المبحث الأول: سبب هزيمة المسلمين في بداية المعركة:
إن انكشاف المسلمين وتوليهم أمام عدوّهم له عدة أسباب، منها: ما يعود إلى استعداد العدو العسكري، ودقة ممارسته للحروب والفروسية، وإحكام الخطة واختيار الموقع المناسب لهجومهم المباغت دون أن يشعر بهم المسلمون، مما أدى إلى تفوقهم وتقدمهم مبدئيا، وقد صرحت بذلك الأحاديث الصحيحة كما سنوضح ذلك.
ومنها ما يعود إلى المسلمين أنفسهم، فقد صدر من بعض أفراد الجيش الإسلامي في هذه الغزوة أمور أدت إلى انكسار المسلمين وتقهقرهم أمام هوازن، كاغترار بعضهم بكثرتهم، وطلب البعض الآخر منهم ذات أنواط ينوطون بها أسلحتهم مضاهاة منهم للكفار الذين لهم ذات أنواط.
وتهور١ البعض الآخر كذلكوخروجهم إلى هوازن دون أن يستكملوا وسائل القتال، وانكباب بعضهم على جمع الغنائم وحيازتها قبل أن يستسلم الكفار استسلاما كاملا.
هذا مجمل الأسباب التي رجحت بها كفة العدو على كفة المسلمين في بداية المعركة. وسأحاول تحليل هذه الأسباب وإيضاحها مستندًا إلى الروايات الواردة في ذلك.
_________________
(١) ١ في (القاموس المحيط ٢/١٦٢: تهور الرجل وقع في الأمر بقلة مبالاة) .
[ ١٤١ ]
أولا: أسباب نجاح هوازن في بادئ الأمر:
أ- كثرتهم الهائلة، فقد جندوا جنودا لم يواجه المسلمين مثلها في غزواتهم مع رسول الله - ﷺ -، التي سبقت هذه الغزوة، وقد مر ذلك مفصلا١.
ب- بث الحماسة والقوة المعنوية في نفوسهم والتزامهم بتوجيهات قائدهم، فعند الواقدي: أن مالك بن عوف قال لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وأنما كان يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فينصر عليهم، فإذا كان في السحر فصفوا مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا صفوفكم، ثم تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولا٢.
٥٧- وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري أن رسول الله - ﷺ - لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه، خرج إلى هوازن. الحديث.
وفيه: "وبعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أبي حدرد عينا، فبات فيهم فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه: إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا أغماد سيوفكم" ٣.
ج- سبقهم إلى وادي حنين وتحصنهم بين أشجاره ومضايقه وبث الكتائب التي تكمن في جميع نواحيه. وهذا ما صرح به حديث جابر بن عبد الله عند ابن إسحاق وغيره. وهذا سياقه عند ابن إسحاق قال:
٥٨- حدثني عاصم٤ بن عمرة بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله قال: "لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف٥
_________________
(١) (في مبحث استعداد هوازن العسكري ص١١٦) . (مغازي الواقدي ٣/٨٩٣) . ٣ انظر: (البداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٣٠) . ٤ تقدمت تراجم رواة الحديث في حديث (٢٣) وكلهم ثقات. ٥أجوف: متسع، وحطوط - بفتح الحاء المهملة - الأكمة الصعبة الانحدار. (ابن منظور: لسان العرب ٩/١٤١، ١٠/٣٧٨) .
[ ١٤٢ ]
حطوط، إنما ننحدر فيه انحدارا، قال: وفي عماية من الصبح١، وكان القوم قد سبقونا٢ إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه٣ وأحنائه٤ ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب٥، قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر٦ الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد". الحديث٧.
ومن هذه الطريق أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبري وابن حبان والبيهقي٨.
وأورده الهيثمي، ثم قال: رواه أحمد وأبو يعلى وزاد: وصرخ حين كانت الهزيمة كلدة٩ - وكان أخا صفوان بن أمية وصفوان يومئذ مشرك في المدة التي ضرب له
_________________
(١) ١ عماية - بفتح العين المهملة - بقية ظلمة الليل. (ابن الأثير: النهاية ٣/٣٠٥) . ٢وعند البيهقي: "فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله - ﷺ - إليه فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأجنابه، وأقبل رسول الله - ﷺ - وأصحابه فينحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فكرت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد". ٣شعابه - بكسر أوله - جمع شعبة، وهي التي تعدل عن الوادي وتأخذ في طريق غير طريقه. (ابن منظور: لسان العرب ١/٤٨١) . ٤أحنائه - بالحاء المهملة - منعطفه وجوانبه. وعند أحمد والبيهقي: "أجنابه" - بالجيم - وهي بمعنى "أحنائه" بالحاء. (ابن الأثير: النهاية ١/٣٠٣، ٤٥٥) . ٥الكتائب: جمع كتيبة، والكتيبة: الجيش أو الجماعة المستحيزة من الخيل، وكتيبة جرارة: ثقيلة السير لكثرتها. (الفيروز آبادي: القاموس ١/١٢١، ٣٨٩) . ٦انشمر الناس: أي مضوا راجعين، وعند أحمد: "وانهزم الناس راجعين"، وهي تبين معنى انشمر. (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٢ وهو مطول) . قال القسطلاني: "قال الن جرير الطبري: الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود، وأما الاستطراد لكثرة فهو كالمنحاز إلى فئة". (المواهب اللدنية) . وقال الزرقاني: قال صاحب الروض: "لم يجمع العلماء على أن الفرار من الكبائر إلا في يوم بدر، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، [سورة لأنفال، من الآية: ١٦] . ثم أنزل التخفيف في الفارين يوم أحد وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [سورة آل عمران، من الآية: ١٥٥]، وكذا: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْْ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥]، إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٧] ". (شرح المواهب اللدنية ٣/٢٠، والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٠٨) . (أحمد: المسند ٣/٣٧٦، وأبو يعلى: المسند ٢/٢٠٠ رقم (٣٠٢)، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٤، وابن حبان: كما ورد في موارد الضمآن ص٤١٧، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٣- ٤٤ب) . ٩ كلدة - محركا - ابن حنبل، ويقال: ابن عبد الله بن حنبل الجمحي، المكي، صحابي له حديث، وهو أخو صفوان بن أمية لأمه. /بخ د ت س. (التقريب ٢/١٣٦، وتهذيب التهذيب ٨/٤٤٤- ٤٤٥) . وفي الإصابة ٣/٣٠٥ قال: كلدة بن الحسل - بالحاء والسين -. أهـ. وسماه ابن إسحاق: جبلة بن حنبل.
[ ١٤٣ ]
رسول الله - ﷺ – ألا بطل السحر اليوم، فقال له صفوان: اسكت فض١ الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
ثم قال الهيثمي: ورواه البزار باختصار، وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح٢.
قلت: وقد صرح ابن إسحاق بالسماع أيضا عن ابن هشام وابن حبان والبيهقي. وقد صحح هذا الحديث الألباني٣.
وعند الواقدي: قال: ولما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين - وهو واد أجوف ذو شعاب ومضايق - وفرق الناس فيه، وأوعز٤ إلى الناس أن يحملوا على محمد وأصحابه حملة واحدة.
وعبأ رسول الله - ﷺ - أصحابه وصفهم صفوفا في السحر، ووضع الألوية والرايات في أهلها.
ثم ذكر الألوية في قبائل العرب وحامليها: في المهاجرين والأنصار، وأسلم وبني غفار، وبني ضمرة وبني ليث، وبني كعب بن عمرو بن ربيعة بن خزاعة، وبني مزينة وجهينة وبني أشجع وسليم٥.
ثم قال: وكان رسول الله - ﷺ - قد قدم سليما من يوم خرج من مكة فجعلهم مقدمة الخيل، واستعمل خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدمته حتى ورد الجعرانة، وانحدر رسول الله - ﷺ - بأصحابه، وقد مضت مقدمته وهو على تعبئة في وادي حنين،
_________________
(١) ١ الفض - الكسر -، وهو دعاء عليه بأن يكسر الله أسنانه، يقال: لا يفض الله فاك، أي لا يكسر الله أسنانك. (ابن الأثير: النهاية ٣/٤٥٣) . (مجمع الزوائد ٦/١٧٩- ١٨٠) . (تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص ٤٢٢) . ٤ أوعز: وعز إليه في كذا أن يفعل أو يترك، وأوعز ووعز: تقدم وأمر. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/١٩٥) . ٥ في المعجم الكبير للطبراني ١١/٣٧٠- ٣٧١ من حديث ابن عباس قال: "شهد مع رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة ألف من بني سليم". وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي ٦/١٧٧، وفي الروض الأنف ٧/٢١٨ كان بنو سليم يوم حنين تسعمائة، فأمر رسول الله - ﷺ - عليهم الضحاك بن سفيان الكلابي، وكان يعد وحده بمائة فارس، وأخبره رسول الله - ﷺ - أنه قد تمهم به ألفا.
[ ١٤٤ ]
فانحدر رسول الله - ﷺ - انحدارا - وهو وادي حدور١ - وركب رسول الله - ﷺ - بغلته البيضاء دلدل، ولبس درعين٢ والمغفر والبيضة، واستقبل الصفوف وطاف عليها بعضها خلف بعض ينحدرون في الوادي، فحضهم على القتال وبشرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا، فبينا هم على ذلك ينحدرون في غلس الصبح.
فكان أنس بن مالك يحدث يقول: لما انتهينا إلى وادي حنين، وهو واد من أودية تهامة له مضايق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن شيء، لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان من السواد والكثرة!
فلما تحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غلس الصبح، إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملة واحدة، فانكشف أول الخيل - خيل سليم – مولية فولوا، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس منهزمين، ما يلوون على شيء٣.
؟ مهارة هوازن النادرة في إصابة الهدف بحيث لا يكاد يسقط لهم سهم.
وقد صرح بذلك حديث البراء بن عازب - ﵁ - عند البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا سياقه عند البخاري:
٥٩- حدثنا عمرو٤ بن خالد، ثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء وسأله رجل٥: أكنتم فررتم يا أبا عمارة٦ يوم حنين؟ قال: لا والله ما٧ ولى
_________________
(١) ١ الحدر: من كلّ شيء تحدره من علو إلى أسفل، والحدور والهبوط: المكان ينحدر منه. (ابن منظور: لسان العرب ٥/٢٤٤) . ٢ درع الحديد - بالكسر- وقد تذكر جمع أدرع وأدراع ودروع. والمخفر كمنبر وبهاء ككتابة: زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع به المتسلح. والبيضة: هي التي تلبس في الرأس في الحرب. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/١٠٣، ٣/٢٠، وابن حجر: هدي الساري ص٩١) . (الواقدي: المغازي ٣/٨٩٥، ٨٩٧) . ٤ عمرو بن خالد: هو الحراني. وزهير: هو ابن معاوية بن خديج. وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة -. ووقع في منتخب كنز العمال ٤/١٦٦: "عن ابن إسحاق" قال: رجل للبراء، وهو خطأ، والصواب "عن أبي إسحاق". ٥ قال ابن حجر: "لم أقف على تسميته، ووقع في رواية أنه من قيس". (فتح الباري ٨/٢٨) . ٦ أبو عمارة: كنية البراء - ﵁ -. ٧سيأتي توجيه هذا النفي في مبحث (عوامل انتصار المسلمين) تحت حديث (٧٩) وص١٩٣- ١٩٥.
[ ١٤٥ ]
رسول الله - ﷺ -، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم١ حسرا ليس٢ بسلاح فأتوا قوما رماة جمع هوازن وبني نصر ما يكاد يسقط لهم سهم فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون. الحديث٣.
وفي لفظ عند مسلم وابن أبي شيبة والطبري وأبي عوانة: "فقال البراء: أشهد على نبي الله - ﷺ - ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر٤ إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق٥ من نبل كأنها رجل٦ من جراد فانكشفوا". الحديث٧.
هذه بعض المرجحات التي كانت في جانب المشركين أدت إلى تفوقهم في أول الأمر.
وخاصة خطبة مالك بن عوف فيهم، خطبته الحماسية التي كان لها أثرها الفعال ووقعها في نفوسهم، حيث أثار فيهم النخوة والشجاعة والبسالة، في قوله: "إن محمدا
_________________
(١) ١ قوله: "وأخفاؤهم" قال النووي: جمع خفيف وهم المسارعون المستعجلون ووقع هذا الحرف في رواية إبراهيم الحربي والهروي وغيرهم "جفاة" - بجيم مضمومة وبالمدـ، وفسره: بسرعانهم. قالوا: تشبيهًا بجفاء السيل وهو غثاؤه. قال القاضي - ﵁ -: إن صحت هذه الرواية، فمعناها ما سبق من خروج من خرج معهم من أهل مكة ومن انضاف إليهم ممن لم يستعدوا، وإنما خرج للغنيمة من النساء والصبيان، ومن في قلبه مرض، فشبهه بغثاء السيل. (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٤، ومشارق الأنوار للقاضي عياض ١/٢٤٥ إلا أنه قال في غزوة "خيبر" بدل "حنين" وهو خطأ) . ٢ وعند مسلم والبيهقي: "ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح". (صحيح البخاري ٤/٣٥ كتاب الجهاد، باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته واستنصر. وصحيح مسلم ٣/١٤٠٠-١٤٠١ كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين) . ٤ الحسر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه ولا مغفر. (النهاية لابن الأثير ١/٣٨٣) . ٥ قوله: "برشق" بكسر الراء وهو اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة والرشق: بفتح الراء، مصدر رشقه يرشقه رشقا إذا رماه بالسهام. (ابن الأثير: النهاية ٢/٢٢٥، والنووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٥، ٤٠٧) . ٦ رجل من جراد: هو بكسر الراء: الجراد الكثير. (ابن الأثير: النهاية٢/٢٠٣) . وقوله: "فانكشفوا" أي انهزموا وفارقوا مواضعهم وكشفوها. (النووي شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٧) . (مسلم: الصحيح ٣/١٤٠٠- ١٤٠١ كتاب الجهاد، باب غزوة حنين. وابن أبي شيبة والطبري كما في كنز العمال ١٠/٣٥١، ومنتخب كنز العمال ٤/١٦٦ من مسند أحمد، كلاهما لعلاء الدين المتقي الهندي. وأبو عوانة: المسند٤/٢١٠-٢١١.وانظر: البيهقي: السنن الكبرى ٩/١٥٤-١٥٥) .
[ ١٤٦ ]
لم بقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوما أغمارا لاعلم لهم بالحرب فينصر عليهم". الأمر الذي جعل هوازن يستميتون في ساحة المعركة، يتساقطون واحدا تلو الآخر وهم مصممون على الانتصار.
ثانيا: بيان الأسباب الداخلية لاندحار المسلمين في أول الأمر:
أ- اغترار بعض المسلمين بكثرتهم، كما تقدم في حديث: "لن نغلب اليوم عن قلة" ١.
وعند الواقدي: فلما فصل رسول الله - ﷺ - من مكة، قال رجل من أصحابه: "لو لقينا بني شيبان٢ ما بالينا٣ ولا يغلبنا اليوم أحد عن قلة"٤.
فكانت هذه المقالة بادرة سوء تألم منها رسول الله - ﷺ -، لأن فيها إعجاب بالعدد والكثرة وغفلة عن الله الذي لا يكون النصر للمسلمين إلاّ من عنده. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، [آل عمران، من الآية: ١٢٦] .
ب- عدم تمكن عقيدة التوحيد في بعض المسلمين كما في حديث أبي واقد الليثي في قول بعضهم: "يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" ٥.
وكانت هذه الكلمة مؤلمة لسمع الرسول - ﷺ - مما يدل على وجود حفنة من هذا الجيش لم يصلوا بعد إلى المستوى الإيماني المطلوب، لحداثة عهدهم بالإسلام.
؟- الخفة والعجلة التي حصلت من بعض القوم وشبانهم، حيث خرجوا إلى هوازن قبل استكمال وسائل الحرب فلم يستطيعوا الوقوف أمام سهام المشركين ونبالهم، وهذا ما صرح به حديث البراء بن عازب - ﵁ -.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (٤٤)، وانظر حديث رقم (٥٢)، (٥٣)، (٥٤) . ٢ بنو شيبان: نسبة إلى شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر ابن وائل، قبيل كبير من بكر بن وائل ينسب إليه خلق كثير من الصحابة والتابعين، والأمراء والفرسان والعلماء في كل فن. (ابن الأثير: اللباب في تهذيب الأنساب ٢/٢١٩) . ٣ بالى بالشيء يبالي به إذا اهتم به. (ابن منظور: لسان العرب ١٨/٩١) . والمعنى: لو لقينا بني شيبان لم نبالي بهم لكثرتنا. (مغازي الواقدي ٣/٨٨٩) . ٥ تقدم تخريجه برقم (٥١) .
[ ١٤٧ ]
فعند البخاري وغيره عن البراء قال له رجل: يا أبا عمارة ولَّيْتُم يوم حنين؟
قال: لا. والله ما ولى النبي ﷺ، ولكن ولى سرعان١ الناس، فلقيهم هوازن بالنبل. الحديث٢.
وفي لفظ: فقال البراء: "أما أنا فأشهد على أن النبي - ﷺ - لم يول، ولكن عجل سرعان القوم، فرشقتهم هوازن". الحديث٣.
وفي لفظ قال البراء: "لا. والله، ما ولى رسول الله - ﷺ -، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فأتوا قوما رماة جمع هوازن وبني نصر، ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقتهم ما يكادون يخطئون" الحديث٤.
فهذا الحديث على اختلاف ألفاظه يدل على أن سرعان القوم وأخفاءهم عجلوا في مبارزة العدو قبل استكمال عدة الحرب فلم يستطيعوا الثبات أمام هجمة هوازن عليهم ففروا وفر الناس بعدهم.
د- فرار الأعراب وعدم ثبوتهم أمام المشركين مما شجع العدو في مواصلة مطاردة المسلمين.
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "ولكن ولى سرعان الناس فاستقبلتهم هوازن بالنبل". وعند الروياني: "ولكن ولى سرعان من الناس يلتقطهم هوازن بالنبل". وعند أبي عوانة: "فقال البراء: معاذ الله! قال: أما أنا فأشهد أن النبي - ﷺ - لم يول، ولكن سرعان من الناس حين رشقهم هوازن بالنبل". وعند مسلم وأبي عوانة: "أشهد على النبي - ﷺ - ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رِجل من جراد فانكشفوا". (وسَرَعان الناس) بفتح السين والراء، ويجوز تسكين الراء: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة. (ابن الأثير: النهاية ٢/٣٦١) . (البخاري: الصحيح ٣/٢٦ كتاب الجهاد، باب بغلة النبي - ﷺ - البيضاء، وتمام الحديث: "والنبي - ﷺ - على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والنبي - ﷺ - يقول: أنا النبي لاكذب أنا ابن عبد المطلب"٣ (البخاري: الصحيح ٥/١٢٦ كتاب المغازي، باب (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) . و(الترمذي: السنن ٣/١١٧ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الثبات عند القتال) . و(أحمد: المسند ٤/٢٨٩، ٣٠٤) . و(الروياني: المسند ١/٦٦، ٦٧ ب رقم٥٧٥) . و(أبوعوانة: المسند ٤/٢٠٨) . و(البيهقي: السنن الكبرى ٩/١٥٤) . (البيهقي: السنن الكبرى ٩/١٥٤. وتقدم برقم (٥٩) .
[ ١٤٨ ]
وهذا هو صريح حديث أنس بن مالك قال: "افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف١، وعلى مجنبة٢ خيلنا خالد ابن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوي٣ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب٤ ومن نعلم من الناس" الحديث٥.
؟- انهزام الطلقاء:
وهذا هو ما صرح به أنس بن مالك في حديثه عند مسلم وغيره، وهذا سياق مسلم:
٦٠- حدثنا أبو بكر٦ بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن أم سليم٧ اتخذت يوم حنين ٨
_________________
(١) ١ قوله: "ونحن كثير قد بلغنا ستة آلاف" تقدم توجيهه في الحديث رقم (٤٠) . ص١١٢ تعليقة (٤) . ٢ مجنبة - بضم الميم وفتح الجيم والنون المشددة –: هي التي تكون في الميمنة والميسرة، وهما مجنبتان والقلب بينهما. وقيل: هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ إحدى ناحيتي الطريق. والأول أصح. والمجنبة - بفتح النون-: المقدمة. (ابن الأثير: النهاية ١/٣٠٣، والنووي: شرح صحيح مسلم٣/١٠٢،وابن منظور: لسان العرب١/٢٦٨،والفيروزآبادي: القاموس المحيط١/٤٨) . ٣قوله:"فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا".قال النووي: هكذا في أكثر النسخ: تلوي". وفي بعضها"تلوذ"،وكلاهما صحيح. (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٢) . ٤ الأعراب: هم سكان البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه. والنسبة إليهما: أعرابي، وعربي. (ابن الأثير: النهاية٣/٢٠٢،وابن منظور: لسان العرب٢/٧٥-٧٦، والفيروزآبادي: القاموس المحيط ١/١٠٢) . ٥ تقدم تخريج الحديث برقم (٤٠) . ٦ هو: عبد الله بن محمد أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي صاحب التصانيف. ٧ أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصارية، والدة أنس بن مالك، وزوج أبي طلحة، يقال: اسمها سهلة، أو رميلة، أو رميثة، أو مليكة، أو أنيثة، وهي: الغميصاء، أو الرميصاء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات (ت في خلافة عثمان) /خ م د ت س. (ابن حجر: التقريب ٢/٦٢٢) . ٨ يوم حنين: قال النووي: هكذا هو في النسخ المعتمدة (يوم حنين) بضم الحاء المهملة وبالنونين، وفي بعضها (يوم خيبر) بالخاء المعجمة والأول هو الصواب. (شرح مسلم ٤/٤٦٩) . ولفظ (الطلقاء) يعين ما قاله النووي، لأن (في خيبر) لم يكن هناك طلقاء.
[ ١٤٩ ]
خنجرا١، فكان معها، فرآها أبو طلحة٢ فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر٣، فقال لها رسول الله - ﷺ - "ما هذه الخنجر؟ " قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت٤ به بطنه، فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك، قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء٥ انهزموا بك. فقال رسول الله - ﷺ -: "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن" ٦.
والحديث أخرجه ابن سعد، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وأبو نعيم. الجميع من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت به٧.
_________________
(١) ١ خنجر - كجعفر -: السكين، أو العظيمة منها، ويكسر خاؤه. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/٢٤) . وقال النووي: "سكين كبيرة ذات حدين". (شرح مسلم ٤/٤٦٩) . وفي لفظ عند أحمد "أن أبا طلحة أتاها ومعها معول". قال ابن الأثير: المعول - بالكسر - الفأس، والميم زائدة وهي ميم الآلة. (النهاية ٤/٣٤٤) . ٢ هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري، النجاري، أبو طلحة المشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرا وما بعدها (ت ٣٤)، وقال أبو زرعة الدمشقي: عاش بعد النبي - ﷺ - أربعين سنة. /ع. (ابن حجر: التقريب ١/٢٧٥) . ٣ وفي لفظ عند أحمد: "جاء أبو طلحة يوم حنين يضحك رسول الله ﷺ من أم سليم، قال: يا رسول الله ألم تر إلى أم سليم متقلدة خنجرا". ٤ وعند أبي داود وابن أبي شيبة وأحمد وأبي يعلى: "أبعج به بطنه". وعند إسحاق بن راهويه: "بعجت به بطنه". وعند ابن ابي شيبة وأحمد: "طعنته به". والبقر والبعج: معناهما الشق. والطهن: هو الوخز بحربة ونحوها. (ابن الأثير: النهاية ١/١٣٩، ١٤٤- ١٤٥، ٥/١٦٣، وابن منظور: لسان العرب ١٧/١٣٥) . ٥ قولها: "اقتل من بعدنا من الطلقاء". قال النووي: الطلقاء هم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح، سموا بذلك لأن النبي - ﷺ - منّ عليهم وأطلقهم، وكان في إسلامهم ضعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون، وأنهم استحقوا القتل بانهزامهم وغيره، وقولها: "من بعدنا" أي من سوانا. (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٦٩) . وقال الحلبي: يقال إن الطلقاء وهم أهل مكة قال بعضهم لبعض: أي من كان إسلامه مدخولا منهم - اخذلوه هذا وقته فانهزموا، فهم أول من انهزم وتبعهم الناس، وعند ذلك قال أبو قتادة لعمر - ﵄ -: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله. (السيرة الحلبية ٣/٦٥) . (مسلم: الصحيح٣/١٤٤٢ كتاب الجهاد والسير، باب غزو النساء مع الرجال) . (ابن سعد: الطبقات الكبرى ٨/٤٢٥، وإسحاق بن راهويه: المسند ص: ١٥ برقم (٣٧٧)، وعبد بن حميد: المسند ص: ١٥٨ برقم (٣٢٣)، وأحمد: المسند ٣/٢٨٦، وأبو نعيم: حلية الأولياء ٢/٦٠، وأبو يعلى: المسند ٣/٣٢١ و٣٣١ برقم (٣٠٣) .
[ ١٥٠ ]
وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، كلاهما من طريق سليمان١ بن المغيرة، عن ثابت به٢.
وأخرجه مسلم، وأبو داود، وأحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة. الجميع من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك٣.
وأخرجه أحمد من طريق ابن أبي عدي٤، عن حميد، عن أنس٥. فهذا الحديث رواه هؤلاء الأئمة عن أنس منهم المختصر ومنهم المطول.
٦١- وأخرجه ابن إسحاق عن عبد الله٦ بن أبي بكر مرسلًا بنحوه، وهذا سياقه قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله - ﷺ - التفت فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حازمة وسطها ببرد لها، وأنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزها٧ الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته٨ مع الخطام، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أم سليم؟ .
_________________
(١) ١ سليمان بن المغيرة القيسي. ثقة. تقدم في ص ١٣٧. (ابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩٣- ٩٤ ب- أ، وانظر: منتخب كنز العمال لعلاء الدين المتقي الهندي٤/١٧١-١٧٢ مع مسند أحمد. وأحمد: المسند٣/١١٢ و١٩٨) . وفي علل الحديث لابن أبي حاتم ١/٣١١ قال: "سألت أبي عن حديث رواه أبو أسامة - هو: حماد بن أسامة - عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أنس قال: قال أبو طلحة لرسول الله - ﷺ - في بعض غزواته: ألا ترى إلى أم سليم في يدها خنجر". الحديث. قال أبي هذا خطأ، وإنما هو سليمان ابن المغيرة عن ثابت عن أنس. (مسلم: الصحيح ٣/١٤٤٣ كتاب الجهاد والسير، باب غزو النساء مع الرجال. ولم يسق لفظه. وأبو داود: السنن ٢/٦٥ كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى القاتل. وأحمد: المسند ٣/١٩٠ و٢٧٩. وأبوداود الطيالسي ٢/١٠٨- ١٠٩ مع "منحة المعبود". وابن أبي شيبة: التاريخ ص٩٣- ٩٤ ب- أ) . ٤ هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، أبو عمرو البصري، ثقة (ت ١٩٤) على الصحيح. /ع. (التقريب ٢/١٤١، وتهذيب التهذيب ٩/١٢- ١٣) . ٥ المسند ٣/١٠٨. ٦ هو: عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري، تقدمت ترجمته في حديث (٣٥) . ٧ يعزها: أي يغلبها (المصباح المنير ٢/٤٨٤) . ٨ الخزامة: حلقة من شعر تجعل في أحد جانبي منخري البعير، لينقاد بسهولة. (ابن الأثير: النهاية ٢/٢٩) .
[ ١٥١ ]
قالت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل.
فقال رسول الله - ﷺ -: "أو يكفي الله يا أم سليم"؟
قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟
قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين، بعجته به.
قال: يقول أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم للغميصاء١.
ومن طريقه أخرجه الطبري٢.
وانكباب المسلمين عل جمع الغنائم واشتغالهم بها، وذلك أن المسلمين حملوا على الكفار فلاذوا بالفرار تاركين أموالهم وعتادهم، فظن المسلمون أن الكفار انهزموا إلى غير رجعة، فأقبلوا على جمع الغنائم وحيازتها، فانتهز المشركون غفلة المسلمين فانهالوا عليهم من كل صوب يضربون ويطعنون، فانكشف المسلمون أمام المشركين لا يلوي أحد منهم على أحد، والكفار في آثارهم يطاردونهم. وهذا ما صرح به البراء بن عازب - ﵁ - في حديثه عند البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا سياق البخاري:
عن أبي إسحاق سمع البراء وسأله رجل من قيس: "أفررتم عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله - ﷺ - لم يفر، كانت هوازن رماة٣، وإنا لما حملنا
_________________
(١) (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٦. والغميصاء: اسم أم سليم) . (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٦) . ٣ وفي لفظ عند البخاري: "أن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم واستقبلونا بالسهام". وعند مسلم والطبري: "وكانت هوازن يومئذ رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام". وعند أبي داود الطيالسي وأبي عوانة: "أن هوازن كانوا قوما رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم واستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس". وعند أبي عوانة أيضا: "أن هوازن كانوا قوما رماة وإنا لما التقينا انكشفوا، وأقبل أصحاب رسول الله - ﷺ - على الغنائم، ورموهم بالسهام". قال الحلبي: وسياق هذا الحديث يدل على أنّ المسلمين انهزموا مرتين: الأولى في أول الأمر، والثانية عند انكبابهم على أخذ الغنائم. (السيرة الحلبية ٣/٦٥) .
[ ١٥٢ ]
عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام " الحديث١.
ومن خلال هذه الألفاظ الواردة في حديث البراء نرى كيف وصل الحال بالمسلمين عندما ذهبوا يتسابقون إلى حطام الدنيا الفانية مما جعلهم يفقدون توازنهم، ويتركون مواقعهم عندما هاجمتهم هوازن في حال انشغالهم بجمع الغنائم، فكانت كارثة عظيمة، تخلى المسلمون عن رسول الله - ﷺ - إلاّ القليل منهم.
ز- إن ما حصل للمسلمين في غزوة حنين من انكسار أمام الأعداء، كان مصدره أمر الله وقدره، وذلك ليطأطئ رؤوس أقوام رفعها الإعجاب بكثرتهم وقدرتهم القتالية، فأدبهم الرب ﷿ ليعلمهم أن النصر من عنده ﷾، وأن كثرتهم وجموعهم لا تجدي عنهم شيئا.
وهذا ما تضمنه حديث أبي قتادة٢ - ﵁ - عند البخاري وغيره. وهذا سياق البخاري:
٦٢- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى٣ بن سعيد، عن ابن أفلح٤، عن أبي٥ محمد مولى أبي قتادة - ﵁ - قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) (البخاري: الصحيح ٤/٢٥ كتاب الجهاد، باب من قاد دابة غيره في الحرب. ومسلم: الصحيح ٣/١٤٠١ كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين. وأحمد: المسند ٣/٢٨١، وابن أبي عاصم: كتاب الجهاد ص٥٩- ٦٠ ب - أضمن مجموعة (٢٧)، والطبري: جامع البيان ١٠/١٠٢، وأبو عوانة: المسند ٤/٢٠٧) . وتقدم الحديث برقم (٥٩) . ٢ أبو قتادة الأنصاري: اختلف في اسمه فقال بعضهم: الحارث، ويقال عمرو، أو النعمان ابن ربعي - بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة - ابن بُلدمة - بضم الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة - السلمي - بفتحتين - المدني، شهد أحدا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا (ت ٥٤، وقيل: ٣٨) والأول أصح وأشهر. /ع. (ابن حجر: التقريب ٢/٤٦٣) . ٣ هو: ابن قيس الأنصاري، ثقة ثبت، من الخامسة، (ت١٤٤ أو بعدها) . /ع. (المصدر السابق ٢/٣٤٨) . ٤ عمر بن كثير بن أفلح المدني، مولى أبي أيوب، ثقة من الرابعة. /خ م د ت كن ق. (التقريب ٢/٦٢٩) . وفي الفتح ٤/٣٢٣، ٨/٣٨ قال عنه: "عمر بن كثير بن أفلح مدني، مولى أبي أيوب الأنصاري، وثقه النسائي وغيره، وهو تابعي صغير، ولكن ابن حبان ذكره في أتباع التابعين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث بهذا الإسناد، لكن ذكره في مواضع: فتقدم في البيوع مختصرًا، وفي فرض الخمس تامًا، وسيأتي في الأحكام، وقد ذكرت في البيوع أن يحيى بن يحيى الأندلسي حرفه في روايته فقال: "عن عمرو بن كثير "بفتح العين، والصواب "عمر". إهـ. قلت: وقد وقع عند ابن ماجة وأحمد والطحاوي: "عمرو". ٥ هو: نافع بن عباس - بموحدة ومهملة - أو تحتانية ومعجمة - أبو محمد الأقرع، المدني، مولى أبي قتادة، قيل له ذلك: للزومه، وكان مولى عقيلة الغفارية، ثقة من الثالثة. /ع. (ابن حجر: التقريب ٢/٢٩٥) . وفي تهذيب التهذيب١٠/٤٠٥-٤٠٦ قال عنه: "أبو محمد مولى أبي قتادة، ويقال: مولى عقيلة الغفارية، ويقال: أنهما اثنان". قال ابن حبان في الثقات: نافع مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، وهو الذي يقال له: نافع مولى أبي قتادة، نسب إليه ولم يكن مولاه. ثم قال ابن حجر: ويؤيد قول ابن حبان ما وقع عند أحمد من طريق مغفل بن إبراهيم سمعت رجلا يقال له مولى أبي قتادة ولم يكن مولاه، يحدث عن أبي قتادة، فذكر حديث الحمار الوحشي. وفي رواية ابن إسحاق: عن عبد الله بن أبي سلمة، أنّ نافعًا الأقرع مولى بني غفار حدّثه، أنّ أبا قتادة حدّثه، فذكر هذا الحديث". اهـ. (انظر: حديث أحمد وابن إسحاق المشار إليهما في مسند أحمد٥/٣٠٦ و٣٠٨، غير ان الحديث عند أحمد من طريق "سعد بن إبراهيم" وهو: ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وأما مغفل بن إبراهيم فلم أجده في التقريب ولا في تعجيل المنفعة، فالظاهر أنه خطأ. وقد ورد عند أحمد وأبي عوانة من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر بن كثير عن أبي محمد جليس كان لأبي قتادة قال: "ثنا أبو قتادة". وعند ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم من أصحابنا عن نافع مولى بني غفار أبي محمد، عن أبي قتادة. (انظر: مسند أحمد ٥/٢٩٥، وسيرة ابن هشام ٢/٤٤٨، ومسند أبي عوانة ٤/١١٦) . وهذه الأحاديث تدل على أن أبا محمد كان جليسا لأبي قتادة فقيل له: مولى أبي قتادة لكثرة ملازمته له ولم يكن مولاه حقيقة. قال النووي وابن حجر: "في حديث الباب ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: يحيى بن سعيد، وعمر بن كثير، وأبو محمد". (انظر شرح النووي على مسلم ٤/٣٥١، وفتح الباري ٤/٣٢٣) .
[ ١٥٣ ]
يوم حنين١، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة٢، فرأيت رجلا من المشركين علا٣
_________________
(١) ١ عند الشافعي: "يوم خيبر" وهو خطأ مطبعي. ٢ قوله: "كانت للمسلمين جولة" - بفتح الجيم وسكون الواو -: أي انهزام وخيفة ذهبوا فيها، وهذا إنما كان في بعض المسلمين، وأما رسول الله - ﷺ - وطائفة معه فلم يولوا. والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة. (النووي: شرح صحيح مسلم ٤/٣٥١) . وانظر القول في ذلك تحت حديث رقم (٧٩) وص١٩٣- ١٩٥. ٣ علا رجلا أي ظهر عليه. وعند البخاري من حديث الليث بن سعد: "لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتها". وعند أحمد وابن إسحاق: قال أبو قتادة: "رأيت رجلين يقتتلان مسلم ومشرك، وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم، فأتيته فضربت يده فقطعتها واعتنقني بيده الأخرى، فوالله ما أرسلني حتى وجدت ريح الموت، فلولا أن الدم نزفه لقتلني فسقط فضربته فقتلته". قال ابن حجر: تبين من هذه الروية أن الضمير في الأولى "فضربته" لهذا الثاني الذي كان يريد أن يَخْتِل المسلم. (فتح الباري ٨/٣٧) .
[ ١٥٤ ]
رجلا من المسلمين، فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل١ عاتقه، فأقبل علي فضمني٢ ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر٣ بن الخطاب فقلت٤ ما بال الناس؟ قال: "أمر٥ الله". الحديث٦.
والحديث أخرجه أيضا مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، ومالك، والشافعي، وعبد الرزاق، والحميدي، وأحمد، وابن الجارود، والطحاوي، وأبو عوانة، والبيهقي، والحازمي٧. الجميع من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر بن كثير بن أفلح به.
_________________
(١) ١ على حبل عاتقه: قال ابن حجر: حبل العاتق: عصبه، والعاتق: موضع الرداء من المنكب، وعرف منه أن قوله في الرواية الثانية - يعني رواية الليث - فأضرب يده فقطعتها "أن المراد باليد الذراع والعضد إلى الكتف". (فتح الباري ٨/٣٧) . وفي لفظ عند البخاري:"فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع". وعند الطحاوي:"فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة حتى قطعت حبل الدرع ". قال ابن حجر: قوله: "فقطعت الدرع" أي التي كان لابسها وخلصت الضربة على يده فقطعتها. (فتح الباري ٨/٣٧) . ٢ قوله: "فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت". قال النووي: يحتمل أنه أراد شدة كشدة الموت، ويحتمل قاربت الموت. (شرح صحيح مسلم ٤/٣٥١) . ٣ قوله: "فلحقت عمر بن الخطاب" قال ابن حجر: في السياق حذف بينته الرواية الثانية - يعني رواية ليث - حيث قال: ثم أخذني فضمني شديدا حتى تخوفت، ثم ترك فتحلل - أي انحلت قواه - ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له: "ما شأن الناس؟ ". ٤وعند مسلم والحازمي:"فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟ "فقلت:"أمر الله". ٥ وفي لفظ عند البخاري: قال: "أمر الله ﷿". والمعنى: حكم الله وقضاؤه. (البخاري: الصحيح ٣/٥٥ كتاب البيوع، باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها. ٤/٧٣ كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب الخ، و٥/١٢٩ كتاب المغازي، باب (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) الخ، ٩/٥٧ كتاب الأحكام، باب الشهادة تكون عند الحاكم. انظر سياق الحديث في الأحكام، الحكم رقم (١٣) ص٦٣٦) . (مسلم: الصحيح ٣/١٣٧٠- ١٣٧١ كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل. وأبو داود: السنن ٢/٦٤ كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى للقاتل. والترمذي: السنن ٣/٦١ كتاب السير، باب ما جاء فيمن قتل قتيلا فله سلبه. وابن ماجة: السنن ٢/٩٤٦ كتاب الجهاد، باب المبارزة والسلب. ومالك: الموطأ ٢/٤٥٤ كتاب الجهاد، باب ما جاء في السلب في النفل. والشافعي: الأم ٤/٦٦ (الأنفال) . وعبد الرزاق: المصنف ٥/٢٣٦. والحميدي: المسند ١/٢٠٤، وأحمد: المسند ٥/٢٩٥، ٢٩٦. وابن جارود: المنتقى ص٣٦٠. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٦- ٢٢٧. وأبو عوانة: المسند ٤/١١١- ١١٤، ١١٦. والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٠٦، ٩/٥٠. والحازمي: الاعتبار ص٢٢١- ٢٢٢) .
[ ١٥٥ ]
منهم من ساقه بتمامه ومن هم من اقتصر على جزء منه.
وقد اتفقت جميع الطرق على ان أبا قتادة راوي الحديث هو الذي سأل عمر بن الخطاب عن سبب انهزام المسلمين، ماعدا مسلما والحازمي فإن الأمر عندهما بالعكس.
والحديث أخرجه كذلك ابن إسحاق من طريقين: قال في الأولى: حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن أبي قتادة.
وفي الثانية: حدثني من لا أتهم من أصحابنا عن نافع مولى بني غفار أبي محمد عن أبي قتادة، ثم ساق الحديث١.
ومن طريقه أخرجه أحمد٢، وسمى المبهم في الطريق الثانية "يحيى بن سعيد" الذي مدار حديث الباب عليه، غير أن كون يحيى بن سعيد يروي عن نافع مباشرة فيه نظر، وذلك لأن جميع طرق الحديث التي وقفت عليها أنه يروي عنه بواسطة "عمر بن كثير بن أفلح" ولم أجد مَنْ نصّ مِن العلماء أن نافعًا من شيوخ يحيى، فالظاهر أن في سند ابن إسحاق انقطاعا، وقد عرف الواسطة من طرق أخرى، وهو: "عمر بن كثير".
هذه معظم الأسباب التي عثرت عليها في سبب تخلي المسلمين عن رسول الله - ﷺ - منسحبين أمام هوازن إلاّ قلة ممّن ثبت معه - ﷺ -.
وإذا أمعنا النظر نجد أن الذين بدأوا بالفرار هم أحداث الأسنان والأعراب والطلقاء، وهؤلاء ليسوا من كبار الصحابة وأهل القدم الراسخ في الإسلام. ثم صادف ذلك انشغال بعض المسلمين بجمع الغنائم كما في بعض الروايات الصحيحة.
_________________
(١) (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٨) . (المسند ٥/٣٠٦ وسياقه قال عبد الله بن أحمد حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني عبد بن أبي بكر أنه حدّث عن أبي قتادة. قال يعقوب بن إبراهيم قال أبي وحدثني ابن إسحاق عن يحيى بن سعيد عن نافع عن الأقرع) .
[ ١٥٦ ]
هذا هو الذي استخلصته في بيان أسباب انكشاف المسلمين في بداية المعركة، معتمدا على المرويات الواردة في ذلك، ولكن الأمر لم يدم طويلا في تلك المعركة لصالح المشركين، بل نصر الله جنده في نهاية الأمر، كما سيتبين ذلك من خلال دراستنا لهذه الغزوة.
وفي ختام هذا المبحث أحب أن أشير إلى أن من سنن الله الكونية التي لا تتخلف أن الله ﷾، جعل للنصر والظفر على الأعداء أسبابا، كما جعل للهزيمة والانحدار أسبابا، فمن أخذ بأسباب النصر جاءه النصر بإذن الله، ومن تخلى عنها أو عن بعضها جاءته الهزيمة والانتكاس.
والعبرة التي يجب تقريرها والتأكيد عليها في هذا المبحث أيضا أن الجيش الإسلامي الذي يكون قائده رسول الله - ﷺ -، إذا حصل منه تقصير في جنب الله، فإنه يعاقب بالهزيمة ولا يخرج عن سنة الله في ذلك، فلا ينتصر وهو غير مستوجب لشروط النصر وأسبابه.
فوقوع مثل هذا في جيوش المسلمين المقصرين في حق الله عليهم، والذين قوادهم من البشر العاديين أولى وأحرى، وإنه لدرس عظيم تقدمه لنا سيرة سلفنا الصالح وحياة ذلك الرعيل الأول، الذين عاش بين ظهرانيهم رسول الله - ﷺ -، والوحي ينزل عليه، وقد أذاقهم الله حلاوة النصر من عنده إذا صبروا وصدقوا واستكملوا عناصر النصر المادية والمعنوية، ولم يغفلوا عن الله.
كما أذاقهم مرارة الهزيمة، إذا هم غفلوا عن الله وتنازعوا وركنوا إلى الدنيا وبيّن لهم أن ذلك الانهزام ما جاءهم إلا من عند أنفسهم إما إعجابا بكثرتهم أو بإقبالهم على حطام الدنيا، أو بغير ذلك من الأسباب.
وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وممّا يحسن الإشارة إليه هنا – أيضا – أن المسلمين في غزوة حنين كانوا اثني عشر ألفا أو يزيدون١، وقد حصل لهم ما بيّناه في هذا المبحث من إدبارهم على رغم هذا العدد الكبير الذي لم يتوافر مثله في غزواتهم السابقة، وقد يتوهم متوهم أن هذا يعارض ما رواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن عباس الوارد فيه:
_________________
(١) ١ انظر ص١١٦.
[ ١٥٧ ]
٦٣- "ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" ١.
وفي لفظ عند أحمد: "لن يغلب قوم عن قلة يبلغون أن يكونوا اثني عشر ألفا".
وعند الدارمي: "وما بلغ اثنا عشر ألفا فصبروا وصدقوا فغلبوا من قلة".
وعند أبي يعلى: "وما هزم قوم بلغوا اثني عشر ألفا من قلة إذا صدقوا وصبروا".
وعند الواقدي: "ولا تغلب اثنا عشر ألفا من قلة كلمتهم واحدة" ٢.
ذلك أن هذا الحديث مقيد بقيدين وهما: "الصبر، والصدق". فإذا بلغ الجيش هذا العدد لا يغلب من قلة، إذا صبروا وصدقوا، بل ربما يكون عددهم أقل من هذا ويكون النصر حليفهم بالصبر والصدق، وإنما يغلبون لأمر آخر كالإعجاب بالكثرة وبما زين لهم الشيطان من أنفسهم من قدرتهم على الحرب وشجاعتهم وقوتهم ونحو ذلك.
والحاصل أن انتصار المسلمين مرتبط بأسباب وموانع، فإذا توفرت الأسباب وانتفت الموانع حصل النصر بإذن الله قل العدد أو كثر، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾،٣. على أنه قد يقال بعدم التعارض مطلقا بين ما وقع في حنين، وما يتضمنه قوله - ﷺ -: "لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" ذلك أن ما وقع في حنين ليس هزيمة كسر فيها المسلمون ولم يقم لهم بعدها قائمة في هذه المعركة، وإنما الذي حدث هو إدبار في بادئ المعركة، أعقبه بعد ذلك انتصار عظيم على الكفار، وغنيمة لما معهم، فمثل هذه الحال لا يقال فيها إنها هزيمة نهائية، وعليه فلا تعارض، وهذا أظهر واوجه. والله أعلم.
وحديث "لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، كلهم
_________________
(١) (أبو داود: السنن ٢٨٣٥ كتاب الجهاد، باب فينا يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا) . ونص الحديث: "عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة". (مغازي الواقدي ٣/٨٩٠) . ٣ سورة البقرة: ٢٤٩.
[ ١٥٨ ]
من طريق جرير١ بن حازم، عن يونس٢ بن يزيد الأيلي، عن الزهري٣، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - ٤.
وأخرجه الترمذي، وأحمد وأبو يعلى، والطحاوي، كلهم من طريق حبان٥ بن علي العنزي، عن عقيل٦ بن خالد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبيﷺ٧.
ورواه الدارمي من طريق حبان بن علي العنزي، عن يونس بن يزيد، وعقيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - ٨.
والحديث قال فيه أبو داود: والصحيح أنه مرسل٩.
_________________
(١) ١ جرير بن حازم "ثقة"، تقدمت ترجمته في حديث (١) . ٢ يونس بن يزيد بن أبي النجاد، الأيلي - بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام - أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة، إلاّ أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة (ت ١٥٩) على الصحيح. /ع. (التقريب ٢/٣٨٦، تهذيب التهذيب ١١/٤٥٠) . ٣ تقدمت ترجمة الزهري وعبيد الله في حديث (٣٢) . (الترمذي: السنن٣/٥٦-٥٧ كتاب السير، باب ما جاء في السرايا. وأحمد: المسند١/٢٩٤. وعبد بن حميد: المسند ١/٩١ب رقم (٣٢٢)، وابن خزيمة: الصحيح ٤/١٤٠، والطحاوي: مشكل الآثار ١/٢٣٨، وابن حبان: كما في موارد الظمآن ص٤٠٠، والبيهقي: ٩/١٥٦) . ٥ حبان - بالكسر - ابن علي العنزي - بفتح العين والنون ثم زاي - أبو علي الكوفي، ضعيف، من الثامنة، كان له فقه وفضل، (ت ١٧١ أو ١٧٢) . /ق. (التقريب ١/١٤٧، وتهذيب التهذيب ٢/١٧٣) . ٦ عقيل - بالضم - بن خالد بن عقيل - بالفتح - الأيلي - بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام - أبو خالد الأموي، مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة ثم الشام ثم مصر، من السادسة (ت ١٤٤) على الصحيح. /ع. (التقريب ٢/٢٩، وتهذيب التهذيب ٧/٢٥٥- ٢٥٦) . (الترمذي: السنن ٣/٥٧ كتاب السير، باب ما جاء في السرايا. أحمد: المسند١/٢٩٩.وأبو يعلى: المسند ٣/٢٧١أرقم٣٠٣.والطحاوي: مشكل الآثار١/٢٣٨. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٢٥٨ و٣٢٧: رواه أبو داود والترمذي خلا قوله: "صدقوا وصبروا". (سنن الدارمي٢/١٣٤-١٣٥كتاب السير، باب في خير الأصحاب والسرايا والجيوش) . (سنن أبي داود ٢/٣٥ كتاب الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا، والمراسيل له ص٣٤. ومصنف عبد الرزاق ٥/٣٠٦) .
[ ١٥٩ ]
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا الحديث عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلا.
وقد رواه حبان بن علي العنزي، عن عقيل، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -.
ورواه الليث بن سعد١، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي - صلى الله عليه مسلم -٢. إهـ
وهكذا أعله بالإرسال أيضا أبو حاتم، والطحاوي، والبيهقي٣.
والخلاصة: أن هذا الحديث تفرد بوصله جرير بن حازم، وهو ثقة. والزيادة من الثقة مقبولة، كما هو مقرر في علم المصطلح٤.
وقد قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف بين الناقلين عن الزهري٥. وسكت عنه الذهبي.
وقال ابن القطان٦: هذا ليس بعلة، فالأقرب صحته٧.
وقال البيهقي - بعد سياق الحديث -: "قال أبو داود: أسنده جرير بن حازم وهو خطأ".
_________________
(١) ١ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث، المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة (ت ١٧٥) . /ع. (التقريب ٢/١٣٨، وتهذيب التهذيب ٨/٥٤٩) . (سنن الترمذي ٣/٥٧ كتاب السير، باب ما جاء في السرايا. وهذه الرواية التي علقها الترمذي، وصلها الطحاوي في مشكل الآثار ١/٢٣٩ من طريق ابن صالح حدثني الليث عن عقيل الخ. قال الألباني: وابن صالح اسمه عبد الله كاتب الليث وفيه ضعف فلا يحتج به عند التفرد، فكيف عند المخالفة؟ (سلسلة الأحاديث الصحيحة٢/٧٢٠ حديث٩٨٦) . (انظر: علل الحديث لابن أبي حاتم١ /٣٤٧، ومشكل الآثار للطحاوي ١/٢٣٨، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/١٥٦) . ٤ انظر: حديث (٣٢) . (المستدرك ١/٤٤٣، ٢/١٠١) . ٦ هو الحافظ العلامة الناقد قاضي الجماعة أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي الشهير بابن القطان، صاحب كتاب الوهم والإيهام كان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظم لأسماء رجاله وأشدهم عناية بالرواية، وهو رأس طلبة العلم بمراكش (ت: ٦٢٨) . (الذهبي/ تذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧) . ٧ انظر: (فيض القدير للمناوي ٣/٤٧٤) .
[ ١٦٠ ]
فتعقبه ابن التركماني بقوله: "هذا ممنوع، لأن جريرا ثقة، وقد زاد الإسناد فيقبل قوله"١.
وصححه أيضا السيوطي٢.
وقال الألباني: "جرير بن حازم ثقة احتج به الشيخان، وقد وصله، وهي زيادة يجب قبولها، ولا يضره رواية من قصر به على الزهري"، ولذلك قال ابن القطان: هذا ليس بعلة فالأقرب الصحة.
وقد تابعه حبان بن علي العنزي على وصله، كما ذكر الترمذي.
ثم ذكر من وصل الحديث من طريق حبان بن علي، ثم قال: ورجال الحديث كلهم ثقات رجال البخاري، غير حبان بن علي وهو ضعيف، لكنه لم يترك كما قال الذهبي٣.
فمثله يستشهد به٤.
_________________
(١) (الجوهر النقي ٩/١٥٦ مع السنن الكبرى للبيهقي) . (الجامع الصغير ٣/٤٧٤ مع فيض القدير) . (انظر: ميزان الاعتدال ١/٤٤٩) . ٤ الألباني: (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٧١٩ حديث (٩٨٦)، وصحيح الجامع الصغير ٣/١٢١- ١٢٢ حديث (٣٢٧٣) .
[ ١٦١ ]