كان الرسول ﷺ قد أمر - وهو لحنين - بالغنائم أن تجتمع وأن تحبس في الجعرانة حتى يعود من الطائف، ثم توجه ﷺ بمن معه من المسلمين إلى الطائف فضرب عليها الحصار كما مر ذلك مفصلًا١.
ثم قرر ﷺ العودة إلى الجعرانة فوصلها ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، وأقام بها ثلاث عشرة ليلة ينتظر هوازن لعلها أن تقدم مسلمة فيرد إليها سبيها وأموالها، ولما لم تقدم في هذه المدة٢، شرع ﷺ في توزيع الغنائم حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، فوضعها في موضعها اللائق بها، غير أن بعض أهل الزيغ والنفاق عباد الدينار والدرهم انتقد رسول الله ﷺ في صنيعه هذا ونسبه إلى الجور والظلم فخاطب رسول الله ﷺ بلهجة قاسية تنبئ عما انطوت عليه نفسه من الحقد والغل والبعد عن هدي الإسلام وتعاليمه السامية "يا محمد اعدل" فتألم رسول الله ﷺ من ذلك وغضب غضبا شديدا حتى طلب عمر بن الخطاب الإذن منه في قتل هذا المنافق الخبيث، ولكن رسول الله ﷺ منعه من ذلك وقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي". ذلك أن هذا القائل معدود في الصحابة وله شيعة وأتباع، فالحكمة تقتضي عدم قتله وأن يتركه وما تولى، وهذا ما دلت عليه الأحاديث الآتية:
أ- فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه وهذا سياق مسلم:
١٨٢- حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر، أخبرنا الليث٣ عن يحيى٤ بن سعيد عن أبي الزبير٥ عن جابر بن عبد الله قال:
_________________
(١) ١في مبحث (حصار الطائف) ص (٢٧٨) . ٢ انظر: مبحث (فك الحصار عن الطائف والعودة إلى الجعرانة)، ص (٣٢٨) . ٣ الليث: هو ابن سعد الفهمي. ٤ هو الأنصاري النجاري. ٥ أبو الزبير، هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي.
[ ٣٧٦ ]
أتى رجل١ رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد! اعدل٢.
قال: "ويلك٣! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت٤ وخسرت، إن لم أكن أعدل".
فقال عمر بن الخطاب ﵁: "دعني٥ يا رسول الله فأقتل هذا
_________________
(١) ١ وعند أحمد "رجل من بني تميم" وفي حديث أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو ابن العاص أنه ذو الخويصرة التميمي، انظر حديث (١٨٤) وتعليقة (٤) من ص ٣٨٤ وفتح الباري ٨/٦٩. ٢ وعند البخاري: "بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة الجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، قال: "لقد شقيت إن لم أعدل" وعند الحميدي: قال قال أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان رسول الله ﷺ يقسم غنائم حنين بالجعرانة والتبر في حجر بلال، فجاءه رجل فقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل، قال: "ويحك، فمن يعدل إذا لم أعدل". وعند ابن ماجة "كان رسول الله ﷺ بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم وهو في حجر بلال، فقال رجل: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل، فقال: "ويلك ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل"؟ وعند أحمد: قال أبو الزبير سمعت جابرًا يقول: بصر عيني وسمعت أذني رسول الله ﷺ بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبضها للناس يعطيهم، فقال رجل: اعدل. وعند الطبراني عن جابر، قال: "أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﷺ بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبضها للناس فيعطيهم، فقال له رجل: يا رسول الله! اعدل". ٣ ويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، والويل: حلول الشر وكلمة عذاب (هدي الساري لابن حجر ص ٢٠٧ والمعجم الوسيط ٢/١٠٦١) . ٤ عند البخاري وأحمد "لقد شقيت إن لم أعدل". قال النووي: قوله: "خبت وخسرت" روي بفتح التاء فيهما وضمهما ومعنى الضم ظاهر، وتقدير الفتح خبت أنت أيها التابع إذا كنت لا أعدل لكونك تابعا ومقتديا بمن لا يعدل، والفتح أشهر". وقال ابن حجر: في رواية البخاري "لقد شقيت": هو بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهر ولا محذور فيه والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء، بل هو عادل فلا يشقى، ثم قال: وحكى عياض فتحها ورجحه النووي، وحكاه الإسماعيلي عن رواية شيخه المنيعي من طريق عثمان بن عمر عن قرة والمعنى: "لقد شقيت أي ضللت أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن" (انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٠٦ وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٤٣) . ٥ وعند ابن ماجة: "دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق" وعند أحمد فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق الخبيث". وعنده أيضا فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم فأقتل هذا المنافق، قال: "معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمد يقتل أصحابه" وقد جاء في بعض طرق حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين أن خالد بن الوليد استأذن رسول الله ﷺ في قتله أيضا، قال ابن حجر: "ولا تنافي في ذلك لاحتمال أن يكون كل منهما سأل في ذلك، ثم رأيت عند مسلم من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع بسنده فيه: "فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، ثم أدبر فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال يا رسول الله أضرب عنقه؟ قال: لا.". فهذا نص في أن كليهما سأله.. ثم قال: وقد استشكل سؤال خالد في ذلك لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها والذهب المقسوم أرسله علي من اليمن كما في صدر حديث ابن أبي نعم عن أبي سعيد، ويجاب بأن عليًّا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة فأرسل علي الذهب فحضر خالد قسمته. وأما حديث عبد الله بن عمرو فإنه في قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين والسائل في قتله عمر بن الخطاب جزما، وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحد. فتح الباري ٨/٦٩ و١٢/٢٩١ و٢٩٣) . وانظر تخريج حديث أبي سعيد الخدري تحت (١٨٤) تعليقة (٤) ص ٣٨٤ وحديث عبد الله بن عمرو (١٨٤) .
[ ٣٧٧ ]
المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا١ وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم٢ يمرقون منه٣ كما يمرق السهم من الرمية" ٤.
حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى ابن سعيد يقول أخبره أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله.
_________________
(١) ١ عند ابن ماجة "إن هذا في أصحابي أو أصيحاب له". وعند الحميدي وابن الجارود: "فإن هذا مع أصحاب له أو في أصحاب له". ٢ وعند ابن ماجة وأحمد: "لا يجاوز تراقيهم". وعند أحمد أيضا "لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم". وعند الطبراني: "لا يجاوز حلوقهم - أو حناجرهم" والحناجر جمع حنجرة وهي الحلقوم وهو العظم الناتيء في وسط الحلق. والتراقي جمع ترقوة - بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو- وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين. والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وقيل لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده. وقيل: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلاّ مروره على ألسنتهم لا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم لأن المطلوب تعقله وتدبره ووقوعه في القلب. (النهاية لابن الأثير ١/١٨٧، و٤٤٩، وشرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٠٧ وفتح الباري ١٢/٢٩٣ وهدي الساري ص ٩٢ و١٠٨، كلاهما لابن حجر) . ٣ وعند ابن ماجة وأحمد والحميدي وابن الجارود: "يمرقون من الدين" وعند أحمد أيضا والطبراني "يمرقون من الدين مرور السهم من الرمية". وعند احمد أيضا "يمرقون من الدين كما يمرق المرماة من الرمية". وفي حديث أبي سعيد الخدري "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". قال القاضي عياض: "معناه يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيئ منهم". (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٧) . ٤ الرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية، أي الشيء الذي يرمى به ويطلق على الطريدة من الوحش إذا رماها الرامي، وهي فعيلة بمعنى مفعولة (فتح الباري ٦/٦١٨ و١٢/٢٨٨ و٢٨٩ وهدي الساري ص: ١٢٥ وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٧ والنهاية لابن الأثير ٢/٢٦٨-٢٦٩) .
[ ٣٧٨ ]
ح- وحدثنا أبو بكر١ عن أبي شيبة حدثنا زيد٢ بن الحباب، حدثنا قرة٣ بن خالد حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان يقسم غنائم، وساق الحديث٤.
والحديث رواه أحمد والطبراني والبيهقي الجميع من طريق يحيى بن السعيد عن أبي الزبير به٥.
ورواه ابن ماجة والحميدي وابن الجارود كلهم من طريق سفيان ابن عيينة عن أبي الزبير به٦.
ورواه أيضا أحمد من طريق معان٧ ابن رفاعة حدثنا أبو الزبير به٨.
فقد روى هذا الحديث عن أبي الزبير يحيى بن سعيد الانصاري وعيينة ومعان بن رفاعة وقرة بن خالد كما هو عند مسلم٩ من طريق زيد بن الحباب عن قرة بن خالد عن أبي الزبير١٠.
ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم وأحمد عن أبي عامر١١ والعقدي كلاهما عن قرة بن خالد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن محمد. ٢ زيد بن الحباب - بضم المهملة وموحدتين -. ٣ قرة بن خالد - بضم القاف وتشديد الراء ثم هاء- السدوسي. ٤ مسلم: الصحيح ٢/٧٤٠ كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم. ٥ أحمد المسند ٣/٣٥٣ والطبراني ٢/٢٠٠-٢٠١ والبيهقي دلائل النبوة ٣/٥٣أ. ٦ ابن ماجة: السنن١/٦١ في المقدمة باب في ذكر الخوارج والحميدي المسند٢/٥٣٤ وابن الجارود: المنتقى ص ٣٦٣. ٧ معان - بضم أوله وتخفيف المهملة أخره نون - ابن رفاعة السلامي بتخفيف اللام الشامي - لين الحديث، كثير الإرسال، من السابعة/ ق (التقريب ٢/٢٥٨ وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٩ و١٠/٢٠١ وميزان اعتدال ٤/١٣٤. والخلاصة للخزرجي ٣/٨٢-٨٣ ووقع في المسند (معاذ) بالذال المعجمة وهو خطأ.) ٨ المسند ٣/٣٥٤-٣٥٥ ٩ الحديث عند مسلم من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري ومن طريق قرة بن خالد كلاهما عن أبي الزبير. ١٠ تقدم في حديث ١٨٢ ١١ هو عبد الملك بن عمرو القيسي، أبو عامر العقدي - بفتح المهملة والقاف- ثقة من التاسعة (ت ٢٠٤أو ٢٠٥) / ع التقريب ١/٥٢١ وتهذيب التهذيب ٦/٤٠٩ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٣٤٧ والخلاصة للخزرجي ٢/١٧٨ وقد سقطت من تهذيب التهذيب علامة من أخرج له) .
[ ٣٧٩ ]
فقرة في هذا السند يروي عن عمرو بن دينار بدل أبي الزبير.
وهذا سياق الحديث عند البخاري:
قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، فقال له: "شقيت إن لم أعدل" ١.
ب- وفي حديث عبد الله بن مسعود عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
١٨٣- قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير٢ عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله - ﵁ - قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناسا٣ في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: "والله إن هذه القسمة ما عدل فيها٤ وما أريد بها وجه الله فقلت والله لأخبرن النبي ﷺ فأتيته فأخبرته٥، فقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ "
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ٤/٧٢ كتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين إلخ. وأحمد: المسند ٣/٣٣٢. قال ابن حجر: "وقد خالف زيد بن الحباب مسلم بن إبراهيم فيه فقال: "عن قرة عن أبي الزبير" "بدل" عمرو بن دينار أخرجه مسلم، وسياقه أتم، ورواية البخاري أرجح فقد وافق شيخه على ذلك عن قرة عثمان بن عمر - هو ابن فارس - عند الإسماعيلي، والنضر بن شميل عند أبي نعيم، فاتفاق هؤلاء الحفاظ الثلاثة أرجح من انفراد زيد بن الحباب على ما في رواية هؤلاء كلهم عن قرة عن عمرو (فتح الباري ٦/٢٤٢-٢٤٣) . قلت: وكون الحديث عند قرة عن شيخين هو الظاهر بمعنى أن قرة روى الحديث عن أبي الزبير وعن "عمرو بن دينار" ويكون قد وافقه في روايته عن "أبي الزبير" ابن عيينة ويحيى بن سعيد ومعان بن رفاعة ووافقه في روايته عن (عمرو بن دينار) عثمان بن عمر والنضر بن شميل وأبو عامر العقدي. ٢ جرير: هو ابن عبد الحميد بن قرط. ومنصور: هو ابن معتمر. وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي. ٣ عند مسلم "ناسا". ٤ وعند مسلم "إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله". ٥ عند مسلم "فأتيته فأخبرته بما قال، قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: "فمن يعدل" الخ.
[ ٣٨٠ ]
رحم١ الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
وأخرجاه من طريق حفص بن غياث حدثنا الأعمش٢ قال: سمعت شقيقا يقول: قال عبد الله: "قسم النبي ﷺ قسمة - كبعض ما كان يقسم - فقال رجل من الأنصار ٣: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، قلت: أما٤ لأقولن للنبي ﷺ فأتيته - وهو في بعض أصحابه - فساررته٥ فشق ذلك على النبي ﷺ وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: "قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر" ٦.
_________________
(١) ١ عند مسلم "ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" قال: قلت: "لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا". ٢ الأعمش هو سليمان بن مهران. ٣ قوله: "فقال رجل من الأنصار" قال ابن حجر: "وفي رواية الواقدي: أنه معتب بن قثير من بني عمرو بن عوف وكان من المنافقين، وفيه تعقب على مغلطاي حيث قال: لم أر أحدًا قال إنه من الأنصار إلاّ ما وقع هنا، وجزم بأنه حرقوص بن زهير السعدي، وتبعه ابن الملقن وأخطأ في ذلك فإن قصة حرقوص غير هذه كما سيأتي قريبا من حديث أبي سعيد الخدري" اهـ. (فتح الباري ٨/٥٦ و٦٩ و١٠/٥١٢ و١١/١٣٨ و١٢/٢٩٢، وانظر: مغازي الواقدي ٣/٩٤٩ والروض الانف ٧/٢٨٩ وانظر الحديث رقم (٢٠٦) وقد ذكر ابن حجر معتب بن قشير في الإصابة ٣/٤٤٣ فقال قيل إنه كان منافقا، وقيل إنه تاب، وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا.) . ٤ قوله (أما لأقولن) قال ابن حجر: "قال ابن التين: هي بتخفيف الميم ووقع في رواية (أما) بتشديدها، وليس ببين ثم قال ابن حجر قلت: "وقع للكشميهني "أم" بغير ألف وهو يؤيد التخفيف ويوجه التشديد على أن في الكلام حذفا تقديره أما إذا قلت: ذلك لأقولن" (فتح الباري ١٠/٥١٢) . ٥ عند مسلم "فأتيت النبي ﷺ فساررته فغضب من ذلك غضبا شديدا واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له". ٦ البخاري: الصحيح ٤/٧٥ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس الخ. و٥/١٣١ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، و٨/٢٢ كتاب الأدب باب الصبر على الأذى، والأدب المفرد ص ١٤١ واللفظ له. ومسلم: الصحيح ٢/٧٣٩ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه. قال ابن حجر: "وفي الحديث جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم مما لا يليق بهم ليحذورا القائل، وفيه بيان ما يباح من الغيبة والنميمة لأن صورتها موجودة في صنيع ابن مسعود هذا، ولم ينكره النبي ﷺ وذلك أن قصد ابن مسعود كان نصح النبي ﷺ وإعلامه بمن يطعن فيه ممن يظهر الإسلام ويبطن النفاق ليحذر منه، وهذا جائز كما يجوز التجسس على الكفار ليؤمن من كيدهم، وقد ارتكب الرجل المذكور بما قال إثما عظيما فلم يكن له حرمة. وفيه أن أهل الفضل قد يغيظهم ما يقال فيهم مما ليس فيهم، ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصبر والحلم كما صنع النبي ﷺ اقتداء بموسى - ﵇ -. وأشار بقوله ﷺ: "قد أوذي أوذي أخي موسى بأكثر من ذلك فصبر" إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ . قد حكي في صفة أذاهم له ثلاث قصص: إحداها: قولهم هو آدر وذلك أن اليهود كانوا يغتسلون عراة يرى أحد بعضهم عورة بعض وكان موسى - ﵇ - حييا لا يحب أن يرى أحد عورته فاتهموه لأنه آدر. الثانية: إتهامهم له بقتل هارون وذلك أنه توجه معه إلى زيارة فمات هارون فدفنه موسى، فطعن فيه بعض بني إسرائيل وقالوا: أنت قتلته. الثالثة: إتهامهم له بانه زنى بامرأة وذلك بتواطئ قارون مع بني إسرائيل، حتى يقام عليه الحد فيرجم حتى يموت فيستريحوا منه، وقد برأه الله مما قالوا فيه من زور وبهتان". (انظر فتح الباري ٦/٤٣٨ز٤٤٨ و٨/٥٦ و١٠/٤٧٦و٥١٢) .
[ ٣٨١ ]
والحديث رواه البخاري أيضا من طريق سفيان الثوري، ومن طريق أبي حمزة السكري محمد بن ميمون، ومن طريق شعبة بن الحجاج الجميع عن الأعمش به١.
ورواه أحمد عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم عن الأعمش به. ومن طريق شعبة عن الأعمش به٢.
كما رواه أيضا من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي وائل، ولفظه يخالف ما تقدم بعض المخالفة وهذا سياقه: حدثنا يونس، حدّثنا حماد - يعني ابن زيد عن عاصم٣ عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: لما قسم رسول الله غنائم حنين بالجعرانة، ازدحموا عليه، فقال رسول الله ﷺ: "إن عبدا من عباد الله بعثه الله إلى قومه فضربوه وشجوه٤، قال: فجعل يمسح الدم عن جبهته ويقول: رب اغفر لقومي إنهم لا يعلمون" قال عبد الله كأني انظر إلى رسول الله ﷺ يمسح الدم عن جبهته يحكي الرجل ويقول: "رب اعفر لقومي إنهم لا يعلمون".
حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة قال أنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: تكلم رجل من الأنصار كلمة فيها موجدة على النبي ﷺ فلم تقرني نفسي أن أخبرت بها النبي ﷺ، فلوددت أني افتديت منها بكل أهل ومال، فقال: "قد آذوا
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ٤/١٢٥ كتاب أحاديث الأنبياء. و٥/١٣١كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، و٨/١٦ كتاب الأدب، باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه، و٨/٥٤-٥٥ كتاب الاستذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة، و٨/٦٢ كتاب الدعوات، باب قوله الله تعالى (وصل عليهم) . ٢ أحمد المسند: ١/٣٨٠ و٤١١ و٤٤١، ورواه أيضا أبو يعلى في مسنده ٥/٤٧٠-٤٧١ ب - أو٥/٤٧٩ أرقم ٣٠٥، والبيهقي دلائل النبوة ٣/٥٢ ب. ٣ عاصم بن بهدلة بن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام حجة في القراءة وقال الذهبي هو حسن الحديث وقد تقدم في حديث١١٩. ٤ الشج مختص من الجراح بالرأس والوجه (هدي الساري ص ١٣٧) .
[ ٣٨٢ ]
موسى - ﵊ - أكثر من ذلك فصبر، ثم أخبر أن نبيا كذبه قومه وشجوه حين جاءهم بأمر الله، فقال وهو يمسح الدم عن وجهه "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ١.
ج- ما أخرجه ابن إسحاق من حديث عبد الله بن عمرو وهذا سياقه:
١٨٤- قال: حدثني أبو عبيدة ٢ بن محمد بن عمار بن يسار عن مقسم٣ أبي
_________________
(١) ١ مسند أحمد ١/٤٥٣ و٤٥٦ وفي الصحيحين من طريق الأعمش حدثني شقيق قال: قال عبد الله: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" لفظ البخاري. (صحيح البخاري ٩/١٤ كتاب استتابة المرتدين) باب (٥) . وصحيح مسلم ٣/١٤١٧ كتاب الجهاد والسير باب غزوة أحد. قال النووي: "قوله (يحكى نبيا من الأنبياء الخ) فيه ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم، ودعائهم لهم بالهداية والغفران وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين، وقد جرى لنبينا ﷺ مثل هذا في أحد" (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٣٤) وأشار ابن حجر إلى ما حصل لرسول الله ﷺ في غزوة أحد، ثم قال: وعند أحمد من رواية عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه ﷺ قال نحو ذلك يوم حنين لما ازدحموا عليه عند قسمة الغنائم". (فتح الباري ١٢/٢٨٢)، وعلى هذا فتكون هذه الحكاية حصلت في غزوة أحد، وفي غزوة حنين. ٢ كذا في الحديث: (أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر) والحديث عند أحمد في المسند ٢/٢١٩ من طريق ابن إسحاق وفي نهاية الحديث قال عبد الله بن أحمد: أبو عبيدة اسمه محمد وهو ثقة، وأخوه سلمة بن محمد ابن عمار لم يرو عنه الأعلى بن زيد، ولا يعلم خبره. ومقسم ليس به بأس ولهذا الحديث طرق في هذا المعنى وطرق أخر في هذا المعنى صحاح قلت: وقد وثق أبا عبيدة ابن معين وقال أبو حاتم: منكر الحديث وعقب الذهبي عليه بقوله: قلت: صدوق إن شاء الله، وختم ترجمته بقوله: وثقه غير واحد. (ميزان الاعتدال ٤/٥٤٩) . أما ابن حجر فقال عنه في التقريب٢/٤٤٨: أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، أخو سلمة، وقيل هما واحد "مقبول" من الرابعة / ع (انظر تهذيب التهذيب ١٢/١٦٠-١٦١) . وعلى كل فإن أبا عبيدة يكون من رجال الحسن على أقل تقدير وقد حسن هذا الحديث ابن حجر نفسه في فتح الباري ١٢/٢٩١. ٣ مقسم قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/٢٧٣: صدوق وكان يرسل وفي التهذيب التهذيب ١٠/٢٨٨-٢٨٩. وثقه أحمد بن صالح المصري والعجلي ويعقوب بن سفيان والدارقطني. وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وضعفه ابن سعد والساجي وابن حزم. ورمز له الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/١٧٦ (بصح) إشارة إلى توثيقه، ثم قال: والعجب من أن البخاري أخرج له في صحيحه، وذكره في كتاب الضعفاء فساق له حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "احتجم النبي ﷺ وهو صائم" ثم روى عن شعبة أن الحكم لم يسمع من مقسم حديث الحجامة. وانظر: التاريخ للبخاري ص: ١٣٣-١٣٤ وقد تقدمت ترجمة مقسم في حديثها (٧٥) .
[ ٣٨٣ ]
القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتليد١ بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو يطوف بالبيت معلقا نعله٢ بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله حين كلمه التميمي٣ يوم حنين؟
قال: "نعم جاء رجل من بني تميم، يقال له ذو الخويصرة٤، فوقف عليه وهو
_________________
(١) ١ تليد بن كلاب الليثي، ذكره ابن حجر في الإصابة ١/١٨٨-١٨٩ في القسم الرابع فيمن ذكر في الصحابة على سبيل التصحيف والغلط، وقال: استدركه الذهبي في التجريد، فقال حديثه في مسند أحمد في قول ذي الخويصرة "اعدل". رواه ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن مقسم عن رجل عنه، ثم عقب ابن حجر على قول الذهبي هذا بقوله قلت: والحديث المذكور وقع في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص من مسند أحمد، وليس لتليد بن كلاب فيه رواية، بل له فيه مجرد ذكر. ثم ساق حديث الباب عن أحمد من طريق ابن إسحاق، ثم قال: وكذا أخرجه الطبراني في المعجم الكبير في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص وقد تبين أن مقسما أخذ هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص مشافهة، وليس في السياق ما يقتضي أن يكون لتليد بن كلاب صحبة ولا له فيه رواية. ٢ عند أحمد والطبري "معلقا نعليه". ٣ عند أحمد (حين يكلمه) . ٤ جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي طالب بعث من اليمن بذهبية فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: بين عيينة والأقرع بن حابس وزيد الخيل، وعلقمة بن علاثة. فقال ذو الخويصرة رجل من بني تميم، يا رسول الله اعدل، قال: "ويلك من يعدل إذا لم أعدل" فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه "قال: "لا، إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" الحديث. قال ابن حجر: "تنبيه: هذه غير القصة المتقدمة في غزوة حنين وقد وهم من خلطها بها". ثم قال: "ولمسلم من حديث جابر بن عبد الله نحو حديث أبي سعيد وفيه فقال: عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، يمرقون منه، لكن القصة التي في حديث جابر صرح في حديثه بأنها كانت منصرف النبي ﷺ من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان، وكان الذي قسمه النبي ﷺ حينئذ فضة كانت في ثوب بلال، وكان يعطي كل ما جاء منها". والقصة التي في حديث أبي سعيد صرح في رواية ابن أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث عليّ إلى اليمن، وكان ذلك في سنة تسع، وكان المقسوم فيها ذهبا وخص به أربع أنفس، فهما قصتان في وقتين اتفق في كل منهما إنكار القائل، وصرح في حديث أبي سعيد أنه ذو الخويصرة التميمي ولم يسم القائل في حديث جابر ووهم من سماه ذا الخويصرة ظانا إتحاد القصتين. ووجدت لحديث جابر شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه أتاه رجل يوم حنين وهو يقسم شيئا، فقال: يا محمد اعدل، ولم يسم الرجل أيضا. وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأخرجه أحمد والطبري أيضا ولفظه: أتي ذو الخويصرة التميمي رسول الله ﷺ وهو يقسم الغنائم بحنين فقال: يا محمد اعدل، فذكر نحو هذا الحديث المذكور، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين عند قسمة الغنائم حنين وعند قسمة الذهب الذي بعثه علي فظهر أن المعترض في الموضعين واحد إهـ. (فتح الباري ٨/٦٨ و١٢/٢٩١ و٢٩٣ بتصرف، وحديث أبي سعيد في البخاري ٤/١٠٩ و١٥٩-١٦٠ و٥/١٣٤ و٦/٥٦ و١٦٢ و٨/٣٢ و١٥ و١٠٢ و١٣٠، ومسلم: الصحيح ٢/٧٤١-٧٤٦، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج. والروايات الواردة في هذا الباب جاء فيها بأن القائل لرسول الله ﷺ "لعدل" أنه رجل، وفي بعضها رجل من بني تميم وفي بعضها ذو الخويصرة التميمي، وفي بعضها ابن ذي الخويصرة التميمي وفي بعضها عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، وقد اتفقت جميعها بأنه تميمي، وجاء عن الثعلبي ومن طريقه أخرجه الواحدي في أسباب النُّزول، فقال: ابن ذي الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج. وكذا جاء عند أبي يعلى من طريق أفلح بن عبد الله بن المغيرة. قال ابن حجر: "وما أدري من الذي قال هو حرقوص، وقد اعتمد على ذلك ابن الأثير، فترجم لذي الخويصرة في الصحابة، ثم ذكر رواية الثعلبي وقال في نهايتها: فقد جعل في هذه الرواية اسم ذي الخويصرة حرقوها". والله أعلم قال ابن حجر: "وقد زعم بعضهم بأنه ذو الثدية وليس كذلك، وأكثر ما جاء ذكر هذا القائل في الأحاديث مبهما، ووصف بأنه مشرف الوجنتين غائر العينين ناشز الجبهة محلوق الرأس. الخ اهـ. والخلاصة: أن تسمية القائل حرقوصا، جاء في رواية الثعلبي وقد قال ابن تيمية: الثعلبي: في نفسه خير ودين ولكنه حاطب ليل وقال ابن كثير: يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير". وأما رواية أبي يعلى فإن فيها أبا معشر السندي، وهو ضعيف وأيضا فإن أفلح بن عبد الله قد روى هذا الحديث عن الزهري، فقال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن أبي سعيد الخدري، بينما رواه عن الزهري معمر وشعيب فقالا: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري، ورواه الأوزاعي عن الزهري فقال فيه عن أبي سلمة الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدري، ولذا فقد قال ابن حجر: وقد شذ أفلح بن عبد الله بن المغيرة عن الزهري، فروى هذا الحديث عنه فقال عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن أبي سعيد الخدري، أخرجه أبو يعلى. (انظر فتح الباري١٢/٢٩٢بتصرف، وأسد الغابة٢/١٧٢والبداية النهاية لابن كثير ١٢/٤٠ والتبيان في علوم القرآن للصابوني ص:٢١١ وأسباب النزول للواحدي ص:١٦٧ ومسند أبي يعلى١/١١٩ و٢/١٢٠ رقم ٣٠١ ومجمع الزوائد٦/٢٣٤.
[ ٣٨٤ ]
يعطي الناس، فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ: "أجل١ كيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: "فغضب النبي ﷺ، ثم قال: "ويحك! ٢ إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون! " فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ألا أقتله؟ فقال: "لا دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون٣ في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل٤، فلا يوجد شيء، ثم في القدح٥،
_________________
(١) ١ أجل: بفتحتين: حرف جواب بمعنى "نعم". ٢ ويحك: كلمة زجر لمن أشرف على هلكة. ٣ يتعمقون في الدين: التعمق: التنطع والتعمق البعيد الغور الغالي في القصد المتشدد في الأمر الذي يطلب أقصى غايته. ٤ النصل: حديدة السهم والرمح. ٥ القدح: بالكسر السهم قبل أم يراش وينصل جمعه قداح وأقاديح.
[ ٣٨٥ ]
فلا يوجد شيء ثم في الفوق١، فلا يوجد شيء، سبق الفرث٢ والدم" ٣.
والحديث رواه أحمد والطبري والبيهقي الجميع من طريق ابن إسحاق به٤.
وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه أحمد والطبراني باختصار ورجال أحمد ثقات"٥.
وقال ابن حجر: "بسند حسن"٦.
ثم قال ابن إسحاق: "وحدثني محمد٧ بن علي بن الحسين أبو جعفر بمثل حديث أبي عبيد وسماه ذا الخويصرة".
وحدثني عبد الله٨ بن أبي نجيح عن أبيه٩ بمثل ذلك١٠.
ومما مضى من الأحاديث يتبين لنا جفاء من صدر منه هذا القول السيء وخبث طويته حيث خاطب نبيه ﷺ ذلك الخطاب اللاذع المملوء بالحقد والغلظة والشراسة، كما يتضح لنا جليا حلم رسول الله ﷺ وتحمله لملاقاة هذا القول وغيره إقتداء بسلفه
_________________
(١) ١ الفوق: طرف السهم الذي يباشر الوتر. ٢ الفرث: ما يوجد في الكرش (النهاية ١/٢٦ و٣/٢٩٩ و٤٨٠ و٤/٢٠ و٥/٦٧ والقاموس المحيط ١/١٧١ و٢٤١ و٢٥٦ و٣/٢٦٨ و٢٧٨، و٣٢٧ و٤/٥٧ وهدي الساري ص ٧٥ و١٦٠ و١٦٦ و١٧٠ و١٩٥ و٢٠٧. قال ابن حجر: "في معنى الحديث: أي يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمى شيء فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شيء من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه والفرض أنه أصابه، وإلى ذلك أشار بقوله "سبق الفرث والدم" أي: جاوزهما ولم يتعلق فيه منهما شيء، بل خرجا بعده" (فتح الباري ٦/٦١٨ و١٢/٢٩٤) . ٣ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٦ والروض الأنف ٧/٢٥١ والبداية والنهاية ٤/٣٦٢. ٤ أحمد: المسند ٢/٢١٩ والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٩٢. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٥٣ أ. ٥ مجمع الزوائد ٦/٢٢٧-٢٢٨. ٦ فتح الباري ١٢/٢٩١. ٧ هو الباقر ثقة فاضل تقدم في حديث (١٩) . ٨ عبد الله بن أبي نجيح، يسار المكي، أبو يسار الثقفي مولاهم ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة (ت ١٣١تو بعدها) / ع (التقريب ١/٤٥٦ وتهذيب التهذيب ٦/٥٤) . ٩ هو يسار المكي، أبو نجيح مولى ثقيف، مشهور بكنيته، ثقة من الثالثة وهو والد عبد الله بن أبي نجيح (ت١٠٩) / م د ت س (التقريب ٢/٢٧٤ وتهذيب التهذيب ١١/٣٧٧) . ١٠ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٧ والروض الأنف ٧/٢٥١ وتاريخ الرسل الملوك ٣/٩٢.
[ ٣٨٦ ]
الصالح من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولذا قال ﷺ: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" إن صفة الصبر والحلم من أبرز الصفات التي يجب أن تتوافر في المسلم اقتداء بالنبي ﷺ ذلك أن طريق الدعوة إلى الإسلام محفوف بالمكاره والمصاعب، فالإيذاء والبطش والاتهام والتعيير والسخرية، كلها من العقبات التي تزدحم في وجه العاملين الدائبين في الدعوة إلى الله ﷿، كي تثبط هممهم وتشل حركتهم وتصرفهم عن الدعوة إلى الله.
ومن هنا فإن مهمة الداعية أن يتحمل ما يقال له من لذعات وسخرية وأن يقابل ذلك بالصبر والحلم، ولهذا كانت التوجيهات القرآنية والنبوية تفيض بالحث على التحلى بالصبر والحلم والأناة، وفي هذه الحادثة بالذات نرى كيف قابل رسول الله ﷺ ذلك القول السيّئ "يا محمد اعدل لم أرك عدلت" كان مقتضى ذلك قتله ولكن رسول ﷺ لم يفعل ذلك، واكتفى بقوله: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل".
ثم قال: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
ولقد قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ: يا رسول الله ائذن لي في قتل هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي".
ذلك أن هذا القائل معدود في الصحابة، فلو أمر بقتله لقال الذي لا يعرف حقيقة الأمر إن محمدا يقتل أصحابه فكان في ذلك تنفير الناس عن الدخول في الإسلام، وتشويه سمعته، ولعل هذا وجه الحكمة في عدم معاقبة هذا القائل مع تصريحه بما يوجب قتله وإخبار رسول الله ﷺ بأن له أصحابا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
وقد بوب البخاري بقوله: "باب من ترك قتال الخوارج للتآلف ولئلا ينفر الناس عنه" ثم ساق حديث أبي سعيد الخدري١.
قال ابن حجر: "في أثناء شرحه للحديث، قوله: "فإن له أصحابا" "هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا" بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي ﷺ بما واجهه.
_________________
(١) ١ الصحيح ٩/١٥ كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم.
[ ٣٨٧ ]
فيحتمل أن يكون لمصلحة التألف كما فهمه البخاري، لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام، فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الإسلام١.اهـ.
وقال المارزي: "وجه الحكمة في ترك قتل هذا القائل: يحتمل أن يكون لم يفهم منه الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، والمعاصي ضربان: كبائر وصغائر، فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع، واختلفوا في الصغائر، ومن جوزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقيص، وحينئذ فلعله ﷺ لم يعقب هذا القائل: لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم"٢.
وقد رد هذا القاضي عياض بقوله:
"هذا التأول باطل يدفعه قوله "اعدل يا محمد" "واتق الله يا محمد" وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ حتى استأذن عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد النبي ﷺ في قتله، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" فهذه هي العلة، وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسمع منهم في غير موطن ما كرهه، لكنه صبر استبقاء لانقيادهم وتأليفًا لغيرهم، لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا، وقد رأى الناس هذا الصنف في جماعتهم وعدوه من جملتهم"٣اهـ.
والخلاف طويل في تكفير الخوارج وقتالهم، وليس هذا محله وقد ذكرنا ما يتطلبه المقام.
وأورد ابن تيمية اعتراض هذا المعترض على قسم رسول الله ﷺ واستئذان عمر بن الخطاب في قتله، وجواب الرسول ﷺ له بقوله: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي".
_________________
(١) ١ فتح الباري ١٢/٢٩٣. ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٦. ٣ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٦.
[ ٣٨٨ ]
ثم قال: "فإن النبي ﷺ لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولم يمنعه لكونه في نفسه معصومًا كما قال في حديث حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب لأهل مكة: يخبرهم بغزو الرسول ﷺ لهم، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه شهد بدرا وما يدرك لعل الله اطلع على أهل بدر" فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
فبيّن ﷺ أنه باق على إيمانه، وأنه صدر منه ما يغفر له الذنوب فعلم أن دمه معصوم، وهنا علل بمفسدة زالت فعلم أن قتل مثل هذا القائل في غزوة حنين إذا أمنت هذه المفسدة جائز.
ثم قال: "ومما يشبه هذا أن عبد الله بن أبي لما قال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" استأمر عمر في قتله فقال: "إذن ترعد له أنوف كثيرة بالمدينة" وقال: "لا يتحدث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه".
فعلم أن من آذى النبي ﷺ بمثل هذا الكلام جاز قتله كذلك مع القدرة، وإنما ترك النبي ﷺ قتله لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفًا١.
_________________
(١) ١ ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ١٧٨-١٧٩ بتصرف، وانظر: قصة حاطب وعبد الله بن أبي غزوة بني المصطلق ص ١٧٢ و١٨٤ و١٨٧ و١٨٩، وحاشية ص ٢١١ تعليقة (٦) من غزوة بني المصطلق أيضًا.
[ ٣٨٩ ]