المبحث الأول: سبب الغزوة
بعد فتح مكة والقضاء على أعظم قوة للشرك في الجزيرة العربية لم يبق أمام المسلمين إلا قبائل هوازن وثقيف المتاخمة لمكة المكرمة، وقد كان رسول الله - ﷺ - مصمما على مطاردة فلول الوثنية والإجهاز على معاقل الشرك في جزيرة العرب التي لا يجتمع فيها دينان، وقد ترامت أنباء فتح مكة في أنحاء الجزيرة العربية وخاصة في ديار هوازن وثقيف القريبة من مكة، وما أن سمعت قبائل هوازن بهذا الفتح الإسلامي الكبير حتى تداعت فيما بينها تتدارس هذا الحدث الجلل وترصد تحركاته نحوها، فكانت النتيجة أنها عزمت أن تهاجم المسلمين قبل أن يهاجموها، فأعدت عدتها وحشدت قواها المادية والبشرية، وقد جاء التصريح بحقيقة ما كانوا يبيتون للمسلمين من كيد في الروايات الآتية:
٢٣- ما رواه الحاكم قال: حدثنا أبوالعباس١محمد بن يعقوب، ثنا أحمد٢ بن
_________________
(١) ١ هو محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم النيسابوري المعروف بالأصم، الإمام المفيد الثقة المحدث المشرق. قال الحاكم: كان محدث عصره بلا مدافعة. وقال أيضا: حدث (٧٦) سنة، ولم يختلف في صدقه وسماعه (ت ٣٤٦) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠- ٨٦٤) . ٢ أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي - بضم العين المهملة والطاء الخفيفة - أبو عمرو الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له (ت ٢٧٢) /د (التقريب ١/١٩، وتهذيب التهذيب ١/٥١- ٥٢) .
[ ٨٧ ]
عبد الجبار، ثنا يونس١ بن بكير، عن ابن٢ إسحاق قال: حدثني عاصم٣ بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن٤ بن جابر، عن أبيه جابر ابن عبد الله - ﵄ -، أن رسول الله - ﷺ - سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال وناسا من بني عمرو٥ بن عامر بن عوف بن عامر وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك ثم سار بهم إلى رسول الله - ﷺ - وسار مع الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ - بعث عبد الله٦ بن أبي حدرد الأسلمي فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فمكث فيهم يومًا أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر، فقال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟
فقال عمر: كذب ابن أبي الحدرد، فقال ابن أبي الحدرد: إنّ كذبتني فربما كذبت من هو خير مني، فقال عمر يا رسول الله ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "قد كنت يا عمر ضالا فهداك الله - ﷿ –"، ثم بعث رسول الله - ﷺ
_________________
(١) ١ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي، صدوق يخطئ، من التاسعة (ت ١٩٩) /خت م د ت ز ق. (ابن حجر: التقريب ٢/٣٨٤) . وفي (تهذيب التهذيب ١١/٤٣٤- ٤٣٦)، وصفه بقوله: يونس بن بكير بن واصل الشيباني الجمال الكوفي الحافظ، ثم ساق كلام العلماء فيه والذين وثقوه أكثر ممن ضعفه. وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ ١/٣٢٦)،:يونس بن بكير بن واصل الحافظ العالم المؤرخ أبو بكر الشيباني الكوفي الجمال صاحب المغازي، ثم ذكر جماعة ممن روى عنهم ورووا عنه، ثم قال: قال ابن معين: كان صدوقا، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وسئل عنه أبو زرعة: أي شيء ينكر عليه؟ فقال: أما الحديث فلا أعلمه، ثم نقل تضعيفه عن أبي داود، وذكر أن ابن عدي ساق له عدة أحاديث غرائب، ثم قال في ختام ترجمته: روى له مسلم متابعة واستشهد به البخاري. (انظر: ميزان الاعتدال ٤/٤٧٧- ٤٧٨، وتذكرة الحفاظ ١/٣٢٦، وسير أعلام النبلاء ٩/٢٤٥- ٢٤٨) . ٢ محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، صدوق يدلس. تقدم في حديث (١) . ٣ عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني، ثقة، عالم بالمغازي، من الرابعة (ت بعد ١٢٠) /ع (التقريب ١/٣٨٥) . ٤ عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو عتيق المدني، ثقة، لم يصب ابن سعد في تضعيفه، من الثالثة /ع (التقريب ١/٤٧٥) . ٥ وقع هنا عند الحاكم: (وناسا من بني عمرو بن عاصم بن عوف بن عامر) وهو خطأ مطبعي، والصواب ما أثبتناه. ٦ وقع كذلك هنا: (عبد الرحمن بن أبي الحدرد) وهو خطأ أيضا وقد وقع على الصواب عند الحاكم نفسه في ٣/٥٧٢.
[ ٨٨ ]
إلى صفوان بن أمية فسأله أدرعا مائة وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، ثم خرج رسول الله سائرًا.
ثم قال الحاكم: صحيح١ الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي٢.
والحديث من هذه الطريق أورده البيهقي في السنن الكبرى مختصرا، وأورده في الدلائل مطولا٣.
وأورد ابن إسحاق القصة بدون إسناد كما قال ابن كثير٤.
وكان هذا هو السبب الرئيسي لخروج رسول الله - ﷺ - إلى حنين لغزو هذه القبائل المحتشدة قبل أن يداهموا المسلمين في مكة المكرمة، ولقد سارع الرسول - ﷺ في رسم - الخطة اللازمة لملاقاة هذا العدو، بعد دراسة حال العدو العسكرية، ومعرفة عدته المادية.
_________________
(١) ١ اعترض الألباني على تصحيح الحاكم لهذا لحديث، وموافقة الذهبي له، وقال: هو حسن فقط للكلام المعروف في ابن إسحاق، والمتقرر أنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث كما في هذا الحديث. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٢٠٩ تحت حديث رقم (٦٣١) . ودفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ص٨٢، وانظر: فتح الباري ٤/٣٢) . ٢ الحاكم: المستدرك ٣/٤٨- ٤٩. (السنن الكبرى ٦/٨٩، دلائل النبوة ٢/٤٢ ب-أ) . (البداية والنهاية٤/٣٢٤، وانظر: سيرة ابن هشام ٢/٤٣٩-٤٤٠، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٢- ٧٣) .
[ ٨٩ ]