المبحث الأول: خسائر المشركين في هذه المعركة
تنحصر خسائر المشركين في هذه المعركة في شيئين:
أ- خسائر في الأرواح.
ب- خسائر في الأولاد والأموال والعتاد.
أ- أما خسائر المشركين في الأرواح فقد فقد المشركون في هذه المعركة من رجالهم وأبطالهم وأهل النجدة فيهم ما يزيد على مئات القتلى.
ذلك أن معركة حنين من المعارك الفاصلة التي لم ير المسلمون مثلها ضراوة وشدة في عهدهم الأول.
لقد استمات فيها المشركون وقاتلوا ببسالة نادرة فقتل من بني مالك وحدهم سبعون١ رجلا يتساقطون في ساحة المعركة واحدا تلو الآخر، وهم مصممون على الانتصار يوضح ذلك الآثار الآتية:
٩٦- قال ابن إسحاق: "فلما انهزمت هوازن استحر٢ القتل من ثقيف في بني
_________________
(١) ١ وعند الواقدي في مغازيه ٣/٩٠٧ أن عدد القتلى منهم قريب من مائة رجل. ٢ استحر: بالحاء المهملة: اشتد وكثر، وهواستفعل من الحر والمراد به الشدة (ابن الأثير: النهاية ١/٣٦٤) . ووقع عند الزرقاني "استجر" بالجيم، وفسره باشتداد الحرب أيضا. (شرح المواهب اللدنية ٣/٢٤) .
[ ٢٢١ ]
مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم فيهم عثمان ابن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب١، وكانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قتل"٢.
هكذا ساق ابن إسحاق بدون إسناد.
ومن طريقه أخرجه الطبري٣.
٩٧- قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب٤ بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصراني أغرل٥ قال: فبينا رجل من الأنصار يسلب قتلى ثقيف، إذ كشف العبد يسلبه، فوجده أغرل، قال: "فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب: يعلم الله أن ثقيفا غرل، قال المغيرة٦ بن شعبة فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل ذاك، فداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني، قال: ثم جعلت أكشف له عن القتلى وأقول له: ألا تراهم مختنين كما ترى". قال ابن إسحاق: "وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمه وقومه من الأحلاف، فلم يقتل من
_________________
(١) ١ زاد الطبري: وهو جد ابن أم الحكم بنت أبي سفيان. قلت: وابن أم الحكم هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي ثم المالكي نسب لأمه وهي أم حكم بنت أبي سفيان بن حرب. (انظر الإصابة لابن حجر: ٣/٧٠- ٧١) . ٢ عند ابن إسحاق والطبري: أن رسول الله - ﷺ - لما بلغه قتل عثمان بن عبد الله، قال: "أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا". وعند الواقدي: "أن الذي قتل عثمان بن عبد الله، وهو عبد الله بن أبي أمية فبلغ النبي - ﷺ - فقال: "يرحم الله عبد الله بن أبي أمية، وأبعد الله عثمان بن عبد الله بن ربيعة، فإنه كان يبغض قريشا". ثم قال الواقدي: "وكان دعاء رسول الله - ﷺ - لعبد الله برحمة الله فبلغه فقال: إني لأرجو أن يرزقني الله الشهادة في وجهي هذا! فقتل في حصار الطائف". (مغازي الواقدي ٣/٩١١- ٩١٢) . ٣ تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧. ٤ يعقوب: ثقة من السادسة (ت ١٢٨) /د س ق. التقريب ٢/٣٧٦ وتهذيب التهذيب ١١/٣٩٢) . ٥ الأغرل: هو غير المختتن، والغرلة: هي الجلدة التي يقطعها الخاتن وتسمى القلفة. (ابن الأثير: النهاية ٣/٣٦٢. وابن حجر: هدي الساري ص١٦٢) . ٦ المغيرة بن شعبة بن مسعود بن متعب، الثقفي، صحابي مشهور أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة لعمر بن الخطاب ﵁، مات سنة خمسين على الصحيح. /ع. (التقريب ٢/٢٦٩ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٦٢) .
[ ٢٢٢ ]
الأحلاف غير رجلين: رجل من غيرة١ يقال له وهب، وآخر من بني كبة٢ يقال له: "الجلاح٣ فقال رسول الله - ﷺ - حين بلغه قتل الجلاح: قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا من كان من ابن هنيدة، يعني الحارث بن أويس"٤ ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري٥.
والحديث معضل٦.
والحاصل: أن ابن إسحاق ذكر أنه قتل من بني مالك وحدهم سبعون رجلا تحت رايتهم.
وذكر الواقدي: "أنه قتل منهم ما يقارب المائة".
وقال القسطلاني: "قتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلًا"٧.
ولم يقيده ببني مالك أو غيرهم.
وجمع الزرقاني بين الروايات فقال: قوله: "قتل من المشركين أكثر من سبعين" أي وقت الحرب فلا ينافي حديث أنس عند البزار أن الزبير ومن معه قتلوا ثلاثمائة لأنه بعد انهزام الكفار ولا يخالف قوله: "أكثر من سبعين" قول ابن إسحاق وغيره واستحر القتل من بني مالك من ثقيف فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم.
وما رواه البيهقي عن عبد الله٨ بن الحارث عن أبيه قال: قتل من أهل
_________________
(١) ١ غيرة: بوزن عنبة. (اللباب في تهذيب الأنساب ٢/٣٩٧- ٣٩٨) . ٢ كبة: بضم الكاف وتشديد الباء الموحدة، كذا هو عند ابن هشام وابن كثير نقلا عن إسحاق، قال أبو ذر: وهو الصواب. وعند الطبري عن ابن إسحاق "كنة" بالنون المشددة، وكذا عند الواقدي فقد قال: كنة امرأة من غامد يمانية. وقال ابن منظور في لسان العرب١٧/٢٤٣: وبنو كنة: بطن من العرب نسبوا إلى أمهم. ٣ الجلاح: بضم الجيم وتخفيف اللام آخره حاء مهملة، كذا عند ابن إسحاق ومن تبعه. وعند الواقدي: "اللجلاج" بجيمين بينهما لام خفيفة. قال: وكان اللجلاج رجل من بني كنة وقال رسول الله - ﷺ - لأخي بني كنة: هذا سيد شبان كنة إلاّ هنيدة الحارث بن عبد الله بن يعمر بن إياس ابن أوس بن ربيعة بن الحارث وكان رسول الله - ﷺ - يضحك، وكانت كنة امرأة من غامد يمانية قد ولدت في قبائل العرب وكانت أمة، فأعتق الحارث كل مملوك من بني كنة. (مغازي الواقدي ٣/٩٠٧) . (سيرة ابن هشام ٢/٤٥٠. والسهيلي: الروض الأنف ٧/١٧٤) . ٥ تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٨ إلا أن عنده "الحارث بن أوس". وانظر البداية والنهاية ٤/٣٣٥. ٦ لأن يعقوب بن عتبة من صغار التابعين. ٧ المواهب اللدنية ١/١٦٥. ٨ صوابه: عبد الله بن عياض كما تقدم في الحديث برقم (٤٥) .
[ ٢٢٣ ]
الطائف يوم حنين مثل ما قتل يوم بدر، لأن الزائد على السبعين ممن اجتمع معهم من الأخلاط١. ا؟.
قلت: حديث البيهقي المشار إليه رواه أيضا الحاكم، ومن طريقه أخرجه البيهقي٢.
وحديث البزار هو: حدثنا علي٣بن شعيب وعبد الله٤ بن أيوب المخرمي ثنا علي٥ بن عاصم، ثنا سليمان٦ التيمي عن أنس قال: قال غلام منا من الأنصار يوم حنين: لم نغلب اليوم من قلة، فما هو إلا أن لقينا عدونا فانهزم القوم٧، وكان رسول الله - ﷺ - على بغلة له، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والعباس عمه آخذ بغرزها، وكنا في واد دهس، فارتفع النقع، فما منا أحد يبصر كفه، إذا شخص قد أقبل فقال٨: إليك من أنت؟ قال أنا أبو بكر فداك أبي وأمي، وبه بضعة٩ عشر ضربة، ثم إذا شخص قد أقبل فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا عمر بن الخطاب فداك أبي وأمي، وبه بضعة عشر ضربة، وإذا شخص قد أقبل وبه بضعة عشر ضربة فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا عثمان بن عفان فداك أبي وأمي، ثم إذا شخص قد أقبل، وبه بضعة عشر ضربة فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب فداك أبي
_________________
(١) ١ الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٢٤. ٢ تقدم الحديث برقم (٤٥) مع الحكم عليه. ٣ علي بن شعيب بن عدي السمسار البزاز، البغدادي فارسي الأصل ثقة من كبار الحادية عشرة (ت ٢٧٣) /س. وفي تهذيب التهذيب ٧/٣٣١ "البزار" آخره راء، بدل (البزاز) و(طوسي الأصل) بدل (فارسي الأصل) وطوس من مدن فارس. وكذا في تاريخ الخطيب البغدادي ١١/٤٣٥- ٤٣٦. ٤ عبد الله بن محمد بن أيوب بن صبيح، أبو محمد المخرمي - بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة - قال ابن أبي حاتم سمعت منه مع أبي وهو صدوق (ت ٢٦٥) وقد حصل خطأ في تهذيب التهذيب ٧/٣٤٤، حيث ذكر عبد الله بن أيوب في تلاميذ علي بن عاصم وقال: "المخزومي" والصواب "المخرمي". (تاريخ بغداد ١٠/٨١ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم٥/١١وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٦٥. ٥ علي بن عاصم صدوق يخطئ ويصر، تقدم في حديث (٥٣) . ٦ سليمان بن طرخان التيمي ثقة عابد تقدم في حديث (٥٣) . ٧ أي المسلمين. ٨ القائل: هو رسول الله - ﷺ - وإليك بمعنى تنح وابتعد عني. ٩ البضع: من ثلاثة إلى تسعة والمعنى هنا من ثلاث عشرة إلى تسع عشرة. المصباح المنير ١/٦٤. وفيه: "تثبت الهاء في بضع مع المذكر، وتحذف مع المؤنث".
[ ٢٢٤ ]
وأمي، ثم أقبل الناس، فقال النبي - ﷺ - "ألا رجل صَيّت١ ينطلق فينادي في القوم"، فانطلق رجل٢ فصاح، فما هو إلا أن وقع صوته في أسماعهم، فأقبلوا راجعين فحمل النبي - ﷺ - وحمل المسلمون معه، فانهزم المشركون وانحاز دريد بن الصمة على جبيل.
أو قال: على أكمة في زهاء ستمائة، فقال له بعض أصحابه: أرى والله كتيبة قد أقبلت، فقال: "حلوهم٣ لي، فقالوا: سيماهم كذا حليتهم كذا، قال لا بأس عليكم، قُضاعة٤. منطلقة في آثار القوم، قالوا: نرى والله كتيبة خشناء قد أقبلت، قال: حلوهم لي: قالوا: سيماهم كذا من هيئتهم كذا، قال: لا بأس عليكم هذه سليم٥، قالوا: نرى فارسا قد أقبل، فقال: ويلكم وحده، فقالوا: وحده، قال: حلوه لي، قالوا: معتجر بعمامة سوداء قال دريد: ذاك -والله-الزبير٦ بن العوام وهو - والله - قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال فالتفت إليهم، فقال: علام، هؤلاء ها هنا؟ فمضى ومن أتبعه، فقتل بها ثلاثمائة وجز رأس دريد٧
_________________
(١) ١ صيت: بفتح المهملة، وتشديد المثناة التحتية: أي مرتفع الصوت. (المعجم الوسيط١/٥٢٨) . ٢ وقع في صحيح مسلم وغيره أن الذي أمر بذلك هو العباس عم رسول الله ﷺ وكان شديد الصوت. ٣ حلوهم لي: اذكروا لي حليتهم وصفوهم لي، وقد وقع في فتح الباري ٨/٤٢ وشرح المواهب اللدنية ٣/٢٣: خلوهم لي فخلوهم: بالخاء المعجمة وهو خطأ. ٤ قضاعة: شعب عظيم يشتمل على قبائل كثيرة، منهم: كلب وبلى وجهينة وغيرها، وقد اختلف في قضاعة فقيل إنه من معد وقيل: من اليمن. (ابن الأثير: تهذيب الأنساب٣/٤٣، قلت: فعلى أنها من معد فهم: قضاعة بن معد بن عدنان، وعلى أنها من اليمن: فهم قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير قال القلقشندي: وهو المشهور فيه وعليه جرى الكلبي وابن إسحاق وغيرهما وقال السهيلي: أكثر النسابين على أن قضاعة هو ابن معد، وهو مذهب الزبيريين وابن هشام. معجم قبائل العرب: ٣/٩٥٧) . ٥ يعني بني سليم وسليم هوابن منصور. ٦ الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو عبد الله القرشي، الأسدي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة قتل سنة (٣٦) بعد منصرفه من وقعة الجمل. /ع. (ابن حجر التقريب ١/٢٥٩ وتهذيب الهذيب ٣/٣١٨) . ٧ قال ابن حجر: "واختلف في قاتل دريد فجزم محمد بن إسحاق بأنه ربيعة بن رفيع-بالفاء مصغرا-ابن وهبان بن ثعلبة بن ربيعة السلمي، وكان يقال له ابن الدغنة". وفي حديث البزار هذا ما يشعر بأن قاتل دريد بن الصمة هو الزبير بن العوام. ثم قال ابن حجر: "ويحتمل أن يكون ابن الدغنة كان في جماعة الزبير فباشر قتله فنسب إلى الزبير مجازا". وفي الصحيحين من حديث البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال: لما فرغ النبي - ﷺ من - حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه قال ابن حجر: كذا رويناه على البناء للمجهول. (فتح الباري ٨/٤٢) . وفي الإصابة: قال: وفي حديث أبي موسى الأشعري، عند مسلم، أنه الذي قتل دريد بن الصمة بعد أن قتل دريد عمه أبا عامر الأشعري لكن ذكر ابن إسحاق أن الذي قتله أبو موسى هو سلمة بن دريد بن الصمة وهذا أسبه، فإن دريد بن الصمة إذ ذاك لم يكن ممن قاتل لكبر سنه. (الإصابة: ١/٥٠٧) . قلت: لم أجد هذا اللفظ في مسلم في النسخ الموجودة بين أيدينا مع شروحها، والذي فيها هو البناء للمجهول. وسيأتي حديث الصحيحين برقم (١١٨) ووقع ذلك عند الطبري بإسناد صحيح عن أبي بردة عن أبيه قال: "ولما قدم النبي - ﷺ - من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريدا، وهزم الله أصحابه" أهـ. وما قدمه ابن حجر من الجمع في قاتل دريد هو الأظهر. (انظر: سيرة ابن هشام ٢/٤٥٣-٤٥٤. والروض الأنف للسهيلي ٧/١٧٧ و١٧٨-١٧٩. وتاريخ الرسل والملوك للطبري ٣/٧٩. وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٢١١. وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٣. وانظر حديث (١١٦) .
[ ٢٢٥ ]
ابن الصمة، فجعله بين يديه" ١.
قال البزار: "لا نعلم رواه بهذا اللفظ إلا سليمان التيمي عن أنس ولا عن سليمان إلا علي"٢. وحسن إسناده ابن حجر.
وهذا أكثر ما وقفت عليه في عدد القتلى من المشركين يوم حنين.
وقد صرح الزرقاني بأن هؤلاء القتلى الواردون في حديث البزار إنما كان بعد انسحاب المشركين من المعركة٣.
وتقدم قول ابن إسحاق بأنه قتل من بني مالك وحدهم سبعون رجلا وعند الواقدي نحو مائة٤.
هذا ما رواه ابن إسحاق أيضا بقوله:
٩٨- واستحر القتل من بني نصر في بني رئاب، فزعموا أن عبد الله٥ بن قيس وهو الذي يقال له ابن العواء، وهو أحد بني وهب بن رئاب قال: يا رسول الله،
_________________
(١) (كشف الأستار ٢/٣٤٦ وتقدم بعضه برقم (٥٣) مع الحكم عليه) . ٢ علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، التميمي مولاهم وقد وثقه قوم وضعفه آخرون. وضعفه آت من قبل كثرة غلطه وتماديه فيه، ولم يكن متهما بالكذب ومن وسمه بذلك فقوله مردود بقول الأئمة الآخرين الذين وصفوه بالصدق والصلاح، ولقد ختم الذهبي ترجمته بقوله: صدوق له صولة كبيرة في زمانه. وقد ساق له ابن عدي جملة أحاديث بواطيل، ورد ذلك الذهبي وقال: المتهم بها غيره. لا (انظر: الذهبي: تذكرة الحفاظ١/٣١٦-٣١٧، وسير أعلام النبلاء ٩/٢٤٩-٢٦٢ وميزان الاعتدال ٣/١٣٥-١٣٨، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٣٤٤-٣٤٨) . قلت: ولذا فقد حكم ابن حجر على هذا الحديث بأنه بإسناد حسن. ٣ انظر قول الزرقاني ص (٢٢٣) . ٤ انظر الحديث رقم (٩٦) . ٥ انظر ترجمته في الإصابة لابن حجر ٢/٣٩١.
[ ٢٢٦ ]
هلكت بنو رئاب فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال: اللهم اجبر مصيبتهم ١.
وهكذا ذكر ابن سعد إلا أنه قال: "واستحر القتل في بني نصر بن معاوية ثم في بني رئاب"٢.
وبنو رئاب غير بني مالك، ومعلوم أن قبيلة بني نصر من أهم أجنحة هوازن، فهي تعد بالمئات، ومعنى تصريح أحد أفرادها بأن القتل كاد يفنيها أن قتلها بلغوا المئات، وهاتان فقط قبيلتان من قبائل هوازن الكثيرة يظهر من حديث المؤرخين عن ضحاياها أنها بلغت المئات، فكم تكون الضحايا بين العشائر الأخرى من سائر قبائل هوازن وغيرها التي اشتركت في المعركة لاشك أنها تعد بالمئات كذلك، وقد نظر الرسول - ﷺ - إلى هذه المعركة، فقال عنها: "الآن حمي الوطيس".
وهذا القول لم يصدر من رسول الله - ﷺ - في وصف أية معركة من المعارك التي خاضها طيلة حياته، مما يدل على عظم خطرها وكثرة ضحاياها، وقد أمر رسول الله - ﷺ - بمطاردة المشركين وقتل من قدر عليه منهم.
فقد روى البزار من حديث أنس بن مالك ﵁ قال:
٩٩- حدثنا الوليد٣ بن عمرو بن سَكَيْن ثنا محمد٤ بن عبد الله بن المثنى عن أبيه٥ عن ثمامة٦ عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال يوم حنين: "جزوهم٧ جزا وأومأ بيده إلى الحلق".
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٥. ٢ الطبقات الكبرى ٢/١٥٢. ومغازي الواقدي ٣/٩١٦. ٣ الوليد بن عمرو بن السكين - بضم أوله وفتح ثانيه وسكون ثالثه - البصري، أبو العباس، صدوق من الحادية عشرة. /ق. (التقريب ٢/٣٣٤ وتهذيب التهذيب ١١/١٤٤- ١٤٥ و٩/٢٧٤ كلاهما لابن حجر. والخلاصة للخزرجي ٣/١٣٣) . وقد وقع في كشف الأستار "الوليد بن عمر" بضم العين. ٤ محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، من التاسعة (ت٢١٥) /ع. (التقريب٢/١٨٠، وتهذيب التهذيب٩/٢٧٤) . ٥ هو عبد الله بن االمثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو المثنى البصري، صدوق كثير الغلط، من السادسة./خ ت ق. (المصدر السابق١/٤٤٥ و٥/٣٨٧-٣٨٨. وفي ميزان الاعتدال ٢/٤٩٩ رمز له الذهبي بـ (صح) إشارة إلى أنه ثقة) . ٦ ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، قاضيها، صدوق من الرابعة. /ع. (التقريب١/١٢٠وتهذيب التهذيب٢/٢٨. وميزان الاعتدال١/٣٧٢ للذهبي ورمز له بـ (صح) إشارة إلى توثيقه) . ٧ الجز القطع والقص. (النهاية ١/٢٦٨ والقاموس المحيط ٢/١٦٩) .
[ ٢٢٧ ]
قال البزار: "لا نعلم رواه إلا أنس، ولا له عنه إلا هذا الطريق١، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ثم قال: "رواه البزار ورجاله ثقات"٢.
وكذا قال ابن حجر والزرقاني٣.
١٠٠- وعند الواقدي: عن شيوخ من ثقيف - أسلموا بعد وكانوا حضروا ذلك اليوم - قالوا: ما زال رسول الله - ﷺ - في طلبنا فيما نرى ونحن مولون حتى إن الرجل منا ليدخل حصن الطائف وإنه ليظن أنه على أثره من رعب الهزيمة٤.
١٠١- وعنده أيضا أن سعد بن عبادة كان يصيح يومئذ بالخزرج: يا للخزرج، وأسيد بن حضير: يا للأوس ثلاثا، فثابوا والله من كل ناحية كأنهم النحل إلى يعسوبها، قال: فحنق المسلمون عليهم حتى أسرع المسلمون في قتل الذرية فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: "ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية، ألا لا تُقتل الذرية ثلاثا".
قال أسيد بن حضير: "يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين؟ "
فقال رسول الله - ﷺ -: "أوليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب٥ عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها" ٦.
وعند أحمد من حديث الأسود بن سريع أن "رسول الله - ﷺ - بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا، قال رسول الله - ﷺ -: "ما حملكم على قتل الذرية؟ "
قالوا: "يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين؟ "
قال: "أو هل خياركم إلاّ أولاد المشركين؟،
_________________
(١) ١ كشف الأستار ٢/٣٤٩. ٢ ٦/١٨١. ٣ ابن حجر: مختصر زوائد مسند البزار ص٢٥١ رقم ٨١٦. والزرقاني شرح المواهب ٣/٢١ إلا أنه قال: "اجزروهم جزرا" بدل: "جزوهم جزًا". ٤ مغازي الواقدي ٣/٩٠٨. ٥ يعرب عنها لسانها: أي حتى ينطق ويتكلم. (ابن الأثير: النهاية ٣/٢٠٠- ٢٠١) . ٦ مغازي الواقدي ٣/٩٠٤.
[ ٢٢٨ ]
والذي نفس محمّد بيده ما من نسمة تولد إلاّ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها" ١.
وفي حديث أنس بن مالك عند أبي داود وغيره أن أبا طلحة٢ وحده قتل عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وهذا سياقه عند أبي داود قال: حدثنا موسى٣ بن إسماعيل حدثنا حماد٤ عن إسحاق٥ بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: يومئذ - يعني يوم حنين٦- "من قتل كافرًا فله سلبه"، فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم. ولقي أبو طلحة أم سليم٧ ومعها خنجر، فقال: يا أم سليم ما هذا معك؟ قالت: أردت والله إن دنا مني بعضهم أبعج به بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله - ﷺ -".
قال أبو داود: "هذا حديث حسن"٨.
ورواه الدارمي وابن أبي شيبة والطحاوي كلهم من طريق حماد بن سلمة دون "قصة أم سليم"٩.
وأخرجه ابن حبان من طريق حماد بن سلمة "بقصة أبي طلحة" وزاد: قال أبو قتادة١٠: "يا رسول الله ضربت رجلا على حبل العاتق عليه درع فأجهضت، فقال رجل: أنا أخذتها فارضه منها وأعطنيها، وكان النبي ﷺ لا يسأل
_________________
(١) ١ أحمد: المسند ٣/٤٣٥ وهو حديث صحيح وقد سقت طرقه في رقم (٢٤٧) . ٢ هو زيد بن سهيل الأنصاري النجاري. تقدم في حديث (٦٠) . ٣ هو المنقري التبوذكي تقدم في حديث (٩١) . ٤ حماد: هو ابن سلمة ثقة، تقدم في حديث (٣٦) . ٥ إسحاق ثقة حجة، تقدم في حديث (٤٧) . ٦ قال محمد شمس الحق العظيم آبادي: يعني يوم حنين تفسير من بعض الرواة ثم قال المنذري: وأخرج مسلم قصة أم سليم في الخنجر بنحوه. (عون المعبود ٧/٣٨٨) وانظر حديث رقم (٦٠) . ٧ أم سليم تقدمت ترجمتها في حديث (٦٠) . ٨ أبو داود: السنن ٢/٦٥ كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى القاتل. ٩ الدارمي: السنن ٢/١٤٧ كتاب السير، باب من قتل قتيلا فله سلبه. وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩١أ. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٧. ١٠ أبو قتادة الأنصاري السلمي - بفتحتين - المدني، اختلف في اسمه، شهد أحدا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا، مات سنة (٥٤) على الأصح. /ع. (التقريب ٢/٤٦٣ وتهذيب التهذيب ١٢/٢٠٤) .
[ ٢٢٩ ]
شيئا إلا أعطاه أو سكت، فسكت النبي ﷺ" فقال عمر١ ﵁: "والله لا ينعمها الله على أسد من أسده ويعطيكها، فضحك النبي ﷺ وقال: صدق عمر".
قال الهيثمي: "قصة أبي قتادة في الصحيح٢ من حديث أبي قتادة، وهذا الحديث كله من حديث أنس".
وله طرق تأتي في غزوة حنين٣.
وأخرجه أبو داود الطيالسي وأحمد والحاكم والبيهقي الجميع من طريق حماد بن سلمة به.
ولفظه: عن أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوها صفوفا وكثرن على رسول الله ﷺ فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله ﷿:٤، فقال رسول الله ﷺ: "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ثم قال: يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله"، فهزم الله المشركين، ولم يضربوا بسيف ولم يطعنوا برمح قال: وقال رسول الله ﷺ يومئذ: "من قتل كافرا فله سلبه".
قال: فقتل أبو طلحة٥ يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، وقال قتادة: "يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له وأجهضت عنه".
وقد قال حماد: "أيضا فأجهضت عنه - فانظر من أخذها قال رجل فقال: أنا أخذتها، فارضه منها، وأعطينها، وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو
_________________
(١) ١ وقد ورد أيضا أن صاحب هذا القول أبو بكر الصديق، وسيأتي التوفيق بين القولين في الأحكام في ص ٦٣٩ تعليقة (٢) . ٢ انظر الحديث رقم (٦٢) . ٣ موارد الظمآن ص ٤٠٢ ووقع في الأصل في غزوة خيبر وهو خطأ، وذلك: أ- أن ابن حبان ساق الحديث في غزوة حنين. ب- قال الهيثمي عقب الحديث: وله طرق تأتي في غزوة (خيبر) ولم تأت هذه الطرق إلا في غزوة حنين. ج- وكذا أخرج الحديث أحمد والدارمي وأبو داود والحاكم وغيرهم بلفظ غزوة حنين. ٤ يشير إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] . ٥ عند الحاكم "فقتل أبو قتادة" وهو خطأ فإن قاتل العشرين هو أبو طلحة كما هو مصرح به عند غير الحاكم، وإن أبا قتادة هو قاتل صاحب الدرع.
[ ٢٣٠ ]
سكت، قال: فسكت رسول الله ﷺ قال: فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها، قال: فقال رسول الله: "صدق عمر" فضحك النبي ﷺ وقال: "صدق عمر" ولقى أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة: ما هذا معك: قالت: أردت إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه. فقال أبو طلحة: ألا تسمع ما تقول أم سليم؟
قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال: "إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم" ١ لفظ أحمد.
قال الحاكم بعد إخراجه صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي.
وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن علي بن أبي طالب ورجلا من الأنصار ﵄ قتلا صاحب راية هوازن٢.
١٠٢- وفي حديث سلمة ابن الأكوع - ﵁ - قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحى٣ مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغذى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره، فاشتد بالجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال
_________________
(١) ١ أبو داود الطيالسي ٢/ ١٠٨-١٠٩ (منحة المعبود) . وأحمد: (المسند ٣/٢٧٩. وابن حبان: كما في موارد الظمآن ص ٤١٧. والحاكم: المستدرك ٢/١٣٠. والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٠٦، ودلائل النبوة ٣/٤٦) . ٢ تقدم الحديث برقم (٥٨) . (نتضحى) أي نتغذى. (طلقا) الطلق: قيد يتخذ من الجلود. (من حقبه) الحقب: محركا: حبل يشد على بطن البعير مما يلي مؤخره. (ورقة في الظهر)، الظهر: المركوب، والرقة في حال الضعف. (ورقاء) ذات لون أسمر، والورقة: السمرة. (فندر) ندر رأسه أي: طار عن بدنه. (ابن الأثير: جامع الأصول ٨/٣٩٨-٣٩٩) .
[ ٢٣١ ]
سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الجمل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟ ".
قالوا: ابن الأكوع، قال: "له سلبه أجمع" ١.
١٠٣- وأخرج عبد الرزاق عن الثوري٢ عن أبي فزارة٣ عن عبد الرحمن٤ بن أبي عمرة قال: مر النبي ﷺ يوم حنين بامرأة مقتولة فقال: ألم أنه عن هذا؟
فقال رجل: "أردفتها، فأرادت أن تقتلني، فقتلتها، فأمر النبي ﷺ بدفنها" ٥.
هذا الذي توصلت إليه من قتلى هوازن في هذه المعركة ولم تذكر المصادر أسماء القتلى سوى:
١- دريد بن الصمة.
٢- عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن حبيب كان ممن حمل راية هوازن في حنين.
٣- غلام نصراني لعثمان بن عبد الله.
٤- الجلاح، أو اللجلاج.
٥- رجل يقال له وهب.
٦- ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك وكان حاملا لراية بني مالك من ثقيف٦.
_________________
(١) ١ مسلم: الصحيح ٣/١٣٧٤-١٣٧٧ كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل. وأبو داود: السنن ٢/٤٥-٤٦ كتاب الجهاد، باب في الجاسوس المستأمن. وانظر ص ١٠٠١-١٠٠٤. ٢ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه، عابد إمام حجة، من رءوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس (ت١٦١) / ع. (التقريب ١/٣١١ وتهذيب التهذيب ٤/١١١-١١٥) . ٣ هو راشد بن كيسان العبسي- بالموحدة - أبو فزارة الكوفي، ثقة من الخامسة / بخ م ت ق. (التقريب ١/٢٤٠ وتهذيب التهذيب ٣/٢٢٧) . ٤ عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري النجاري، يقال ولد على عهد النبي ﷺ وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة /ع. (التقريب ١/٤٩٣ وتهذيب التهذيب ٦/٢٤٢ وعلى هذا فالحديث مرسل، ورجاله ثقات وله شواهد تقويه. انظر حديث ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩،. وانظر الإصابة ٣/٧٢. ٥ المصنف: ٥/٢٠١-٢٠٢. ٦ انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ٢/٤٣٧ و٤٤٩-٤٥٠ و٤٥٣. والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧ و٧٨ و٧٩. والسهيلي: الروض الأنف٧/١٧٤-١٧٥ و١٧٧. وابن كثير: البداية والنهاية٤/٣٣٥.
[ ٢٣٢ ]
هكذا كانت ضحايا هوازن في هذه المعركة تعد بالمئات من القتلى.
ب- أما عن خسارتهم في الأهل والأولاد والأموال والعتاد، فقد فقدوا أفلاذ أكبادهم وأغلى أموالهم، ذلك أن مالك بن عوف ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأولادهم، وكان يهدف من رواء ذلك أن يكثر على المسلمين من ناحية وأن يحرض قومه على القتال والصمود في المعركة للدفاع عن أطفالهم ونسائهم من ناحية، وأن لا يفكر واحد منهم في الفرار. فصارت جميع تلك الأموال والنساء والنعم بأنواعها رزقا ساقه اله للمسلمين على يد هؤلاء الكفار الذين قذف الله في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشائهم وذراريهم معهم.
فعند أبي داود وغيره من حديث سهل بن الحنظلية إنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية فحضرت صلاة عند رسول الله ﷺ فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله" الحديث١.
وفي حديث انس بن مالك قال: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم"٢.
وفي حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ: "سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصرى من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال، وناسا من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبني مالك، ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ، وسار مع الأموال والنساء والأطفال" الحديث٣.
وفي حديث أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالصبيان والإبل والنساء والنعم فجعلوهم صفوفا يكثرون على رسول الله ﷺ الحديث٤.
وعند ابن إسحاق وغيره أن هوازن لما اجتمعت على حرب رسول الله ﷺ سألت
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (٥٠) . ٢ تقدم الحديث برقم (٤٠) . ٣ تقدم الحديث برقم (٢٣) . ٤ تقدم الحديث برقم (٤٧) .
[ ٢٣٣ ]
دريد بن الصمة الرياسة عليها فقال: "وما ذاك، وقد عمي بصري وما أستمسك على ظهر الفرس، ولكن أحضر معكم لأشير عليكم رأيي بشرط أن لا أخالف فإن ظننتم أني مخالف أقمت ولم أخرج، فقالوا: لا نخالفك، وجاءه مالك، وكان جماع مرهم إليه، فقال له: لا نخالفك فيما تراه، فقال: تريد أنك تقاتل رجلا كريما قد أوطأ العرب وخافته العجم ومن بالشام وأجلى يهود الحجاز إما قتلا وإما خروجا عن ذل وصغار، ويومك هذا الذي تلقى فيه محمدا ما بعده يوم".
قال مالك: "إني لأطمع أن ترى ما يسرك، قال دريد: منزلي حيث ترى فإذا جمعت الناس سرت إليك، فلما خرج مالك بالظعن والأموال وأقبل دريد قال لمالك أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير ونهاق الحمير وخوار البقر؟ قال مالك: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله وماله يقاتل عنهم. فانتقص به دريد وقال: راعي ضأن والله ما له وللحرب، وصفق بإحدى يديه على الأخرى تعجبا، وقال: هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل فارفع الأموال والنساء والذراري إلى ممتنع بلادهم ثم ألق القوم على متون الخيل والرجال بين أصناف الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، فقال مالك: والله لا أفعل ولا أغير أمرا فعلته، إنك قد كبرت وكبر عقلك، فغضب دريد وقال: يا معشر هوازن ما هذا برأي إن هذا فاضحكم في عوراتكم وممكن منكم عدوكم ولا حق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا وتركوه، فسل مالك سيفه وقال: إن لم تطيعوني لأقتلن نفسي، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: لئن عصيناه ليقتلن نفسه وهو شاب ونبقى مع دريد وهو شيخ كبير لا قتال معه فأجمعوا رأيكم مع مالك، فلما رأى دريد أنهم خالفوه قال:
يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع١
_________________
(١) ١ انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ٢/٤٣٧-٤٣٩ وابن قيم الجوزية: زاد المعاد ٣/٤٦٥-٤٦٧. والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٨
[ ٢٣٤ ]
وهذه الأحاديث وغيرها يؤخذ منها كثرة ما خرجت به هوازن من الجموع والأموال والنساء والأطفال، وأما عن إحصاء هذه الغنائم فقد ذكر ابن إسحاق:
١٠٤- أنه كان مع رسول الله ﷺ من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الإبل ما لا يدري ما عدته١.
ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري إلا أنه قال: "وكان معه مع رسول الله ﷺ من سبي هوازن من النساء والذراري عدد كثير، ومن الإبل ستة آلاف بعير، ومن الشاء ما لا يحصى" ٢.
وعنده ابن سعد قال: "وأمر رسول الله ﷺ بالسبي والغنائم تجمع، فجمع ذلك كله وحدروه إلى الجعرانة، فوقف إلى أن انصرف رسول الله ﷺ، من الطائف وهم في حظائرهم٣ يستظلون بها من الشمس، وكان السبي ستة آلاف رأس٤، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة" ٥.
١٠٥- وقال غروة وموسى بن عقبة عن الزهري: ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف وترك السبي بالجعرانة وملئت عرش٦ مكة منهم"٧.
_________________
(١) ١ سيرة ابن شام: ٢/٤٨٨ والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٤١، ٢٨٢ والبداية والنهاية لابن كثير ٢/٢٧٩ و٤/٣٥٢ وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٥. ٢ تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٦. ٣ الحظائر: جمع حظيرة وهي الموضع الذي يحاط عليه لتأوى إليه الغنم والإبل يقيهما البرد والريح. (ابن الأثير: النهاية ١/٤٠٤) . ٤ قال الزرقاني: "وإطلاق السبي على الإبل والغنم والفضة تغليب، ولم يذكر عدة البقر والحمير مع أنهما كانا معهم كما ذكره ابن إسحاق وغيره أن دريد بن الصمة قال لمالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير ونهاق الحمير ويعار الشاء وخوار البقر". ثم قال: "ولعله لم يذكرهما لقلتها بالنسبة لما ذكر، أو أنه لم يتحرر عدتهما". (شرح المواهب اللدنية ٣/٣٦) . ٥ الطبقات الكبرى لابن سعد: ٢/٥٢والوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي ص ٧٠٦ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٧٢-٤٧٣، وفتح الباري لابن حجر: ٨/٤٨) . ٦ عرش: جمع عريش، وهي البيوت تتخذ من عيدان تنصب ويظلل عليها. (ابن الأثير: النهاية ٣/٢٠٧-٢٠٨، ومحمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح ص ٤٢٤) . ٧ ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٤٧.
[ ٢٣٥ ]
هكذا ذكر أهل المغازي هذه الأعداد بدون إسناد، وقد ورد في الأحاديث الآتية:
١٠٦- ما رواه الطبري من مرسل عروة بن الزبير قال: "سار رسول الله ﷺ يوم حنين من فوره ذلك - يعني منصرفه من حنين - حتى نزل الطائف، فأقام نصف شهر يقاتلهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وقاتلتهم ثقيف من وراء الحصن، ولم يخرج إليه في ذلك أحد منهم" الحديث.
وفيه: "ثم رجع رسول الله ﷺ ولم يحاصرهم إلا نصف شهر حتى نزل الجعرانة، ويزعمون أن ذلك السبي الذي أصاب يومئذ من هوازن كان عدته ستة آلاف من نسائهم وأبنائهم" الحديث١.
١٠٧- وعنده أيضا قال: حدثنا ابن عبد الأعلى٢، قال ثنا محمد٣ بن ثور عن معمر عن قتادة عن الزهري عن سعيد بن المسيب: "أنهم أصابوا يومئذ ستة آلف سبي، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي ﷺ: "إن عندي من ترون، وإن خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ونساءكم، وإما أموالكم، قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا" الحديث٤.
ورواه عبد الرزاق وابن سعد كلاهما من طريق الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب به٥.
وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة "دون ذكر عدد السبي".
_________________
(١) ١ تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٢ وتقدمت تراجم رجال السند في حديث (٩) وهم من رجال الحسن. ٢ هو محمد بن عبد الأعلى الصناعني، القيسى، أبو عبد الله البصري، ثقة من العاشرة (ت ٢٤٥) / م قد ت س ق. (التقريب ٢/١٨٢ وتهذيب التهذيب ٩/٢٨٩) . ٣ محمد بن ثور الصنعاني، أبو عبد الله العابد، ثقة من اتاسعة (ت ١٩٠) تقريبا، د س. (التقريب ٢/١٤٩ وتهذيب التهذيب ٩/٨٧) . وتقدمت تراجم بقية الرواية في حديث (٣٢) و(٣٦) و(٤٨) (٧١) وهم ثقات. ٤ الطبري: جامع البيان ١٠/١٠٢. ٥ عبد الرزاق: المصنف ٥/ ٣٨١ وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٥.
[ ٢٣٦ ]
١٠٨ - ولفظه عن ابن شهاب عن عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه أن النبي ﷺ قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم: معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، الحديث وفيه "فلما تبين لهم أن النبي ﷺ غير راد إليهم إلا أحدى الطائفتين، قالوا: فانا نختار سبينا" ١.قال ابن حجر: "تقدم ذكر الحديث من وجهين عن الزهري، وقد تقدم في أول الشروط في قصة صلح الحديبية٢ أن الزهري رواه عن عروة عن المسور ومروان عن أصحاب النبي ﷺ، فدل على أنه في بقية المواضع حيث لا يذكر عن أصحاب النبي ﷺ أنه يرسله، فإن المسور يصغر في عن إدراك القصة، ومروان أصغر منه، نعم كان المسور في قصة٣ حنين مميزا فقد ضبط في ذلك الأوان قصة خطبة علي بن أبي طالب لابنة أبي جهل، والله أعلم٤ إهـ.
١٠٩ - وأخرج الحاكم قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد٥ بن يعقوب ثنا الحسين٦ بن علي القباني ثنا المنذر٧ بن الوليد الجارودي ثنا عبد الأعلى٨ بن
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ٣/٨٧ كتاب الوكالة، باب إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم جاز. و١٢٩ كتاب العتق، باب من ملك من العرب رقيقا الخ. و١٣٧ "كتاب الهبة" باب من رأى الهبة الغابة جائزة. و١٤١ باب إذا وهب جماعة لقوم. ٤/٧٠ كتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين. و٥/١٢٦ كتب المغازي، باب ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم. و٩/٥٩ كتاب الحاكم، باب العرفاء للناس. ٢انظر: صحيح البخاري٣/١٦٥كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام. ٣ يريد قصة وفد هوازن يوم حنين. ٤ فتح الباري ٥/٣١٣ و٨/٣٣. ٥ محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني النيسابوري ابن الأخرزم، ويعرف أبوه بابن الكرماني (٢٥٠-٣٤٤) (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٤) . ٦ في الأصل "الحسن" ولعله الحسين بن محمد بن زياد العبدي النيسابوري أبوعلي الحافظ المعروف بالقباني، فإنه من شيوخ ابن الأخرم، وهوثقة حافظ مصنف (انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦٨٠-٦٨٢ وتهذيب التهذيب ٢/٣٦٨-٣٦٩ والتقريب ١/١٧٩ كلاهما لابن حجر) . ٧ المنذر بن الوليد بن عبد الرحمن بن حبيب العبدي الجارودي البصري ثقة، من صغار العاشرة / خ د. (التقريب ٢/٢٧٥ وتهذيب التهذيب ١٠/٣٠٤) . ٨ هو السامي ثقة تقدمت ترجمته في حديث (٦٤) .
[ ٢٣٧ ]
عبد الأعلى ثنا يحيى١ بن سعيد الأنصاري حدثني أبو الزبير٢ عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بالطائف في غزوة حنين فلما بلغ الجعرانة قسم فضة بين الناس" ٣.
ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
وسكت عنه الذهبي.
والأحاديث الواردة في هذا الباب فيما غنمه المسلمون من هوازن كثيرة جدا تقدم بعضها في مبحث "استعداد هوازن العسكري"٤.
وسيأتي بعضها أيضا في الباب الثاني عند التعرض لقسم الغنائم وهذه الغنائم تتمثل في الإبل والغنم والبقر والسبي وهي غنائم كثيرة لم تحصل للمسلمين في غزواتهم والأموال، فآلت هذه كلها إلى المسلمين غنيمة ساقها الله عليهم.
وكانت هذه الغنائم التي حازها المسلمون في غزوة حنين قد سيقت إلى الجعرانة وحفظت هناك حتى عاد الرسول ﷺ من حصار الطائف.
وقد اختلفت الروايات الواردة فيمن استخلفه رسول الله ﷺ على حفظ الغنائم وهي على النحو الآتي:
١١٠ أ- قال ابن إسحاق: ثم جمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مسعود٥ بن عمرو القاري، وأمر رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، ثقة ثبت من الخامسة (ت١٤٤) أو بعدها. /ع. (التقريب ٢/٣٤٨ وتهذيب التهذيب ١١/٢٢١ وقد سقط الحكم عليه من التقريب الطبعة المصرية وهو ثابت في التقريب الطبعة الهندية ص ٣٧٦) . ٢ هو محمد بن مسلم بن تدرس - بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء - الأسدي مولاهم، أبو الزبير المكي، صدوق، إلا أنه يدلس من الرابعة (ت ١٢٦) / ع. (التقريب ٢/٢٠٧ وتهذيب التهذيب ٩/٤٤٠) . ٣ المستدرك ٢/١٢١. ٤ ص ١٦٦. ٥ مسعود بن عمرو القاري - بالتشديد بغير همز، من القارة، كان على المغانم يوم حنين، فأمره رسول الله ﷺ أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة. (انظر: الاستيعاب لابن عبد البر٣/٤٥٢ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٥/١٦٤ والإصابة لابن حجر٣/٤١٢ ووقع في سيرة ابن هشام والروض الأنف والبداية والنهاية وشرح المواهب اللدنية (الغفاري) بدل "القاري" وهو خطأ) .
[ ٢٣٨ ]
بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبست١ بها".
ب- وفي مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ سبى يوم حنين ستة آلاف بين غلام وامرأة فجعل عليهم أبا سفيان بن حرب٢.
١١١- ج- وأخرج البخاري في التاريخ قال:
حدثني سعيد٣بن يحيى قال حدثني أبي٤عن ابن إسحاق٥ فحدثني ابن أبي عبلة٦ عن ابن بديل٧ بن ورقاء عن أبيه٨ أن النبي ﷺ أمر بديلا أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه فحبسه" ٩.
والحديث رواه البزار والطبراني كلاهما من طريق إبراهيم١٠ بن سعيد الجوهري ثنا يحيى بن سعيد الأموي به١١.
_________________
(١) (سيرة ابن هشام ٢/٤٥٩، وتاريخ الرسل الملوك للطبري ٣/٨ والروض الأنف للسهيلي ٧/١٨٤ والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٣٧ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٩) . ٢ عبد الرزاق: المصنف ٥/٣٨٠-٣٨١ وتقدم الحديث برقم (١٠٧) . ٣ سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو عثمان البغدادي، ثقة ربما أخطأ من العاشرة (ت ٢٤٩) / خ م د س ت. (التقريب ١/٣٠٨ وتهذيب التهذيب ٤/٩٧-٩٨) . ٤ هو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو أيوب الكوفي نزيل بغداد، لقبه الجمل، صدوق يغرب، من كبار التاسعة (ت ١٩٤) / ع. (التقريب ٢/٣٤٨ وتهذيب التهذيب ١١/٢١٣) وهدي الساري ص: ٤٥١. ٥ هو محمد بن إسحاق بن يسار، صدوق يدلس، وقد صرح بالتحديث، تقدم ترجمته في حديث رقم (١) ووقع في الاستيعاب "عن أبي إسحاق" وهو خطأ. ٦ هو إبراهيم بن أبي عبلة - بفتح المهملة وسكون الموحدة - واسمه شمر - بكسر المعجمة وسكون الميم - ابن يقظان الشامي، يكنى أبا إسماعيل ثقة من الخامسة (ت ١٥٢) / خ م د س ق. (التقريب ١/٣٩ وتهذيب التهذيب ١/١٤٢ والخلاصة للخزرجي ١/٥٠) . ٧ بديل بن ورقاء له ابنان عبد الله وعبد الرحمن وهما صحابيان ولعل الوارد في الحديث أحدهما وقد ورد أن بديلا وابنه عبد الله شهدا حنينا والطائف. (انظر الاستيعاب لابن عبد البر ١/١٦٥، ٢/٢٦٨ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٢٠٣-٢٠٤، ٣/١٨٤، ٤٢٩، والإصابة لابن حجر ٢/٢٨٠) . ٨ هو بديل بن ورقتاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى الخزاعي، وكان من مسلمة الفتح، وقال بعضهم أسلم هو وابنه عبد الله وحكيم بن حزام يوم فتح مكة بمر الظهران. (الاستيعاب لابن عبد البر١/١٦٥وأسدالغابة١/٢٠٣) والإصابة١/١٤١) . ٩ البخاري: التاريخ الكبير ٢/١٤١. ١٠ إبراهيم بن سعيد الجوهري أبو إسحاق الطبري: نزيل بغداد، ثقة حافظ تكلم فيه بلا حجة، من العاشرة، (ت في حدود ٢٥٠) م عم، (التقريب ١/٣٥ وتهذيب التهذيب ١/١٢٣-١٢٤) وتاريخ الخطيب البغدادي ٦/٩٣-٩٥، وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥١٥-٥١٦ ولم يذكروا إبراهيم بن سعيد في تلاميذ يحيى - ولا في شيوخ البزار فالله أعلم. كما أنه وقع عند الطبراني في الكبير، ومنتخب كنز العمال (إبراهيم بن سعد الجوهري) . ١١ البزار كما في كشف الأستار ٢/٣٥٣ والطبراني في المعجم الكبير ٢/١٦ والأوسط كما في مجمع البحرين ٢/٢٤٤ رقم (٧٧) وقال: لم يروه عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا ابن إسحاق، تفرد به يحيى.
[ ٢٣٩ ]
وأورده الهيثمي ثم قال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار عن ابن بديل عن أبيه ولم يسم ابن بديل، وبقية رجاله ثقات١.
وأورده ابن حجر ثم قال: رواه البخاري في تاريخه والبغوي وإسناده حسن٢.
د- قال ابن حجر: قال الزبير٣ بن بكار: حدثني محمد٤ بن سلام حدثني يزيد٥ بن عياض قال:
١١٢- استعمل النبي ﷺ على النفل يوم حنين أبا الجهم٦ بن حذيفة العدوي، فجاء خالد٧ بن البرصاء فتناول زماما من شعر فمنعه أبو جهم فقال: "إن نصيبي فيه أكثر، فتدافعا فعلاه أبو جهم فشجه٨ منقلة، فقضى فيها النبي ﷺ بخمس عشرة فريضة، ورواه الزبير من وجه آخر موصولا ولم يسم خالدا، وأخرجه أبو داود والنسائي من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ بعث
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٦/١٨٦ وانظر كنز العمال ١٠/٣٥١ ومنتخب كنز العمال ٤/١٦٦ مع (مسند أحمد) كلاهما لعلاء الدين المتقي الهندي. ٢ الإصابة ١/١٤١. ٣ الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الأسدي المدني أبو عبد الله بن أبي بكر، قاضي المدينة، ثقة، أخطأ أحمد بن علي السليماني في تضعيفه، من صغار العاشرة (ت ٢٥٦) / ق. (القريب ١/٢٥٧ وتهذيب التهذيب ٣/٣١٢) إلا أنه رمز لمن أخرج له (ت) وهو خطأ وانظر الخلاصة للخزرجي ١/٣٣٣ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٢٨. ٤ محمد بن سلام بن فرج، السلمي مولاهم، البيكندي - بكسر الموحدة وسكون التحتانية وفتح الكاف وسكون النون - أبو جعفر، مختلف في لام أبيه، والراجح التخفيف، ثقة ثبت، من العاشرة (ت ٢٢٧) / خ. (التقريب ١/٢٥٧ وتهذيب التهذيب ٩/٢١٢) . ٥ يزيد بن عياض بن جعدية - بضم الجيم والمهملة ساكنة - الليثي أبو الحكم المدني، نزيل البصرة، وقد ينسب لجده كذبه مالك وغيره، من السادسة/ ت ق. (التقريب ٢/٣٦٩ وتهذيب التهذيب١١/٣٥٢ وميزان الاعتدال للذهبي٤/٤٣٦-٤٣٨) . ٦ أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله القرشي العدوي، كان من مسلمة الفتح كان عالما بالنسب وكان أحد من تولى دفن عثمان بن عفان ﵁، ثبت ذكره في الصحيحين من طريق عروة عن عائشة قالت: صلى النبي ﷺ في خميصة لها أعلام فقال: اذهبوا بخمصيتي هذه إلى أبي جهم وأئتوني بأنبجانية أبي جهم. (الإصابة لابن حجر ٤/٣٥-٣٦) . ٧ خالد بن البرصاء، هو ابن مالك بن قيس بن عوف الكناني الليثي والبرصاء أمه وقيل أم أبيه. (المصدر السابق ١/٢٧٤و٢٨٩و٤٠٢) . ٨ الشج في الرأس خاصة في الأصل، ثم استعمل في غيره من الأعضاء. والمنقلة: هي التي تخرج منها صغار العظام، وتنتقل عن أماكنها، وقيل: التي تنقل العظم: أي تكسره. (ابن الأثير: النهاية ٢/٤٤٥و٥/١١٠) .
[ ٢٤٠ ]
أبا جهم بن حذيفة مصدقا، فلاجه١ رجل فضربه أبو جهم فشجه فذكر الحديث بمعناه ولم يسم خالدا أيضا.٢اهـ.
قلت: والحديث أخرجه أيضا ابن ماجة٣.
والخلاصة: أن الأحاديث الواردة فيمن ولاه رسول الله ﷺ أمر الغنائم يوم حنين أمثلها حديث بديل بن ورقاء، وأما حديث ابن إسحاق فإنه ذكر ذلك بدون إسناد.
وأما ما رواة عبد الرزاق من توليه أبي سفيان، فقال الزرقاني: هذا فيه نظر فإن أبا سفيان شهد الطائف، فإن صح فكأنه جعله عليها أولا ثم بداله فجعل غيره وسار هو معه.
وحديث الزبير بن بكار معضل.
وما ذكر من الموصول، فإنه وارد في جباية الصدقات لا في الغنائم.
وأيضا فإن خالد بن البرصاء الذي هو صاحب القصة غير موجود في الحديث الموصول.
على أنه يمكن التوفيق بين هذه الآثار بجواز أن يكون الرسول ﷺ ولاهم جميعا على حفظ الغنائم بجعل كل واحد منهم على نوع من الغنائم، وهذا غير بعيد لأن الغنائم كانت كثيرة جدا ومتنوعة من السبايا والبقر والإبل والغنم والحمير، وهذه الأنواع الكثيرة تحتاج في حفظها إلى تعدد الولاة المسئولين عنها، نظرا لكثرتها فلا يقوم بها إلا عدد من الولاة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ فلاجه: نازعه وخاصمه من اللجاج، وفي نسخة للخطابي: فلاحاه: بالحاء المهملة منقوصا وهما بمعنى. (محمد شمس الحق العظيم آبادي: عون المعبود ١٢/٢٦٦) . ٢ الإصابة ١/٤٠٢ وانظر الروض الأنف للسهيلي ٧/٤٨٢. ٣ وانظر الحديث عند أبي داود في سننه ٢/٤٨٩ كتاب الديات، باب العامل يصاب على يديه خطأ. والنسائي: السنن ٨/٣١ كتاب القسامة، باب السلطان يصاب على يديه. وابن ماجه: السنن ٢/٨٨١ كتاب الديات، باب الجارح يفتدي بالقود. ولكن الحديث عن أصحاب السنن إنما هو في جباية الصدقة.
[ ٢٤١ ]