، يقال: بفتحتين: واد من أودية الطائف مر به النبي ﷺ من طريق يقال لها الضيقة ثم خرج منها على نخب، وهو يمر جنوب الطائف على قرابة خمسة أكيال، ثم يصب في لِيّة من ضفتها اليسرى، وأهله اليوم وقدان من عتيبة (انظر معجم البلدان لياقوت: ٥/٢٧٥-٢٧٦ والمجاز بين اليمامة والحجاز لابن خميس ص ٢٦٥-٢٦٦ ومعجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ص ٣١٦.
[ ٢٨٢ ]
يخرج، فأمر رسول الله ﷺ بإخراجه، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل قريبا من الطائف فضرب به عسكره فقتل به ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم أغلقوه دونهم، فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل، وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم فحاصرهم بضعا١ وعشرين ليلة٢، ومعه امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة٣ بنت أبي أمية، فضرب لهما قبتين، ما أقام، فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلى رسول الله ﷺ عمرو٤ بن أمية بن وهب بن معتب بن مالك مسجدا، وكانت في ذلك المسجد سارية - فيما يزعمون - لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض فحاصرهم رسول الله ﷺ وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل، حتى إذا كان يوم الشدخة٥ عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت الدبابة ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف٦ ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالا، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون"٧.
والحديث مرسل لأن عمروبن شعيب لم يدرك هذه القصة.
وأخرجه الطبري من هذه الطريق٨.
_________________
(١) ١ البضع: بالكسر وقد يفتح: مابين الثلاث إلى تسع (النهاية ١/١٣٣) . ٢ قوله:"فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة" قال الزرقاني: "هذه رواية زياد البكائي عن ابن إسحاق، وفي رواية يونس بن بكير فقال: حدثني عبد الله بن أبي بكر وعبد الله ابن المكرم عمن أدركوا من العلماء أنه حاصرهم ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك" (شرح المواهب٣/٣١) قلت: وقد روى البيهقي من طريق يونس بن بكير (بضعا وعشرين ليلة) . ٣ والثانية: زينب بنت جحش، انظر مغازي الواقدي ٣/٩٢٦. ٤ انظر ترجمة في الإصابة ٢/٥٢٤ و٤/١١. ٥ في لسان العرب ٣/٥٠٥: الشدخ كسر الشيء الأجوف كالرأس ونحوه. ٦ وعند الواقدي: "ودخل المسلمون تحت الدبابة وهي من جلود البقر وذلك يوم يقال له الشدخة، قيل: وما الشدخة؟ قال: ما قتل من المسلمين". (مغازي الواقدي ٣/٩٢٧-٩٢٨) . ٧ سيرة ابن هشام ٢/٤٧٨-٤٨٣ والروض الأنف ٧/٢٣١-٢٣٤. ٨ تاريخ الرسل والملوك ٣/٨١و٨٣.
[ ٢٨٣ ]
وأخرج البيهقي نحوه عن ابن إسحاق ولم يذكر عمروبن شعيب، هذا سياقه:
أخبرنا أبوعبد الله١ الحافظ قال ثنا أبو العباس٢ محمد بن يعقوب قال ثنا أحمد٣ بن عبد الجبار قال ثنا يونس٤ بن بكير عن ابن إسحاق٥ قال: "أمر رسول الله ﷺ بالسبايا والأموال فحبست بالجعرانة، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل قريبًا من الطائف فضرب به عسكره، فقتل أناس من أصحابه بالنبل وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النبل تنالهم ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، فلما أصيب أولئك النفر ارتفع فوضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم، فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة، ومعه امرأتان من نسائه إحداهما أم سلمة بنت أبي أمية فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلى رسول الله ﷺ عمرو بن وهب مسجدا وكان في ذلك المسجد سارية لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر فيما يذكرون إلا سمع لها نقيض ٦.
والحديث يدل على أن رسول الله ﷺ حاصر الطائف بضعا وعشرين ليلة، وقد روى البيهقي أيضا عن ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ حاصر الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك وهذا سياقه:
١٣٤- أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال ثنا أحمد بن عبد الجبار قال ثنا يونس عن إسحاق قال ثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم وعبد الله بن المكرم عمن أدركوا من أهل العلم قالوا: "حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبًا من ذلك ثم انصرفوا عنهم ولم يؤذن فيهم فقدم المدينة فجاءه وفدهم في رمضان فأسلموا" ٧.
والحديث مرسل وهو حسن الإسناد.
_________________
(١) ١ هو الحاكم صاحب كتاب المستدرك على الصحيحين. ٢ أبو العباس هو: المعروف بالأصم. تقدمت ترجمته في حديث (٢٣) . ٣ هو العطاردي: تقدمت ترجمته في حديث (٢٣) . ٤ نقدمت ترجمته في حديث (٢٣) . ٥ تقدمت ترجمته في حديث (١) . ٦ دلائل النبوة ٣/٤٨. ٧ المصدر السابق ٣/٤٨ ب.
[ ٢٨٤ ]
وعند أبي داود من مرسل يحيى بن أبي كثير أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف شهرا وهذا سياقه:
١٣٥- عن أبي صالح١ عن أبي إسحاق٢ الفزاري عن الأوزاعي٣ عن يحيى٤ بن أبي كثير قال: "حاصرهم رسول الله ﷺ شهرا، قال الأوزاعي فقلت ليحيى: أبلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك، وقال: ما يعرف هذا".
قال البيهقي: "كذا قال يحيى أنه لم يبلغه، وزعم غيره أنه بلغه"٥.
والحديث مرسل وهو حسن الإسناد، وهو يدل كسابقه أن رسول الله ﷺ حاصر الطائف شهرا.
وهذا لا يستقيم مع اتفاق العلماء على أن رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الطائف اعتمر من الجعرانة في ذي القعدة، ومع ما جاء عند البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله ﷺ: "أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت٦ بكم"، وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف" الحديث٧.
إذا علم أن رسول الله ﷺ خرج إلى هوازن في شهر شوال ووصل إلى حنين في اليوم العاشر منه ثم دارت معركة حنين بما فيها من تفاصيل وأعقب ذلك سرية أوطاس ثم بعد ذلك أمر رسول الله ﷺ بالأموال والسبايا فحبست بالجعرانة ثم توجه إلى الطائف، فإذا فرضنا أن غزوة حنين بما فيها سرية أوطاوس دامت عشرة أيام، مع
_________________
(١) ١ محبوب بن موسى، أو صالح الأنطاكي الفراء، صدوق من العاشرة لم يصح أن البخاري أخرج له، (ت ٢٣١) وله ثمانون سنة /د س. (التقريب ٢/٢٣١ وتهذيب التهذيب ١٠/٥٢-٥٤) . ٢ هو إبراهيم بن محمد بن الحارث، ثقة حافظ، له تصانيف، من الثامنة (١٨٥) /ع (المصدر السابق ١/٤١و١/١٥١) . ٣ هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي الفقيه، ثقة جليل من السابعة / ع (المصدر السابق ١/٤٩٣و٦/٢٣٨) . ٤ يحيى بن أبي كثير الطائي ثقة ثبت لكن يدلس ويرسل، تقدم في حديث (١٢٩) . ٥ البيهقي: السنن الكبرى ٩/٨٤. وانظر كتاب المراسيل لأبي داود ص ٣٧. ٦ استانيت بكم: أي أخرت قسم السبي لتحضروا فأبطأتم (فتح الباري: ٨/٣٤) . ٧ تقدم برقم (١٠٨) .
[ ٢٨٥ ]
وصول رسول الله ﷺ إلى حنين في اليوم العاشر من شوال، فيبقى عشرة أيام من شهر شوال، فإذا كان حصار الطائف شهرا فيكون قد أخذ عشرين يوما من ذي القعدة، ويكون قد بقى عشرة أيام من ذي القعدة فلا تكفي لرجوع رسول الله ﷺ إلى الجعرانة وانتظاره هوازن بضع عشرة ليلة ثم بعد ذلك إحرامه بالعمرة وعوده إلى الجعرانة كل هذا في ذي القعدة ثم خروجه إلى المدينة وقد وصلها لست ليال بقيت من ذي القعدة في قول ابن حزم وابن هشام١.
ومثل هذا ما أخرجه مسلم وأحمد من حديث السميط عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ ذهب إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما.
وهذا سياقه عند مسلم: قال: حدثنا عبيد الله٢ بن معاذ وحامد٣ بن عمر ومحمد بن عبد الأعلى. قال ابن معاذ: حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه٤ قال: حدثني السميط عن أنس بن مالك قال: افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت. فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة" الحديث وفيه "قال فنادى رسول الله ﷺ "يال٥ المهاجرين! يال المهاجرين" ثم قال: "يال الأنصار! يال الأنصار" قال: قال أنس: هذا الحديث عمية٦.
_________________
(١) ١ ابن حزم: جوامع السيرة ص ٢٤٨ وابن هشام: السيرة النبوية ٢/٥٠٠ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٦٨ والزرقاني: شرح المواهب: ٣/٤٢ والسهيلي الروض الأنف ٧/٢٥٥. ٢ عبيد الله هو: ابن نصر العنبري أو عمرو البصري. ٣ حامد بن عمر بضم أوله كذا هو في تهذيب التهذيب ٢/١٦٩ والخلاصة للخزرجي ١/١٨٩ والتاريخ الكبير للبخاري ٣/١٢٥. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/٣٠٠ ووقع في التقريب الطبعة المصرية ١/١٤٦ (عمرو) بفتح أوله وهو خطأ. ٤ هو سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري. ٥ قوله: "يال المهاجرين! يال المهاجرين! " ثم قال: "يال الأنصار يال الأنصار! " قال النووي: "هكذا في جميع النسخ في المواضع الأربعة (يال) بلام مفصولة مفتوحة، والمعروف وصلها بلام التعريف التي بعدها" (شرح النووي على مسلم ٣/١٠٢) . قال محمد فؤاد عبد الباقي: "وهي لام الجر، إلا أنها تفتح في المستغاث به، فرقا بينها وبين مستغاث له، فيقال يالزيد لعمرو، بفتح الأولى وكسر في الثانية" (التعليق على صحيح مسلم ٢/٣٣٧. (انظر شرح قطر الندى لابن هشام ص ٢١٨) . ٦ قوله: "هذا حديث عمية": قال النووي: "هذه اللفظة ضبطوها في صحيح مسلم على أوجه: أحدها: (عمية) بكسر العين والميم وتشديد الميم والياء. قال القاضي: "كذا روينا هذا الحرف عن عامة شيوخنا، وفسر بالشدة". والثاني: (عمية) كذلك إلا أنه بضم العين. والثالث: (عمية) بفتح العين وكسر الميم المشددة، وتخفيف الياء وبعدها هاء السكت، أي حدثني عمي، قال القاضي: على هذا الوجه معناه عندي: جماعتي أي: هذا حديثهم، قال صاحب العين (العم) الجماعة قال القاضي: وهذا أشبه بالحديث. الرابع: كذلك إلا أنه بتشديد الياء وهو الذي ذكره الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين، وفسره بعمومتي أي: هذا حديث فصل أعمامي أو هذا الحديث الذي حدثني به أعمامي كأنه حدث بأوّل الحديث عن مشاهدة، ثم لعله لم يضبط هذا الموضوع لتفرق الناس فحدثه به من شهده من أعمامه أو جماعته الذين شهدوه ولهذا قال بعده: قال قلنا لبيك يا رسول الله. والله أعلم" (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٢) .
[ ٢٨٦ ]
قال: قلنا: لبيك يا رسول الله! قال: فتقدم رسول الله ﷺ قال: "فأيم الله! ما أتيناهم حتى هزمهم الله". قال: فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة. ثم رجعنا إلى مكة فنزلنا قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة من الإبل.
ثم ذكر باقي الحديث، كنحو حديث قتادة١، وأبي التياح٢، وهشام٣ بن زيد٤.
١٣٦- وأخرج ابن سعد من مرسل مكحول٥: "أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما"٦.
وقد وهم العلماء السميط في هذا الحديث في موضعين:
الأول: قوله: (قد بلغنا ستة آلاف) قال القاضي عياض: هذا وهم من الراوي عن أنس، والصحيح ما جاء في الرواية الأولى: عشرة آلاف ومعه الطلقاء، لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفا: عشرة آلاف شهدوا الفتح، وألفان من أهل مكة ومن انضاف إليهم.
_________________
(١) ١ هو ابن دعامة السدوسي. ٢ أبو التياح - بفتح أوله وتشديد التحتانية، وآخره مهملة- هو: يزيد بن حميد الضبعي- بضم المعجمة وفتح الموحدة. ٣ هشام بن زيد بن أنس بن مالك الأنصاري. ٤ تقدم تخريجه برقم (٤٦) . ٥ مكحول هو أبو عبد الله الشامي، ثقة فقيه، كثير الإرسال، مشهور، من الخامسة (ت بضع عشرة ومائة) / م عم (التقريب ٢/٢٧٣ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٨٩) . ٦ الطبقات الكبرى ٢/١٥٩ ووقع في شرح المواهب ٣/٣١ رواه ابن مسعود وهو خطأ والصواب ابن سعد.
[ ٢٨٧ ]
الثاني: قوله: "فحاصرنا الطائف أربعين ليلة".
قال ابن كثير بعد إيراده لهذا الحديث عند أحمد: "وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان وفيه من الغريب قوله: أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف، وإنما كانوا اثني عشر ألفا.
وقوله: إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة، وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون١ العشرين ليلة فالله أعلم". ا. هـ ٢.
والحديث في الصحيحين من طريق هشام بن زيد عن أنس بن مالك فقال فيه: "وكان مع النبي ﷺ يومئذ عشرة آلاف ومعه الطلقاء"٣ ولم يتعرض لحصار الطائف.
وروى سميط عن أنس فقال: "بأنهم كانوا ستة آلاف، وذكر مدة الحصار أربعين ليلة"٤.
وقد وهمه العلماء.
وقد وردت أحاديث في مدة الحصار الطائف وهي:
١٣٨- ما أخرجه البيهقي عن موسى بن عقبة، وعن عروة بن الزبير وهذا سياق حديث موسى بن عقبة قال: ونزل رسول الله ﷺ بالأكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة يقاتلهم، قال: وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت ثقيف: لا تفسدوا الأموال فإنها لنا ولكم، قال: واستأذنه المسلمون في مناهضة الحصن فقال: رسول الله ﷺ: "ما أرى أنّ نفحته وما أذن فيه الآن" ٥.
_________________
(١) ١ كذا في البداية والنهاية (ودون العشرين ليلة) . ولعل الصواب (أو دون العشرين ليلة) لأن دون العشرين ليلة لا يقال فيها شهر أو قريب من شهر. ٢ البداية والنهاية ٤/٣٥٦. ٣ تقدم الحديث برقم (٤٠) . ٤ تقدم الحديث برقم (٤٦) . ٥ البيهقي: السنن الكبرى ٩/٨٤ ودلائل النبوة ٣/٤٧ ب.
[ ٢٨٨ ]
وحديث موسى بن عقبة معضل، لأنه لم يسمع أحدًا من الصحابة سوى أم خالد١ كما حدث هو عن نفسه٢.
وفيه: محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي لم أجد ترجمته.
وفي حديث عروة بن الزبير الإرسال لأن عروة ولد في خلافة عمر ابن الخطاب٣.
وفيه: أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد لم أجد ترجمته.
وأخرج الطبري عن عروة بن الزبير أيضا أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف نصف شهر وهذا سياقه:
حدثنا علي٤ بن نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي٥ قال أخبرنا أبان العطار قال: حدثنا هشام بن عروة عن عروة قال: "سار رسول الله ﷺ يوم حنين من فوره ذلك - يعني منصرفه من حنين - حتى نزل الطائف، فأقام نصف شهر يقاتلهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وقاتلتهم ثقيف من وراء الحصن، ولم يخرج إليه في ذلك أحد منهم، وأسلم من حولهم من الناس كلهم، وجاءت رسول الله ﷺ وفودهم. ثم رجع النبي ﷺ ولم يحاصرهم إلا نصف شهر حتى نزل الجعرانة، وبها السبي الذي سبى رسول الله ﷺ من حنين من نسائهم وأبنائهم" الحديث"٦.
والحديث مرسل وإسناده حسن.
_________________
(١) ١ أم خالد: هي أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، صحابية بنت صحابي، ولدت بأرض الحبشة وتزوجها الزبير بن العوام وولدت له عمرا وخالدا، وعمرت دهرا طويلا حتى لحقها موسى بن عقبة / خ د س (التقريب ٢/٥٩٠ وتهذيب التهذيب ١٢/٤٠٠) . ٢ تهذيب التهذيب ١٠/٣٦٢. ٣ انظر التقريب ٢/١٩. ٤ علي بن نصر بن علي بن نصر الجهضمي. ٥ هو عبد الصمد بن عبد الوارث تقدمت تراجمهم في حديث (٩) . ٦ الطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٢ وتقدم الحديث برقم (١٠٦) وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٦٦.
[ ٢٨٩ ]
١٣٨- وأخرج البيهقي من طريق أسلم١ عن أبي عبيدة٢ - ﵁ - "أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف ونصب عليهم المنجنيق سبعة عشرة يومًا" ٣.
والحديث فيه عبد الله بن عمرو البصري لم أجد ترجمته وقد وصف في سياق السند بأنه كان حافظا.
وأخرج خليفة بن خياط من حديث عبد الرحمن بن عوف أن مدة الحصار كانت سبع عشرة أو تسع عشرة وهذا سياقه:
١٣٩- حدثنا عبيد الله٤ بن موسى عن طلحة٥ بن جبر عن المطلب٦ بن عبد الله عن مصعب٧ بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه٨: "أن رسول الله ﷺ حاصرهم سبع عشرة، أو تسع عشرة فلم يفتحها" ٩.
_________________
(١) ١ أسلم العدوي، مولى عمر بن الخطاب ثقة مخضرم، (ت ٨٠ وقيل بعد سنة ٦٠) ع (التقريب ١/٦٤ وتهذيب التهذيب ١/٢٦٦) . ٢ هو عامر بن عبد الله بن الجراح أبو عبيدة القرشي الفهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، شهد بدرا وما بعدها، ومات شهيدا بطاعون عمواس (سنة ١٨) /ع (التقريب ١/٣٨٨ وتهذيب التهذيب ٥/٧٣) . (السنن الكبرى ٩/٨٤) . ٤ عبيد الله بن موسى بن أبي المختار ثقة، تقدم في حديث (٧٠) . ٥ طلحة بن جبر ويقال ابن جبير قال ابن أبي حاتم: "روى عن المطلب بن عبد الله، وعنه عبيد الله بن موسى"، قال ابن معين: "طلحة بن جبر لا شيء" (الجرح والتعديل ٤/٤٨٠)، وقال الذهبي: "وهاه الجوزجاني"، فقال: "غير ثقة" وقال ابن معين: "لا شيء" وقال مرة: "ثقة" (ميزان الاعتدال ٢/٣٣٨) وقال ابن حجر: بعد أن نقل فيه قول الذهبي: قال: "ذكره ابن حبان في الثقات"، وقال جعفر بن جرير الطبري: "طلحة ممن لا تثبت بنقله حجة" (لسان الميزان ٣/٢١٠) وفي المستدرك (طلحة بن خير) بالخاء المعجمة فلعله خطأ (المستدرك ٢/١٢٠) . ٦ المطلب بن عبد الله بن حنطب بن الحارث المخزومي، صدوق كثير الإرسال والتدليس، من الرابعة أخرج حديثه الأربعة (التقريب ٢/٢٥٤ وتهذيب التهذيب ١٠/١٧٨)، وقد وقع في التقريب الطبعة المصرية، وفي تهذيب التهذيب التعليم له بعلامة أبي داود والأربعة، وهو خطأ، فإن أبا داود من الأربعة (انظر: ميزان الاعتدال ٤/١٢٩) . وفي الخلاصة ٣/٣٤ وقع فيها علامة الترمذي والأربعة وهو خطأ أيضا. ٧ هو القرشي الزهري، قال ابن أبي حاتم: كان مع ابن الزبير، قتل يوم الحرة روى عن أبيه، روى عنه المطلب بن عبد الله بن حنطب سمعت أبي يقول ذلك (الجرح والتعديل ٨/٣٠٣ وتاريخ البخاري الكبير ٧/٣٥٠) . ٨ هو عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أحد العشرة المبشرين بالجنة. ٩ تاريخ خليفة ص ٨٩.
[ ٢٩٠ ]
وأخرج بن أبي شيبة والفسوي والحاكم الجميع من طريق عبيد الله ابن موسى أخبرنا طلحة بن جبر به١.
وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن أبي شيبة٢.
إلاّ أن ابن أبي شيبة وأبا يعلى قالا: فحاصرهم رسول الله ﷺ تسع عشرة أو ثمان عشرة ليلة فلم يفتحها".
وقال الحاكم في روايته: "فحاصرهم ثمانية أو سبعة"٣، والحديث صححه الحاكم.
وتعقبه الذهبي فقال: طلحة ليس بعمدة.
قلت: وفيه أيضًا: المطلب بن عبد الله، كثير التدليس والإرسال وقد عنعن، وفيه مصعب بن عبد الرحمن لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا، وأخرج ابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن سنان أن مدة حصار الطائف كانت خمسة وعشرين يوما وهذا سياقه:
١٤٠- حدثنا يزيد٤ بن هارون قال أنا قيس عن أبي حصين٥ عن عبد الله٦ بن سنان "أن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف خمسة وعشرين يوما يدعو عليهم في دبر كل صلاة" ٧.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة: التاريخ ص ٨٥-٨٦ أ- ب رقم ٦٦٥. والفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٢٨٢. والحاكم: المستدرك ٢/١٢٠-١٢١. ٢ أبو يعلى: المسند ١/١٠٣رقم ٣٠١. ٣ لعل قوله ثمانية أو سبعة، ثمانية عشر يوما أو سبعة عشر يوما حتى يوافق بقية الروايات. ٤ يزيد بن هارون بن زاذان السلمي، ثقة متقن عابد، تقدم في حديث (٢٦) . ٥ هو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي - أبو حصين - بفتح المهملة - ثقة ثبت سني، وربما دلس، من الرابعة (ت١٢٧) ويقال: بعدها /ع (المصدر السابق ٢/١٠و٧/١٢٦) . ٦ عبد الله بن سنان كوفي، قال ابن أبي حاتم: روى عن ابن مسعود وسعد ابن مسعود، روى عنه الأعمش وأبو حصين، سمعت أبي يقول ذلك، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن معين أنه قال: عبد الله بن سنان ثقة (الجرح والتعديل ٥/٦٨ والتاريخ الكبير للبخاري ٥/١١١) . وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من طبقات الكوفيين بعد الصحابة فقال: "عبد الله بن سنان الأسدي بني خزيمة ويكنى أبا سنان، روى عن علي وعبد اله بن مسعود والمغيرة بن شعبة، وتوفي أيام الحجاج قبل الجماجم وكان ثقة وله أحاديث" (الطبقات الكبرى ٦/١٧٨) . ٧ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٥ و٨٦ ب ورقم ٦٦٥.
[ ٢٩١ ]
والحديث ضعيف لأن فيه قيس بن الربيع وصف بأنه صدوق سيء الحفظ وقد تغير لما كبر، فأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به١.
وفيه الإرسال والمرسل من قسم الحديث الضعيف.
والحديث فيه "أن رسول الله ﷺ دعا على ثقيف وهو مخالف لما ورد في الآثار من أن الصحابة طلبوا من رسول الله ﷺ أن يدعو على ثقيف فقال: اللهم اهد ثقيفًا" كما سيأتي.
وخلاصة القول أن الأحاديث الواردة في مدة حصار الطائف لم تتحد في تعيين المدة كما تقدم بيان ذلك وهذه خلاصتها:
أ- كانت مدة الحصار بضعا وعشرين ليلة وهي رواية ابن إسحاق.
ب- كانت مدة ثلاثين ليلة أو قريبًا من ذلك وهي رواية أخرى عن ابن إسحاق ورواية أبي داود في المراسيل.
ج- أن مدة الحصار كانت أربعين يوما وهو حديث أنس عند أحمد ومسلم وقد بينا أن هذا الحديث والذي قبله لا يستقيم مع بقية الأحاديث.
د- أن الحصار دام بضع عشرة ليلة وهي رواية البيهقي عن موسى ابن عقبة وعروة بن الزبير.
هـ أن مدة الحصار كانت نصف شهر وهي رواية الطبري من مرسل عروة بن الزبير أيضا، ورواية الواقدي٢.
وكان الحصار سبعة عشر يومًا وهو حديث أبي عبيدة بن الجراح عند البيهقي.
ز- كانت مدة الحصار سبع عشرة أو ثمان عشرة أو تسع عشرة كما في حديث عبد الرحمن بن عوف عند خليفة بن خياط وغيره.
ح- أن مدة الحصار كانت خمسة وعشرين يومًا كما ورد في حديث عبد الله بن سنان عند ابن أبي شيبة.
_________________
(١) ١ انظر: التقريب ٢/١٢٨ وتهذيب التهذيب ٨/٣٩١ وميزان الاعتدال ٣/٣٩٣. ٢ انظر حديث الواقدي برقم (١٦٧) .
[ ٢٩٢ ]
والظاهر في هذا أن مدة الحصار كانت بضع عشرة ليلة كما رجح ذلك ابن حزم ﵀، وقال: هو الصحيح بلا شك١.
والبضع من الثلاث إلى التسع، فإذا أخذنا بأول إطلاقاته وهو الثلاث فتكون مدة الحصار ثلاث عشرة ليلة بناء على أن رسول الله ﷺ وصل الطائف في عشرين من شهر شوال فيكون الحصار قد أخذ ثلاثة أيام من شهر ذي القعدة، وهو قريب من قول من قال بأن رسول الله ﷺ عاد من الطائف إلى الجعرانة فوصلها في اليوم الخامس من ذي القعدة ٢.
وأقام بها ثلاث عشرة ليلة، ثم اعتمر منها وذهب إلى المدينة فوصلها لست بقين من ذي القعدة، أو في أوّل ذي الحجة.
قال ابن سيد الناس: "والمعروف عند أهل السير أن النبي ﷺ انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة"٣.
فأقام بها ثلاث عشرة ليلة فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا وأحرم بعمرة ودخل مكة فطاف وسعى وحلق ورجع إلى الجعرانة من ليلته فكأنه كان بائتا بها، ثم رجع إلى المدينة فدخلها لست بقين من ذي القعدة، قاله ابن هشام، وقيل لثلاث بقين٤.
وعند ابن إسحاق: فقدم المدينة في بقية ذي القعدة، أوفي أول ذي الحجة٥.
وقد نصب رسول الله ﷺ منجنيقا في مدة حصاره لثقيف وقد مر بنا حديث أبي عبيدة في ذلك وهو عند البيهقي، ومرسل مكحول عند ابن سعد وهو بإسناد حسن٦.
_________________
(١) ١ جوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٣-و٢٤٨. ٢ انظر فتح الباري لابن حجر ٨/٤٨. ٣ وأخرج ابن سعد وأبي شيبة عن ابن عباس ﵄ قال: "لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال" (الطبقات الكبرى لابن سعد٢/١٧١ وتاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٧ أ-ب رقم ٦٦٥ قال ابن سيد الناس: وهذا ضعيف (شرح المواهب٣/٤١) . ٤ الواقدي: المغازي ٣/٩٥٨، والديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١١٦-١١٧، والزرقاني: شرح المواهب ٣/٤١-٤٢، و٤/٢-٣، وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٦٨ وابن حجر: فتح الباري ٨/٤٨. ٥ سيرة ابن هشام ٢/٥٠٠، والسهيلي: الروض الأنف ٧/٢٥٥. ٦ انظر حديث (١٣٧) وحديث (١٣٩) .
[ ٢٩٣ ]
وأخرجه أبو داود في مراسيله: عن محمد١ بن بشار عن يحيى٢ بن سعيد عن سفيان٣ عن ثور٤ عن مكحول أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف وإسناده٥ صحيح٦.
ورواه الترمذي معضلا فقال: قال قتيبة٧: ثنا وكيع٨ عن رجل عن ثور٩ بن يزيد أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف.
قال قتيبة: قلت لوكيع: "من هذا الرجل؟ "
قال: "صاحبكم عمر١٠ بن هارون"١١.
قال الزيلعي: "ورواه أبو داود في المراسيل وابن سعد في "الطبقات" عن مكحول عن النبي ﷺ".
_________________
(١) ١ هو أبوبكر بندار. ٢ هو أبو سعيد القطان ص ١٧٧. ٣ هو الثوري. ٤ ثور بن يزيد أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من السابعة /خ ع (التقريب ١/١٢١ وتهذيب التهذيب٢/٣٣) . ٥ البيهقي: السنن الكبرى ٩/٨٤ وتقدم الحديث برقم (١٣٦) . عند ابن سعد وأنه نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما. ٦ نصب الراية للزيلعي ٣/٣٨٢-٣٨٣. ٧ قتيبة بن سعيد بن جميل - بفتح الجيم - ابن طريف الثقفي، أبو رجاء البغلاني- بفتح الموحدة وسكون المعجمة - ثقة ثبت، من العاشرة (ت ٢٤٠) /ع (التقريب ٢/١٢٣ وتهذيب التهذيب ٨/٣٥٨) . ٨ وكيع بن الجراح تقدمت ترجمته في حديث (٢٩) . ٩ وقع في المشكاة المصابيح ٢/١١٥٧ حديث (٣٩٥٩) عن ثوبان بن يزيد ونسبه للترمذي، وهو خطأ وإنما هو "ثور بن يزيد" وانظر ذخائر المواريث للنابلسي ٤/٣١٣ حديث (١١٩٥٠) ومقدمة تحفة الأحوذي ٢/٤٠. ١٠ عمر بن هارون بن يزيد الثقفي مولاهم، البلخي، متروك وكان حافظا من كبار التاسعة (ت ١٩٤) /ت ق (التقريب ٢/٦٤ وتهذيب التهذيب ٧/٥٠١-٥٠٥) . ١١ الترمذي: السنن ٤/١٨٦ كتاب الاستئذان والآداب، في ضمن باب ما جاء في الأخذ من اللحية. قال المباركفوري: "فإن قلت: ما وجه ذكر التّرمذي في هذا المقام حديث المنجنيق؟ قلت: لعلّ وجه ذكره ههنا أن يتبين أن الرجل المذكور في حديث المنجنيق هو عمر ابن هارون المذكور في سند حديث الباب". أو وجه ذكره أن يتبين أن وكيعا مع جلالة قدره، قد روى عن عمر بن هارون حديث المنجنيق، والله أعلم (تحفة الأحوذي ٨/٤٥) .
[ ٢٩٤ ]
ورواه العقيلي١ في "ضعفائه" مسندا من حديث عبد الله٢ بن خراش عن العوام٣ بن حوشب عن أبي صادق٤ عن علي قال: "نصب رسول الله ﷺ المنجنيق على أهل الطائف" ٥.
١٤١- وأخرج أبو داود وأيضًا من مرسل عكرمة٦ أن النبي ﷺ نصب المجانيق على أهل الطائف٧.
وقال الشافعي: "نصب رسول الله ﷺ على أهل الطائف منجنيقا أو عرادة" ٨٩.
وعند الواقدي وابن سعد: "أن رسول الله ﷺ لما أراد السير إلى الطائف بعث الطفيل١٠ بن عمرو إلى ذي الكفين، صنم عمرو١١ بن حممة الدوسي يهدمه وأمره
_________________
(١) ١ هو الحافظ الإمام أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى بن حماد العقيلي صاحب كتاب "الضعفاء الكبير" قال الحافظ أبو الحسن بن سهل القطان أبو جعفر ثقة جليل عالم بالحديث مقدم في الحفظ (ت ٣٢٢) (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٨٣٣-٨٣٤) . ٢ عبد الله بن خراش - بالخاء المعجمة - ابن حوشب الشيباني أبو جعفر الكوفي، ضعيف، وقال محمد بن عمار الموصلي: كذاب / ق (ت بعد ١٦٠) (التقريب ١/٤١٢ وتهذيب التهذيب ٥/١٩٧-١٩٨، والخلاصة للخزرجي ٢/٥٢) . ٣ العوام بن حوشب بن يزيد الشيباني، أبو عيسى الواسطي، ثقة ثبت فاضل، من السادسة، (ت ١٤٨) / ع (التقريب ٢/٨٩ وتهذيب التهذيب ٨/١٦٣) . ٤ أبو صادق الأزدي - الكوفي، صدوق وحديثه عن علي بن أبي طالب مرسل من الرابعة / س ق (التقريب ٢/٤٣٦ وتهذيب التهذيب ١٢/١٣٠) . ٥ الزيلعي: نصب الراية ٣/٣٨٢-٣٨٣. وانظر الحديث في منتخب كنز العمال للمتقي المهندي ٤/١٧٣ مع مسند أحمد، وقد نسبه للعقيلي أيضا. ٦ عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس، ثقة ثبت عالم، تقدم في حديث (٦٧) . ٧ كتاب المراسيل ص ٣٧. ٨ عرادة: بالتشديد: شيء أصغر من المنجنيق (القاموس المحيط ١/٣١٣) . ٩ الأم ٤/١٦١ والسنن الكبرى للبيهقي ٩/٨٤. ١٠ الطفيل بن عمرو بن طريف الأزدي الدوسي، يلقب ذا النور، قدم مكة قديما ورسول الله ﷺ بها فمشت إليه قريش وقالت له: يا طفيل إنّك قدمت بلادنا وإن هذا الرجل بين أظهرنا قد فرق جماعتنا وإنما قوله كالسحر، تحذره من رسول الله ﷺ وكان الطفيل شريفا في قومه، شاعرا لبيبا فأبى الله إلا أن يسمعه كلام الحق فسمع من رسول الله ﷺ وعاد إلى قومه داعية وطلب من رسول الله ﷺ أن يجعل له آية تكون له عونا على قومه فدعا له فكان نور في طرف عصاه فجعل القوم يتراءون ذلك النور في طرف سوطه. وبعد فتح مكة، طلب من رسول الله ﷺ أن يبعثه إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة (أسد الغابة ٣/٧٨-٨١ والإصابة ٢/٢٢٥ وسيرة ابن هشام ١/٣٨٢-٣٨٥. ١١ هو عمرو بن حممة - بضم المهملة وفتح الميم الخفيفة بعدها مثلها الدوسي، ذكر أبو بكر بن دريد أنه وفد على النبي ﷺ والذي ذكره غيره أنه مات في الجاهلية، كان أحد حكام العرب في الجاهلية وأحد المعمرين يقال: إنه عاش ثلاثمائة وتسعين سنة (الإصابة ٢/٥٣٣ و١/٢٤٩) وانظر كتاب الأصنام لابن الكلبي ص ٣٧ وسيرة ابن هشام ١/٣٨٢-٣٨٥.
[ ٢٩٥ ]
أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا إلى قومه فهدم ذا الكفين وجعل يحشوالنار في جوفه ويقول:
يا ذا الكفين لست من عبادك ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادك
قال: "وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعًا فوافوا النبي ﷺ، بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم بدبابة ومنجنيق" ١.
وعند الواقدي: "أن رسول الله ﷺ شاور أصحابه فقال له سلمان الفارسي: يا رسول الله، أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون وتنصب علينا، فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق، وإن لم يكن المنجنيق طال الثواء٢ فأمره رسول الله ﷺ فعمل منجنيقًا بيده، فنصبه على حصن الطائف.
ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد٣ بن زمعة ودبابتين.
ويقال: "خالد٤ بن سعيد قدم من جرش بالمنجنيق ودبابتين"٥.
_________________
(١) ١ الواقدي: المغازي ٣/٩٢٣ وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٧. ٢ الثواء: ثوى بالمكان ثواء وأثوى به أطال الإقامة به (القاموس ٤/٣١٠) . ٣ يزيد بن زمعة بن الأسود القرشي الأسدي، قال ابن كلبي، كان من السابقين هاجر إلى أرض الحبشة، وقال ابن سعد: بل هو مسلمة الفتح، كان من أشراف قريش وكانت إليه المشورة في الجاهلية، قتل بالطائف وهو مع رسول الله ﷺ قاله ابن الزبير، وقال ابن إسحاق: قتل في حنين، (أسد الغابة ٥/٤٨٨ والإصابة ٣/٦٥٥) . ٤ خالد بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، يكنى أبا سعيد، أسلم قديما هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وأقام بها حتى قدم مع جعفر بن أبي طالب، وشهد مع النبي ﷺ عمرة القضاء، وفتح مكة وحنينا والطائف وتبوك، استشهد في خلافة أبي بكر (أسد الغابة ٢/٩٧) . ٥ مغازي الواقدي ٣/٩٢٧ وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٩/٨٤، ودلائل النبوة له ص ٤٨ ب وشرح المواهب: للزرقاني ٣/٣١ وزاد المعاد: ١/١٣٠ و٣/٩٩.
[ ٢٩٦ ]
وقال ابن هشام: "حدثني من أثق به، أن رسول الله ﷺ أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق"١.
رمى أهل الطائف ٢.
وهذه الآثار تتقوى بمجموعها وهي نص في أن رسول الله ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف وجرى على هذا أصحاب السير والمغازي.
وتدل هذه الآثار أيضا على جواز مثل هذا الفعل مع الأعداء إذا تحصنوا داخل حصونهم ولم يتمكن المسلمون منهم إلا بهذا، وعلى جواز إصابة أطفالهم ونسائهم ممن لا شأن له في القتال تبعا للمقاتلين إذ لا يمكن التميز بين المقاتلين وغيرهم من نساء وأطفال في مثل هذا الهجوم.
قال الشافعي: "إذا تحصن العدو في جبل أو حصن أو خندق أو بحسك أو بما يتحصن به، فلا بأس أن يرموا بالمجانيق والعرادات والنيران والعقارب والحيات وكل ما يكرهونه، وأن يبثقوا عليهم الماء ليغرقوهم أو يوحلوهم فيه، وسواء كان معهم الأطفال والنساء والرهبان أولم يكونوا؛ لأن الدار غير ممنوعة بإسلام ولا عهد، وكذلك لا بأس أن يحرقوا شجرهم المثمر ويخربوا عامرهم وكل ما لا روح فيه من أموالهم، فإن قال قائل: ما الحجة فيما وصفت وفيهم الولدان والنساء المنهي عن قتلهم؟ قيل الحجة فيه: أن رسول الله ﷺ نصب على أهل الطائف منجنيقا أو عرادة، ونحن نعلم أن فيهم النساء والولدان، وأن رسول الله ﷺ قطع أموال بنى النضير وحرقها"٣. ثم ساق في ذلك عدة أدلة تدل على جواز ذلك وهي مبسوطة في محلها.
_________________
(١) ١ قال الزرقاني: "وأما أول منجنيق رمي به فمنجنيق إبراهيم الخليل ﵇، عمله إبليس لما أرادوا رميه في النار. وأما في الجاهلية فيذكر أن جذيمة - بضم الجيم وفتح المعجمة مصغرًا - ابن مالك المعروف بالأبرش أوّل من رمى به وهو من ملوك الطوائف"، (شرح المواهب اللدنية ٣/٣١ وانظر: كتاب المعارف لابن قتيبة ص ٢٤١، وفي سيرة الحلبية: قال: "تقدم في غزوة خيبر أن رسول الله ﷺ وجد في أحد حصونها آلة حرب ودبابات ومنجنيقات وأنه نصب المنجنيق على حصن البرئ، وهذا يخالف قول بعضهم لم ينصب المنجنيق إلا في غزوة الطائف، إلا أن يقال بأنه في خيبر نصبه ولم يرم به وفي الطائف نصبه ورمى به فلا مخالف" (السيرة الحلبية ٢/٧٤٢و٧٤٣و٣/٨٠-٨١) انظر الروض الأنف للسهيلي ٧/٢٣٥و٢٦٦-٢٦٧. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٣. ٣ الشافعي: الأم٤/١٦٠وانظر زاد المعاد ٣/٥٠٣ لابن قيم الجوزية وانظر ص ٥٤٦.
[ ٢٩٧ ]
رسم بيان
[ ٢٩٨ ]
رسم بيان
[ ٢٩٩ ]